القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

رواية جبر السلسبيل الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر جميع الفصول كامله بقلم نسمه مالك

 رواية جبر  السلسبيل الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر جميع الفصول كامله بقلم نسمه مالك 

❤️💙❤️💙❤️💙❤️💙❤️💙❤️💙

الصفحه الرئيسيه للروايات الكامله اضغطوا هنا  

❤️💙❤️💙❤️💙❤️💙❤️


رواية جبر  السلسبيل البارت  السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر جميع الفصول كامله بقلم نسمه مالك 


رواية جبر  السلسبيل الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر جميع الفصول كامله بقلم نسمه مالك 


الفصل السادس..

جبر السلسبيل2..

✍️نسمة مالك✍️..


.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..


كانت "سلسبيل" في حيرة شديدة من أمرها، لا تعلم من أين تبدأ الحديث، كل ما فكرت فيه و جهزته لتخبره به تبخر من عقلها فور رؤيته مقبلًا عليها بلهفة هكذا.. 


قطع "عبد الجبار" المسافة بينه و بينها بخطوتان لا ثالث لهما، و بلمح البصر وجدت نفسها مرفوعة بين ذراعيه بمنتهي الخفة كأنها لا تزن شيئًا ،جلس هو مكانها على الفراش و إحتوي جسدها الصغير بأكملها داخل حضنه.. 

"كيفك دلوجيت؟!".. 

همس بها داخل أذنها بصوته المزلزل الذي يبعثر كيانها كله دفعة واحدة ، انكمشت على نفسها بين يديه، أراحت رأسها على موضع قلبه النابض بعشقها وحدها، تنهدت براحة و هي تقول بخفوت.. 

"أنا الحمد لله بقيت كويسة..أطمن".. 


مسد على طول ظهرها بكف يده الضخمة يضمها له بقوة مرددًا بتساؤل .. 

" هتعاوي معاي على الدار.. مش أكده يا سلسبيل؟".. 


أطبقت جفنيها بعنف تكبح عبراتها التي تجمعت بعينيها، أخذت نفس عميق قبل أن ترفع وجهها ببطء و من ثم عينيها الحزينة، و تطلعت له بابتسامتها التي تُذيب قلبه المُتيم بها، تأملت ملامح وجهه الجذاب رغم صلبته و صرامته، و تحدثت بأسف قائلة.. 

" مش هينفع.. مش هينفع أرجع معاك و لا حتى أرجع على ذمتك تاني يا عبد الجبار".. 


رأت عيناه تتسعان بغضب، و تبرز حولها الشعريات الدموية بخطورة..مع ذلك تحدثت بتأنٍ بالغ دون أن يخيفها الوضع أو تحذيره..

"جوازي منك كان بالنسبة ليا طوق النجاة اللي هينقذني من جبروت أبويا اللي مش عارفة أيه سبب قسوته عليا بالشكل ده لحد دلوقتي .. و جوازك أنت مني كان غلطة و لازم تصلحها و ترجع لمراتك اللي هتجنن من غيرتها عليك و لبناتك و تنساني خالص من حياتك".. 


صمتت لبرهةً تحاول السيطرة على حشرجة صوتها الذي اختنق بالبكاء بسبب نظراته العاشقة لها ، و تابعت بألم نجحت في إخفاءه.. 

" ليها حق أبلة خضرا في غيرتها المجنونة عليك..و في تهديدها ليه لو مبعدتش عنك".. 


عقد حاجبيه بدهشه مغمغمًا.. 

" تهديد أيه اللي بتتحدي عنه!!! ".. 


انسحبت الدماء من وجهها، و بدي الرعب و الفزع ظاهر على قسماتها و هي تجيبه بصوتٍ مرتجف.. 

"أبلة خضرا بتهددني بيك.. غيرتها عليك عمتها و قست قلبها و بتهددني أنها هتقتلك لو فضلت على ذمتك..و لما قولتلها إنك مش هطلقني بسهولة قالتلي أرفع خلع.. و خلتني عملت لجدي توكيل و طلبت منه يرفع لي قضية خلع عليك.. عشان خوفت منها.. خوفت تنفذ تهديدها و تعمل فيك حاجة يا عبد الجبار ".. 


أطبق السكون حولهما فور إنتهاء حديثها، بقي" عبد الجبار " يتطلع لها بصمت أثار بقلبها الريبة، كانت ملامحه المتلهفة تحولت لأخرى جامدة، شعرت بجسده يتخشب من حولها، حبست أنفاسها حين وجدته يبعدها عن حضنه، وضعها ثانيةً على الفراش، و انتصب واقفًا مبتعدًا عنها، حينها شعرت ببرودة لفحتها بفعل نهوضه و مفارقته إياها فجأة هكذا.. 


"اممم.. يعني أم فاطمة قالتلك إنها هتقتلني لو فضلتي على ذمتي!!!".. تمتم بإيجاز تغلفه قساوة غريبة، حركت "سلسبيل" رأسها له بالايجاب، و قد زحف القلق لقلبها من نظرات العتاب الذي يرمقها بها.. 

"حديتك ده يخليني أقل حاچة أعملها إني أرمي اليمين على أم بناتي اللي قوتك على عملتك السودة برفع قضية خلع على رچلك اللي بيتمني لك الرضا و شايلك چوه جلبه قبل عينيه!!".. 

قالها باقتضاب لا يخلو من الجمود، و مال عليها بجزعه مستند بكفيه على الفراش من حولها، و تابع بألم حاد.. 

" وأنتي نايمة في حضني يچيني تليفون يبلغني بالقضية اللي رايده ترفعيها عليا خليتي عقلي يچن مني و أرمي عليكي اليمين من حرقة جلبي.. كنت فاكر إني بكده هطفي النار اللي چوايا من نحيتك .. بس النار دي زادت ببعدك عني و مقدرتش يا سلسبيل و رديتك على ذمتي في وقتها"..


بكت "سلسبيل " و هي تقول بندم.. "أنا آسفة على اللي عملته.. أنا غلطت في حقك وأنت متستهلش مني كده.. بس والله أنا عملت كده من خوفي عليك يا عبد الجبار ".. 


أخذ نفس عميق و زفره على مهلٍ مردفًا بنفاذ صبر.. 

" بكفياكِ بكى عاد.. و خلينا ننسى كل اللي حُصل و هاخدك من أهنه على بيت چديد هيبجي ليكِ لوحدك و ملكيش صالح بحديت خضرا واصل"..


من أجلها تنازل عن كبرياءه و كرمته لأول مرة بعمره، حتى لا يخسرها هي، لا يريد سوي أن تظل زوجته حتى لو كان ما تقوله عن تهديد "خضرا" حقيقة و كلفه الأمر حياته، 

كانت تتمنى أن توافقه على حديثه هذا، لكن خوفها عليه كان أكبر من احتياجها له، خاصةً بعد علمها بأنها ربما تكون حاملة في احشائها منه طفلهم الأول، تمكن منها الذعر أكثر و هي تتخيل رد فعل ضرتها على خبر حملها، بالتأكيد ستقتلها هي و جنينها في الحال.. 


وجدت نفسها تحرك رأسها بالنفي مرددة ببكاء.. 

"لا.. لا.. أنا و هي مش هينفع نبقي على ذمتك..يا أنا يا هي يا عبد الجبار.. لكن إحنا الاتنين مع بعض مش هينفع.. لازم تختار بنا".. 

ما تفوهت به الآن هي على دراية كاملة ما سيكون إختياره، تعلم أنها وضعت نفسها في مقارنة خاسرة، بالرغم من عشقه لها، لكن ابنتيه يفضلهما دائمًا عن نفسه، و هي على يقين أنه لا و لن يفرط بهما مهما فعلت أمهما.. 


" بتلوي دراعي يا سلسبيل!!! ".. نطق بها مذهولاً من حديثها الذي بدأ يفقده صوابه،و قبض على ذراعها بكف يده بقوة ألمتها مكملاً بغضب عارم تمكن منه.. 

"بتخيريني بينك و بين خضرا !! 

مقدرش أصدق يعني هي كانت على حق و أني كدبتها و دفعت عنك لما قالتلي إنك هتخليني أطلقها بعد كل اللي عملته وياكِ.. أخرتها عايزه تخربي بيتها و توقعي بيني وبينها.. فاكراني شخشيخة في يدك عاد و هچري أنفذ حديتك الماسخ ده و أطلق مَراتي أم بناتي!!! ".. 


انفجرت" سلسبيل " في وجهه صارخة بعدما صدمها حديثه و نظرته لها التي تحولت للنقيض، يرمقها بنظرة خذلان، يخبرها أنها خذلته و سقطت من نظره بقولها المتهور هذا.. 

" و هي عملت ايييه معايا يا عبد الجبار و لا أنت نفسك عملت ايه معايا؟!.. أنا كنت لعبة في أيدك أنت و هي.. اختارتني ليك أنا بالذات عن كل حريم الدنيا لأنك اتفقت مع الدكتور يفهمها إني مريضة و مش هقدر أخلف و لا هعيش أساسًا!!!"..


استجمعت قوتها، و رفعت يدها دفعته بصدره بعيدًا عنها بكفها الصغير، و تابعت بغصة مريرة يملؤها الآسي..

" يا ريتني كنت مت و اترحمت من البهدلة دي كلها.. أنا خلاص جبت أخرى من أبويا و مراتك و أمك و منك أنت كمان يا عبد الجبار.. مش هشوف راحة طول ما أنا و أم بناتك على ذمتك"..


"و أني مش هطلق خضرا يا سلسبيل"..قالها "عبد الجبار" بنبرة جادة لا تحمل الجدال.. 


أبتسمت "سلسبيل " إبتسامة تخفي خلفها حزنها و كسرتها مرددة بأسف.. 

" يبقي أنت كده هطلقني أنا ".. 


.............................. سبحان الله العظيم... 


كانت" سعاد" تبكي بنجيب و قد تمكن من قلبها الخوف و هي تتخيل رد فعل" جابر" إذا علم أنها وراء هروب "سلسبيل" بعدما استمعت لحديثها تقول أنها ستحدث والدها حتى يأتي ويأخذها.. 


و أيضًا لم تسلم من حديث" فؤاد" الذي صب جم غضبه عليها، و ظل يلقى على سمعاها كلمات دبت الرعب بأوصالها أكثر.. 

"أنتي السبب في اللي حصل لبنت أختك زي ما كنتي السبب في جوازة أمها عشان تسد ديون جوزك للمفتري قناوي اللي خد أختك الصغيرة تخليص حق.. خدها موتها بقسوته عليها، و دلوقتي مبتفكريش غير في إبنك و عايزة ترميله بنته عشان يموتها زي أمها.. أنتي قلبك ده أيه يا سعاد.. حجر.. مبتحسيش!!! "..


"كفاية يا بابا أبوس إيدك.. كفاية جلد فيا"..

همست بها" سعاد" بصعوبة من بين شهقاتها، و تابعت قائلة.. 

"أنا مكنتش أعرف أن قناوي ده هيعمل في أختي كده.. لو كنت أعرف أنه جبروت بالشكل ده مكنتش وافقت ولا أنا و لا أبو جابر الله يرحمه.. و لما قولت إني هكلمه يجي ياخد سلسبيل كنت بهوش بس لكن والله ما كنت هكلمه..و خوفي على ابني ده غصب عني.. مش بخاطري.. مش هقدر أشوفه الراجل التالت في حياة مراته و هو يا حبيبي مخطبش و لا حتى حب واحدة غيرها..معلق نفسه و قلبه بواحدة ياريتها حتى بتبادله مشاعره ناحيتها.. و كمان بتحب طليقها!! .. عايزني اعمل أيه و أنا شايفة ابني و حيدي واقع الواقعة السودة دي.. قولي يا بابا عايزني أقف أتفرج عليه؟!! ".. 


قطعت حديثها فجأة، و إرتفع صوت نشيجها و قد داهمها دوارًا عنيف أفقدها توازنها، و أصبحت تترنجح يمينًا و يسارًا، حاولت الاستناد على أي شيء حولها، لكنها سقطت أرضًا مستندة بظهرها على الحائط.. 


" سعاد.. مالك يا بنتي".. قالها" فؤاد "و هو يهرول مسرعًا تجاه مصدر الصوت، باحثًا عنها كالمجنون، و قد سقط قلبه بسقوطها، فبدأ يبكي و هو يتحسس بيده المكان من حوله حتى وصل إلي يدها الملقاه بجوارها، لينصدم من برودة بشرتها الشديدة،و همسها الضعيف تقول بوهن.. 

"دوا الضغط و السكر.. الحقني بدوا يا بابا".. 


قال "فؤاد" بصوتٍ مرتجف، بل جسده كله أصبح ينتفض بذعر، و قد شعر بالندم لأنه قسي عليها.. 

"هو فين.. قوليلي حطاه فين و أنا اجبهولك"..


لم تستطيع "سعاد" الرد عليه، و قد بدأت تغيب عن الوعي بعدما داهمها دوارها بقوة أكبر.. 


شعر" فؤاد " أنه على حافة الجنون بعدم ردها عليه، مما يعني أن حالتها تدهور و هو عاجز عن إسعافها، ليرأف الله بحاله، و صدح صوت رنين هاتف ابنته، فهرول راكضًا تجاه الصوت، و أسرع بالضغط على زر الفتح مرددًا بلهفة ظنًا منه أن المتصل حفيده.. 

"جابر.. ألحق أمك يا ابني".. 


"مالها ماما سعاد يا جدو".. صرخت بها "صفا" ابنة زوج "سعاد" .. 


أجابها "فؤاد" بصوتٍ باكي يدل على شدة فزعه.. 

"وقعت من طولها يا بنتي و قالتلي الحقني بدوا الضغط بس أنا مش عارف مكانه.. مش عارف الحقها و جابر كمان مش هنا و أنا لوحدي مش عارف أتصرف ".. 


انتفضت "صفا" من مكانها، خطفت اسدالها ارتدته بلمح البصر، وركضت بأقصى سرعة تملكها مرددة بأنفاس لاهثة و قد بدأت تبكي هي الأخرى .. 

"أنا هجيب العلاج و أجيلك حالاً.. بس أديها أي حاجة مسكرة على ما أوصل ".. 


.................................... سبحان الله العظيم..


"جابر "..


كانت تمنعه "عفاف" بشق الأنفس حتى لا يقتحم الغرفة على "سلسبيل" بعدما استمع لصوت صراخها الباكي..

"سيبهم يا ابني يتعاتبوا مع بعض.. متدخلش بينم عشان المشكلة متكبرش أكتر.. لأنهم في الأخر واحد ومراته و الداخل بينهم خارج"..

أردفت بها "عفاف" بتعقل و هي تقف أمامه تمنعه من الوصول لباب غرفة "سلسبيل" ..


اصطك "جابر" على أسنانه كاد أن يهشمها، و كور قبضة يده و لكم الحائط بجواره عدت مرات متتالية ينفس عن غضبه العارم.. 


ليتوقف بصدمة حين وصل لسمعه صوت" عبد الجبار " يقول بصوته الأجش.. 

"أنتي طالق يا سلسبيل!!!! ".. 


ساد الصمت لدقائق بعد جملته هذه التي أصابت الجميع بصدمة، فقدتهم النطق و حتي الحركة، لم يقطع هذا الصمت سوي صوت رنين هاتف "جابر" الذي صدح تزامنًا مع فتح باب الغرفة و خروج "عبد الجبار" كقذيفة نيران متوهجة، سار من جانبه دون النظر إليه بنظره عابرة حتى، كان سيره حثيثًا أقرب إلى الهرولة من شدة انفعالاته المتضاربه.. 


"أيوه يا جدي!!".. نطق بها "جابر" بصوتٍ يملؤها الفرحة، ليأتيه صوت" فؤاد" يقول ببكاء.. 

"جابر.. أنت فين يا ابني.. تعالي ألحق أمك وقعت من طولها".. 


انقطعت أنفاسه حين استمع لصوت جده الباكي، و تباطأت دقات قلبه بعد ما تفوه به، و أصبح في حيرة من أمره، ايدلف ل "سلسبيل" التي بدأت تبكي بصوت أشبه بالصراخ، أم يذهب لوالدته؟!!.. 


وجهه نظره ل "عفاف" التي أسرعت بلهفة تجاه غرفة" سلسبيل " و همس بأسف.. 

" أمي وقعت و لازم أروح الحقها".. 


"روح لها أنت يا ابني و أنا هفضل مع سلسبيل.. متقلقش عليها".. 

قالتها "عفاف" قبل أن تدلف لداخل الغرفة، و تغلق الباب خلفها.. 


تحرك "جابر" على مضض راكضًا لخارج المستشفى، و من ثم نحو سيارته، قفز بداخلها و بدأ يقودها بأقصى سرعة ممكنة و هو يقول.. 

" أنا جاي حالاً يا جدي ".. 

غافلاً عن أعين" عبد الجبار " الذي كان مازال يجلس داخل سيارته يلكم المقود بقبضة يده، و يصرخ بهياج بصوتٍ مكتوم من شدة ألم قلبه الملتاع.. 


بينما بداخل غرفة "سلسبيل".. 


"طلقني.. قولتله الحقيقة كدبني و صدق خضرا و أخترها هي و طلقني رسمي يا دادة".. 

قالتها "سلسبيل" ببكاء يقطع نياط القلوب و هي تطلع بحسرة لورقة طلاقها الذي وقعها "عبد الجبار" و ألقاها بوجهها.. 

واستغفروا لعلها ساعة استجابة..


الفصل السابع..

جبر السلسبيل2..

✍️نسمة مالك✍️..


.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..


في بعض الأحيان يأتي علينا وقت نكن فيه كالمغيبين ، نسير وراء ما نريد دون النظر في عواقبه، حتى تأتي ضربة قوية على حين غرة تعيد لنا وعينا، ضربة تكاد تكون قاتلة، ولكنها وبكل آسف تركنتا أحياء، لنقر و نعترف بأنها أعطتنا درسًا قاسيًا نخرج منه بقوة لم نكن نظن إننا نمتلكها ذات يوم.. 


"جابر".. 


يقود سيارته بسرعة الرياح، و قد انقبض قلبه قبضة مخيفة، عينيه كانت على الطريق بتركيز شديد، و على المرآة أيضًا في آنٍ واحد، ينظر للهدايا القيمة الخاصة بالرسم و الكثير من الورود الرائعة التي أحضرها ل "سلسبيل" و لم يجد فرصة مناسبة لأعطائهم لها.. 


وبرغم تركيزه هذا إلا أنه لم ينتبه ل "حسان" الذي يتابعه منذ خروجه من المستشفى بأمر من "عبد الجبار".. 


دقائق معدودة وكان يصف سيارته أمام منزله، تزامنًا مع وصول "صفا" التي قفزت راكضة من سيارة أجرة، متوجهه نحو المنزل التي كانت تأتي إليه دومًا برفقة زوجة والدها "سعاد" لزيارة "فؤاد" التي تعتبره في مقام جدها.. 


كانت تركض نحو الدرج بهرولة، ليلحق بها "جابر" بخطواته الواسعة، و قد زاد خوفه حين لمح ذعرها الظاهر على ملامحها ذات الجمال الهادئ.. 


تصعد الدرج كل درجتين معًا لتفلت إحدي قدميها و كادت أن تسقط على وجهها، إلا أن يده التي قبضت على ذراعها منعتها، استدارت وتطلعت له بلهفة فقد كانت على يقين أنه هو حين حاوطتها رائحة عطره المميز.. 

"جابر.. خد علاج ماما سعاد و أطلع أنت أديها حقنة الأنسولين بسرعة".. 

قالتها بأنفاس مقطوعة و هي تمد يدها له بالحقيبة الخاصة بأدوية "سعاد".. 


أخذهم منها "جابر" و ركض بهم من أمامها مسرعًا دون أن يرد عليها بحرف واحد، وصل لشقته في لمح البصر بسبب سرعته الشديدة، بينما هي كانت تجاهد بأنفاس متهدجة لتصعد الباقي من الدرج.. 


فتح الباب بأصابع مرتعشة، و أندفع للداخل يبحث عن والدته و جده و هو يصيح بصوتٍ يملؤه الخوف.. 

" يا أمه.. يا جدي!!".. 


توقف عن الحديث، و حجظت عينيه بصدمة حين وجد "فؤاد" يجلس بجوار والدته الممدة أرضًا في حاله يرثي لها، فاق من صدمته على صوت جده الباكي يقول بتوسل.. 

"ألحق أمك يا جابر".. 


جثي على ركبتيه بجوارها، و قام بغرز تلك الحقنة الرفيعة للغاية بفخذها مرددًا بابتسامة يخفي بها ارتعاد قلبه عليها.. 

"أيه يا أم جابر.. عايزة توقفي قلبي ولا أيه".. 

قالها و هو يساعد جده على النهوض، و من ثم مال عليها و حملها على ذراعيه بمنتهي الخفة لضائلة و ضعف جسدها الهزيل للغاية.. 


كانت "سعاد" بين الوعي و اللاوعي، تجاهد لتفتح عينيها، تهمس له بجملة صغيرة بصعوبة بالغة قائلة.. 

"سامحني..سامحني يا ابني".. 


كان يسير بها لخارج المنزل قاصدًا المستشفى بعدما رأي شحوب وجهها و عينيها الزائغة التي جعلت الرعب يدب بأوصاله.. 

"وبعدين معاكي يا أمه.. أنتي بتشوفي غلاوتك عندي بعاميلك دي!!!"..


ارتمت "سعاد" برأسها على صدره، و بكت بضعف و هي تقول"عطشانة..أسقيني يا جابر"..

جملتها هذه جعلت "جابر" في حيرة من أمره، يكمل سيره بها، أم يضعها على أقرب أريكة، و يجلب لها الماء؟!.. 


"الميه أهي يا ماما سعاد.. اشربي يا حبيبتي ".. 

صدح صوت" صفا" التي دلفت للتو من باب الشقة المفتوح، و ركضت تجاه كوب من المياه كان موضوع على الطاولة، أخذته، و اقتربت منها تساعدها على الشراب و هي على يد ابنها.. 


بللت "سعاد" شفتيها التي أزرقت لونهما، و تحدثت بصوتٍ بالكاد يُسمع قائلة.. 

" قعدني على كرسيي يا جابر.. أنا هبقي كويسة دلوقتي.. مش عايزه أروح مستشفيات.. عايزة اتكلم معاك يا ابني".. 


حرك "جابر" رأسه لها بالنفي و تابع سيره بها مرددًا.. 

"هنروح المستشفى نطمن عليكي بس و نرجع على طول بمشيئة الله يا أم جابر".. 


ربتت "سعاد" على صدره بكف يدها الباردة كالثلج وهي تقول بنبرة راجية.. "جابر أقف و اسمعيني الأول لو ليا خاطر عندك يا ضنايا".. 


وقف "جابر" محله على مضض، و نظر لها بعينيه التي لمعت بالدموع، و قد تحولت نظرته الآن إلى نظرة طفل صغير لم يتم عامه الخامس مذعور من رؤية والدته تصارع الموت أمامه.. 


تأملت "سعاد" ملامح وجهه الجذابة بابتسامة دافئة و حب شديد، هبطت عبراتها على وجنتيها ببطء و هي تقول بندم.. 

" سامحني.. و قول ل سلسبيل هي كمان تسامحني يا جابر و عرفها إن اللي قولته كان كلام وقت غضب لكني والله ما كنت هتصل بأبوها ".. 


انفجرت "صفا" بنوبة بكاء حادة أشبه بالصراخ، ليصطك "جابر" على أسنانه بقوة كاد أن يهشمها، و تابع سيره من جديد بوالدته، و لكن هذه المرة كان يركض بها حتى وصل لسيارته، فتحت بابها "صفا" التي لحقت بهما، فوضع" جابر" والدته على المقعد الخلفي، و هم بالابتعاد عنها، لكن "سعاد" تمسكت بقميصه جذبته عليها حتى أصبحت أذنه مقابل فمها و همست بأنفاس تتلاشى.. 

"خلي بالك من بنت خالتك و حاول تصلح بينها وبين جوزها لأنه بيحبها و هي كمان بتحبه و مش هتحب غيره فمتعلقش قلبك بأمل كذاب يا حبيبي.. و بوصيك على صفا.. صفا يا جابر.. صفا يتيمة أم و!!".. 


صمتت لبرهةً و شهقت بقوة مكملة بحرفين فقط قالتهما بتقطع.. 

"أب!!".. 

كانت أخر كلمة نطقت بها، و سكت لسانها إلى الأبد بعدما فارقت روحها جسدها و هي داخل حضن وحيدها.. 


" لااااااا.. ماما سعاد".. 

صرخت بها" صفا"  و هي تدفع" جابر" بعيدًا عنها، و ترتمي فوق صدرها مرددة بصراخ يقطع نياط القلوب.. 

"متسبنيش بالله عليكِ.. متعمليش فيا كده.. أنا مليش غيرك.. متسبنيش أعيش في مرارة اليُتم تاني أبوس أيدك".. 


الموت المفاجيء فاجعة حطت على رأس "جابر" دون سابق إنظار، فاللهم إنا نعوذ بك من فواجع الأقدار.. 


............................... سبحان الله العظيم...... 


" عبد الجبار ".. 


كان يستعد للذهاب، لكنه ظل مكانه حين رأي "جابر" غادر المكان مهرولاً تاركًا "سلسبيل " برفقة "عفاف" بمفردهما، زحف القلق لقلبه و شعر أن هناك شيئًا خطير أجبره على المغادرة فجأة هكذا.. 


جلس داخل سيارته ينتظر إتصال "حسان" الذي أرسله خلفه، ليصدح رنين هاتفه أخيرًا، و لكن برقم أخر كان ينتظره أيضًا على أحر من الجمر، فصغط زر الفتح بلهفة قائلاً.. 

"ها أيه الأخبار ؟!".. 


"كان عندك حق يا عبد الجبار باشا.. الواد اللي سرق تليفون سلسبيل هانم كان مزقوق عليها فعلاً، و لما قرصنا عليه شوية قال إن في واحد كان متفق معاه يقتلها بس هو خاف و اكتفي بالسرقة لما سأل و عرف أنها مراتك يا باشا".. 


"إسمه أيه اللي أتفق معاه؟! ".. قالها "عبد الجبار " مستفسرًا بصوته الأجش،ليأتيه الرد الذي كان أكبر صدمة بالنسبة له حين قال الأخر بأسف .. 

" إسمه حسان.. دراع سيادتك اليمين ".. 


" حسان!!! ".. تمتم بها بعدم تصديق، و الكثير من الأمور بدأت توضح أمام عينيه، ساد الصمت طويلًا حتى قطعه" عبد الجبار" يقول بأمر.. 

" قدامك أقل من ساعة وتشيعلي طقم حرس على العنوان اللي هبعتهولك دلوجيت، و هاتلي الواد الحرامي و تليفون الهانم و أسبقني على فرع الشركة في المنصورة".. 

أردف بها و هو يغادر سيارته متوجهًا لداخل المستشفى .. 


أغلق الهاتف بوجهه دون إنتظار رده، و أرسل له عنوان المستشفى و رقم غرفة" سلسبيل "، سار بخطواته الواثقه حتى وصل لمكتب الطبيبة المشرفة على حالتها، طرق الباب و دلف للداخل دون إنتظار إذن.. 

" خير يا عبد الجبار بيه؟!.. المدام حصلها حاجة؟! ".. 


"أني اللي چاي أسألك عنِها.. كيفها دلوجيت يا دكتورة؟!"..

قالها بهدوء عكس ملامح وجهه الغاضب.. 


تنحنحت الطبيبة بخوف من قسماته العابسة بشدة قائلة بعملية.. 

"هي الحمد لله بقت كويسة و تقدر تروح مع حضرتك أول ما المحلول اللي في ايدها يخلص".. 


رمقها" عبد الجبار" بنظرة جعلت قدميها ترتجف من الخوف، فهي تقف أمام رجل الأعمال " عبد الجبار المنياوي" أشهر من النار على علم، و تحدث بلهجة حادة لا تقبل الجدال.. 

"الهانم معوزهاش تخرج انهارده غير لما أبلغك بنفسي، و ممنوع يدخل عندها أي مخلوق غيرك أنتي ".. 


حركت رأسها له بالايجاب، ليصمت هو للحظة، و تابع بصوتٍ أكثر لينًا بعدما أبتلع لعابه بصعوبة، و قد تسارعت دقات قلبه بجنون و هو يقول.. 

"و رايدك كمان تعرفيلي إذا كانت الهانم حامل و لا لا و تبلغيني طوالي على الرقم ده ".. 

وضع يده بجيبه و أعطاها الكارت الخاص به، و سار من أمامها بخطواته الغاضبة عائدًا لسيارته، ينتظر قدوم طقم الحرس حتى يتمكن هو من الذهاب.. 


ليصدح رنين هاتفه مره أخرى، برزت عروقه و احمرت عينيه حين لمح اسم" حسان"، ضغط على الهاتف كاد أن يحطمه مغمغمًا بصوته الصلب.. 

" خير يا حسان؟!".. 


جاوبه "حسان" و هو يلوك الطعام بفمه بصوتٍ مقزز.. 

"أم اللي إسمه چابر تعيش أنت يا كبير ".. 


يا الله !!!.. ما هذا اليوم العجيب الذي يمر على الجميع، أطبق "عبد الجبار" جفنيه بعنف و هو يتخيل رد فعل "سلسبيل"  التي ستظل بنت قلبه حتى بعد طلاقها منه.. 


.......................................... لا إله إلا الله...... 


"لن يكسر الله بخاطرك إلا ليرضيك بخيرٍ لم تكن تراه"..

ألقتها"عفاف" مرارًا و تكرارًا على سمع "سلسبيل" الساكنة داخل حضنها تبكي و تأن بضعف، بقلبٍ منكسر و روحًا ممزقة..


رغم أنها كانت على يقين أنّ "عبد الجبار" لن يفضل أحدًا على ابنتيه، حتى لو كان قلبه العاشق لها، سينتزعه و بستأصلة من جذوره فداءًا لهما، و هذا كان غرضها بالأساس، ضغطت عليه بنقطة ضعفه حتى تجبره على طلاقها من شدة خوفها عليه و على جنينها الذي لم تتأكد من وجوده بعد..


حسمت أمرها بالابتعاد عنه، لأول مرة تتخذ قرار بحياتها و تنفذه، لكنه أصعب و أقسى قرار أصابها بضربة قوية كادت أن تصيبها بمقتل..


حاولت السيطرة على حدة بكائها و هي تقول..

"زعلانة منه أوي يا دادة  .. و في نفس الوقت زعلانة عشانه و قلبي بيتقطع عليه"..


تنهدت "عفاف" بحزن على حال تلك الصغيرة، لكنها  تحدثت بتعقل قائلة..

"أنتي كنتي عارفة أنه هيختار بناته يا سلسبيل..لو كان صدق كلامك اللي قولتيه على خضرا معنى كده إنه مش هخليها على ذمته بعد ما عرف أنها عايزه تقتله و أقل حاجة يعملها أنه هيطلقها.. بس هو كدب نفسه اللي هي أنتي نفسه دي لأن مهما أم بناته عملت مش هينفع يطلقها عشان خاطرهم و بصراحة أنا احترمته لأنه مطلعش أناني في حبه ليكي و أختارك على حساب بناته اللي هتبقي وصمة عار بالنسبالهم في الصعيد أن أمهم مطلقة من أبوهم"..


أبتسمت" سلسبيل " إبتسامة يملؤها الوجع و هي تقول.. 

" و هو مش أي أب يا دادة.. مافيش في حنيته و لا خوفه على بناته.. عبد الجبار أحسن أب شوفته في الدنيا كلها بعد ما كنت فاكرة أن كل الرجاله ملهاش قلب زي أبويا "..


احتضنت " عفاف " وجهها بين كفيها و هي تقول بثقة.. 

"ربنا هيعوضك خير يابنتي..مش عايزاكي تزعلي.. و اتأكدي أن اللي حصل ده خير ليكي لأن رب الخير لا يأتِ إلا بالخير ".. 


قالت " سلسبيل " و هي تحاول السيطرة على بكائها.. " ونعمة بالله.. الحمد لله.. أنا راضية والله يا دادة عفاف و بحمد ربنا إنك معايا و بتقويني بكلامك اللي بيطمن قلبي"..


ساد الصمت المُطعم بالتنهيد للحظات، قطعه صوت طرقات على باب الغرفة، يليه دخول الطبيبة التي تكلفت الإبتسامة و هي تقول..

"عاملة أيه دلوقتي يا مدام سلسبيل؟ "..


أجابتها " سلسبيل " قائلة.. " الحمد لله يا دكتورة أنا بقيت أحسن و المحلول خلص.. ممكن تشلي الحقنة دي من أيدي.. عايزة أخرج من هنا"..


تطلعت لها الطبيبة بأسف مصطنع قائلة.. 

"مش هينفع تخرجي دلوقتي.. لسه في محلول كمان غير اللي خلص ده تكملة للعلاج هركبهولك عشان ميحصلكيش أي إغماء ".. 


كانت تتحدث و هي تتخلص من المحلول الفارغ، و بخفة يد شديدة قامت بسحب عينة دماء من يد

" سلسبيل " المبتعدة بوجهها عنها بخوف تجنبًا من رؤية الحقنة المنغرسة بكفها.. 


.............................. سبحان الله وبحمده..... 


" عبد الجبار ".. 


تحرك أخيرًا بسيارته تجاه فرع شركته بالمنصورة بعدما ترك طاقم من اكفاء الحراسات الخاصة داخل و خارج المستشفى المتواجدة بها طليقته، 


تأهب جميع العاملين فور رؤية سيارته الفارهه، و هرول تجاهه حشد هائل لستقباله حتى وصل لمكتبه الفخم الذي كان ينتظره بداخله إحدي القيادات الهامة و معه سارق هاتف زوجته الواقف بين رجال الأمن مقيد بالأساور الحديديه .. 


"نورت المنصورة يا عبد الجبار باشا".. 


مد "عبد الجبار" يده له بالسلام الحار، وهو يقول.. 

"منورة بيكم يا سيادة العقيد".. 

أنهى جملته، و توجهه بنظره تجاه ذلك السارق الذي انكمش على نفسه بخوف من نظرته المخيفة.. 


سار نحوه بخطوات هادئة عكس البركان الغاضب بداخله، وقف أمامه بطوله المُهيب، و تحدث بهدوء ما قبل العاصفة قائلاً.. 

"أتكلم.. أني سامعك".. 


"ح ح حسان.. و الله العظيم حسان هو اللي طلب مني أعمل كده يا جناب البيه".. 


فتح "عبد الجبار" فمه ليتحدث، لكنه أغلقه ثانيةً حين صدح رنين هاتفه برقم الطبيبة المشرفة على حالة "سلسبيل" فضغط رز الفتح بلهفة ليأتيه صوتها تقول.. 

"عبد الجبار بيه أنا عملت إختبار الحمل ل سلسبيل هانم ".. 

صمتت لوهلة كانت بمثابة أعوام لذلك العاشق الذي أوشك قلبه على مغادرة ضلوعه من عنف دقاته حين تابعت الطبيبة .. 

"ألف مبروك المدام حامل!!!!!!".. 

واستغفروا لعلها ساعة استجابة..


الفصل الثامن والتاسع 

جبر السلسبيل2..

✍️نسمة مالك✍️..


.. بسم الله الرحمن الرحيم..لا حول ولا قوة إلا بالله..


انقضى النهار بما يحمله من ألم و صدمات طالت الجميع، لم يعود "جابر" ل "سلسبيل" مجبرًا، ظل يجهز كل الأشياء المتعلقة بوالدته حتى يصلها إلى مثواها الأخير،


كان يتحرك كالآلي بلا روح، الدموع تحجرت بعينيه، يحاول التماسك قدر استطاعته لأجل جده العجوز الذي تدهورت حالته هو الأخر من شدة حزنه على ابنته، و التزم الفراش غائب عن الوعي بجواره فريق طبي كامل يشرف على حالته ..


بينما "صفا" وقفت على غُسل "سعاد" بقلبٍ مفتور أرهقه الحزن، لم تتوقف عبراتها المنهمرة على وجنتيها ولا لحظة  واحدة، تبكي بصمت دون صوت و قلبها يصرخ صرخات تمزق روحها..


"سعااااد.. يا أم صفااااا "..

كان هذا "فايز" زوجها الذي وصل للتو من عمله بعدما هاتفه  "جابر" حتى يأتي يودع زوجته و يحضر دفنتها، دلف لداخل المنزل الذي تجمع فيه حشد كبير من الأهل و الأقارب و الجيران بخطي متعثرة، عينيه غارقة بالدموع، يبكي بنحيب و ينادي عليها بقلب ملتاع متأملاً أنها ستجيبه..


هرول إليه "جابر" الذي كان يقف أمام الغرفة المتواجدة بها  والدته، أمسك يديه و أجلسه على أقرب مقعد، قبض "فايز" على كفه بأنامله المرتجفه، تطلع له بأعين زائغة تفيض بالدمع، و تحدث  بصعوبة بالغة بصوتٍ متقطع قائلا..

"أيه اللي حصل.. أيه اللي جرالها.. أنا سيبها زي الفل و كانت بتتصل بيا و تطمني.. أيه اللي حصل يا جابر يا ابني!!!"..


ربت "جابر" على كتفه، و أجابه بهدوء عكس الصخب بداخله..

"أمر ربنا و نفذ يا عم فايز و لا نقول إلا ما يرضي الله إنا لله وإنا إليه راجعون.. أجمد كده وشد حيلك عشان خاطر صفا  بنتك"..


تعمد الضغط على كلمة ابنته، و قد تذكر حديث والدته قبل وفاتها بثواني قليلة، أن "صفا" يتيمة أم و أب!!، إذا من يكون هذا الرجل؟،دار هذا السؤال بعقله، و كاد فضوله أن يسأله مستفسرًا عن ما قالته" سعاد" خاصةً أنها أوصته عليها، لكنه ألتزم الصمت الآن لوجود الكثير من الناس حوله..


دار "فايز" بعينيه في المكان و هو يقول..

" بنتي!!.. صفا.. هي فين؟! و فين جدك.. فين الحج فؤاد "..


أخذ "جابر" نفس عميق و سار من جواره وقف مكانه أمام غرفة والدته ينتظر الإذن حتى يدخل يودعها الوداع الأخير..

"صفا واقفه على غُسل أمي"..

قالها بحسرة و بصوتٍ اختنق بالبكاء..


.............................................. سبحان الله العظيم.......


" سلسبيل"..


خرجت من المستشفى بعدما سمح "عبد الجبار" بذلك، تسير بضعف مستندة على "عفاف" التي تحاوطها بحنان، تلفتت حولها تبحث عن" جابر" فلم تجد له أثر، عقدت حاجبيها بتعجب مردفة..

"معقول جابر مشي يادادة؟!"..


حركت "عفاف" رأسها لها بالايجاب و هي تقول بأسف..

"جاله تليفون و أنا واقفه معاه بلغوه أن والدته تعبانه فقالي لازم أمشي"..


قالت "سلسبيل " بابتسامة " تخفي بها وجعها..

"خالتي خايفه عليه مني و عايزه تبعده عني بأي شكل  و ده حقها أنا مش هلومها عليه ولا حتي زعلانه منها لأن محدش يقبل يشوف ابنه الوحيد بيجري ورا واحدة اتجوزت مرتين و قلبها مع واحد تاني ويوافق عليها.. مع إني خلاص بقيت رافضة الارتباط لا جابر ولا غيره "..


ترقرقت الدموع بعينيها لكنها كبحتها و منعتها من الهبوط على غير عادتها، و تابعت بقوة جديدة عليها كليًا..

" أنا استكفيت و جه الوقت اللي هختار فيه سلسبيل.. سلسبيل و بس"..


" الحقي يا سلسبيل..عبد الجبار بيه قاعد في عربيته هناك أهو "..

قالتها" عفاف " فور خروجهما من باب المستشفى، تطلعت "سلسبيل" حولها بلهفة تبحث عنه و قد تبخرت قوتها و أختفت نهائياً..

"عبد الجبار!!"..

همست بأسمه بنبرة يغلفها الحنين المتأوه، و هي تطلع نحوه باشتياق فاق كل الحدود ..


" الله !! أمال فين هختار سلسبيل وبس اللي لسه قايلها؟! "..

قالتها "عفاف" بجدية مصطنعة، و هي ترمقها  بنظرة عابثة، عضت "سلسبيل" على شفتيها بخجل، و تنهدت بصوتٍ عال و هي تقول..

"أنا مديونة ل عبد الجبار بحاجات كتير أوي يا دادة.. و مدام هو طلقني و اختار أبلة خضرا فخليني أصلح اللي عملته في حقها لأني مديونة ليها هي كمان و حاسة إني غلطت لما قولتله على كلامها و تهددها ليا.. بصراحة كنت قاصدة أوقعها في شر أعمالها لأني غيرت عليه أنا كمان منها.. بس ربنا عاقبني و خلي عبد الجبار يطلقني أنا "..


أنهت حديثها،  أخذت نفس عميق، و جذبت" عفاف" معاها تجاه طليقها، الذي قرر أن يوصلها بنفسه ليكون مطمئن عليها، كان يجلس داخل سيارته ممسك بيده هاتفها يتصفح فيه لحين خروجها، ليتفاجيء بكم هائل من الصور لهما سويًا كانت قد التقطتهم سلسبيل أثناء نومه وقتما كانوا بمنزلها الذي ابتاعه لها في الإسكندرية..


كانت الصور بأوضاع كثير مختلفة، تقبله، و تضمه بقوة، تختبيء داخل ضلوعه، تعالت وتيرة أنفاسه و خفق قلبه بجنون و هو يتأمل ملامحها بافتنان، و يستعيد لحظاتهما الحميمية معًا،


لينتبه على قدومها نحوه، فأسرع بإخفاء هاتفها بعدما قام بغلقه، و فتح باب سيارته، و نزل منها سار نحوها هو الأخر، رسمًا على وجهه الجمود قبل أن يصل إليها فهو بارع إلى حد كبير في إخفاء مشاعره،


رغم أن قلبه يتراقص فرحًا كلما تذكر بشارة الطبيبة له بحمل معشوقته، خبر حملها كان بريق النور الذي أضاء عتمة حياته و أعطاه القوة على تحمل كل ما يحدث معه.. 


و أخيرًا قطع المسافة التي تفصله عنها، يقف بطوله المُهيب أمامها مظهره ثابت و لكن كل ما بداخله يندفع إليها بشراهة،أما هي فقد فشلت فشل ذريع في إخفاء لهفتها، و شوقها إليه و نظرات العتاب التي ترمقه بها..


كور قبضة يده من نظرتها هذه التي تُزيد من لهيب قلبه المُتيم بها عشقًا،ساد الصمت بينهم طويلاً لم يستطيع أحدًا منهما قطعه، لتتنحنح "عفاف" و هي تبتعد بحذر عن "سلسبيل" مردفة بإحراج.. 

"اححم.. طيب يا سلسبيل يا بنتي أنا هروح أجيب عربيتي و أرجعلك".. 


"هتروحي إسكندرية مع عفاف؟"..نطق بها "عبد الجبار"بصوته الأجش بعدما أبتعد بنظره عنها ليتمكن من إيجاد صوته.. 


أستجمعت "سلسبيل" قوتها، و هي تجيبه قائلة.. 

"أيوه هسافر معاها".. 


سار من أمامها، و لف حول سيارته فتح باب المقعد المجاور له و هو يقول بلهجته الحادة.. 

" حصلينا بعربيتك يا عفاف.. أني رايد أتحدت مع سلسبيل هبابه".. 

كان يتحدث و عينيه ثابته على "سلسبيل" يحثها على السير نحوه.. 


أنصاعت "عفاف" لحديثه على الفور خاصةً حين استمعت ل"سلسبيل" تقول.. 

"وأنا كمان عايزة أتكلم معاك يا عبد الجبار ".. 

قالتها و هي تخضع لرغبته، و تسير نحوه بخطي مُتعبة مستنده على سيارته بأناملها المرتعشة.. 


أصطك على أسنانه بقوة كاد أن يهشمها حين نطقت اسمه من بين شفتيها التي يدمنها، مرت من جواره قبل أن تميل قليلاً و تجلس على المقعد المجاور لمقعد السائق، كانت المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان، أخذت "سلسبيل" نفس عميق تملأ رئتيها بأكبر قدر ممكن من رائحته التي تشعل جميع حواسها.. 


أستجمع شتات نفسه، تفنن في رسم الصلابه على قسمات وجهه بهيئة يُحسد عليها، و اتجه لمقعد السائق جلس عليه بجوارها مغمغمًا.. 

"ألبسي الحزام عشان هنخرج على الطريق السريع".. 


سحبت "سلسبيل" الحزام حولها، لكنها لم تتمكن من أغلاقه لشدة توترها،بينما أشعل هو محرك السيارة و قاد بها متجه للطريق الحر مباشرةً خلفه سيارات الحراسة التي خصصها لها هي تحديدًا، و التي لم تنتبه لهم "سلسبيل" على الإطلاق، بل كانت منشغلة بأختلاس النظر إليه .. 


"اتحددي أني سامعك".. أردف بها بهدوء دون النظر لها مما أحزنها كثيرًا، و جعل الدموع تلتمع بعينيها، لكنها سيطرت على مشاعرها سريعًا، و تحدثت بامتنان قائلة.. 

"عايزه أشكرك".. 


جملتها هذه أجبارته على النظر لها، رمقها بنظرة متعجبة و هو يقول بتساؤل.. 

"تشكريني على أيه؟! ".. 


جاوبته بصوتها الناعم المبحوح قائلة.. 

"أشكرك على كل حاجة يا عبد الجبار.. على وقفتك جنبي و حمايتي من الكل و أولهم أبويا اللي لو كنت رفضت جوازك مني أنا متأكدة انه كان هيقتلني.. بشكرك على حنيتك عليا و على كل لحظة فرح عيشتها معاك.. بشكرك من جوه قلبي و بتمنالك كل خير وسعادة مع أبلة خضرا اللي عايزاك تبلغها إني بشكرها هي كمان و قولها سلسبيل بتتأسف لك على اللي عملته فيكي".. 


كان يستمع لها باهتمام شديد رغم إظهاره عكس ذلك، رمقها بطرف عينيه مدمدمًا.. 

" اممم.. و ياترى أيه هو اللي عملتيه وياها؟! ".. 


صمتت للحظات قبل أن تجيبه بلهفة يملؤها العشق.. 

" طمعت فيك و في حبك و قلبك يا عبد الجبار ".. 


ما تفوهت به الآن جعلته يفقد السيطرة لوهلة على التركيز في الطريق أمامه، و كاد أن يصتطدم بسيارة تسير بجواره في حادث سير مروع لولا عناية الله و ستره عليهما.. 


أطلقت "سلسبيل" شهقة قوية و كادت أن ترتطم بالوجهة الأمامية للسيارة عندما فرمل "عبد الجبار" فجأة لولا أنه أمسك ذراعها بأحكام على أخر لحظة..


لم تكد تلتقط أنفاسها من أثر المفاجأة المفزعة، لتسمع صوته من جانبها ينطلق بلهجة خفيضة لا تخفي غضبه المشحون أبدًا..

"قولتلك ألبسي الحزام الطريق اهنة واعر"..


"معرفتش أقفله والله.. أنا أسفة"..همست بها بصوت مرتجف و هي تحاول غلق حزام الأمان بتوتر، و جسد ينتفض بوضوح..


نفخ"عبد الجبار" بضيق و أوقف سيارته بمكانٍ جانبي قليلًا على الطريق السريع خالٍ من الناس، و استدار نحوها أمسك هو الحزام يضعه حولها بنفسه فأصبح محاصرها بجزعه الضخم بين ذراعيه،


رغم حرصه الشديد حتي لا يلمسها إلا أن قربه منها إلى هذا الحد جعل أنفاسها علقت بصدرها، تطلع له بأعين هائمة، و كالمغيبة رفعت يدها و لمست بأصابعها ذقنه الكثيفه، هنا رفع وجهه لها بصدمة و تقابلت عينيهما حينها تزلزل كيانها كله دفعه واحده،


بينما هو يرمقها بنظرة جامدة و ملامح منذهلة من فعلتها الجريئة بالنسبة له، و هم بالابتعاد عنها لكنها أسرعت و أمسكت ياقة جلبابه، جذبته عليها أكثر حتي اختلطت أنفاسهما، و نظرت بعمق داخل عينيه و هي تقول بغصة مريرة يملؤها الأسى..

"أبلة خضرا بس اللي منعاني عنك"..


بكت بنحيب و تابعت بتقطع من بين شهقاتها..

"حاولت أدور على غلطة واحدة امسكها عليها تكون مبرر ليا أريح بيه ضميري لو ختك منها.. بس ملقتش.. معاملتها الطيبة معايا و حبها الصادق لكل اللي حواليها خلاني أدوس على قلبي اللي حبك و هبعد عنكم.. و بالذات عنك أنت يا عبد الجبار"..


لجم نفسه عنها بشق الأنفس حتى لا يضرب كل شيء عرض الحائط و ينهال عليها بقبلاته المتلهفة،لكن خوفه عليها أكبر من شوقه إليها..


" معاملتها الطيبة و حبها الصادق كيف و أنتي قولتيلي أنها رايده تقتلني!!"..

أردف بها بضحكة ساخرة و هو يبتعد عنها بالامبالاة مصطنعة.. 


قالت "سلسبيل" بتوتر بسبب قربها منه الذي بعثر مشاعرها.. "أكيد غيرتها عليك هي اللي خلتها توصل لكده و ليها حق في غيرتها دي الحقيقة.. و بما إننا بقي مستحيل نرجع لبعض وأنت أخترت مراتك و أم بناتك فحبيت أريح ضميري من ناحيتها عشان لما قولتلك على تهديدها كنت قاصدة اقلبك عليها و أبعدك عنها من غيرتي عليك أنا كمان".. 


"مستحيل!! "..

الكلمة الوحيدة التي علق عليها في حديثها بأكمله، لتنظر هي له نظرة بدت جامدة مرددة بأسف.. 

" أيوه رجوعنا لبعض بقي مستحيل يا عبد الجبار و أنت أكيد عارف كده كويس أوي.. لأن وجودنا مع بعض مش هيبقي في راحة لحد أبدًا ".. 


" خلصتي حديتك!! ".. 

قالها بغضب من حديثها الذي يثير جنونه، فأجابته بتنهيدة وهي تعتدل بمقعدها بوضع أكثر راحة و تنظر إليه بشغف تحفر ملامحه بعقلها، و يدها تسللت ببطء نحو بطنها تمسد عليها بمنتهي الرفق و تدعو الله من صميم قلبها أن لا يخيب ظنها و تكون حامل في طفل منه يورث كل ملامحه بكل تفاصيلها.. 


"أسمعي بقي حديتي اللي هقوله ليكي دلوجيت و أفهميه زين".. 

أردف بها بلهجة محذرة بثت الريبة بقلبها، و جعلتها تستمع له بكل آذانٍ صاغيه.. 


................................. سبحان الله وبحمده.... 


"خضرا".. 


أستغلت غياب "بخيتة" التي ذهبت لتزور قبر إبنها المتوفي و أطلقت وابل من الزغاريط حين هاتفها "حسان" و أبلغها بالخبر الذي تتوق له منذ زمن، وهو طلاق سلسبيل من زوجها.. 


كانت الفرحة الحقيقية تغمرها و قد ظنت أن زوجها عاد لها من جديد، هدأت نيران قلبها المتآججة و انطفأت تمامًا.. 

"خلاص أكده مهمتك إنتهت و هبعتلك باقي أتعابك كيف ما أتفقنا".. 


"أتعاب أيه اللي بتتحددي عنِها!! .. أني معوزش أتعاب".. 

صاح "حسان" بغضب عارم أدهشها به فقالت مستفسرة.. 

"أمال رايد أيه؟!".. 


أجابها بمنتهي الوقاحة و البجاحة معًا قائلاً بجراءة.. 

"رايدك أنتي تكوني ملكي بعد ما نخلص من راچلك و أبقى أني راچلك كيف ما اتمنيت يا خضرا".. 


شهقت" خضرا" وجحظت عينيها بصدمة من تصريحه الغير متوقع مرددة.. 

" وه وه وه.. كانك اتچنيت إياك و نسيت بتتحدد ويا مين يا مخبل أنت!!".. 


تحولت نبرة صوتها إلى أخرى غاضبة، و تحدثت بتهديد قائلة.. 

" فوق لنفسك و ألزم حدودك وياي أحسنلك.. أنت خابر زين إني أقدر أقطع لسانك و أخلص عليك كمان و اعمل حسابك تغور من أهنه و تعاود على البلد معوزاش أشوف خلقتك مرة تانية قبالي.. لو لمحت طيفك حتى هطوخك بالنار".. 


أنهت حديثها و أغلقت الهاتف بوجهه دون عناء لإنتظار رده، و قامت بعدها بتحطيم الهاتف بأكمله و قامت بالتخلص منه بألقاءه في صندوق القمامة.. 


............................. لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. 


" جابر".. 


خانته دموعه و لم يتمكن من كبحها، و هو يميل على النعش الراقده بداخله والدته و هم بحمله على كتفه، ليتفاجيء بيد أخر شخص توقع وجوده الآن يميل معه و يمسك الجانب الأخر من النعش حملوه سويًا على أكتافهما، و سار برفقته بجانب بعضهما كلاً منهما ينظر للأخر نظرة اختفت منها الشررٍ المتطاير..


"البقاء لله وحده.. شد حيلك يا چاير"..

كان هذا صوت "عبد الجبار" الذي عاد له مسرعًا بعدما قام بتوصيل "سلسبيل" بنفسه لمنزلها بالإسكندرية..

واستغفروا لعلها ساعة استجابة..


الفصل العاشر..

جبر السلسبيل2..

✍️نسمة مالك✍️..


.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. 


إن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم" وحين جاء الأعرابي يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وصية قال له " لا تغضب" وكررها ثلاث، تكرار من يشير إلى ضبط هذه الصفة، ضبطها فيما أحله الله، 

فالكل شيء حد لا يجب أن يزيد أو يقل عنه حتى لا يتعدى الحد المطلوب ، و هو ألا يحملك غضبك على أن تكون ظالمًا، فتتبع السيئة بسيئة مثلها، و برغم أن "عبد الجبار" تمالك غضبه إلا أن حمية الرجل بداخله كانت تثور بغضب عارم وهو يستمع لإعتراف "خضرا" زوجته خاصةً حين قالت .. 

"أني اتفاچأت ب حسان لما وافق ينقلي كل أخبارك مطلعش آمين يا عبد الچبار، و لو عليا أني معذورة الغيرة واعرة قوي ياخوي..و أنت لازم تغور حسان من أهنه.. ده خاين ملوش أمان أبدًا بعد اللي حُصل منه".. 


كان سيرد عليها يخبرها أنها السبب فيما فعله، هي من فتحت باب لدخوله منه بينهما، هي من ساعدته على الخيانة بحديثها معه في السر، لكنه جاهد نفسه حتى لا يعميه غضبه ، و تحلي بالعقل والحكمة  ، و الرشادة والفهم فكان مثال حي على العقل الناضج.. 


صامت لا يبدي أي رد فعل، يدرس ما كان وراء سلوك أنثاه حتى فعلت ما فعلت، عليه أن يستعمل الرحمة، عليه أن يراجع ذاكرته ليرى موازين أفعالها ، وأن لا يطيح بما فعلته تحت ضعف الذات، وضعف النفس، ووسوسة الشياطين، بيتا قائمًا، يُسمع فيه صوت ضحكات ابنتيه بفرحة غامرة فور علمهم بعودته، ركضوا تجاهه مسرعين ارتموا داخل حضنه !


هذا آكبر إنتصار للنفس بالنسبة له، إن أردت حياة سليمة عليك أن تحذف الغضب من قاموسك، و لكن العدل أن يأخذ كل إنسان حقه بلا جور ... 

"اتوحشتك يا فاطمة أنتي وخيتك قوي".. 

نطق بها و هو يضمهما لصدره بحنان العالم أجمع، تنعموا الفتاتان بحضن والدهما الدافيء الذي حاوطهما بحماية و أمان.. 


فالأنثى يجب أن تكون أميرة في بيت زوجها، ومهرها ليس هذا الذي يعطيه إياها من أموال، مهرها معاملتها !

فرمي و تجاوز ما مضى، واستبدل نبتة الغضب ، بنبتة تُسقى بالحب والرعاية والاهتمام والعدل !


العدل الذي يمنعه من الذهاب ل "سلسبيل" ليعتذر لها و يخبرها حقيقة شعوره فيما فعله معاها، يود أن يعترف لها بأن الغضب قد أعمى عينيه، و حمية النفس عن رؤية العدل و الإنصاف فاخطأ حين رأها مجبرة على الزواج منه في باديء الأمر و وافق هو على إتمام هذا الزواج !


أخطأ حين دفع زوجته "خضرا" لفعل ما فعلته بسبب عشقه الزائد لتلك الصغيرة، الضحية الوحيدة في لعبته على "خضرا" بشأن مرضها حتى يجبرها على الموافقة على زواجه منها، و لعبتة "خضرا" عليه فالزواج من إمرأة ظنت بأنها لن تقوى على الإنجاب!.. 


أعترف بخطأه هذا أخيرًا، و قرر عدم الإستمرار في ظلم" سلسبيل" آكثر من ذلك، فأعطاها حريتها خوفًا من أن يأتي يومًا تفوق فيه على حقيقة وضعها معه و تكتشف بأن ما تحمله له بقلبها لم يكن حُب على الإطلاق بل مجرد إحتياج، حينها ستكرهه و تكره حياتها معه و ستبتعد عنه للأبد بلا عودة، لذلك قام هو بإطلاق سراحها و أعطاها لأول مرة بعمرها حرية الأختيار،

فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون و لكن هو لن ولم يستطيع أن يتوب عن عشقها..


"أني وأنتي أفضل عقاب لبعض يا خضرا"..

نطق بها بعدما تأكد من مغادرة ابنتيه الغرفة، وقف أمامها بطوله المهيب، ينظر لها نظرة جامدة خالية من المشاعر فبدت مخيفة للغاية بالنسبة لها، و تابع بابتسامة مصطنعة زادت من خوفها..

"الطعنة تچيني منك أنتي يا أم بناتي!.. 

كنتِ رايدة حسان يقتلني لو مطلقتش سلسبيل ؟! "..

بهتت ملامح " خضرا " و فتحت فمها لترد عليه لكنه لم يُتيح لها الفرصة، و تابع بلهجة لا تخفي غضبه المشحون أبدًا..

"و الخاين كان ناوي يقتلني حتى بعد ما طلقتها لولا أني سبقت و كشفت خيانته.. بس لازم تعرفي إن طلاقي لسلسبيل مش خوف منك لع.. ولا حتى خوف عليها.. أنتي خابرة زين إني أقدر احميها حتى بعد ما بقت مش على ذمتي.. أني طلقتها بس عشان مظلمهاش بنا أكتر من أكده.. لو في ضحية واحدة في كل اللي حُصل لغاية دلوجيت فهي سلسبيل.. ضحية لعبتنا القذرة أني و أنتي، و عشان أكده خرجتها من حياتي قبل ما يجي اليوم وأشوف في عنيها كرهها ليا و ندمها على چوازها مني.. ده اللي مهقدرش عليه واصل.. عندي ابعادها عن قلبي و هي عشقاني ولا تفضل چاري و هي كرهاني"..


صمت لبرهةً و تابع بأسف شديد..

" و هي لسه صغيرة و اللي عاشته في حياتها واعر قوي فقبلت بجوازها مني مغصوبة و اديني عطاتها حريتها لاچل ما تفكر زين هي رايدة أيه و رايدة مين يكون في حياتها اللي واثق أننا هنبقي براها أني و أنتي"..


قبض على عنقها فجأة بقبضة يده و دفعها بقوة حتى ألصقها بالحائط خلفها، كادت أن تلفظ أنفاسها من شدة خوفها و قوة ضغطه على عنقها، ليتحدث هو بغضب عارم قائلاً..

" أني أقدر اقتلك و ادفنك بيدي على عملتك المهببة دي يا خضرا و مافيش مخلوق هيلوم عليا.. لكن اللي منعني عنك بناتك.. بناتي بس اللي مربطين يدي و حيشني عنك"..


"حقك عليا يا خوي.. الغيرة مرارها واعر ونارها حرقت قلبي و عمت عنيا و خلتني اطلب من حسان الطلب العفش ده.. متزعلش مني يا عبد الچبار"..

قالتها بتقطع بنبرة متوسلة و هي تجاهد لتلتقط أنفاسها..


" اللي عملتيه يأكد إنك محبتنيش واصل ..أنتي بتحبي نفسك ياخضرا.. اللي بيحب حد يفديه بروحه مش يتفق على قتله!! "..


تركها على مضض بعدما رأي تدهور حالتها للاعياء الشديد و كادت أن تفقد وعيها أثر خنقه لها، لتشهق هي بقوة ساحبه أكبر قدر ممكن من الهواء تملأ به رئتيها، ليتابع هو بأمر..

" هتفضلي على ذمتي لخاطر بناتك.. لكن أنتي محرمة عليا و لو مش عچبك هطلقك دلوجيت بس لازم تعرفي زين إن طلاقك مش هيكون في مصلحة البنتة الصغار اللي كلها كام سنة و هيبقوا عرايس و يسألوكي عن سبب طلاقنا فكري هتقولي لهم كنتِ رايدة تقتلي أبوهم ليه.. و لو هما مسألوش الناس هتسأل و لو ملقوش إجابة هيخترعوا إجابة من عندهم و كلام الناس ياما و مهيخلصش.. القرار ليكِ و أي إن كان أني هنفذه"..


" طلاق لا.. أحب على يدك طلاق لا يا عبد الچبار.. هملني على ذمتك يا خوي و أني هعمل المستحيل لاچل ما ترضى عني و تسامحني على اللي عملته في حقك "..


لم ينظر لها،أكتفي بالصمت المُطعم بالتنهيد و هو ينظر للفراغ بشرود و حزن ظاهر بعينيه بعدما تأكد أنه كُتب عليه يعيش وجع الفراق عن معشوقة فؤاده..


................................ سبحان الله العظيم..


" سلسبيل "..


أجرت للتو اختبار حمل منزلي، و تأكدت أنها تحمل طفل "عبد الجبار" داخل أحشائها، ثمرة عشقها منه، فرحتها الحقيقية التي جعلتها تبكي و تذرف الدموع بغزارة، دموع الفرحة التي نادرًا ما تحياها..

"أنا حامل يا ماما عفاف؟ .. بالله أنتي متأكدة أن ده كده حمل؟! "..

همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، و هي تطلع لأختبار الحمل الصغير الذي يظهر به شرطتين دليل على وجود جنينها..

"اه والله حمل يا بنتي.. مبروك.. ألف مبروك يا حبيبتي"..

أردفت بها "عفاف" وهي تقبلها بحب من وجنتيها، و تضمها بلهفة لحضنها، ربتت على ظهرها بكف يدها كمحاولة منها لتهدئة حدة بكائها الذي كان يشق سكون المكان من حولها حتى أنه وصل لسمع "جابر" الذي كان ينتظرها في الخارج، مقدرًا حالتها و  غيابها عليه كل تلك المدة..


" سلسبيل!! ".. نطق بها بصوته المتلهف قبل أن يدلف لداخل غرفة "عفاف" الخاصة عبر بابها المفتوح، ابتعدت "سلسبيل" عن حضن "عفاف" و تطلعت تجاه مصدر الصوت، لتشهق بخفوت من هيئة "جابر" التي بدت مزرية للغاية..


"أنتي كويسة؟!".. 

قالها بأنفاس لاهثه أثر ركضه على الدرج و قطع المسافة بينه وبينها في خطوتين فقط حتى توقف أمامها مباشرةً، يتطلع لها بنظراته المُتيمة التي يملأها العشق و الإشتياق الأبدي لها .. 


تأملت هيئته، لحيته الكثيفة الغير منمقة على غير عادته، عينيه الذابلة الحزينة، الإجهاد على ملامحه و كأنه لم يرى النوم منذ تركها لمنزله.. 

"أنا كويسة الحمد لله .. أنت اللي مالك يا جابر.. شكلك مش طبيعي.. في حاجة حصلت؟!".. 

غمغمت بها "سلسبيل" بعدما سيطرت على حدة بكائها، رفعت يدها و زالت دموعها من علي وجنتيها.. 


حاول هو السيطرة على ضعفه أمامها إلا أن حزنه و ألمه لم يمهله، فتجمعت العبرات بعينيه أفزعتها و جعلتها تعاود البكاء من جديد متمتمة بصوتٍ مرتعش.. 

" جابر في أيه؟! "..

ابتلعت لعابها بصعوبة و تابعت بخوف.. 

"جدي جراله حاجة؟".. 


حرك رأسه لها بالنفي، و همس بصوتٍ اختنق بالبكاء قائلاً.. 

"أمي.. أمي ماتت يا سلسبيل".. 

شهقت بقوة و هي ترفع كفها تضعه على فمها، و تطلعت له بأعين جاحظة منذهلة غير مصدقة ما ألقاه على سمعها.. 

" أنت بتقول أيه.. خالتي ماتت!!.. إزاي و أمتي.. ده أنا سيبها كانت كويسة و مافيهاش أي حاجة!"..


لم يرد عليها، كان ينظر لها نظرة احتياج يملؤها الحزن، هو الآن في أصعب و أضعف حالته، أظهر ضعفه هذا لها هي وحدها، نظرته لها كانت تستجديها أن تتركه يضمها، و لو لمرة واحدة و يموت بعدها لن يمانع على الإطلاق، تفهمت هي نظرته جيدًا و ما يدور في خاطره، فتوترت و حاولت الفرار من أمامه إلا أنه لم يترك لها فرصة هذه المرة، و خطفها من خصرها دون سابق إنظار في عناق محموم دافنًا وجهه بعنقها، عينيه تذرف الدموع  دون بكاء.. 

"سبيني أحضنك عشان خاطري يا سلسبيل ".. همس بها و هو يحتوي جسدها الصغير بين ذراعيه حتى رفعها عن الأرض تمامًا حين شعر بمحاولتها لأبعاده عنها.. 


"جابر!!"..


زاد من ضمها له، و أخذ نفس عميق يملأ رئتيه بعبقها قبل أن يجيبها بلهفة قائلاً.. 

"يا عيون و قلب جابر".. 


" أنا حامل".. 

شعرت بتصلب جسده حولها، ابتعد عنها ببطء حتى تقابلت أعينهما في نظرة طويلة كانت بالنسبة لها بمثابة نظرة النهاية، نهاية لقصة عشقهما التي لم تبدأ بعد.. 

واستغفروا لعلها ساعة استجابة..


تكملة الرواية حتى نهايتها من هنا


❤️💙❤️💙❤️💙❤️💙❤️💙❤️💙

الصفحه الرئيسيه للروايات الكامله اضغطوا هنا  

❤️💙❤️💙❤️💙❤️💙❤️


تعليقات

CLOSE ADS
CLOSE ADS
close