القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

نعيمي وجحيمها الفصل السادس والثلاثون حتي الفصل الاربعون بقلم أمل نصر بنت الجنوب كامله على مدونة النجم المتوهج للروايات

نعيمي وجحيمها
الفصل السادس والثلاثون حتي الفصل الاربعون
بقلم أمل نصر بنت الجنوب
كامله على مدونة النجم المتوهج للروايات


 الفصل السادس والثلاثون 

سلطان القلوب حين يقرر لا ينتظر أسباب.

يحكم بما يهواه، حتى لو ضد رغبة صاحبه.

أعمى عن عيوب معشوقه مهما بلغت.

جامح عن الحكمة وتحكمات العقل.

وشقي هو من يعارضه!


❈-❈-❈ 


عادت اَخيرًا لمقر عملها الذي اشتاقت إليه بكل جوارحها، بعد إجازة استمرت لأسبوعين بسبب إصابة قدمها لحقتها بأسبوع ثالث على قصد؛ حتى تتجنب اللقاء به على الفور وتتجنب الصدام معه، وقد شهدت بنفسها على صدمته وقت لقاءه الكارثي على باب منزلها، بكارم ووالدته في صدفة غريبة جعلته يعلم بما انتوته فور حدوثه، من ألجيد انه تمالك نفسه وتعامل مع الأمر بزوق وروية، رغم شحوب وجهه الذي لم يخفى عليها،

تتمنى بهذا الأمر أن تغلق صفحته لتسير بحياتها التي رسمتها من قبل وقد كافأها القدر بمنحها ما تتمناه، ولكن هل هذا حقًا ماتمنته؟

عند خاطرها الاَخير استفاقت من شرودها، لتنتبه على قربها من غرفته في الرواق المؤدي لغرفتها هي أيضًا ولكن في الناحية الأخرى، خطر على رأسها أن تدلف إليه وتحادثه بلهجة عادية يتقبلها هو فتعود علاقتهم كزملاء وفقط، رغم شكها في هذا الأمر لطبيعته الثورية دائمًا وجرأة افعاله الغير متوقعة على الإطلاق، ولكن كل شئ مع الوقت يمر، وقد مر الاَن اسبوع فلابد انه نسي أو هدأ عقله من ناحيتها، فتحت باب غرفتها لتلج بالداخل وعقلها مازال هناك أمام غرفته، تتسائل مع نفسها، هل كان من الواجب ان تدلف إليه برسمية لتخبره بمجيئها؟ ام كان يجب ان تقابله كما قررت بلهجة عادية على اعتبار، ان تكون هذه طريقة تعاملها معه في المرحلة القادمة، هي تعلم بمساؤه كما تعلم بحسناته، لابد أنه هدأ الاَن وعلى استعداد للتعامل معها بحضارة. 

انتفضت فجأة لتلتف بجسدها مجفلة على دفعة قوية لباب غرفة مكتبها لتفاجأ به أمامها بوجهه المتجهم الغاضب، ليصفق الباب خلفه بعد ذلك ويغلقه بنفس القوة السابقة،

ارتجفت على غير توقعها وهي تتطلع إليه بهذه الهيئة الغريبة عنها وهو يتقدم نحوها كفهد بري، حلته السوداء وقميصه ألاسود والبنطال بنفس اللون لتكتمل الصورة بطوله المهيب وجسده العريض، عيناه الحمراء وذقنه الغير حليقة مع صوت انفاسه الهادره الذي تصل إليها فيبث بقلبها الخوف بشدة، وهي تجاهد وتدعي التماسك حتى خرج صوتها اخيرًا:

- إنت ازاي تخش كدة؟ مش تستأذن الأول ؟

وكأنه لم يسمعها اقترب أكثر ليميل بوجهه قائلًا بهدوء مريب:

- ليه؟

حركت رأسها تدعي عدم الفهم وهي ترد:

- ليه إيه بالظبط مش فاهمة؟

اقترب اكثر لترتد هي غريزيًا للخلف تراقب قوله وهو يكز على أسنانه:

- بلاش تستهبلي انت عارفة انا بسألك عن إيه؟

- استهبل دا آيه؟ مش تخلي بالك من كلام...... ااه.

صرخت بها وقد أجفلها بقبضه على مرفقيها بقوة ليقربها نحوه بعنف هادرًا:

- بصي في عيوني كويس ياكاميليا وقولي، فضلتيه عليا ليييه؟

أجفلها حجم غضبه وجنونه ولكنها تمسكت بكبريائها الزائف لتردف له بدفاعية تُخفي بها جزعها منه:

- انت بينك اتجننت باين ولا إيه؟ سيب إيديا ياطارق، انا مش عايزة اتصرف واعملك فضيحة.

هزهزها بقبضتيه غير مبالي بصياحها:

- ردي ياكاميليا وبلاش تتهربي من الإجابة انا على اَخري، بتعشميني بقربك بعد ما حكيتي عن أدق اسرارك ليا، وبعدها تطعنيني في ضهري بخطوبتك من كارم، مين أحق؟ انا ولا هو عشان تفضليه عليا؟

تمالكت نفسها قليلًا قبل أن تعود لطبيعتها العنيدة، فقالت بتحدي :

- انا ماحكتلكش عشان اقربك، انا حكيت عشان تفهم من نفسك السبب اللي واقف بيني ومابينك.

انعقد حاحبيه بشدة يستوعب قبل أن يهتف بغضب حارق:

- قصدك انك شايفاني في صورة جوز امك؟ هو دا اللي تقصديييبه؟

أكملت بتشفي رغم الاَم ذراعيها حتى توقفه بالحُجة:

- وانت تفرق إيه عنه ولا انت مش واخد بالك من نفس الصفات اللي قولتها؟

ازداد عنفوان ثورته مع ازدياد ضغط قبضتيه على مرفقيها يهدر بألم قلبه:

- هي دي الصورة اللي رسمهالي في عقلك عشان تبعديني عنك، انا عمري ما كنت خاين ولا خدت ست من جوزها، انا عمري ما بصيت لمرات صاحبي، انا عمري ماغدرت بحد حتى لو كان عدوي......

- بس بتاع نسوان. 

قالتها مقاطعة بحدة، لتصل إليه وكأنها نصل سكينًا حامي اخترق عظام صدره، فرد بصوت متهدج:

- تمام يا كاميليا زي ماقولتي كدة بتاع نسوان

صرخ بعدها بتقرير :

- يعني عندي خبرة ياحلوة خلتني اكشفك واعرف انك بتبادليني نفس الشعور.

نفت برأسها تحركها بعنف رافضة بتشنج، واستطرد هو:

- لا ياكاميليا صدقي، رعشتك في ايدي تأكد كلامي، نظرتك ليا تأكد كلامي، قلبك اللي بيصرخ بأسمي دلوقتِ وانا سامع صوت دقاته كلهم بيأكدوا كلامي .

توسعت عيناها بجزع تناظره بصدمة وانفاسِ متلاحقة، وهذه الحقائق التي يلقيها بوجهها مع هذا القرب الذي فرضه عليها، ليلُفهم الصمت لحظات، جعلته ينسى نفسه وغضبه ليضُعف أمام فتنة وجهها القريب من وجهه، فازداد خفقان قلبه وارتكزت عيناه على شفتيها حتى دنى برأسه نحوها بدون تفكير وقبل ان يتمكن من فعل ما صرخ به وجدانه، افاقته هي بدفعه بكفيها على صدره لتتمكن من افلات نفسها والابتعاد عنه وقد ارتخت ذراعيه وأعصابه عنها حتى ذهنه تشتت، فزرأت هي بعنف وقوة اكتسبتها مع مرورها بتجارب مشابهة قبل ذلك:

- اتفضل اخرج برا وماشوفش وشك هنا تاني، اخرج برا يا طارق عشان ما ابلغش عنك حالًا.

ناظرها بتحدي لبعض الوقت قبل أن يخرج كما دخل ويصفق الباب خلفه بعنف، تهاوت قوتها الزائفة وسقطت على الكرسي خلفها لتتنفس اَخيرًا واضعة كفها على صدرها، فتطلق العنان لشهقة مؤلمة، خرجت من أعماق قلبها الذي كان يصرخ بين أضلعها وكأن بضرباته القوية يعاقبها أو يعبر لها بطريقته عن اعتراضه.

❈-❈-❈ 


- ها بقى ايه الأخبار ؟

تفوهت بها زهرة وهي تدلف خلفه لداخل غرفة مكتبه بعد أن عاد لمقر عمله اَخيرًا وقد قارب يوم العمل على الانتهاء، في مهمة عمل خارجية واجبة النفاذ.

خطا ليسقط بجسده المرهق على الكنبة الجانبية في الغرفة الشاسعة، جذبها لتسقط جالسة بجواره قائلًا بحزم:

- اسألي وانتِ جمبي، مش وانتِ واقفة.

اومأت برأسها لتعيد السؤال بصيغة أخرى:

- ماقولتليش عملت ايه طيب في محادثاتك مع الراجل ده اللي اسمه مصطفى عزام ؟

تنهد مطولاً ليتكئ بظهره للخلف ورد باقتضاب:

- كل خير والحمد لله.

- اه يعني اتفقتوا ومضيتوا العقود ؟

رددتها بإلحاح ينبع من قلقها، شعر به هو ليُهديها ابتسامة بلون عشقه قبل أن يطبع قبلة عميقة على وجنتها ليطمأنها بإجابته:

- اتفاهمنا ومضينا العقود واتفقنا على عزومة عشا لزوم الاحتفال بالشراكة الجديدة. 

تبسمت بارتياح وفرح لهذه الأخبار الجيدة والسعيدة، فتابع لها:

- الاحتفال هايكون بكرة ان شاء الله في فندق شهير هو يملكه، عايزك تجهزي نفسك من دلوقت

خبئت ابتسامتها لتسأله قاطبة جبينها بدهشة:

- وانا مالي ياجاسر، هاجي معاكم ليه بقى؟

عبس وجهه الذي اشاحهه للحظات قبل أن يلتفت إليها مخاطبًا بجدية:

- العشا هايكون اسري يازهرة، هو وأخوه هايجيبوا زوجاتهم معاهم، ووالدي هايجبب والدتي معاه وانتِ هاتيجي معايا.

رفرفرت بأهدابها قليلًا تستوعب قائلة بعدم تصديق:

- انت بتتكلم بجد، عايزني انا ووالدتك نتعزم في حتة واحدة مع بعض، خلاص بقى، بلاها انا اروح معاكم .

حدجها بنظرة غاضبة قبل أن يقول:

- والدتي يستحيل تعمل حاجة تضر بصورتها ولا شكلها قدام الناس، دا لو فكرك انها ممكن ماتعاملكيش كويس ،ثم انه كمان ما ينفعش اروح انا لوحدي، وكل واحد جاي وساحب مراته في إيده في العزومة وابقى انا بطولي كدة، ولا انتِ شايفاني راجل عازب يازهرة؟. 

اطرقت رأسها وارتسم على وجهها التردد، فقالت بنبرة خفيضة بحرج:

- انا مش عايزة افكرك ياجاسر بوضعي واللي بيتقال عليا.

هتف بصرامة:

- انا قولتلك من الاول اني هاقدمك للناس كلها عشان تعرفك، يعني ماحدش يقدر يقربلك ولا يمسك بكلمة وانتِ مرات جاسر الريان، فاهمة يازهرة ولا لأ.


❈-❈-❈ 


- نعم! انت بتتكلم بجد ولا بتهزر ياعامر؟

هتفت بها لمياء ساخطة وهي تخاطب زوجها وكان رده الحازم:

- لأ مش بهزر يا لميا، مرات ابنك هاتيجي معاه العزومة، يعني لازم تجهزي نفسك لمقابلتها، وتنسي اللي في دماغك بقى.

صاحت معترضة بعنف:

- ودي اعملها ازاي ان شاء الله بقى؟ هو انت وابنك مش واخدين بالكم ولا درانين بالموضوع كله، مصطفى هايجيب مراته اللي مصر كلها تشهد على اناقتها وجمالها واخوه هايجيب زوجته الأجنبية يعني ماتختلفش عنها غير في الشهرة بس، ابنك بقى هايدخل عليهم بصاحبة الصون والعفاف اللي شغالة عنده سكرتيرة ووالدها سمعته بقت على كل لسان.

عبس يرد بقوة:

-،الشغل مش عيب يا لميا، ثم إن حكاية والدها دي لسة في التحقيق ومافيش حاجة مؤكدة، وحتى لو في، ماحدش له دعوة بينا ولا له حق الإعتراض على زوجة جاسر الريان .

- انت بتضحك عليا ولا على نفسك؟ فوق ياعامر، النسب دا ما يشرفش اي عيلة محترمة عادية، مش عيلة بأسمنا ووضعنا قدام العالم كلها، حتى لو انكرت انت وابنك قدامي ولا قدام الناس، لكن برضوا متأكدين من جواكم ان كلامي صح.

قالتها لمياء بثقة قبل ان تنهض عن جلستها معه وتتركه لأفكاره المتخبطة.


❈-❈-❈ 


-ماهو عنده حق برضوا يازهرة، دا الصح على فكرة.

قالتها كاميليا وهي تقلب في مجموعة ملابس امامها بالمحل الخاص بملابس المحجبات بأحد المولات الشهيرة، واستطردت امام صمت الأخرى وهي تسحب معها إحدى القطع :

- انا كمان من رأي إن انت لازم تاخدي ثقة أكتر من كدة في نفسك، جاسر الريان بيتحدى بيكِ العالم يا زهرة، يعني لازم تكوني قد التحدي ده.

تناولت زهرة منها القطعة والتي كانت عبارة عن فستان سهرة محتشم بألوان زاهية تليق بالسهرة، وردت وهي تتطلع فيه بدقة متفحصة:

- والله عارفة كل كلامك يا كاميليا، بس اعملها ازاي دي بقى؟ وانا حاسة إنها دنيا غريبة عليا، وحكاية والدي صعبت عليا اوي إن اندمج مع الناس دي.

سهمت كاميليا بكلمات صديقتها بحزن اكنتفها وهي تقدر ما تشعر به، وسألتها:

- هو جاسر لسة ملقاش حل في موضوع والدك؟

اومأت لها بشبه ابتسامة ساخرة، لتجيبها بيأس وقد تركت الفستان من يدها وسندته على الطاولة الزجاجية بجوارها:

- للأسف الولد اللي قال عليه ابويا فص ملح وداب، والمحامي بيعمل اللي عليه عشان يخرجه منها قبل المحاكمة، هتصدقي بقى لما اقولك إن ابويا بقى مشهور في القسم من كتر الصحفين اللي بتسأل عليه، ولسة كمان، لما تيجي المحاكمة هايبقى نجم وترند ع السوشيال ميديا، وسلميلي بقى على مظهري كزوجة لجاسر الريان .

شحب وجه كاميليا من مجرد التخيل لوضع زهرة وزوجها لو حدثت المحاكمة لتتناقل اللسنة الخلق بالخبر دون رحمة، هزات رأسها لتجلي الفكرة السيئة عنها فقالت مخاطبة زهرة بحزم:

- بقولك إيه يابت انتِ، اهمدي كدة وشيلي الأفكار السودة دي من دماغك، احنا ماصدقنا الله يرضى عنك نلاقي وقت نتلم فيه مع بعضينا، عايزين نعيد الأيام الجميلة يا زوزو.

استجابت لها زهرة بابتسامة جميلة أسعدتها، فتابعت كاميليا سائلة:

- ها ياقطة بقى، عجبك الفستان ولانغير؟

ردت زهرة وهي تعيد رفع الفستان أمامها لتعيد تأمله:

- كويس وحلو، بس انا خايفة يطلع ضيق. 

ردت كاميليا وهي تتفحص الفستان معها:

- لا ضيق دا إيه؟ كويس يازهرة وقد مقاسك على فكرة، بس هو هايبقى مظبوط حبتين مش واسع قوي زي بقية هدومك، احنا عايزين نغير النظام شوية. 

عبست زهرة وارتسم الضيق على ملامح وجهها لترد بحدة:

- يعني ايه بقى؟ عايزاني اغير اللي اتعودت عليه، انا مابرتحش غير في الواسع يا كاميليا. 

لفتت لهجتها الحادة عاملة المحل التي رمقتها بدهشة انتبهت عليها كاميليا، فاقتربت منها تخاطبها بهمس:

- وطي صوتك يازهرة وبلاش منه انفعالك دي، انا مش بقولك غيري مبادئك، انا كل اللي بطلبه حاجة تبقى شيك ومظبوطة عليكِ وحشمة، عشان لو اتخدت ليكِ صورة مع الناس دي، ماتبقيش أقل منهم او مختلفة عنهم، فاهماني؟

شحب وجه زهرة لينقلب لعدة أللوان، وسألتها بدهشة امتزجت ببرائتها:

- معقول! طب واحنا نتصور ليه معاهم؟

هزت رأسها كاميليا بابتسامة يائسة وهو تعطي الفستان لعاملة المحل، ثم اقترب من زهرة تخاطبها برقة:

- يازهرة يا حبيبتي افهمي بقى، لقاءات الناس دي؛ اهم ضلع فيها المظاهر، دي ناس مشهورة وفي أي مكان الناس بتاخدلهم صور، او هما نفسهم ياخدوا الصور دي، ويعلنوا بيها عن اعمالهم أو شركاتهم، ولا انت مفهمتيش كلمة جاسر الريان لما قالك تجهزي؟

اومأت زهرة رأسها بتفهم رغم ترددها، ليتشعب داخلها القلق ويظهر في نبرة صوتها:

- طب انا حاسة كدة ان الموضوع اتصعب عليا أكتر، هاقدر ازاي بقى اسد في الحاجات دي؟

- وانا روحت فين يابنتي؟ اصحي كدة وفوقي، صاحبتك مش هتخليكِ تروحي الحفلة دي وانتِ مش اقل من النجمة نفسها، ولا انت مش واثق فيا ياباشا؟

قالتها كاميليا بنبرة مرحة أدخلت على قلبها الاطمئنان، فلم تملك سوى التعبير عن امتنانها بضمة اخوية استشعرتها كاميليا بكل حب معها، قبل أن تفك نفسها منها قائلة:

- ياللا بقى خلينا نستعجل عشان نخلص شرا لبقية الحاجة اللي محتاجينها مع البت غادة اللي صدعتنا بحفلة صاحبتها اللي بتقول عليها مهمة دي، وعشان ، كمان اللحق خروجتي مع كارم.

- طب ثواني بس دقيقة

قالتها زهرة وهي توقفها فجأة عن التحرك، فقالت بتردد مستغلة انشغال العاملة عنهم:

- هو انت فعلًا بتحبي كارم ده عشان تقبلي بيه؟

امالت رأسها إليها تنظر لها عاقدة الحاجبين باستفسار، فتابعت زهرة:

- أنا أسفة لو هاتدخل في حاجة زي، بس جاسر حكالي عن طارق، دا حالته صعبة اوي.

قلبت كاميليا عيناها تتنهد بسأم واستطردت زهرة:

- لو بتحبيه بجد تقبلي ليه بكارم؟

اوقفتها بإشارة من يدها:

- بس يازهرة الله يخليكِ بلاش تفتحي الموضوع ده، انا تقريبًا بقيت مخطوبة دلوقتي، ويوم ولا اتنين هتبقي خطوبة رسمي، يعني خلاص خلصت.

قالتها كاميليا بحسم تنهي الجدال وتحركت من أمامها لتسبقها في الخروج، غمغمت زهرة خلفها وهي تلحق بها:

- يارب فعلًا تكون خلصت؟ 

وخارج المحل تلقفتهم غادة بلهفة لتسحبهم من أيديهم مرددة:

- اَخيرًا خرجتوا من دا المحل، بسرعة معايا بقى عشان تقولولي رأيكم في اللي اختارتها.

- انتِ اختارتي إيه؟

سألتها كاميليا لتفاجأ بعد دقائق بهذه القطعة الخفيفة، الغريبة، الصغيرة، وبادرت زهرة بالسؤال:

- ايه دا ياغادة؟ انتِ بتسمي دا فستان؟

تخصرت لها ترتد بتهكم:

- أمال انتِ شايفاه إيه بقى ياست زهرة؟ قميص نوم مثلًا.

- ماهو فعلًا مايفرقش عنه!

تمتمت بها زهرة بعفويتها غير مبالية بها، فاستشاطت الأخرى غاضبة وقبل أن يخطئ لسانها بالرد، سبقتها كاميليا قائلة بمهادنة لجنونها:

- الفستان دا ماينفعش ياغادة، انتِ بتقولي انك رايحة حفلة لواحدة صاحبتك، ودا ماينفعش لفرح شعبي حتى.

الجمتها كاميليا بحكمتها فجعلتها ترد بنبرة متراجعة:

- طب اعمل ايه بقى؟ انا عايزة حاجة تلفت النظر وتبيني جامدة اَخر حاجة، قدام صاحبتي وعيلتها. 

سألتها زهرة:

- صاحبتك دي تبقي مين بقى؟

ردت غادة بنزق:

- إيه ياست زهرة؟ هو انا لازم اديكي تقرير كمان عن صحابي؟

كظمت زهرة غيظها كالعادة، وردت كاميليا لتنهي الجدال:

- خلاص ياغادة لا تقولي ولا تعيدي، انا هانقيلك حاجة جامدة زي مابتقولي وبنفس الوقت مايبقاش فيها اسفاف، عشان ماحدش يفهمك غلط. 

قالتها وتحركت على الفور تبحث في كمية الملابس المعلقة لتنتقي منهم مايليق، فقالت غادة من خلفها وقد دب في قلبها الحماس:

- نقيه بقى ملعلع ويكون فيه شغل كتير.

سمعت كاميليا فالتفت لها برأسها فاغرة فاهاها بيأس.


❈-❈-❈ 


عاد من الخارج بخطوات رتيبة عن عادته القى التحية على والدته بروتينة غريبة عن مرحه الدائم، وارتمى بجوارها جالسًا بفكره الشارد، لكزته والدته تستكشف ما به سائلة:

- مالك ياواد؟ مش عوايدك تخش وبوزك مقلوب كدة؟

اجابها بلهجة فاترة

- لأ عادي، شوية مشاكل بس في الشغل ماتشغليش نفسك انتِ.

هتفت بعدم تصديق:

- مشاكل دي إيه ياعنيا اللي تقلب خلقتك كدة؟ في إيه يا خالد؟

تكتفت ذراعيه وارتكزت انظاره في الفراغ بوجهه الواجم، دون أن يجيبها، فلم تكرر رقية السؤال وقد دب بقلبها القلق من هيئته، هو ابنها وهي اكثر من تعلم بكل حالاته وردود أفعاله، سألته بخوف حقيقي:

- هو في إيه بالظبط ياخالد؟

تنهد مطولًا ليجيبها بعد عذاب انتظارها:

- ماقولتلك يامّا مافيش حاجة.

صاحت هادرة بنفاذ صبر:

- تاني برضوا هاتنكر، هو انت قاصد تحرق دمي النهاردة ياخالد؟ طب انت جاي من فين أصلًا في الساعة المتأخرة دي؟ ميعاد شغلك بينتهي من زمان أصلًا؟

- جاي من عند السمسار. 

قالها فجأة وازداد بداخله الشك وهو يشعر بإجفالها السريع، وعيناها التي تهربت على الفور من مواجهته بارتباكٍ استرعى انتباهه ليميل بجزعه نحوها ويتفرس ملامحها بدقة، فإن كانت هي تحفظه فهو يحفظ أقل حركة بأصغر عضلة في وجهها، ويعلم ماخلفها!


❈-❈-❈ 


- هاتختاري انتِ ولا اختارلك أنا؟

تفوه بها سائلًا، بعد أن أتى بها في أشهر المطاعم الأيطالية في العاصمة، أجابته وهي تضع القائمة من يدها على الطاولة أمامها:

- لا ياسيدي اختار انت عشان اشوف زوقك. 

رد بابتسامة اظهرت وسامته:

- طبعًا زوقي يجنن، امال اختارتك إنتِ ازاي يعني؟

بادلته ابتسامتة ببعض الخجل صامتة، فانتقل بعيناه هو نحو القائمة التي بيده ليختار منها الأطعمة التي سيتناولها معها.

اخدتها فرصة لتتأمله، وجهه الوسيم والمنحوت بدقة مع انفه المستقيم بإرستقراطية، جسده الرياضي يُظهر مدى حفاظه على صحته، شعر رأسه الكستنائي والمصفف بعناية على مدى تاريخ معرفتها به لا تذكر في مرة أن رأت ولو خصلة صغيرة شاردة أو مشعثة منه، دائمًا منمق وكأنه خارج على الفور من احدى مجلات الموضة الرجالية، يرتدي حلته الرمادية وقد كافئها اليوم بتخليه عن رابطة عنقه، كارم منضبط دائمًا في عمله وأيضًا في مظهره.

قطع شرودها صوت النادل الذي تلفظ باللغة الإيطالية فلم تفهم منه شئ، ولكن كارم رفع رأسه عن القائمة يخاطب الرجل بلكنته وكأنه من نفس بلدته، قطبت وهي تتابعهم حتى انصرف النادل بابتسامة واسعة لكارم بعد أن عرف منه الأصناف التي اختارها، فالتفت إليها يعطيها انتباهه كاملًا فسألته بدهشة:

- مكنتش اعرف انك بتعرف ايطالي؟

- واسباني وفرنسي مع الإنجلش طبعًا. 

قالها بنبرة متفاخرة أشعرتها ببعض الضيق، ولكنها تمكنت من أخفاءه بابتسامة رأئعة، فتملكها الفضول لسؤاله:

- هو انت بتلحق تعمل دا كله إمتى؟

هز رأسه باستفسار، فتابعت بتوضيح:

- قصدي يعني.. ازاي وسط مسؤلياتك الكتير مع جاسر الريان بتلحق تهتم بنفسك وبالرياضة عشان جسمك وتتعلم لغات، لا وكمان بتعرف مطاعم وتروحها. 

اتسعت ابتسامته ليردف لها:

- النظام يا كاميليا، أهم حاجة الواحد يعرف ازي ينظم وقته، قيمة الوقت هي اللي بتفصل بين الناس الناجحة اللي بتعرف تقدره والناس الفشلة اللي بتهدره،.

اومأت برأسها بتفهم لتقول بتفكه:

- بصراحة انا كنت فاكرة نفسي منظمة بس بعد ما شوفتك عرفت اني هوا .

- بس انت مش فاشلة .

قالها فتمتمت بالحمد لتسأله بتفكه:

- افتكر اني لو فاشلة مكنتش هاتبصلي ياكارم صح؟

صمت قليلًا قبل أن يجيبها بجدية:

- شوفي ياكاميليا، انا مانكرش طبعًا اني معجب باجتهادك اللي وصلك لمكانة ممتازة في شركة الريان، بس كمان لو قولت ان دا السبب الوحيد لارتباطي بيكِ، ابقى راجل أعمى أو غبي.

صمت برهة يرمقها بنظرة متفرسة اربكتها ثم تابع

- انتِ مش ست جميلة وبس يا كاميليا، انتِ جميلة بحد الفتنة، يعني جمعتي صفات ملكة الجمال وصفة المرأة الناجحة في ظاهرة نادرة ما بتتكررش كتير، انتِ جوهرة ياكاميليا وعرفت تختار اللي يقدرها. 

رغم أن كلمات الإطراء التي ألقاها على سمعها بإمكانها أن تسعد أي امرأة، لكنه مع تشديده الصريح على كلماته الأخيرة انتابها بعض القلق وهي تشعر انها تحمل معني ما منه.

❈-❈-❈ 


بصدره العاري كان يدخن في سجائر التبغ بنهم علّ بحريقها، تخفف من حريق صدره، متكئ بمرفقيه على السور المعدني لشرفة منزله؛ التي تطل من علو على صفحة نهر النيل عن قرب، فتجعله قبله للعين صباحًا بحركة البواخر والمراكب الشراعية به، وراحة للنفس مساءًا بهدوء يعم كل شئ حوله، الا عنه وقلبه الصاخب بداخله مازال يصرخ ويقاوم في معركة ضد مليكته، التي تُشهر أسلحتها في وجهه بكل شراسة ودون رحمة، غير عابئة بألمها قبل ألمه، تنكر وتُصم أذونيها وكأن بذلك تبعده عنها، ولا تعلم ان كل محاولاتها تأتي دائمًا نتائجها بالعكس.

- طارق باشا، هو في أمل في ليلتنا دي ولا امشي انا ولا إيه بس؟

صدرت من خلفه بغمغمة نسائية نزقة، التفت رأسه نحو الفتاة التي كانت واقفة خلفه بتململ من طول انتظارها بلا فائدة، وقد نسيها في غمرة شروده الذي لا ينتهي، بعد أن أتى بها في فورة غضبه يتنوي الغرق في بئر عشقه للنساء، ليتزوق ريحق الزهور من كل لون لينسى حبه اليائس من ذات القلب المتحجر، ولكن قلبه الشارد عن طاعته كالعادة غلب كبرياءه المجروح، فمنعه عن لمس الفتاة او حتى القرب منها؛ بمجرد أن نظر اليها مطولًا وأتت أمامه صورة معذبته!

وضع يده في جيب بنطاله ليُخرج لها كمية لا بأس بها من النقود الورقية تلقفتها الفتاة بلهفة، تقول:

- يدوم العز ياباشا بس دول كتير أوي، وانت مقربتش مني نهائي.

اومأ بابتسامة جانبية ساخرة:

- معلش بقى اهو من حظك ونصيبك، خديهم وروحي على بيتك

همت لتنصرف صاغرة لمطلبه ولكن شعرت ببعض التردد، فقالت:

- طب انت مش عايز مني أي حاجة؟ انا ممكن أرقصلك او اعمل اي حاجة تفرفشك.

- تفرفشني!

قالها بسخرية مريرة وهو يشيح بوجهه عنها متابعًا بإشارة كفه لها:

- امشي يابنتي امشي.

تنهد بحرقة صامتًا، حتى سمع صوت غلق الباب الخارجي فغمغم بتحسر:

- منها لله بقى، توبتني عن كل الستات وهي كمان حرماني منها. 

ظل قليلًا على وضعه حتى انتفض فجأة يدفع السيجارة من يده، ليردف لنفسه بلهجة حاسمة وقد احتدت عيناه بوميض غريب وغامض:

- ماشي يا كاميليا، انا وانتِ والزمن طويل!

الفصل السابع والثلاثون 


أنهت عملها سريعًا حتى لا تتأخر عن موعدها مع زهرة في  الذهاب معها الى صالون التجميل بعد أتفاقهم السابق كي تجهزها وتشرف على إطلالتها  لحفل المساء الذي سوف تحضره مع زوجها وعائلته في عقد الشراكة الجديد، اسرعت بالخطوات لتلحق بالمصعد قبل أن ترى وجهه وقد تعمدت اليوم بعدم اللقاء به، بعد صدمتها برد فعله المجنون بالأمس، ولا حتى في أقصى خيالاتها توقعت حجم تطرفه هذا في التعامل معها، يدعي انها طعنته بخطبتها لكارم، وكأنها أعطته وعدًا بالعشق، مجنون!

دلفت لداخل المصعد وقبل أن يتم الباب اغلاقه وجدته يلج لينضم معها على اَخر لحظة، فلم يسعفها الحظ بالخروج وتركه، زفرت بعنف تظهر له تأففها ليفاجئها بهذه النظرة الغريبة مع وقفته الاغرب وقد قصد الوقوف أمامها مباشرةً واضعًا يديه بجيبي بنطاله يناظرها بتمعن وعيناه تتفحصها بجرأه مقصودة ومتعمدة، حدجته بنظرة زاجرة لينتبه، فكان رده ابتسامة جانبيه ساخرة بارتخاء، اثار بروده احتقانها فهتفت بوجهه:

- في إيه؟

حرك رأسه باستفهام يدعي عدم الفهم، فصاحت فاقدة حكمتها:

- انا بسألك بتبصلي كدة ليه؟

ارتفع حاجبه مع ابتسامة ماكرة اعتلت وجهه لعدة لحظات صامتًا باستمتاع، فازداد احتقان وجهها حتى اصطبغ بحمرة الانفعال، وحينما أصابها اليأس من رده، دبت بأقدامها تشيح بوجهها عنه وهي تفور من الغيظ، وهذا كالتمثال واقفًا محله يرمقها بسهامه المتفحصة، وصلها صوته اَخيرًا بنبرة متسلية :

- بتاع نسوان بقى، عايزاني ابص ازاي يعني؟

التفت برأسها إليه فاغرة فاهاها وعيناها الجميلة  توسعت بذهول من جرأته؛ ليُجفَل على لون القهوة الذي توهج بقوة تغريه بالاستمرار في إستفزازها؛ كي يتنعم برؤيتهم المحببة اليه، لا بل هو على استعداد ليبقى اسير النظر اليهم حتى يفنى عمره، قطعت شروده هادرة بغضب:

- بلاش اسلوبك المستفز دا يا طارق، احنا ناس محترمين. 

- بجد ؟!

قالها بسخرية ضاحكًا بدون صوت، فانفتح باب المصعد الذي توقف فجأة على الطابق المقصود، تنهدت هي براحة تحرك اقدامها للخروج بسرعة ولكنه فاجئها باعتراض طريقها متصدرًا بجسده الضخم أمامها، ارتفعت عيناها اليه، فتقابلت بهذا الدفء الغريب في نظرته؛ وقد ذهب عن وجهه الهزل، ليرتسم محياه بتعبير.... رفضته بقوة لتدفعه بكتفها وتخرج بعنف خطواتها، وظل هو محله يراقب انصرافها حتى اختفت من أمامه، ليستدرك اَخيرًا وضعه بالمصعد والذي ذكره بوضعه معها بين الصعود لسماءها الصافية ودنيا البراح في العشق أو الإنسحاب والخروج نهائيًا من محيطها.


انتفض فجأة ينتزع نفسه من شرودها وتحركت اقدامه الكبيرة بخطواته الواسعة حتى خرج هو الاَخر من المبنى؛ فاصطدمت عيناه بغريمه الذي كان في انتظارها، واقفًا بجوار سيارته بهيئته الاَلية، واناقته المبالغ فيها دائمًا، هذا الرجل لا يعجبه حقًا!

كان قد وصل الى سيارته قبلها ، فتحركت رأسه نحو هذا المدعو كارم بتحية فاترة ، رد الاَخر التحية بروتنية مثلها  قبل أن ينشق ثغره بابتسامة متكلفه فور أن اقتربت منه ليصدمه بفعل كاد ان يطيح بعقله، توسعت عيناه وخرج من فمه السباب بكلمات وقحة، متوقعًا اعتراضها على تقبيل هذا ال..... لها من وجنتيها، ولكن لم يحدث!

                   ❈-❈-❈ 


- لو سمحت ياكارم ماتعملش كدة تاني. 

قالتها اَخيرًا بعد تحرك السيارة، تجاهد لضبط النفس  والتحكم بصعوبة في نبرة صوتها الذي كان يهتز من فرط غضبها الذي ازداد بعد رده:

- هو إيه بالظبط اللي معملوش؟

أجابته متنهدة بسأم:

- أن سلامك ليا يبقى بالبوس على الخدود، انا مسمحش بالكلام ده حتى لو خطوبة رسمي، مش لسة مجرد كلام .

- مجرد كلام !

قالها والتفت رأسه إليها بهدوء غريب يكمل:

- هو مش مجرد كلام يا كاميليا، احنا فعلًا بقينا مخطوبين بقراية الفاتحة، وحفل الخطوبة يبقى بس إشهار.

هتفت بحدة:

- حتى لو كان، برضوا ماينفعش، انا اتربيت على كدة ياكارم.

رمقها بابتسامة غامضة ثم قال مغيرًا دفة الحديث:

- هاتخلصي امتى مشوارك مع زهرة؟ عشان اجهز نفسي انا كمان 

حدجته مندهشة لتعمده تجاهل كلماتها فقالت بامتعاض:

- معرفش هانخرج امتى؟ ثم انه كمان مش لازم توصلني، انا عارفة ومقدرة مسؤلياتك الكتير مع جاسر الريان.

التف إليها مردفًا بابتسامته غريبة:

- اصلك ما تعرفيش الجديد بقى، انا وانتِ كمان معزومين ع الحفلة الليلة.

عقدت حاجبيها بشدة لتسأله باستغراب:

- وانا وانت نروح ليه بقى؟

اجاب بابتسامة ازداد اتساعها:

- انا هاروح بصفتي مدير أعماله في المجموعة كلها وانتِ بصفتك خطيبتي، 

حركت رأسها بعدم استيعاب لقرارته المفاجئة وقالت بغيظ:

- ولما هو كدة ما اتصلتش ليه وقولتلي عشان اجهز نفسي ولا اشتريلي حاجة كويسة مع البنات امبارح؟ جاي دلوقتِ تفاجئني ياكارم؟

اجابها ببساطة:

- عشان بحب المفاجأت ياستي، وعلى العموم انا برضوا عملت حاسبي، اختارت لك اون لاين احلى فستان يليق بجمالك، وبعد ساعة كدة ان شاء الله هايوصلك على  صالون التجميل وانتِ بتجهزي مع زهرة .

مالت اليه برأسها قائلة باستنكار:

- ياسلام! عملت حسابك ونقيت الفستان اون لاين من غير ماتقولي، طب بلغني حتى عشان اقول لأهلي ، او اشوف الفستان هايليق عليا ولا لأ.

أردف يُذهلها:

- انا اتصلت بوالدك وبلغته ياكاميليا ولو ع الفستان ياستي، ماتقلقيش ابدًا من زوقي، انا راجل واعرف اقدر الجمال كويس قوي. 

قال الأخيرة بنظرة شملتها من الأعلى للأسفل، أثارت بقلبها الرجفة للمرة الثانية منه، لتكتشف اخيرًا انها لم تكن تعلم عن هذا الرجل شيئًا على الإطلاق، سوى جديته في العمل وصورته البراقة دائمًا.

- ها ياقمر ، ماردتيش يعني؟

سألها مقاطعًا شرودها، اومأت له برأسها كإجابة بالموافقة باستسلام، ثم التفت برأسها نحو الطريق لتنهي الجدال، وقد نفذت طاقتها، واعصابها لم تعد تتحمل، مرة  من كم المفاجأت التي تتلقاها من هذا الخطيب الغامض، ومرة أخرى بمواقفها مع طارق وهذا الحصار الذي يفرضه عليها وقت حضوره، ثم فعلة كارم بتقبيلها أمامه، لترى بأم عينيها اشتعال عينيه وتحفزه للشجار واحراق الاخضر واليابس دون وجه حق


                    ❈-❈-❈ 


بالكرة المطاطية ذات الحجم المتوسط، كان يقوم بتنطيطها على الأرض، قبل أن يتناولها ليركض بها ثم يقوم بتسديد هدفه في السلة المعلقة عاليًا، مسجلًا أهدافه المتعددة بتكرار المحاولات، ليستعيد شغفه القديم بهذ اللعبة قبل أن يأخذه عالم الأعمال بمشاكله المتعددة، التف فجأة على الصوت الحانق بالقرب منه:

- طبعًا قاعد بتلعب ولا على بالك، 

تبسم جاسر يعيد التنطيط بالكرة وهو يرد عليه:

- وما اللعبش ليه يااستاذ طارق؟ فيه مصيبة مثلًا ولا حاجة منك جاي تبليني بيها؟

اصدر طارق صوتُا ساخرًا وهو يشيح بنظره دون أن يرد، لفت انتباه جاسر بتجهم وجهه وعدم استجابته للحديث او المزاح.

- مال وشك مقلوب كدة ليه؟

سأله جاسر، فقال طارق بنزق:

- بس ياجاسر والنبي، انا مخنوق وعلى اَخري.

شاكسه جاسر:

- ولما انت مدايق ومش طايق نفسك جيت ليه؟

التفت طارق اليه قائلًا بانفعال:

- يعني ارجع تاني ياجاسر، وديني اعملها فعلا بجد.

هتف عليه جاسر بحزم:

- ايه يابني هو انت اتجننت ولا ماصدقت فعلًا، مش عوايدك دي يا طارق. 

زفر طارق متأففًا قبل أن تتركز عيناه على الكرة ، فقال جاسر وقد انتبه لشروده:

- ماتيجي تلعب معايا، اقله تشغل عقلك شوية عن اللي مضايقك،

صمت طارق قليلًا بتفكير، وجاسر يترقب اجابته قبل أن يجفل من فعله المفاجئ، بخلعه لسترة حلته، ثم القميص، لينضم إليه بجذعه العاري على بنطاله فقط، اطلق جاسر ضحكة مجلجلة وهو يخاطبه:

- انت هاتلعب معايا كدة يا مجنون؟ طب روح على اؤضة اللبس غير بأي حاجة رياضي مريحة بدال ماتبوظ بدلتلك

تناول طارق منه الكرة قائلًا باعتراض:

- ملكش دعوة انت، خليها تبوظ ولا تتقطع حتى، انا طقت في دماغي وهالعب كدة

توقف جاسر يراقبه بابتسامة متوسعة وهو يركض سريعًا ويسدد بالكرة داخل السلة باندفاع وقوة، فانتبهت عيناه على همهمة الفتيات التي كانت تسير بجوار الملعب، وانظارهم معلقة على صاحب الصدر العضلي عاري الجذع وهو يلعب بعنفوانه، اصدر له صوت صفير ينبهه

- ياعم الحلو، عضلاتك اللي مقوية قلبك لفتت نظر الجنس اللطيف عليك، التفت طارق برأسه ليتطلع نحو الجهة التي يشير إليها جاسر، سهم قليلًا نحوهم ثم عاد إلى جاسر قائلًا بقرف:

- سيبك منهم بلا سدة نفس، انا لا بقيت طايقهم ولا طايق سيرتهم. 

قالها ليكمل لعبه بالكرة أمامه بعنف أكبر وكأنه يفرغ طاقة الغيظ في اللعب، وظل جاسر يتابعه بنظرات مذهولة يكتنفها الإشفاق، وقد شعر بما يُحزن صديقه، ليُجفله فجأة بسؤاله الغريب:

- هو انت عرفت الزفت دا ازاي لما جيت تشغله عندك؟

ضيق حاجبيه يسأله يتطلع إليها باستفسار، فهتف طارق بانفعال :

- الزفت اللي اسمه كارم، اتوظف عندك ازاي؟

اومأ جاسر برأسه متفهمًا، ثم أجابه بهدوء:

- والد كارم اللوا حمدي فخر، كان صاحب والدي.

- اه يعني اتوظف عندك بواسطة، انا قولت كدة برضوا.

قالها بازدراء، فرد جاسر:

- هو فعلًا كان بواسطة، بس كارم طلع ممتاز بصراحة، تربيته العسكرية من والده، افادتني كتير بصراحة في شغله معايا، وبأنجازه للمهام اللي بكلمه بيها في أقل وقت.

تغضن وجه طارق بالغضب فخاطبه جاسر ممازحًا :

- لو بتفكر تخلص منه انا معاك .

اصدر ضحكة ساخرة ليس لها معني قبل أن يتحرك لمعاودة اللعب مرددًا:

- ابوه كان لواء وتربية عسكرية وانا اقول عامل زي الإنسان الاَلي ليه؟ 

                   ❈-❈-❈ 


في إحدى صالونات التجميل والمشهورة بسمعها، دلفت الفتيات بصحبة كاميليا، غادة تتطلع لفخامة المكان بأعين منبهرة وزهرة المبتهجة لعلمها بذهاب كاميليا الى الحفل معها، أدخلت الطمأنينه بقلبها، لأنها ستحظى بدعم اغلى صديقة لديها، ولن تكن وحدها وسط هذا العالم الغريب عنها.

- انتِ عرفتِ المكان دا ازاي ياكاميليا؟ دي حاجة فايف ستار وكله هوانم.

قالتها غادة سائلة، وعيناها تحدق في كل شبر وكل فرد حولها. 

أجابتها كاميليا بإرهاق:

- أعرفه من ناس صحابي ياغادة، ما تشغليش بالك انت.

- ماتشغلش بالها ازاي يابنتي؟ دا باين انه جامد فعلًا وكله ناس محترفين.

تبسمت لها كاميليا صامتة فاستطردت زهرة بسعادة:

- بس انا فرحانة اوي انك هاتيجي معانا .

ربتت كاميليا على كتفها بحنان لترد:

- مكدبش عليكِ انا كنت هارفض واشدد ع رأيي لما كارم فاجئني، بس افتكرتك انتِ واتراجعت. 

- حبيبة قلبي .

قالتها زهرة بامتنان، اما غادة فمطت بشفتبها حانقة وهي توعد نفسها بأنها ستكون أجملهم الليلة على الإطلاق. 

- اتفضلوا ياهوانم. 

قالتها الفتاة العاملة بالمحل بابتسامة مرحبا، بزي الصالون الموحد 

اقتربت منهم بعد ذلك لتشرح عن قدرات المحل، وعرض الطرق العديدة في تجميل السيدات، ليختارو منها

              ❈-❈-❈ 


امام النيل وعلى سور الكبري المعلق، كان مستندًا بمرفقيه، شاردًا في مشهد مياهه الهادئة في هذا الوقت ، مثقل بهمومه التي تكاد أن تقسم ظهره ومع ذلك كان يتحمل، حتى اكتشف حجم تقزمه وعدم جدوي كل ما فعله طول سنوات عمره التي تخطت السادسة والثلاثون، يشعر بصغر نفسه وعدم احترامها، يشعر أنه وبعد هذا العمر يكتشف الاَن فقط انه غبي!

استفاق من شروره على دفعة بيد من تناساها في غمرة شروره.

- في إيه خالد؟ هو انت سرحت مني تاني، حتى بعد ما وقفتني معاك هنا في الحتة الزحمة دي، دا بدل ما تقولي كلمتين حلوين وتقارن بين جمالي وجمال النيل

قالتها نوال بتفكه علّها تخرجه من حالة الشرود التي تلبسته من وقت لقاءها به، أجابها بشبه ابتسامة:

- انت أحلى طبعًا .

- كدة انتٍ أحلى وبس، فيه ايه يابني؟ لسانك اللي بيرغي ع الفاضي وع المليان حصله إيه النهاردة؟

قالتها تدعي المشاكسة لتخفي شعورها القلق، اما هو فتنهد أمام أنظارها من عمق حزنه، قبل أن يقول:

- تعبت يانوال، تعبت قوي وماعدتش بقى عندي قدرة على الصمود او اي شئ، انا حاسس اني عاجز، عاجز يا نوال .

وضعت كفها على كتف ذراعه تسأله بقلب موجوع على حزنه وألمه الذي يصل إليها بمجرد النظر إليه، فما بالك لو كان بهذا الوضوح الاَن، وكأن هموم العالم تاَمرت عليه لتساقط جمعيها فوق رأسه.

- مالك ياخالد؟ إيه اللي واجعك كدة بالقوة دي.

اتجه بأنظاره نحو النيل يقول لها بشرود:

- كل ما اتقدم خطوتين يانوال وافتكر نفسي وصلت، الاقي نفسي رجعت خمسين متر للخلف.

اصابها الارتياع من لهجته الحزينة هذه فقالت تسأله بجزع:

- ايه وصلك للحالة دي ياخالد؟ انا أول مرة اشوفك كدة.

صمت قليلًا بتفكير وقبضته تطرق على الحاجز الحديدي، ثم التفت إليها يسألها بحسم:

- نوال انا عايز اخد رأيك في قرار اتخذته؟


             ❈-❈-❈ 


خرجت من غرفة تبديل الملابس بخطوات مسرعة نحو الفتيات في حجرة البادكير، تهتف سائلة بأسمها:

- زهرة ايه رأيك في الفستان ده؟

قالتها والتفت انظار الجميع حولها من زبائن وعاملات بأعين جاحظة بانبهار صرخت على أثره غادة :

- ايه دا ياكاميليا، انتِ جبتي الفستان دا منين؟

تجاهلت الرد عليها لتسأل زهرة بقلق:

- ماتقولي رأيك يابنتي بقى .

القت زهرة بنظرة شاملة متأنية على الفستان الذي انسدل على جسد الأخرى بنعومة فائقة، لونه الأزرق انعكس على بشرتها البيضاء ليزيدها بهاءًا، 

بتفصيلة محكمة من أعلى الجسد وحتى الركبة ليتوسع بعد ذلك ويعطيها حرية في الحركة، مع فتحة في الصدر اظهرت جزء من مفاتنها بشكلٍ مغري، رغم خلو وجهها  من أي مساحيق للتجميل حتى الاَن بالإضافة إلى شعرها المتناثر أيضا، ومع ذلك كانت شديدة الفتنة كعهدها دائمًا،

همت زهرة لتعطي رأيها، ولكن سبقتها السيدة رئيسة المحل والتي كانت متواجدة بالصدفة:

- انتي بتسالي على إيه ياقمر؟ وانت بسم الله ماشاءالله، قلبتي الصالون كله نحايتك. 

اومأت لها بمجاملة فالتفت بأعين سائلة لزهرة التي أجابت هذه المرة :

- الفستان فعلا يهبل عليكِ، بس الفتحة اللي فوق دي  نازلة لتحت شوية. 

ردت بعدم رضا:

- شويتين مش شوية، وانا حاسة الفستان اصلا من استايلي، اوفر كدة ومش سيمبل زي ما بحب دايمًا .

- يابنتي وما يبقى أوفر، دي مخليكِ ولا نجوم السيما اللي بتعرض نفسها على السجادة الحمرا في المهرجانات، انتِ جبتيه منين؟

هتفت بها غادة للمرة الثانية فردت كاميليا بنفاذ صبر:

- مش انا اللي جيبته ياغادة، كارم هو اللي بعت عليه اون لاين. فهمتي بقى .

- اه

اومأت بها تدعي التفهم ومن داخلها غمغمت:

- يابختك، وكارم دا كمان طلع مصيبة .

قالت كاميليا تخاطب الفتيات:

- انا طالعة في دماغي، اعتذر وماروحش الخروجة اللي جاتني فجأة دي وبلاها من الفستان دا اللي مش مرتاحة فيه أساسًا..

تطلعت لها زهرة برجاء تقول:

- ليه بس يا كاميليا دا انا ماصدقت؟

ارتسم على وجه كاميليا التراجع فندخلت المرأة معهم:

- انا ممكن اظبط الفستان من فرق شوية يعني بحيث اننا مانبوظش القصة، اصل بصراحة خسارة أوي،

ردت غادة باقتراح:

- أو ممكن نبدل انا وانت، تاخدي فستاني وانا اخد بتاعك .

عبس وجه كاميليا باعتراض وهي تتذكر فستان غادة القصير، فسبقتها المرأة الفضولية في الرد على غادة:

- ماهي مش بالفستان يابنتي، الرك ع القد .

قالتها بإشارة لكاميليا التي حسمت أمرها لترد على المرأة:

- طب انا موافقة على تظبيط الفستان وشاكرة جدًا لمساعدتك. 

قالت المرأة بترحيب:

- من غير شكر ياقمر، انا تحت أمرك هنا .

تمتمت كاميليا بالشكر مرة ثانية قبل أن تنصرف مع المرأة، فقالت غادة في اثرها:

- أما بت كهينة بجد، جايا تتفشخر بيه قدامنا، وتقولك انا مخنوقة منه، عايزة تمنع عنها الحسد.

رمقتها زهرة بنظرة مذهولة من كلماتها وفضلت كالعادة بلع اعتراضها، متجنبة الدخول في الجدال معها.

              ❈-❈-❈ 


بعد عدة ساعات 

كانت غادة اول من خرج من صالون التجميل، ترجلت من السيارة الأجرة التي توقفت على وصفها بمعرفة العنوان الذي قالته لها ميرفت، بالقرب من منزلها في المدينة الجديدة، تنفست تلتقط أنفاسها لتلقي نظرة اَخيرة على هيئتها، وقد جعلها الفستان الذي انتقته لها كاميليا كأميرة رائعة كما قالت لها المرأة اللزجة صاحبة صالون التجميل، أخرجت مرأتها لتلقي نظرة على زينة وجهها والقصة الجديدة لشعرها لتستعيد مرة أخرى ثقتها بنفسها وتتحرك بأناقة متصنعة نحو حلمها. 


ومن ناحية أخرى قريبة، كان يسير منشغلًا مع محدثه بالهاتف:

- ايوة ياعبده والله وصلت اهو، ربع ساعة واكون عندك....... ليه هو الباشا الكبير كمان وصل..... تمام باسيدى انا مش هتأخر........... خلاص يابني اهو انا في السكة...

انتبهت عيناه لها فجأة؛ فعرفها من ظهرها بهيئتها التي لا تخفى عليه، حتى لو حاولت تغيرها، ضيق حاجبيه وهو يرى اتجاه خطواتها وهذا الفستان الذي يظهر سيقانها مع تطايره بفعل نسمات الهواء العليلة في هذا الوقت، فاتجه بغضبه نحوها، ليصل اليه سريعًا ويتصدر أمامها يوقفها:

- رايحة فين ياحلوة؟

شهقت صارخة قبل ان تتدارك نفسها لتهتف بوجهه غاضبة:

- يخرب بيتك هاتقطعلي الخلف ، هو انت اتجننت يابني أدم انت؟

تخصر أمامها بوجه خالي من عبثه الدائم معها ليسألها مشددًا على كلماته:

- بقولك رايحة فين في الساعة وبهيئتك دي؟

احتقن وجهها بالغيظ من تدخله السافر وإشارة سبابته نحوها بدونية فصاحت مستنكرة:

- وانت مالك انت؟ بتسألني بصفة ايه؟ هاا.

اعتصر عقله قليلًا حتى أتى لها بحجة:

- بصفتي شغال عند جوز زهرة بنت خالك، واكيد يعني  بتخاف عليكِ ويهمها مصلحتك، هي عارفة بقى بمجيتك هنا عند البت الصفرا واخوها اللي اصفر منها؟

كزت على اسنانها تقول بازدراء:

- ارجع واقولك انت مالك؟ لا انت اخويا ولا قريبي، عشان تسأل وتتدخل في خط سيري، واوعى كدة بدل ما اندهلك الحرس اللي واقفة قدام باب البيت ولا اتصل بميرفت صاحبتي تبلغ عنك ولا تدخلك السجن ياسي إمام انت. 

قالتها ودفعته بيدها لتتخطاه باستعلاء، ردد ساخرًا وهو يتبع خطواتها :

- ميرفت صاحبتي!

ثم مصمص بشفتيه ليغمغم قائلًا:

- عليا النعمة انت عايزة تتربي من أول وجديد عشان تفوقي.


              ❈-❈-❈ 


   وأمام منزل جاسر الريان وبعد أن توقفت بهم السيارة، كانت كاميليا مازالت تعطي النصائح لزهرة:

- خلي راسك مرفوعة دايمًا وظهرك يبقى مفرد، اوعي تظهري ضيقك ولا تزعلي نفسك من أي تلميح ولا كلمة تتقالك، خودي قوتك من حب جاسر ورعايته ليكِ، وسيبلوا هو الرد على أي شئ يضايقك، انا واثقة انه مش هايخذلك إن شاء الله. 

اومأت لها بتفهم وهي تمسك بمقبض الباب لتترجل وهي خلفها ولكن مع دوى صوت هاتف كاميليا، أشارت لزهرة لتسبقها، كي ترد على شقيقتها وتلحق بها بعد ذلك. 

               ❈-❈-❈ 

                  

ولجت زهرة لداخل منزلها بقلبِ يخفق بالسعادة والترقب، لرؤية جاسر ومعرفة رأيه بزيها وبإطلالتها الجديدة، ترجو من الله أن توفق في هذه الليلة، هتفت بإسمه فور مرورها بالردهة. 

- ياجاسر، انت فين ياحبيب.....

توقفت الجملة بحلقها وقد اصطدمت عيناها برؤية طارق في بهو المنزل ومعه عامر الريان وبجواره امرأة رائعة الجمال لايبدوا على وجهها مايثبت عمرها، تحدجها بسهامها الخضراء في جلستها على الاَريكة الاثيرة، واضعة قدم فوق الأخرى .

- وقفتي ليه ماتقدمي يابنت وسلمي؟

قالها عامر ليفك عنها خجلها وصمتها بعد أن تسمرت مكانها ولم تدري بنفسها، استدركت تبتلع ريقها بتوجس وهي تُجبر أقدامها للتحرك نحوهم، وقف لها عامر يتلقفها بمودة ابوية ليصافحها بحرارة واضعًا قبلة دافئة على أعلى حجابها:

- بس ماشاءالله، دا انا معرفتكيش يابنت، ايه الحلاوة دي؟

ردت بابتسامة مضطربة:

- الله يحفظك ياعمي، ربنا يسعدك. 

ضحك عامر يشاكسها بكلماته:

- يحفظك ويسعدك، ايه الرسمية دي ياست زهرة؟ هو احنا في الشركة ولا إيه.

توسعت ابتسامتها بصمت فقربها عامر ليقدمها نحو لمياء التي كانت تناظرها مضيقة عيناها.

- إيه رأيكم بقى تتعرفوا على بعض، دي ياستي تبقى لمياء مراتي او حماتك يعني، وانتِ ياقلبي القمر دي تبقى زهرة مرات ابنك، شوفتي زوقه حلو ازاي ؟

اومأت له بشبه ابتسامة لمياء وهي تنهض عن كرسيها ببطء ثم مدت بطرف كفها لزهرة التي لم تصدق فسارعت بمصافحتها بتوتر:

- أهلًا ياا....طنت، نورتيني. 

رمقتها من أعلى للأسفل قائلة بعد فترة من الوقت مرت على زهرة وكأنها سنوات:

- البيت منور بأهله .

- طبعًا طبعًا، بس انتِ نورتي البيت بجد والله. 

قالتها زهرة بصدق رغم توترها لتُجفل فجأة، على صوته الدافئ وهو يلف ذراعيه حولها من الخلف بعد أن اتى على الفور من غرفة مكتبه وقطع جلسة عمله مع كارم ليؤازرها:

- ماردتيش يعني يا لميا هانم على سؤال والدي، إيه رأيك في زوقي؟

لوت ثغرها تجيبه بحنق:

- حلوة حلوة ياجاسر، ربنا يسعدكم. 

قالتها من تحت أسنانه والتفت زهرة برأسها لجاسر الذي دعمها بنظرة مشجعة أدخلت الراحة بقلبها ، بعد توترها الشديد من لقاء لمياء والتي هتفت فجأة وانظارها نحو مدخل المنزل :

- دي كاميليا دي ياعامر ؟

انتقلت أنظار الجميع نحوها وقبلهم كان طارق الذي جخظت عيناه وقد أوشك قلبه على،التوقف من فرط خفاقته العنيفة بين أضلعه، وهي تتقدم نحوهم بثقتها المعهودة دون تكلف،


الغبية الغافلة عن سحرها الذي يعبث في قلوب محبيها او جمالها الذي يسلب عقول الرجال، فيجعل الحكيم منهم كالممسوس بعشقها، الا من الأجدر ان تكتمل الصورة وتستمع هي أيضًا لصوت قلبها، أم هي صماء واصاب سقيع الجليد إحساسها؟


استفاق من وصلة إعجابه التي تدوي داخله بصخب، والفتنة ذاتها متجسدة في مالكة قلبه، لتشوش الصورة باقتحام هذا المدعي وهو يقترب منها بتحذلق ويقبل كفها بدماثة مستفزة أثارت داخله الإزدراء والكره نحوه ، وهو يتقدم بها نحو لمياء يقدمها إليها بصفته خطيبها، هذا الرجل لا يعجبه حقًا!


- معقول؟ انا محدش قالي انك خطبت، لأ ومين كاميليا كمان؟

قالتها لمياء وهي تصافح كاميليا مع كارم الذي كان يتحدث مع المرأة بمودة:

- معذورين برضوا ياهانم، اصل احنا لسة معملناش خطوبة رسمي. 

ردت لمياء بابتسامة متوسعة.

- لا بس برافو عليك عرفت تنقي وتختار ياولد، ماشاء الله عليكم دا انتوا تتحسدوا. 

قالتها لمياء بفرحة اَلامت زهرة التي لم ترى على وجهها ربع هذا الحماس والأعجاب نحوها، شعرت بها كاميليا لترسل إليها ابتسامة مضطربة، بادلتها زهرة بواحدة مثلها قبل أن تجفل على جذب جاسر لها فجأة ليبتعد بها عنهم، قائلًا:

- سيبك منهم وتعالي معايا.

قالت وهي تسرع بخطواتها معه :

- اَجي معاك فين ياجاسر بس ونسيب والدك ووالدتك؟

- هاغير عشان اروح الحفلة، 

قالها ببساطة استغربتها وعيناها ارتكزت على الحلة التي يرتديها :

- ومالها البدلة التي انت لابسها يعني فيها إيه؟

أجل الرد عليها لحين اغلاقه باب الغرفة عليهم قائلًا:

- مش تفهمي بقى لوحدك يامجنونة.

- افهم إيه؟

قالت ببلاهة لتشهق مجفلة على احتضان راحتيه لوجهها مرددًا بمشاكسة:

- عايز استفرد بالجميل شوية لوحدي، فيها حاجة دي؟

ضحكت من قلبها وعنفوان مزاحه أذهب عنها التوتر، ليكمل هو بأعين تفيض بالعشق:

- زي القمر والله يازهرة، وتجنني كمان .

توقفت ضحكتها على أثر جملته التي دخلت على قلبها بردًا وسلامًا، بعد حزنها منذ قليل من تعامل والدته المتحفظ معها بالمقارنة بترحيبها الحار بكاميليا، ليأتي هو الآن بجملة واحدة منه مع نظرة مشبعة بالعشق، تزيح الغيوم ويهطل مكانها امطار من الفرح لتُنبت زهور الحب في قلبها إليه، مالك قلبها.

انشق ثغرها فجأة بابتسامة ممتنة له وهي تبادر بلف ذراعيها حول جذعه لتقول من قلبها:

- انا بحبك اوي ياجاسر. 

شدد هو أيضًا باحتضانها يقبل أعلى رأسها براحة تنبع من داخله وقد وصله صدق عبارتها، 

وبراءتها التي تزيد من سعادته معها، صاحبة القلب الحنون، نعيمه الذي وجده اَخيرًا بعد طول انتظار، ورده كان على كلماتها:

- وانا بموت فيكِ ياقلب جاسر .

الفصل الثامن والثلاثون 


- اتفضلي يا قلبي بيتك ومطرحك

تفوهت بها ميرفت وهي تسحب غادة الى داخل الحفل المقام حول حوض السباحة، في منزلها الفخم، وغادة تسير معها تتطلع بأعين منبهرة نحو الرفاهية التي لم تعتاد عليها قبل ذلك، موسيقى صاخبة، فتيات بملابس شبه عارية يتمايلن بميوعة مع رجال تنوعت اعمارهم، وكؤس الشراب بأيديهم، ومن ناحية أخرى منصة أقيمت لرقص الفتيات مع بعض الشباب بجرأة لفتت نظرها، حتى وصلت الى طاولة تجلس عليها إمرأة كانت تعطيهم ظهرها، حينما قدمتها ميرفت:

- انتِ هاتقعدي معانا هنا ياقلبي، انا واعز صاحبة ليا. 

تبسمت لها بمودة وفور ان همت لتجلس جحظت عيناها بتوتر وهي تتبين هوية المرأة بعد أن التفت إليها برأسها، لحقتها ميرفت بالقول:

- ايه ياغادة سهمتي كدة ليه؟

- يمكن خافت مني يا فيفي لماعرفتني. 

قالتها المرأة بمكر، فردت ميرفت بابتسامة محفزة:

- ياعبيطة، دي ميري دي عسل .

التوى ثغر ميريهان لتقول بلؤم:

- حتى لو كنت غير كدة ياحبيبتي، ما هي بنت خالك خدت جوزي مني، شوفتيني عملت ايه يعني؟

جلست غادة قائلة باعتذار:

- معلش بقى ربنا يعوض عليكِ، بس انا مليش دعوة بيها والله.

ربتت ميرفت على ذراعها قائلة بلطف متصنع:

- طبعًا ياقلبي احنا عارفين الكلام ده، امال انا ليه حبيتك ياغادة عشان طيبة، وميري كمان قلبها ابيض زيك، انا محبش أبدًا اصاحب الناس الوحشين أو اللؤمة.

أكلمت على قولها ميريهان:

- عندك حق يافيفي، هو احنا لو مش طيبين كنا اخدنا على دماغنا بالشكل ده، ياللا بقى كله عند ربنا. 

- فعلا ياحبيبتي عندك حق، 

قالتها ميرفت لميري قبل أن تتجه بابتسامتها المتصنعة لغادة تخاطبها:

- ها ياوزة تحبي تشربي ايه بقى ؟

وقعت عيناها نحو المشروب الذي بكف ميري، وصمتت قليلًا بتفكير قبل أن تحسم أمرها :

- أي حاجة ساقعة وخلاص. 

تبادلت ميري وغادة ابتسامتهم الخبيثة، ثم فتحن معها بالاحاديث العادية لتطمئن لهم، حتى أجفلن فجأة على صوت احدهم وهو يميل على ميرفت قائلًا:

- مش تعرفينا يافيفي .

شهقت ميرفت ضاحكة للشاب قبل أن تعود لغادة تخاطبها:

- دا ماهر أخويا يا غادة، اللي انا عاملة الحفلة مخصوص عشانه.

توقف قلب غادة عن النبض للحظات وعيناها تتطلع بالقلوب الحمراء نحو الشاب صاحب العيون الخضراء والشعر الأصفر، وبشرته القريبة من بشرة الأجانب، على وسامة نافست نجوم الأفلام التي تشاهدها، استعادت وعيها اَخيرًا على قول ميرفت وهي تقدمها للشاب الذي كان ينظر لها بجرأة:

- اهي دي بقى تبقى غادة صاحبتي اللي قولتلك عليها قبل كدة ياماهر، احلى بنت بلد تقابلها. 

توسعت ابتسامة بلهاء على فمها وهي ترد بتلعثم:

- اا مش لدرجادي يعني يا ميرفت.

- لا لدرجادي واكتر كمان .

قالتها ميرفت وشاركها الشاب وهو يجلس بجوارهم على الطاولة:

- عندك حق ياميرفت، انا مكنتش اعرف ان مستوى الجمال اتطور لدرجادي في البلد .

- واديك عرفت وشوفت بنفسك ياخويا. 

قالتها ميري بمشاكسة قابلها الشاب بابتسامة متسلية، أما غادة فكانت ترفرف بأهدابها غير مصدقة، ليزيد الشاب بكلمات الغزل نحو عشقه للبلد وفتياتها أيضًا، تبادلت ميري وميرفت نظراتهم بمغزى قبل أن تستاذن واحدة منهم لتسحب معها الأخرى تاركين غادة مع المدعو ماهر على الطاولة وحدهم ،

- ها بقى ممكن تعرفيني على نفسك. 

قالها بابتسامة اربكتها لتسرد في الحديث عن نفسها بعفوية حمقاء، غافلة عن نظراته التي كانت تتفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها


❈-❈-❈ 


وفي مكان اًخر

ولجت زهرة متأبطة ذراع زوجها الى ردهة الفندق الفخم، خلف عامر ولمياء في البداية، ليتلقاهم مصطفي عزام بترحيبه الحار مع شقيقه ، وزوجته الممثلة نور فهمي، بابتساماتها المعروفة، ودودة ولطيفة في تعاملها مع زهرة وكاميليا ولمياء، عكس الزوجة الأخرى لشقيق مصطفي وهي ترحب بابتسامة متحفظة ولغة عربية غير متقنة، ثم يتقدمهم مصطفي ليأخذ الجميع معه الى القاعة المخصصة لكبار الزوار في فندُقه الشهير، حيث كانت والدة الشقيقان في انتظارهم. 

شهقت لمياء بصوت خفيض محدثة زوجها فور أن رأتها:

- يانهار اسود ياعامر، دي ايه اللي جابها دي؟

رد عامر بصوته الهامس معها بمشاكسة:

- ايه يا لميا؟ هي لدرجادي بهيرة شوكت بتخوف؟

تمتمت لمياء بغيظ:

- وماخافش ليه؟ وانا اكتر واحدة عرفاها!

تقدمت المرأة تصافح وترحب بابتسامتها المتعالية مع الجميع وخصوصا زهرة.

أجلسهم مصطفى في وسط القاعة المذهبة في كل ركن بها، حتى الارئك الكلاسيكة بفخامة ، والثريات الكبرى في الوسط تتدلي منها حبات الكريستال المضيئة، لتبعث في الجو مزيدًا من الرقي المبالغ فيه، مع موسيقى هادئة تليق بالمناسبة. 

توزعت الجلسة لمجموعات، مصطفى وشقيقه مع عامر وجاسر ومعهم طارق وكارم، لمياء اضطرت لمجالسة بهيرة بحكم معرفتها بها ومعهم كانت الزوجة التركية لشيقق مصطفي، وانفردت نور مع الفتيات زهرة وكاميليا واندمجن في الحديث معها:

- شوفوا يابنات انا عايزاكم تاخدوا عليا كدة وتعتبروني صاحبتكم ماشي، يعني تفكوا وتهزروا معايا.

قالتها نور وردت كاميليا:

- كدة على طول، طب مش لما نعرفك الأول وتاخدي علينا وناخد عليكِ.

فغرت فاهاها تدعي الصدمة قبل أن ترد بعتاب مرح:

- اخص عليكِ، دي كلمة برضوا تقوليها في وشي كدة، قال وانا اللي كنت فاكرة نفسي مشهورة .

ضحكتا الاثنتان لتواضع المرأة معهم فخاطبتها زهرة ملطفة:

- هي مقصدهاش والله، هي قصدها معرفة شخصية، بس انتِ عسل صراحة، احلى كمان من التمثيل، حلوة وعلى سجيتك.

- يعني بجد انا حلوة ؟

قالتها بابتسامة شقية وأكملت:

- وايه كمان والنبي، قولوا قولوا، انا ماشبعش من الكلام ده على فكرة 

عدن للضحك مرة أخرى فقالت كاميليا:

- انتِ جميلة قوي يانور، من برا ومن جوا عكس ناس كتير بنشوفهم في الوسط بتاعكم.

ردت نور :

- وانتي كمان يا حبيبتي، بصراحة انا مبسوطة اوي بيكم يابنات، حلوين كدة ومش مكلكعين زي بعضهم. 

قالت الأخيرة بمغزى وسألتها زهرة ببرائة:

- بعضهم دا يبقى مين؟

اصدرت ضحكة مضطربة مع نظرة ماكرة برفع حاجبيها، فهمتها كاميليا فهمست لزهرة وهي تتطلع نحو الناحية المقصودة:

- انا هافهمك يازهرة واقولك بعدين. 

أومأت لها زهرة برأسها فقالت نور :

- انا دلوقتي بس عرفتي سر تمسك جاسر الريان بيكِ، جميلة وبريئة في نفس الوقت، يابخته .

تأثرت بمقولتها زهرة حتى زحفت على وجهها حمرة الخجل رغم زينتها، هللت نور بمرح:

- الله يازهرة وكمان بتتكسفي وكيوت. 

اومأت لها كاميليا بتصديق:

- هي فعلًا كدة والله لدرجة انه أحيانا بيتسفزني جدًا خجلها دا.

ردت نور :

- وتستفزك ليه بقى؟ دي تجنن .

صمتت لحظة ثم أكملت بروحها المرحة:

- هاتصدقوني بقى، انا النهاردة حبيت مصطفي عشان عرفني بيكم .

قالتها وانطلقت ضحكاتهم حتى التفتت نور على سهام نظرات حادة مصوبة نحوهم فغمزت للتنبيه:

- خلوا بالكم يابنات من صوت الضحك احنا مش ناقصين. 


ومن الجانب الاَخر، التفت بهيرة برأسها بعد أن حدجتهم بنظرة ممتعضة، لتعود مخاطبة لمياء:

- شوفتي بقى ياحبيبتي، ادي نتيجة الجواز الغلط، بتضحك بصوت عالي، ولا مقدرة شكل جوزها قدام الناس ولا حتى مراعية أصول الإتيكيت .

اومأت لها لمياء صامتة وتابعت المرأة بخبث:

- بس على الأقل هي مشهورة واسمها مسمع مع الناس، لكن مرات ابنك انتِ بقى....

ابتعلت ريقها لمياء لتسألها بتوتر:

- ومالها مرات ابني بس يا بهيرة هانم، ماهي زي القمر اهي ولبسها حلو وقعدتها رزينة كمان، وحتى ضحكها صوته واطي. 

اشاحت المرأة بعيناها قليلًا ثم عادت ترد بعدم رضا:

- بتضحكي عليا وعلى نفسك يالميا؟ ولا انتِ فاكراني مش عارفة بالتريند اللي قلب الدنيا عن جوازها بأبنك واصلها وسمعة والدها؟ انا كبرت شوية في ألسن اه، بس اعرف برضوا في التكنولوجيا .

شعرت لمياء وكأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسها، فجاهدت حتى خرج صوتها بنبرة طبيعية:

- طبعًا انتِ عندك حق، بس انا اعمل إيه بقى؟ والولد حبها؟

ردت باستحفاف:

- حب! حب إيه وكلام فارغ إيه بس يالميا؟ هو ازاي أساسًا يبص لبنت زي دي شغالة عنده سكرتيرة؟ ويطلق بنت خالته ميري بنت الوزير؟ اهو دا النسب اللي يشرف ويرفع الراس، لكن اقول إيه بقى ؟

صمتت لمياء ولم تعد بها قدرة على المجادلة مع المرأة؛ التي خاطبت زوجة ابنها الثاني بلغة تركية لم تفهمها لمياء، فانتظرت حتى نهضت الفتاة وانصرفت من جوارهم ثم التفت نحو بهيرة ناظرة بتساؤل، وكان جواب الأخرى :

- انا كلمتها تروح تطمن على حال البوفيه والأكل، مطيعة أوي سوزان، اهي دي بقى كانت اختياري لابني الصغير بعد ماشوفت خيبت اخوه الكبير في جوازه بالممثلة دي، بنت من أكبر العائلات في تركيا، طبعًا امال إيه؟ الواحد لازم يتجوز باللي يليقله.

أومأت لها صامتة، فكلمات المرأة المتعجرفة تضغط بشدة على وترها الحساس نحو المظاهر والتكافؤ بين الزوجين مع فرق الطبقات، فقد أوجعها ابنها في هذا الموضوع بشدة لتأتي هذه المرأة الاَن لتضغط على جرحها، أجفلتها فجأة قائلة:

- قوليلي صحيح يا لميا، هي مين البنت اللي زي القمر اللي قاعدة في الوسط دي؟

أجابتها بنبرة ميتة:

- دي كاميليا اللي كانت مديرة مكتب عامر سابقًا، حاليًا هي ماسكة المصنع مع طارق، على فكرة هي مخطوبة لكارم .

- اممم 

زامت المرأة بصوتها بتفهم قبل ان تكمل وعيناها على كاميليا:

- ماشاء الله تبارك الرحمن، خلبوص الولد كارم ده، عرف ينقي بصحيح. 

- عندك حق. 

قالتها بقنوط وتحسر على وضعها ونسب ابنها الغير مشرف بنظرها ، والذي افقدها متعة الحفل والإحتفال


                ❈-❈-❈ 


وإلى جلسة الرجال التي كانت صاخبة بأصوات ضحكاتهم وحديثهم المرح مع مصطفى الذي كان يسرد لهم عن مقابلته للوزير فهمي حيدر الغاضب من شراكته لهم وتوببخه بكلمات غير لائقة لوضعه أو مركزه الأجتماعي:

- معقول هو قالك كدة، الراجل دا اتجنن ولا إيه ؟

قالها جاسر بدهشة ورد مصطفى غير مبالي :

- هو فعلآ اتجنن على فكرة، لما يهدد واحد زيي انه هايوقف شغلي ولا عقودي مع الحكومة، الكلام دا مايطلعش من عيل صغير، يعرف الف ب في الإقتصاد، انا شريك كبير مع الحكومة، يعني لو شغلي وقف، شغل البلد كمان هايوقف. 

تدخل عامر:

، سيبك منه دا بيفرفر بعد ماخسر اهم عقد شراكة مابينا وبينه، وضاعت عليه فرصة انه يأسس كيان يتحدانا بيه؟

- لا ولسة كمان ؟

قالها مصطفى مبهمة فسأله طارق باستفهام:

- لسة كمان أيه؟

اقترب مصطفى برأسه منهم يجيب بهمس:

- جاتني معلومات خطيرة من مصدر موثوق فيه، انه هايتشال في التعديل الوزاري الجديد. 

انفغرت افواهم بذهول يشوبه المرح، قبل أن يسأله جاسر:

- والمصدر الموثوق دا انت متأكد من كلامه بقى ؟

- طبعًا يابني، ما انا اللي كنت مترشح مكانه .

قالها ببساطة أطلقت ضكاتهم لتجلجل في قلب المكان، وتابع مصطفى:

- بس ولله الحمد رفضت .

عارضه طارق قائلًا:

- رفضت ليه يابني؟ ماكنت خدت مكانه وبدال الضربة تبقى اتنين .

نفى برأسه يقول رافضًا :

- لا ياسيدي انا مش عايز اضرب ولا اوجع دماغي، انا راجل كل همي في شغلي اللي بحبه، ماليش بقى في السياسة والكلام الفاضي ده، دي خليها لأصحابها ياعم .

قالها مصطفى فربت عامر على ركبته بإعجاب مرددًا:

- برافو عليك يابطل، انا من اول مرة شوفتك فيها في بداية مشوارك يا ابودرش ونظرتي فيك ماخيبتش.

ربت بدوره مصطفى على كف الرجل بامتنان، لينتبهوا جميعهم على الفتاة المسؤلة بالفندق وهي تتقدم النادل الذي يقدم لهم المشروبات، بملابس العمل القصيرة، مع زينه محكمة على وجهها الجميل وشعرها، لتُحيهم بابتسامة من واقع عملها، تناول كل منهم مشروبه حتى جاء دور جاسر واتسعت ابتسامتها بشكل لفت انظار الجميع حولها وهي تقدم له المشروب بنفسها:

- الفندق زاد نوره النهاردة بوجودك ياجاسر باشا. 

تناول منها ورد بابتسامة مرتبكة:

- دا نورك ياا... شكرًا.

كررت غير مبالية بنظرات الرجال حولها:

- اي حاجة تعوزها احنا تحت أمرك يافندم. 

اومأ لها على حرج وقد انتبه لنظرات زهرة نحوهم، جاء قول مصطفي الحازم لإنقاذه:

- متشكرين ياميرنا، لما نعوزك هانبعتلك .

اومأت له بابتسامتها المعتادة فقالت بنعومة متعمدة وعيناها تلاحق جاسر:

- تمام يافندم، بس انا كنت جايه انبهكم ان جلسة التصوير على وشك البدء وكل شئ بقى جاهز. 

- خلاص روحي انتِ، واحنا قايمين على طول.

قالها مصطفى بعملية، لتنصرف الفتاة بعد ان عكر مجيئها صفو جلسة الرجال.

                

               ❈-❈-❈ 

بعد قليل 

بدأت جلسات التصوير بصورة جمعت عامر الريان وولده مع مصطفى وأخيه لتصنف تحت عنوان الشراكة الاهم لهذا الموسم، بين أهم كيانين في بناء الوحدات السكنية في الدولة، وبعدها اتت الصور تباعًا، صورة لأمضاءهم في العقد، وصور لأفراد العائلتين جميعهم، وبعض الصور لكل فرد منهم مع زوجته، مصطفى ونور ، او جاسر وزهرة التي كانت تشجعها كاميليا بقلبها لترفع رأسها، وتتخلى عن خجلها الدائم حتى ظهرت بأجمل مايكون ، وتوالت الصور للرجال مع بعضهم والنساء حتى لمياء نالت حظها مع بهيرة المتعجرفة، تجاهد بصعوبة لرسم ابتسامة على شفتيها، فالمرأة لم ترحمها على الأطلاق، 

لتنتهي الجلسة اَخيرًا بمأدبة عشاء فخمة أقيمت على شرف شراكة وتعاون العائلتين، جلس مصطفى على رأس الطاولة لتجاوره على يساره زوجته نور والتي لم يغلق فمها ولو دقيقة عن الإبتسام والترحيب بكل ود لجاسر وزهرة الذين جاوروها وعلى،نفس الصف كان عامر وزوجته وكارم ملتصق بكاميليا، ليزيد من غليل طارق الذي كان مقابلهم في الناحية الأخرى مع شقيق مصطفى وزوجته التركية وبهيرة شوكت والتي مازالت تمارس هوايتها في التفاخر المبالغ فيه:

- عارف ياعامر باشا، انا اللي اصريت على مصطفى على عقد الحفلة هنا، اصل بيني وبينك القصر اليومين دول بنعمل فيه تجديدات للحفاظ على رونقه وأصالته. 

تبسم عامر لها قائلًا بزوق:

- وماله ياهانم هنا او في القصر أو في أي حتة، احنا موافقين ومرحبين .

اصدرت صوت طقطقة بفمها لتقول باعتراض:

- لأ ازاي ياباشا، الفندق هنا فخامة زي القصر، لكن المباني الجديدة زي الفلل ولا حتى القصور، كلها شبه بعض تفتقر لرقي عائلاتنا الكريمة، سر تميزنا عن الجميع .

اومأ لها بابتسامة ممتعضة عامر، مفضلًا انهاء حديثها السخيف بتناول الطعام، وقد أطلق تلميحها المستفز ذبذبات التوتر في الأجواء، مصطفي كان يجاهد بتوزيع ابتساماته مع زوجته على تلطيف الأجواء، وجاسر فضل التعامل بعند بزيادة رعايته لزهرة وتقديم الطعام أمامها مع كلماته المعسولة التي أثارت غيظ المرأة، فنقلت اهتمامها نحو كاميليا تجفلها بسؤالها:

- وانت بقى ياجميلة مافكرتيش تمثلي؟

توقفت كاميليا عن الطعام وردت قاطبة باندهاش:

- أمثل! ليه بقى؟

قالتها وانتبهت على انظار الجميع المصوبة نحوها بتوتر، خصوصًا نور زوجة مصطفى، فقالت ملطفة:

- انا اقصد يعني، اني ما املكش الموهبة أساسًا، وحتى لو كان، انا بحب شغلي جدًا ومافيش حاجة تغنيني .

كانت إجابتها دبلوماسية ارضت نور، ومع ذلك استغلتها المرأة:

- عندك حق ياقمر، مع انك لو دخلتي بجمالك دا هاتكتسي، دا كفاية إنه جمال طبيعي، لكن اقول ايه بقى ؟ الولد الخلبوص دا هو اللي محظوظ بيكِ.

شحب وجه كاميليا، وتلميحات المرأة الخبيثة لا تريحها، أما كارم فتبسم بسعادة وقد أطربه ااكلمات، ليزيد على جرعتها، برفع كف كاميليا فجأة يقبلها وهو يقول بزهو:

- عندك حق ياهانم انا فعلا بعتبر نفسي محظوظ بيها .

تغضن وجه طارق في الناحية الأخرى بالغيظ من هذا المتحذلق، يود لو يهشم رأسه بأي شئ تطاله يداه، حتى يغلق فمه إلى الأبد .

ضحكت بهيرة ضحكتها المتقطعة بتكلف لتردف مخاطبة غرور الاَخر:

- لا وشاطر كمان وبتعرف ترد، يابخت والدتك بيك، هي فين صحيح بقالي فترة طويلة ماشوفتهاش، من ساعة ماحضرت جنازة اللوا .

تنهد يرد وهو مطرقًا برأسه:

- للأسف والدتي حرجت على نفسها الخروج من ساعة وفاة المرحوم، خروجها بقى مختصر ع المقابر او المشاوير الضرورية، زي خطوبتي لكاميليا كدة، أصلها كانت بتحبه اوي .

- ياحبيبتي. 

قالتها بهيرة تدعي التأثر، لتجفل فجأة على هتاف طارق بعد أن فاض به.

- انا شبعت يامصطفى خلاص، مش ناوي بقى تفرجنا على باقي الفندق زي ماوعدت؟

قالها بحدة واضحة، ورد مصطفى كالعادة بزوق :

- اه طبعًا ياعم طارق، دقايق بس على ما اخلص أنا أكل مع الجميع .

- تمام وانا هانتظركم. 

قالها بنزق قبل ان ينصرف، متجاهلًا أنظار بهيرة التي كانت تحدجه بغيظ، قبل أن تعود لكارم وحديثهم الممل :

- احنا كنا بنقول إيه بقى ياكارم؟

أجابها متشدقًا:

- كنا بنتكلم على والدتي وزعلها الكبير على وفاة المرحوم والدي. 


                 ❈-❈-❈


بعد انتهاء مأدبة العذاب كما أسمتها كاميليا، اسئذنت متعللة بالإتصال على والدها، كي تهرب من جولتهم بداخل اروقة الفندق العريق، كي تختلي بنفسها منهم، أما زهرة هي الأخرى فلم تكمل نصف الجولة برفقة نور التي صاحبتها كصديقة مقربة رغم معرفتها الجديدة بها،

واستأذنت منها للذهاب نحو أقرب حمام وصفته إليها، وقد أصبحت إحدى عادتها حديثًا كثرة ارتياده،

خطت حتى الرواق المؤدي الى حمام السيدات وقبل أن تصل إلى مدخله، سمعت بحديث الفتيات الصاخب من الداخل، واسمه يذكر بينهم :

- يابنتي بقولك جاسر الريان، هو بذات نفسه، دا احلو قوي يازفته.

دوى صوت ضحكة رقيعة لفتاة أخرى قبل أن تردف لها:

- ايوة بقى اللي كنتي بتحكيلي عنه ليل نهار وعن الليلة اياها ههههه

ردت الأولي:

- اه ياختي الليلة اياها، اللي بعدها الراجل طفش وقال عدولي، قوم انا ماشوفش وشه تاني غير النهاردة، بعد ما اتجوز البت السكرتيرة بتاعته وطلق بنت الوزير، طب لما هو ناوي ع الطلاق من الأول، مش كان اتجوزني انا وكسب فيا ثواب. 

دوت الضحكات الصاخبة مرة أخرى وإحدى الفتيات تجيبها:

- تلاقيه ما انبسطتش معاكي ياميرنا.

ضحكت بدورها لتزيد من عبث ضحكاتهم الماجنة بقولها:

- مش مهم، كفاية انا انبسطت، ههههه

لم تحتمل أكثر من ذلك، لترتد مغادرة وقد اكتفت بهذا القدر


❈-❈-❈ 


بشرفة داخلية للقاعة تطل على حديقة ضخمة للفندق، وقفت تتنفس الصعداء اَخيرًا، بعد أن ضاق صدرها ولم تعد بها طاقة لكل ما يحدث حولها الاَن، هي ليست غبية حتى تغفل عن سلوك كارم معها وتفاخره بها أمام الجميع، وكأنه دمية جميلة بيده، كما لم تغفل بذكائها عن التلميحات الخبيثة للمرأة والدة مصطفى عزام، كي تزرع الغيرة بقلب زوجة ابنها المرأة الجميلة منها، والأفعال الئيمة للتقيل من زهرة صديقتها أمامها، تلعن مجيئها وهذا الدور الذي تلبسها عكس شخصيتها التي أسستها منذ سنوات، بجهدها وتميزها دون النظر لوجهها إن كانت جميلة أو قبيحة حتى، تنهدت بتعب تبتغي الراحة والخروج من هذه الدائرة، هي إنسانة محبة للحياة نفسها، وليس لمظاهر كاذبة خادعة.

- عاجبك شخصيتك الجديدة مع الباشا ابن اللوا؟

قالها وكأنه قرأ ما تفكر به، التفت برأسها إليه بنظرة حادة متسائلة فاستطرد وهو يكمل بتقدمه نحوها:

- ماتستغربيش ياكاميليا، انا فاهمك اكتر ما انتِ فاهمة نفسك. 

زفرت بضيق تشيح بوجهها عنه، وكأنها تعلم ببقية حديثه، فاقترب أكثر حتى وقف امامها ليتابع:

- مهما حاولتي تنكري وتكدبي وتدعي عكس اللي في قلبك، برضوا انا فاهمك وعارف باللي جواكي. 

قلبت عيناها ترد بسأم على كلماته :

- اه وايه بقى هو اللي جوايا يا أستاذ طارق ياللي عارفني أكتر من نفسي؟

اعتلى وجهه ابتسامة رأتها ولا أجمل في ظل الإضاءة الخافتة حولهم ليقول :

- بتحبيني .

قالها ببساطة لتقابلها بضيق صائحة:

- يووووه، مش هانخلص بقى احنا من الكلام ده؟

ازداد اتساع ابتسامته ليردف بتأكيد ووجهه يزداد قربًا منها:

- ونخلص ليه يا كاميليا؟ دا انا لو عليا لاكتبها على الحيطان واحفرها على جزوع الشجر زي العيال المراهقين، ولا اعلقها بيافطة على صدري عشان الكل يعرفها ويعرفني بيها، كاميليا بتحب طارق، وطارق بيحب كاميليا لنفسها بس، مش لشكلها ولا لأي شئ عنها تاني، حب اتعدى في قلبي كل الحدود، وجعلني اتخلى عن كل عادة وحشة فيا عشانك، حب خلاني احب القهوة عشان كل ما اشربها افتكر لون عيونك اللي بيطير النوم من عيوني، حب معرفتوش ولا افتكر انه هلاقي في حياتي كلها اللي يعوضه .

صمت قليلًا وعيناه تأسر عيناها حبيبتيه ليردف بحزن من اعماق ندمه:

- عارف ان تاريخي مايشرفش، بس انا مستعد اغير شهادة ميلادي لو يرضيكِ، إنسى الماضي ياكاميليا وخلينا نعيش مع بعض بعهد جديد وحياة نرسمها انا وانتِ مافيهاش اي شئ يزعجك، حاولي ولو في مرة واحدة تسمعي لصوت قلبك .


صمت وظل حديث الأعين بينهم سيد الموقف، هو يتطلع إليها باستجداء لتوافق، وهي أخذها سحر اللحظة ونست كبريائها وعنادها الدائم معه، متأثرة بصدق كلماته، التي اخترقت حصونها فجعلتها تُسقط ادرعتها واسلحتها التي تشهرها دائمًا في وجهه، ولكنها كانت كاستراحة محارب وقد استفاقت فجأة على نبرة الصوت المألوف:

- إيه اللي بيحصل هنا؟

التفت رؤس الأثنان نحوه، واقفًا بمسافة ليست بعيده عنهم، عيناه الصقرية تقذف بشرارت الغضب، وجهه مظلم على غير طبيعته المعتادة، كرر مرة أخرى مشددًا على كلماته:

- انا بسأل إيه إللي بيحصل هنا؟.

انتبهت كاميليا على وضعها وقرب طارق الكبير منها فارتدت للخلف تبتعد عنها لترد بدفاعية:

- ماتفهمش غلط ياكارم، دا كان بيسألني سؤال عادي. 

رمقها طارق بنظرة غامضة قبل أن يتحرك ليقترب من كارم قائلًا:

- لأ في ياعم كارم وهي بتنكر، انا كنت بقولها اني بحبها وانها لازم تسمع لصوت قلبها ما تضيع نفسها بجوازها منك.

شهقت مصدومة من فعلته وردت بدفاعية:

- يانهار اسود ماتصدقهوش ياكارم .

حدجها بنظرة نارية قبل أن يعود لطارق الذي كان يناظره بتحدي لرد فعله الذي بدا واضحًا في اهتزاز جسده رغم جموده لتشتعل بينهم حرب النظرات، فتابع طارق:

- ساكت ليه ياعم الحلو، ولا انت عايز تفهمني انك ماوخدتش بالك؟

انشق ثغر الاخر بابتسامة قاسية اظهرت مدى كبته لغضبه ليقول:

- انا مش هاحسبك على كلامك، ماهو واحد بأخلاقك اتوقع منه أي حاجة.

مال طارق برأسه إليه قائلًا باستخفاف:

- ياااراجل، هو دا بقى ردك على كلامي؟

- بطل بقى كلامك المستفز دا ياطارق .

قالتها كاميليا تنهره غاضبة وهي تدفعه بقبضة من يدها لم تؤثر فيه، لتفاجأ بصيحة هادرة من كارم:

- انتِ تخرسي خالص وتخرجي من هنا حالًا دلوقتي.

انتفضت محلها بارتياع من هيئته المخيفة وشرار عيناه المشتعلة ببركان غضبه تبعث في قلبها الرعب، لتجفل فجأة على رد طارق الذي هدر بدوره يدفعه بقبضتيه على صدره:

- اياك تعاملها بالأسلوب دا تاني وخلي كلامك معايا انا. 

صمد كارم عن الرد رغم احتقانه ليعود إليها كازًا على أسنانه:

- بقولك اخرجي يامحترمة، بدال ما سيرتك تبقى على كل لسان .

سمعت جملته القاسية لتفر منهارة من أمامهم تاركة معركة على وشك البدء 


  وفي الداخل وبعد أن راقب انصرافها بقلبِ ملتاع لهروبها باكية من أمامه، التف نحو كارم الواقف أمامه كالتمثال، بلا حركة، واضعًا يديه بجيبي بطاله دون اكتراث لخصمه، مصوباً سهامه النارية نحوه دون أن ترف أجفانه ولو بهفوة، ليساهم جموده في اشتعال غضب الاخر الذي عاد بقبضتين فولازيتين على صدره الحجري، فلم يؤثر بدفعه إلا قليلًا للخلف، ليهدر بعنف:

- انت إيه عينتك ياجدع انت؟ مصنوع من إيه بالظبط؟

لم يرد واكتفى بنفس الإبتسامة على فمه المطبق، بخط قاسي ومشتد .

صاح طارق بضربات أشد مرددًا:

- بلاش برودك دا معايا، إنت مش قد جناني.

انفرج فمه اَخيرًا ليميل برأسه يقول كازًا على أسنانه:

- هو دا بقى اللي انت عايزه، اقابل جنانك بجناني ونشوف مين اللي يفوز، بس لا يأستاذ طارق، انا كدة كدة فايز، يعني مافيش داعي اعصب نفسي في معركة انت خاسرها من البداية. 

برقت عيناه طارق واحتقن وجهه يستوعب الكلمات الغير مفهومة، فقال بانفعال فقد السيطرة عليه:

- معركة إيه ياحقير انت؟ يعني انت واخد الموضوع تحدي، رغم علمك بمشاعري ومشاعرها.

رد بهدوء غريب:

- ومين قالك بقى انها بتبادلك نفس المشاعر؟ وحتى لو حصل وصدق كلامك، هي خلاص اختارت، ومافيش رجوع. 

- مافيش رجوع ازاي؟ هو انت هاتحدد من مكانك قرارها؟ ماتفوق لنفسك ياعم الطاوس انت ولا عايزني افوقك .

هتف بها يدفعه بكفيه عدة مرات، حتى انتفض الاَخر، وانتفخت أوداجه رافعًا قبضته في الهواء ليزأر كوحش،  انغلق عليه باب قفصه، صرخة أجفلت طارق عن الرد بصدمة، ليستفيق على هتاف جاسر الذي أتى ليفصل بينهم :

- مالكم في إيه؟

التفت رؤس الاثنان نحوه، وكان السبق لكارم في الرد بتحول أدهش طارق:

- اتفضل حضرتك وشوف بنفسك ياجاسر باشا، انا بذلت المستحيل عشان الخنا*قة ماتكبرش ونضُر بأسم حضرتك.

مالت رأس طارق وهو يتطلع إليه بتشتت،  وجاسر يربت على ذراعه مرددًا ليشكره بامتنان قبل أن يتناول ذراع طارق ليسحبه معه:

- تعالى معايا ياطارق،  

لم يتحرك وتسمرت أقدامه بالأرض، ليزيد جاسر من جذبه بغلطة حتى تمكن بالإبتعاد به عن محيط كارم، وقبل أن يخرج من الشرفة نهائيًا التفت رأسه للخلف،  فوجده يعدل من هيئته ورابطة عنقه، قبل أن يمرر كفيه على شعر رأسه ليعيد على اناقته، وكأن شيئًا لم يكن، عاد برأسه قائلًا لجاسر المستمر في سحبه:

- هو الواد ده جنسه إيه؟ دا لوح تلج البعيد ولا اكنه بيحس نهائي ياجاسر.

ربت جاسر على ذراعه بمؤازرة، هامسًا بغضب:

- كفاية بقى بلاش فضايح،  واحمد ربنا انه مسك نفسه من جنانك، قبل ما تبقى مصيبة وتفرج الناس علينا، مش كدة ياطارق، انا راسي كانت  هاتبقى في الأرض منك .

صمت الاَخر قليلًا يحاول تمالك نفسه، قبل أن يعود إليه سائلا بدهشة:

- هو انت عرفت مكانا ازاي ؟

اجابه بغضب مكتوم:

- كاميليا هي اللي اتصلت بيا، قبل ما الموضوع .....

- طب هي راحت فين دلوقت؟

سأله طارق بمقاطعة، ورد جاسر:

- فوق مع نور وزهرة في جناح مع نفسهم.

هم ليزيد بأسئلته، ولكنه توقف على انشغال جاسر باتصال هاتفي اوقفه في وسط الفندق، ليستمع لمحدثه قليلًا،  ثم ترتخي ملامح وجهه تدريجيًا حتى تحولت لابتسامة واسعة، قبل أن يغلق المكالمة، فسأله طارق باندهاش:

- ايه سر الإبتسامة دي بقى؟ 

ربت على وجنته مرددًا بمشاكسة مرحة:

- كل خير ياعم طارق، كل خير إن شاء الله.

الفصل التاسع والثلاثون 


بخطواتها السريعة أمامه تقدمته لداخل المنزل، لترمي الحقيبة من يدها وينطلق لسانها اَخيرًا؛ بعد كبت غضبها طوال الساعات الماضية:

- كانت خروجة زفت وأسوء سهرة عدت عليا في عمري كله.

قطب حاجبيه من خلفها قائلًا بدهشة:

- ياساتر يارب،  إيه اللي حصل يا لميا لكل ده؟

استدارت إليه بكليتها صائحة بحنق:

- هو انت لسة هاتسأل؟ كل دا وماخدتش بالك ياعامر؟ النهاردة ماكنتش قادرة ارفع راسي في وش حد؟ عملتك انت وابنك كسرت عيني. 

احتدت عيناه فهتف بدوره أمامها:

- خلي بالك من كلامك يالميا، ماحدش فينا جابلك العار عشان نكسر عينك، هو في آيه بالظبط؟

- فيه ان بهيرة شوكت النهاردة ماسحت بكرامتي التراب، وهي كل شوية تفكرني بنسيبك اللي مشرف في السجن، بقى بعد ما كنا مناسبين وزير يدحدر بينا الحال ويبقى دا نسبنا؟

قالتها بازدراء يثير الشفقة مع انسياب دموعها التي أرهقت عامر فقال بحزم:

- بقى هو دا كل اللي هامك، نسب الوزير اللي في يوم وليلة ممكن يتشال، ومش هامك ضحكة ابنك اللي رجعت تنور وشه اَخيرًا، بعد ما كان حي وميت في نفس الوقت، وبنت اختك بترقص في النوادي ومش هاممها حاجة.

هتفت تقاطعه بعند:

- بلاش تجرنا للسكة دي ياعامر، دي ظروف وبتعدي على ناس كتير، مش معنى كدة انهم ينطسوا ولا يخيبوا خيبة ابنك .

هدر عليها بغضب حارق:

- خيبة ابني! ماتنقي كلامك يالميا ولا انت عايزة تحرقي دمي وبس؟

ردت لتزيد من اشتعال غضبه:

- لأ يا عامر، انت اللي من حقك تحرق دمي على كيفك، وتشوهوا صورتي وصورة العيلة بجوازة زفت دي؟ بقى كارم مدير اعماله ياخد الأضواء كلها هو وخطيبته النهاردة في السهرة، وابنك يقعد لازق للبنت دي ولا اكن الحفلة كلها معمولة عشانها.

تجمدت ملامح عامر بيأس تعدي خيبة الأمل فقال مخاطبها بإحباط:

- ياخسارة يا لميا، كنت فاكرك كبرتي وعقلتي، بقى متأثرة بكلام ست قرشانة، مريضة بحب المظاهر الكدابة زيك، ونظرك عمي على اللي حققناه وانجزناه، اظاهر كدة ان كتر الدلع للست بينقص عقلها.

- انا عقلي ناقص ياعامر، يعني بعد اللي عملتوه وهببتوه من ورا ضهري، كمان في الاَخر اطلع انا اللي غلطانة

صرخت بها وتابعت بانفعالها وهي تنصرف لغرفة أخرى غير غرفتها معه:

- بس يكون في علمك، مش مسمحاك لا انت ولا وابنك.

قالتها وانصرفت غافلة عن وجه زوجها الذي تغير، وبدا على التعب جليًا عليه


❈-❈-❈ 


ارتدت منامتها سريعًا مستغلة انشغاله المستمر على الهاتف ببعض المكالمات المبهمة، كي تهرب بنومها منه، فعقلها مازال حتى الاَن يضج بحديث الفتيات وضحكاتهم الماجنة عن خيانته، تحمد الله انها فهمت من كلمات الفتاة عن انتهاء علاقته به منذ فترة طويلة، أي ليست وهي زوجته الاَن، لكان الأمر تطور معها لشئ اخر، 

- زهرة .

هتف بها بمرح وهو يلج إليها بداخل الغرفة، اشاحت بوجهها عنه، تدعي الانشغال بلف شعرها، لتفاجأ به يصل إليها بسرعة خاطفة ويزيح كفيها، لينثر بيده شلال حريرها بسواده الحالك، مرددًا:

- سيبيه كدة ياقلب جاسر، خليني أملي عيني بجماله دايمًا، 

اومأت بابتسامة فاترة لتتحرك ولكنه اجفلها بالقبض على ذراعيها ليقبلها على وجنتيها قائلًا بنبرة مغوية:

- ماشية كدة على طول، إيه بقى هو انا موحشتكيش؟

وصلها مغزى حديثه الذي ترافق مع لف ذراعيه حول جذعها، فتململت لتفُك نفسها من حصاره وقد بدأت قبلاته تزداد حرارة:

- معلش ياجاسر والنبي، سيبني دلوقتي عشان تعبانة .

نزع نفسه ليتفحصها بقلق سائلًا:

- تعبانة ازاي يعني؟ حاسة بإيه بالظبط؟

ابتعدت عنه لتجيبه بتلعثم وهي متجهة لتختها :

- مافيش داعي للقلق، انا بس انام وهابقى كويسة.

عقد حاجبيه يتبعها حتى ارتمي بجوارها على الفراش، يلح بسؤاله:

- طمنيني يازهرة، لو حاسة بأي شئ انا ابعت واجيب الدكتور حالًا.

ردت وهي تتدثر بالغطاء حتى شعر رأسها:

- ياجاسر بقولك عايزة انام وراسي تقيلة، يعني مافيش داعي للدكتور .

زفر أنفاسٍ حارة بالقرب منها حتى شعرت بسخونتها على بصيلات شعرها، وهي متشبثة بالغطاء تدعي الدخول في النوم، فخرج صوته بإحباط:

- انتِ مش ملاحظة انك بتنامي كتير قوي اليومين دول؟

لم تجيب وهي تشعر بطرق أصابعه بانفعال على الجزء الخشبي الظاهر من تختها، لتصل إلى أسماعها وكأن فرقة شعبية تدوي برأسها، فاستمرت على تجاهله حتى نهض من جوراها يتمتم:

- ماشي يازهرة، وانا اللي كنت جاي ابشرك، بس معلش ان غدًا لناظره قريب


❈-❈-❈ 


صامتة مترقبة، تتلفت برأسها نحوه كل دقيقة لتحاول بيأس قراءة في صفحة وجهه المغلقة بدقة، وهو يقود السيارة بجموده، من وقت أن انضمت إليه بداخلها وفمه المطبق لم ينبت ببنت شفاه، حتى خرجت عن صمتها اَخيرًا هاتفة:

- والله لو مضايق اوي كدة، مكانش في داعي أبدًا لتوصيلي، كان ممكن جدًا اَجي في عربية جاسر وزهرة.

التفت برأسه نحوها فجأة يقول بحدة:

- الكلام دا يتقال لواحد تاتني مش أنا، انتِ خارجة معايا على مسؤليتي، يبقى توصلي بالسلامة واطمن عمي عليكِ بنفسي. 

- كتر خيرك .

قالتها باقتضاب والتفت برأسها لتنظر للخارج من نافذة السيارة، وصلها صوته بعدها بلحظات:

- كنت فاكرك اذكى من كدة.

عادت إليه عاقدة حاجبيها مرددة بدهشة :

- أفندم! معناه إيه كلامك دا بقى؟

ازاح وجهه عن القيادة امامه ليواجه عيناها المتسائلة بعينيه الحادة قائلًا بلهجة هادئة مريبة:

- بما إني جيت بالصدفة وسمعت بكلام البني اَدم دا ومحاولاته البجحة معاكِ، عشان تسبيني، فكدة بقى من حقي أسألك، دي أول مرة ولا حاول معاكِ قبل كدة؟

اربكها السؤال قليلًا، ولكنها تماسكت تجيبه بحدة هي الأخرى:

- أظن يااستاذ كارم اني لو كنت عايزاه هو، فكنت هاختاره من الأول واوفر عليا وعليكِ الصدام ده، يعني مافيش داعي لسؤالك من الأساس

ارتفع حاجبه متفاجئًا من رده القوي ونظرة التحدي التي تطل من عينيها لتزيده تمسكًا بها،  فقال يقارعها:

- لا ياكاميليا، السؤال لديه داعي وضروري كمان ، خصوصًا لما تكوني انتِ وهو شغلكم اليوم كله مع بعض في موقع واحد...

- كارم لو سمحت، لحد هنا وقف، عشان انا ما اسمحلكش 

قالتها مقاطعة بحدة أجفلته، لتكمل بحزم:

- اظن من الأول كدة، انت عارف بأخلاقي كويس، وعارف اني زي القطر في شغلي ودا اللي يخصك، اما بقى بالنسبة لطارق ولا اغيره، فاانا كفاءة اوي اني اوقف كل واحد عند حده لو اطاول معايا في كلمة واحدة، ولا انت إيه رأيك؟

حدجها بنظرة نارية ثم التف أمامها، يصك على فكيه وظل صامتًا حتى وصل أسفل بنايتهم وتوقف، لملمت حقيبتها والهاتف مستعدة للترجل وفور أن وضعت يدها على مقبض الباب، سمعته يوقفها سائلًا:

- بما انك جامدة كدة زي ما بتقولي، ياريت تسأليه، عن ابنه من الست الأجنبية، اللي رميه لوالده ووالدته يربوه في كندا ! 

التفت رأسها بحدة إليه بتساؤل، فعلت زاوية فمه بابتسامة متسلية يستطرد:

- هو انت متعرفيش انه عايش لوحده هنا، عشان عيلته مهاجرة بقالها سنين في كندا، ولا مكنتيش تعرفي انه مخلف عيال من أساسه. 

بهتت ملامح وجهها وبدا جليًا حجم التأثر والصدمة عليها، حتى أنها أكملت ترجلها من السيارة بجواره ، ولسانها وكأنه انعقد عن الكلام نهائيًا، اخرج لها رأسه يودعها :

- تصبحي على خير ياكاميليا. 

اومأت له برأسها، والتفت تعدوا بسرعة لداخل بنايتها،  ظل متابعًا لها حتى اختفت عن أنظاره، فتناول هاتفه ليجري المكاملة وهو يزفر بعنف، وما أن وصله الصوت من الناحية الأخرى:

- الوو أيوة ياعمي......... اطمنت على رجوع بنتك بقى، جيبتها اهو في الميعاد زي ما قولت ........ الله يحفظك يارب، طب انا كنت عايز اَجي اقابلك بكرة!


❈-❈-❈ 


فتحت بمفاتحها باب المنزل الخارجي، لتلج بالداخل وتخلع حذائها ثم تتسحب على أطراف أصابعها مستغلة هذا السكون مع اختفاء الحركة فيه بنوم الجميع، دلفت لداخل حجرتها تضيئ المقباس وترمي الحذاء من يدها على الأرض لتتنفس الصعداء مغمضة العينان، يكتنفُها الإرتياح بعد نجاتها من حساب والديها على تأخرها حتى هذا الوقت في الخارج، فتحت أجفانها اخيرًا لتطلق العنان لجسدها كي يتمايل بنعومة مع حركة شفتيها بالغناء ، تستعيد كل لحظة مرت بها منذ قليل محلقة في سماءه، لاتصدق هذه السعادة التي كانت تشعر بها في قربه، لفتات وصفه لجمالها، رقصتها معه وضمته الجريئة لها برقصة رومانسية لأول مرة تقوم بها في دفء رجل، وليس أي رجل ، إنه كأمير من قصص العشق في مدن خيالها، الاَن فقط تطمئن أنها سوف تأخذ مكانها الذي تستحقه، لتلحق بركب الحظ الذي انتشل زهرة وقبلها كاميليا، لا بل هي ستتفوق عليهم، بوسامة العيون الخضراء والشعر الأصفر،

- براد بيت ياناس.

قالتها بضحكة بلهاء قبل أن تصطدم عيناها بالجالسة متربعة بقدميها على الفراش.

- عاااا ياما.

صرخت بها مرتعبة، تتطلع بخوف نحو والدتها التي كانت تحدجها بنظرات تقذف شررًا، وملامح وجهها المعقدة بغضب مع تشعث شعرها من أثر النوم، جعلتها مخيفة حقًا.

- إيه ياختي شوفتي عفريت؟

قالتها إحسان بتهكم قابلته غادة صائحة:

- لا أكتر يامّا، انتِ كدة هاتخليني اقطع الخلفة بعمايلك دي معايا؟

شهقت إحسان مستنكرة وهي تنزل بأقدامها على الأرض مرددة بحدة:

- عمايلي! عمايل مين يابت ال.....  وانت راجعلي على ١٢ نص الليل، اتجننتي ولا عيارك فلت يابنت شعبان، عشان تتأخري برا البيت للوقت ده؟

انتفضت غادة للخلف مرتدة بأقدامها، للتحاشي اقتراب  والدته منها بهذه الهيئة المخيفة وخرج صوتها بتلعثم:

- المواصلات يامّا، هي اللي أخرتني للوقت ده، انا أساسًا خارجة من هناك على حداشر. 

هتفت ببأس إحسان:

- وتقعدي لحداشر ليه لو بنت ناس ومتربية يابت؟ ماتخلنيش اقلب عليكِ ياغادة، مش معنى اني موافقاكِ ع اللي بتعمليه، ابقى هاسكتلك ع الغلط يا عنيا، اصحي لنفسك يابت.

- يووووه.

هتفت بها لتدب بأقدامها على الأرض وتكمل باعتراض:

- فيه إيه؟ ما تهدي شوية يامّا، دا انا راجعة من نص الحفلة عشان خاطرك، وانت بدل ما تسأليني عملت إيه، بتفتحيلي تحقيق .

مصمصت بشفتيها إحسان تسألها ساخرة:

- طيب ياحلوة قولي واشجيني، ياترى بقى ياختي عرفتي تسجلي جون؟

رددت غادة بمرح مبالغ فيه:

- وفي الدوري الأوروبي كمان يامّا!

رمقتها إحسان بنظرة غريبة رافعة طرف شفتها بدهشة، فاقتربت غادة تخاطبها بلهفة وهي تسحبها من يدها:

- تعالي هاحكيلك تعالي،


  ❈-❈-❈        


وسط الظلامُ الدامس، كانت تعدوا وتركض دون هوادة للبحث عن مخرج او بقعة ضوء تنفذ إليها، يزداد ركضها وقلبها يضرب بين جنابتها بقوة تكاد أن تقضي عليه، تخرج من طريق وتلج بالاَخر، فتصدم بنفس المكان ونفس الظلام ، وكأنها لم تتحرك من محلها ، أصابها اليأس وضاقت أنفاسها وهي تجول بعيناها في الظلام حتى وقعت عيناها عليه، يسطع جلده الذهبي رغم الظلمة الحالكة حتى كاد أن يضئ المكان حولها، شهقت برعب وهي تجده يزحف بنعومة نحوها وازداد خفقان قلبها لترتد بأقدامها كي تهرب من أمامه ولكن أقدامها لم تطيعها وهي ترى صاحب الجلد الذهبي يلفظ من فمه واحد آخر، والاَخر نفس الأمر يلفظ بالاَخر ، حتى تحولوا لمجموعة امامها، هنا ذعرها وصل لاَخره فلم تملك سوى صرخة قوية خرجت من أعماقها ، حتى جرحت حلقها.

- أميييييي

- زهرة مالك، ايه اللي حصل؟

هتف بها جاسر بعد أن هب مستيقظًا بفزع على صرختها القوية، ليجدها اعتدلت بجذعها تصرخ وتبكي بهستريا، دافنة وجهها بين راحتيها، جذبها إلى صدره يهدهدها بالأيات الحافظة والأدعية، وهي تنتفض بين يديه، ناولها كوب ماءًا اجترعته كاملًا تروي عطشها  وكأنها عادت من صحراء جافة خالية من الماء لتعود بحضنه وارتجافها لا يهدأ

- يازهرة ياحبيبتي دا كان حلم او كابوس أكيد، اهدى انتي دلوقتِ في حضني.

هتف بها ليطمئنها وهي وكأنها لا تسمع او ليست معه على أرض الواقع، ارتعاش جسدها بهذه الصورة يكاد أن يقتله هلعًا عليها ، ظل على وضعه في مهادتنها للحظات طويلة، يمسح بكفيه على ظهرها وشعرها، يغمرها بحنانه حتى شعر بهدوئها قليلًا فقبل أعلى رأسها قائلًا برقة:

- تقدري دلوقتِ تتكلمي مدام هديتي، انا معاكِ ومش هسيبك ولا انام الا بعد انتِ ما تنامي. 

صرخت تجفله بهذيانها:

- لأ انا مش عايزة انام، مش عايز اشوفهم، مش عايزة اشوفهم تاني ياجاسر والنبي.

- خلاص اهدي اهدي. 

خاطبها بهدوء ليمتص أنفعالها، ثم سألها بفضول:

- هما مين اللي مش عايزة تشوفيهم .

هتفت وخيط الدموع يسبق كلماتها:

- الضلمة، الضلمة ياجاسر والتعبان، بس المرة دي مكانش واحد، لا دول كانوا مجموعة بتحاصرني ياجاسر، مجموعة....

قطعت كلماته ببكاء مزق نياط قلبه بالحزن على حالتها، عاد لضمها مرة أخرى حتى انتظمت انفاسها قليلًا، فنهض ليسحبها معه قائلًا :

- تعالي معايا، احنا مش هنام هنا خالص.

استسلمت لسحبه لها ثم القي عليها مئزرًا يغطي على منامتها القصيرة، وخرج بها إلى تراس المنزل في الهواء الطلق، أجلسها معه على كنبة جانبية به، ضمها إليه يُحاوطها بذراعيه ونسمات الهواء العليلة تساهم معه في تهدئتها، فقال اَخيرًا بعتب:

- مكنش لازم توصفي اللي شوفتيه يازهرة، كنتِ قولي كابوس وخلاص، انا اسمع ان الحاجات دي ماينفعش نحكي بيها.

ردت دافنة رأسها بصدره:

- دا مكانش حلم دا حقيقة .

ابتلع ريقه الجاف يسألها بتوجس

- حقيقي ازاي يعني مش فاهم، هو التعبان دا طلعلك قبل كدة؟

- مش انا وبس، انا وامي .

قالتها ثم صمتت وهو يحترق لسماع الباقي، يكبح نفسه بالألحاح عليها لتحكي وهي أطالت بسكوتها حتى ظنها لن تجيب، وفي الاَخير قالت:

- كانت اول سنة ليا في الدراسة ورحت مع ابويا وامي نجيب لبس المدرسة، ابويا اتخانق مع أمي عند البياع وسابنا ومشي، أمي كملت واشترلتي كل اللبس وشنطة المدرسة اللي علقتها من فرحتي على ضهري، وبعدها حبينا نرجع، بس كانت الدنيا ليلت وللأسف في اليوم ده الكهربا كانت قاطعة عمومي في المنطقة، وكذا حتة جمبها، أمي مع الضلمة الشديدة اتلخبطت في الشارع، فلقينا نفسنا في مكان غير مكانا، حبت تسأل أي حد أمي ، لكنها اتفاجأت بشوية شباب بيضربوا واحد وبيعدموه العافية مع الفاظ وكلام قبيح، أمي اتخضت أوي بعد ما عرفت انها منطقة خطر، فرجعت بيا تدخلني لشارع التاني بس للأسف كان مقفول وكأنه مقلب زبالة، 

ردد مقاطعها باستفسار:

- مقلب زبالة، ازاي يعني؟

أجابته زهرة لتكمل سردها:

- يعني شارع مهجور وناس الحتة جعلته لرمي زبالتها، المهم إن أمي لما لقت كدة، وقفت بيا شوية ونبهت عليا ماطلعش صوت في انتظار الناس البلطجية دول مايمشوا، وانا من الخوف فضلت ساكتة مستخبية ومتبتة فيها لحد اما شوفته، تعبان كبير وجلده بيلمع في الضلمة، همست بخوف وانا بنتفض انبه أمي اللي أول ماشفته رفعتني وشالتني على إيديها خوفًا عليا


تهدجت انفاسها وكأن الباقي ثقيل على لسانها، فشجعها جاسر:

- قولي يازهرة وكملي .

تنفست بعمق تستعيد تماسكها قليلًا ثم قالت :

- أمي كانت مابين نارين يااما تصرخ وتجيب البلطجية ينقذوها من التعبان وساعتها تقع في إيديهم هما، يا اما تدافع وتحاول مع نفسها وهي شايلاني على إيديها عشان تحميني منه، بخشبة كبيرة كانت بتضرب فيه لكنه كان قوي ونفد من الضرب يستخبى في كوم الزبالة، افتكرته أمي مشي وراح، مكانتش عاملة حساب انه هايلدغها في ضهر رجلها......

توقفت لتبكي مستعيدة مشهد والدتها التي تغضن وجهها بالألم وهي تتمسك بها بكل قوتها حتى لا تنزلق منها ويصيبها الغادر هي أيضًا، فكل همها تركز في هذه اللحظة بحماية ابنتها، ترجف من هول ما تشعر به من ألم ويزداد تشبثها بابنتها، وحينما شعرت بذهاب الرجال ركضت بعرج قدمها المصابة حتى وصلت على اول طريق عام لتقع بابنتها، التي شهدت على اَخر لحظات احتضار والدتها داخل أحضانها، ولم تشعر بالبشر التي التفت حولهم، وكلمات الأسى وهم يتفحصون المرأة التي سلمت روحها اخيرًا بعد ان اطمأنت على ابنتها .


عادت ترتجف بتذكرها ماحدث، وجاسر الذي تهاوت من داخله كل قوته، أصابه الزعر أيضًا وهو يتخيل المشهد أمامه ، ورؤيتها طفلة تتعرض لهذا الرعب لتفقد بعدها أعز مالديها، شدد عليها بين ذراعيه وأصابته عدوى الإرتجاف هو الاخر ولكنه كان تأثرًا وانفعالًا بما حدث لها، يوزع قبلاته على رأسها وما يصل إليه من وجهها، حتى اذا هدأ قليلًا سألها: 

محدش خدك لدكتور يشوف حالتك دي .

- خالي طبعًا لف بيا ع الدكاتره كتير أوي بعدها، عشان ساعتها كنت فاقدة النطق، بس بعد محاولاته المستمرة  معايا هو وستي ربنا فك عقدة لساني، ربنا مايحرمني منهم يارب.

أمم خلفها من قلبه، وتابعت هي:

- الكابوس دا في الأول مكانش بيفارقني والصورة في دماغي ليل ونهار، لكن بعد كدة بقيت اندمج في الدراسة والحياة ، وشوية شوية بقى يروح من دماغي ، حتى انه مابقاش يجيني غير لما ازعل قوي أو اضايق.

استدرك منتبهًا على عبارتها الاَخيرة، ليُخرجها من حضنه فجأة ويتطلع إليها عاقدًا حاجبيه بشدة يسألها:

- يعني الليلادي نمت وانتِ زعلانة يا زهرة، طب ليه؟ وايه اللي يوصلك لكدة؟

أسبلت أهدابها تحاول الهرب بعيناها عنه ولكنه لم يستسلم ورفع وجهها إليه يحاصرها بعينيه قائلًا بحدة:

- قولي يازهرة، عشان انا مش هسيبك من غير ما ترودي النهاردة وتريحني. 

أمام إلحاحه اضطرت صاغرة للرد، فسألته مباشرةً:

- انت ممكن تخوني ياجاسر؟

- إيه؟

تفوه بها مندهشًا ليتابع بسؤاله:

- انتٍ إيه اللي حط الفكرة دي في دماغك؟ مين اللي قالك يابنتي إن ممكن اعمل حاجة زي دي أصلًا؟

لعقت شفتيها لتُجيبه بتوتر:

- بصراحة بقى البنت دي اللي.. كانت بتلاغيك قدامنا كلنا في قاعة الفندق، سمعتها وانا رايحة الحمام، كانت بتتكلم عن ليلة قضتها معاك، هي كلامها صح ياجاسر؟

استمع منها ثم أشاح بوجهه عنها يزفر بضيق، وتابعت بالسؤال مرة أخرى بإلحاح رغم تنامي شعورها بصدق الفتاة والذي أكده هو بقوله:

- حصل فعلًا يازهرة، بس الموضوع دا عدى عليه كتير اوي يجي أكتر من سنة، يعني قبل ما اشوفك ولا اعرفك حتى.

تطلعت إليه قائلة بصدمة:

- بس خونت مراتك ياجاسر، يعني ممكن تخوني انا كما....

قطع جملتها بوضع كفه عل فمها:

- بس بقى ماتكمليش وافهمي، ميريهان غيرك انتِ خالص، يعني هي اخونها وتستحق الخيانة كمان، لكن انتِ لو خنتك أبقى بخون نفسي، علاقتي مع البنت دي تمت في ليلة وانتهت في نفس ليلة، زي ماعملت مع غيرها كتير، دي كانت فترة صعبة في حياتي وانا حرمت بعدها وزهدت في كل الستات لحد ماشوفتك وروحي رجعتلي من تاني، انا يوم ما هأذيكي يازهرة؛ روحي هاتتأذي قبلك، فهمتي بقى. 

وصلها صدق حديث عينيه مع ما تفوهت بها شفتيه، ليُنبت بقلبها الراحة والاطمئنان، همت لتريحه هو الاخر ولكن غليها فضول النساء لتسأله:

- طب انت شوفتها ولاعرفتها فين؟

اعتلت شفتيه ابتسامة متسلية:

- وانت عايزة تعرفي ليه؟

اضطربت تجيبه وهي تتلاعب بقماش مئزرها تقول:

- يعني ياجاسر، اهو عايزة اعرف وخلاص. 

جذبها لتعود لمسكنها بداخل أحضانه، وأجاب:

- ياستي شوفتها في نايت كلاب، وامبارح اتفاجأت بوضعها داخل فندق كبير زي ده، بس انا متأكد من أخلاق مصطفى، لكن اللي زي دي ما تغلبش، أكيد لافت على مسؤل مهم في الفندق .

- استغفر الله العظيم يارب، ماتقولش كدة مش يمكن وصلت بمجهودها؟

اطلق ضحكة مجلجلة في قلب السكون، يقول مقهقهًا بشقاوة:

- مجهودها اه! عارفه انا مجهودها ده.

فهمت مغزى كلماته فلكزته على ذراعه تنهره بعضب:

- بطل بقى قلة أدب. 

استمر بضحكاته يشاكسها بقوله:

- من عيوني ياقلبي، هابطل أدب هههههه. 


❈-❈-❈      


مع بزوغ الصباح وانتشار الخيوط الذهبية حولهم، تململت في طريقها للإستيقاظ، حتى فتحت أجفانها لترفع الغطاء من عليها وارتفعت رأسها عنه، لتعي على وضعها نائمة بين ذراعيه في تراس المنزل المكشوف، اعتدلت بجذعها جواره بحرج، رغم أمانها بصعوبة التلصص من أي أحد ما ورؤيتهم.

تحمحمت تجلي حلقها لتوقظه من سُبات نومه العميق:

- جاسر ياجاسر .

زام بصوته معترضًا لينقلب على جانبه الاًخر، فاستمرت هي بمحاولتها :

- ياجاسر، ياجاسر قوم بقى، احنا بيننا اتأخرنا قوي في نومتنا، ياجاسر ياجاسر.

- عايزة إيه يازهرة؟

صدرت منه بحشرجة خشنة، قابلتها بقبلة رقيقة على وجنته جعلته يستفيق على الفور، ويعتدل بنومته على ظهره لتواجه عيناه عيناها وابتسامة مشرقة منها وهي تشرف عليه من علو:

- صباح الخير.

بادلها بابتسامة ليقربها منه يرد إليها هديتها مردفًا براحة:

- صباح الجمال.

استقامت لتبتعد عنه ولكنه منعها بتشبثه بها وقوله:

- إيه بس رايحة فين؟ هو لحقنا نصبح؟

لكزته بقبضة خفيفة على ذراعه تدعي الحزم:

- كفاية بقى احنا اتأخرنا بجد والله ع الشغل.

- ليه هي الساعة كام دلوقتِ؟

سألها وعيناه تتلفت حولها، فاستغلت إنشغاله، لتفلت نفسها منه وتنهض من جواره تدعوه بجدية:

- ياللا قوم بقى وبلاش كسل، انا هاسبقك عشان اللبس هدومي وانت حصلني.

نظر في أثرها قليلًا وهم ليُعاود النوم مرة أخرى، ولكنها أجفلته بندائها:

- قوم ياجاسر بقى بقولك اتأخرنا. 


❈-❈-❈    


ولجت لداخل غرفتها وانتبهت على دوي صوت ورود مكالمة على هاتفها توقفت قبل أن تصل الى الهاتف لتتناوله وترى جهة المتصل، لتفاجأ بكم اتصالات هائلة من عدة أشخاص، أكثرهم كانت كامليليا، والتي عاودت المحاولة مرة، وفتحت زهرة لترد عليها بقلق :

- الوو. ياكاميليا، إيه اللي حصل للمكالمات دي كلها؟ 

وصلها هتاف الأخرى:

- انتِ اللي بتسألي برضوا يا زهرة؟ دا انا من الصبح عمالة اتصل يجي مية مرة، وانتِ مافيش مرة تتفضلي وتردي غير دلوقتِ؟

قالت زهرة بدهشة يشوبها القلق:

- ايوة يابنتي ما انا كنت نايمة، إنتِ بقى بتتصلي كدة ليه؟

ردت كاميليا بمرح:

- تاني برضوا بتسأليني يازهرة؟ طب انا بتصل عشان الضجة اللي ع النت بسبب بيان جوزك ياستي . 

- جوزي أنا طلع بيان؟

قالتها باستغراب قابلته الأخرى بهتافها:

- لااا دا انتِ باينك نايمة على ودانك، اقفلي يابت شوفي صفحة جوزك وبعدها كلميني؟

- صفحة جوزي كمان؟ ماتفهميني ياكاميليا انتِ قصدك إيه؟

ضحكت الأخرى من محلها ترد بمشاكسة:

- انا برضوا الغلبانة افهمك؟ دا انت معاكِ استاذ ورئيس قسم يابنتي؟ هاقفل بقى واتصل بيكِ بعد شوية، تكوني استوعبت!

قالتها وأنهت المكالمة لتترك زهرة تتخبط في تخميانتها، قبل أن تنفذ ماقالته وتلقي نظرة على حساب زوجها في أحد المواقع الشهيرة، فتفاجأت بصورتها التي جمعتهما معًا من حفل الأمس، وهو يضمها إليه من خصرها، مقربًا وجهها من وجهه وهي تبادله ابتسامة سعيدة التقطها المصور رغم خجلها، وفوقها كانت كلمات البيان، ابتدأها بمقدمة مقتضبة وبعده كان نص البيان.

" عن ما انتشر منذ فترة والتقطته صفحات الأخبار والسوشيال ميديا وتناولته بعض الأقلام المغرضة، بزرع الإشاعات عن زواجي من سكرتيرتي والتهمة التي كتبت عن أباها، أما عن الرجل، فقد ثبت بالدليل القاطع براءته من تهمة تم تلفيقها إليه، وعنها هي نفسها، فيسُرني أن أعلنها بملئ فمي، لتصل إلى الطير في كبد السماء، وإلى الجنين ببطن أمه، هذه المرأة هي زوجتي زوجتي زوجتي، حُلم عمري الذي تحقق اَخيرًا، ليُنشر بساتين من البهجة في قلبي الذي كان مصابًا بالعطب والجفاف قبل لُقياها، حبيبتي التي كافأني الله برزقها رغم عصياني له، كي اعود لصوابي وأحسن عبادتي له بالحمد والشكر، سكرتيرة كانت أو عاملة نظافة، أنا فخور لارتباطي بها، ولا اقبل أو اتهاون بأي تقليل منها أو التدخل في اختياري لها، هذا إعلاني وتحذيري أيضًا"

انهت القرأة مغلقة فمها بكف يدها تكتم شهقاتها ودموع الفرح تسيل منها دون توقف، حتى شعرت بحركة من خلفها استدارت إليه سائلة بصوت متقطع:

- إنت اللي كاتب المنشور دا ياجاسر؟

أومأ لها مراقصًا حاجبيه بمرح وهو يقترب منها، فارتمت بين ذراعيه تعانقه مرددة بهذيان:

- ومخبي عليا من امبارح، انت إيه يا أخي معندكش قلب.

اطلق ضحكة مدوية متفاجًأ بردها:

- ههههه انا برضوا اللي معنديش قلب، ولا انتِ ياجاحدة يا اللي سبتيني ونمتي؟!

أصبحت تدفن رأسها بصدره لتداري ضحكاتها الغريبة مع البكاء، وصار هو يقلد صوتها بقهقهة مرحة، استفزتها لضربه بقبضتها على ظهره:

- بس بقى وربنا هازعل صح. 

بطرف سبابته وابهامه رفع وجهها ألذي اصبح كتلة ملتهبة حمراء بشكل فكاهي من صخب انفاعلاتها بالبكاء والفرح معًا، وقال بغيظ:

- لازم تعوضيني عن ليلة امبارح اللي انقلبت بكوابيس، بعد ما كنت مخططلها بالإحتفال.

ردت ضاحكة:

- يعني انت كل غايظك دلوقتِ، هي الليلة اللي ضاعت عليك؟

اومأ له بحماس يطل من عينيه، همت تجاريه في الحديث، ولكنها تذكرت فجأة:

- اه صحيح، انت قولت في البيان ان والدي خد براءة؟

- ماهو فعلًا خد براءة. 

أجابها ببساطة، قابلتها هي هاتفة بصياح:

- امتى ياجاسر بقى؟ انا عايزة افهم .

تنهد مطولًا واضعًا يديه في جيبي بنطاله البيتي ليشرح:

- ياستي احنا لقينا الولد اللي ورط ابوكي في الموضوع، صغطتنا عليه انا ورجالتي وعرفنا منه إن اللي سلطه واحد من عندكم اسمه فهمي ...

- فهمي سنارة.

قالتها زهرة بلهفة فقال مستغربًا:

- ايوة هو ده، شكلي كدة موعود بيهم، فهمي حيدر الوزير، وفهمي سنارة بياع البرشام دا كمان، المهم بقى،  عرفنا نلاقي تفاهم مع الولد يخرج السيد الوالد براءة وانا وصيت عليه جمعية محترمة تراعيه في سجنه وبعد ما يخرج من السجن كمان ان شاءالله، فهمتي بقى؟

ردت بنظرة عشق يغمرها الإمتنان:

- كل ده عملته عشاني ياجاسر؟

- واعمل قده أضعاف كمان، ولا اشوفش نظرة حزن واحدة منك.

قالها مقبلًا أعلى رأسها متنفسًا عبيرها بعمق، تقبلته هي هي بكل حب، وارتفعت كفها بالهاتف تتطلع فيه قليلًا لتقول:

- بس الصورة حلوة اوي ياجاسر، انت نقيت أحلى واحدة فيهم صح؟

اعتدل ليرد وهو يشاركها التطلع في الهاتف:

- لأ طبعًا كل الصورة كانت حلوة، انتِ اصلًا كنتِ تجنني امبارح؟

- بجد؟

قالتها بتسائل وهي تنقل نظرها إليه، لتكمل برجاء؟

- امال ليه والدتك امبارح كانت هاتجنن على كاميليا، وانا كانت نظرتها عادية ليا؟

أجابها بابتسامة ساحرة:

- اقسم بالله كانت عينها هاتطلع عليكِ بس هي كدة ماتحبش تبين، عشان شوية الغضب اللي في قلبها مني، اما عن إعجابها بكاميليا فدا شئ طبيعي، دي أول مرة تشوفها بإطلالة مختلفه عن الإطالة العملية ليها دايمًا في الشغل....

- شغل! يانهار اسود صحيح، احنا اتأخرنا جدًا ع الشغل .

قالتها بلهفة صارخة، وهي تركض من أمامه نحو خزانة ملابسها،

غمغم في أثرها بتعجب:

- وما نتأخر وماله يعني، ما انا المدير أساسًا؟

التف مستدركًا، يرد بتفكه مع نفسه:

- اه صحيح دا انا نسيت انها لسة بتخاف من مديرها القديم! هههه


❈-❈-❈ 


وفي الناحية الأخرى وبعد أن أنهت اتصالها مع زهرة وهي في طريقها نحو غرفته، وقفت قليلًا تأخذ شهيقًا مطولًا قبل أن تطرق على بابه مستئذنة بالدخول، والذي أتاها في صوته مرحبًا، فدلفت إليه بهيئتها العملية:

- صباح الخير يافندم .

قالتها بروتينية لفتت نظره، فقال يرد تحيتها:

- صباح الفل ياكاميليا، اتفضلي واقفة ليه؟

سمعت منه لتقترب واضعة مجموعة من الملفات على سطح المكتب أمامه تقول:

- دي ملفات بعض العقود الأخيرة، ارجو ان حضرتك تراجعها، وتبلغني برأيك عن الملاحظات اللي ارفقتها بكل ملف، عشان نصلح وضعنا في العقود الجديدة. 

القى نظرة نحو ما تُشير إليه قبل أن يرفع رأسه إليها قائلًا بدهشة:

- هو انا ليه حاسس بجفاف في لهجتك؟ هو انتِ زعلتي مني على موقف امبارح؟

مطت بشفتيها تقول بنبرة مبهمة:

- أزعل منك! لا حضرتك ماتزعجش نفسك، انا نسيت الكلام. واعتبره موقف وعدى.

انتفض مستقيمًا عن مقعده قائلًا بغضب من كلماتها:

- موقف وعدى ازاي يعني؟ هي الحاجات دي فيها هزار ياكاميليا؟

قابلت غضبه تقول بنبرة هادئة ساهمت في اشتاعله أكثر:

- أومال عايزني اقولك إيه؟ هو انت نسيت إني مخطوبة ؟

التف من خلف مكتبه ليواجهها:

- لأ مانسيتش ياكاميليا، زي ما انا فاكر كويس، انها لسة مابقتش رسمي، يعني عندك فرصة لسة. 

تكتفت بذراعيها لتقول بحدة:

- فرصة لإيه بالظبط؟ اني افكر فيك يعني، طب انا اعرف عنك إيه غير الصورة الأنيقة بتاعتك؟ قولتلي مثلًا ان عندك ابن من صديقتك الأجنبية، سايبه لأهلك في كندا يربوه هناك.

تغضن وجهه يسألها هادرًا؟

- وانتِ عرفتي منين الكلام ده؟ هو اللي قالهولك صح؟

- سمعت منه أو من غيره، الكلام دا صح ولا غلط؟

سألته بقوة تبينت الإجابة على اثرها من ملامح وجهه المرتبكة مع قوله:

- الموضوع مش زي ما انتِ فاهمة .

بابتسامة لم تصل لعيناها رسمتها لتخبئ من خلفها صدمتها، ردت بتامسك:

- مافيش داعي لارتباكك دا، انا ماليش حق اني احقق معاك ولا اقررك أصلًا، حضرتك حر في اللي انت تعمله، وانا كمان حرة في اختياري، عن إذنك. 

قالتها وتركته مغادرة ليسقط بثقله على المقعد من خلفه، وكأن هموم العالم أجمع سقطت فوق رأسه

هاي ياقلبي هو انتِ صحيتي؟

ردت وهي تخرج لها سيجارة من العلبة لتضعها بفمها:

- انت كنت فين كدة ع الصبح وسايبني؟

أجابها على الفور بحماس

-كنت ع الفون وبكلم والدي عن قصة حبنا دا فرح قوي، وسألني بقى عن ميعاد جوازنا. 

فغرت فاهاها حتى سقطت السيجارة من شفتيها، وقالت بدهشة:

- جوازنا ازاي يعني؟ هو انت بتتكلم بجد؟

- طبعًا ياميري، هو الكلام دا برضوا فيه هزار، ولا انت فاكراني عيل صغير عشان ماتخديش بكلامى، لا يا ست ميري لازم تفهمي إني راجل أوي .

قال كلماته بجدية كادت أن تضحكها ولكنها تماسكت لتجيبه بمهادنة:

- لا طبعًا ياحبيبي انا عارفاك راجل وسيد الرجالة كمان، بس انت عارف ان ظروفي لسة متلخبطة؟ دا غير اني لسة في شهور العدة كمان ولا نسيت؟

مط بشفتيه يقول بتفكير:

- لأ طبعا مانستش، انا عارف ان الست بيبقا ليها عدة بعد ما تطلق أو جوزها يموت، تقريبًا في حدود اربع او خمس الشهر باين. 

اعتلى ثغرها ابتسامة متسلية وهي تومئ برأسها إليه كي تجاريه دون ان تصحح له معلوماته، ولكنه أجفلها بقوله:

- الفترة دي هاتبقى يدوب على ماجهزنا عش الزوجية بتاعنا، إن كان هايبقى عندي ولا عندك، دا بابا مُصمم ان فرحنا يبقى اكبر حدث في مصر.

مسحت بباطن أناملها على عظام فكها بتوتر، ثم قالت وهي تجاهد لتُخفي ضيقها:

- وإيه اللي دخل والدك معانا بس واحنا لسة مدخلناش في حاجة رسمي؟ ثم انه ازاي يوافق على جوازك قبل ماتخلص جامعتك اساسًا؟

اعتدل في جلسته واضعًا قدم فوق الأخرى يقول بزهو :

- مش محتاجة تفكير ياقلبي، هو عارف ومتأكد إن ابنه جامد، وشهادة الجامعة دي، خدتها أو مخدتهاش مش هاتفرق معايا، انا مش فقير عشان ابنى مستقبلي على وظيفة بيها، والحقيقة كمان اسم والدك وفر عليا كتير أوي في اقناعه.

- اممم .

زامت بها وهي تشيح بوجهها حانقة ثم التفت بابتسامة صفراء تقول:

- اهي المشكلة بقى يا مارو في والدي، لأني عارفة ومتأكدة كويس، إنه لايمكن هايقبل يجوزني طالب في الجامعة وأصغر مني بست سنين.

شددت على عبارتها الأخيرة فانتفض أمامها بانفعالٍ أجفلها :

- وافرضي يعني ياميري ما وافقش، انتِ برضوا ما ينفعش تستلمي، قاومي وافرضي رأيك عليه، لازم يفهم ان احنا بنحب بعض ويوافق على كدة.

عادت لرسم ابتسامة صفراء على وجهها، وقد علمت بعقم الجدال معه، فيبدوا ان جموح جنونه الذي كان من أهم أسباب انجذابها اليه في البداية، هو نفسه ما يجعلها اليوم تشعر بالقلق منه، مالت تتصنع النعومة في صوتها لتنهي الحديث بقولها:

- طب ممكن ياقلبي نأجل الكلام في الموضوع دا بعدين، عشان دلوقتِ الصداع هايفرتك دماغي ونفسي في مج كببر من الكوفي الجميل بتاعك تعملهولي ممكن؟

- اميرة حياتي كل اللي تطلبه مُجاب .

قالها بحماس ونهض على الفور يلثم شفتيها بقبلة خاطفة واكمل وهو يخطو لخارج الغرفة:

- ثواني واحضرلك الفنجان تشربيه عشان تفوقي كدة معايا.

تابعته حتى انصرف لتزفر بارتياح مع خروجه، ثم تناولت الهاتف لتلقي نظرة به، توسعت عيناها متفاجئة بكم الإشعارات التي عليه، لتجد أمامها الخبر الأهم وبيان جاسر الريان عن زوجته يتناقل في الصفحات بصورة غير طبيعية، قرأت نص البيان بأنفاس متهدجة من الغضب مع كل كلمة به، ثم الاراء المشجعة، والتي تُثني على جرأة الرجل في اختيار زوجته دون النظر إلى الفارق المادي، واستشاط عقلها بنيرانه وهي تقرأ كم التعليقات الساخرة من زوجته الأولى، فلم تشعر بصرختها المدوية وهي تخرج من عمق حلقها، ولا بالهاتف الذي دفعته بطول ذراعها حتى اصطدم بالحائط؛ ليقع على الأرض متهشمًا لعدة قطع متناثرة، ولا بشهقة الزعر التي صدرت من مارو وسقط على أثرها فنجان قهوتها الكبير من يده، ليكمل على فوضى الغرفة، وخروجه مهرولًا خوفًا هيئتها.

الفصل الأربعون 


برأس مثقلة رفعتها عن الوسادة تطلعت حولها في الغرفة الغريبة عن غرفتها، الأثاث الغير المرتب مع الفوضى المنتشرة في كل شئ حولها، حتى وقعت عيناها على فستان سهرتها بالأمس وهو مُلقى على الأرض بإهمال، فتذكرت جميع أحداث ليلتها، من وقت رقصها الجامح في الملهي مع مارو، حتى مجيئها إلى هنا بصحبته، تأوهت لترفع جسدها وتشد الغطاء عليها، وخرج صوتها المتحشرج من أثر النوم:

- مارو يا مارو .

لم تنتظر كثيرًا وسمعت صوته على الفور وهو يلج إليها لداخل الغرفة قائلًا؛

- هاي ياقلبي هو انتِ صحيتي؟

ردت وهي تخرج لها سيجارة من العلبة لتضعها بفمها:

- انت كنت فين كدة ع الصبح وسايبني؟

أجابها على الفور بحماس

-كنت ع الفون وبكلم والدي عن قصة حبنا دا فرح قوي، وسألني بقى عن ميعاد جوازنا. 

فغرت فاهاها حتى سقطت السيجارة من شفتيها، وقالت بدهشة:

- جوازنا ازاي يعني؟ هو انت بتتكلم بجد؟

- طبعًا ياميري، هو الكلام دا برضوا فيه هزار، ولا انت فاكراني عيل صغير عشان ماتخديش بكلامى، لا يا ست ميري لازم تفهمي إني راجل أوي .

قال كلماته بجدية كادت أن تضحكها ولكنها تماسكت لتجيبه بمهادنة:

- لا طبعًا ياحبيبي انا عارفاك راجل وسيد الرجالة كمان، بس انت عارف ان ظروفي متلخبطة؟ دا غير اني لسة في شهور العدة كمان ولا انت نسيت؟

مط بشفتيه يقول بتفكير:

- لأ طبعا مانستش، انا عارف ان الست بيبقا ليها عدة بعد ما تطلق أو جوزها يموت، تقريبًا في حدود اربع او خمس الشهر باين. 

اعتلى ثغرها ابتسامة متسلية وهي تومئ برأسها إليه كي تجاريه دون ان تصحح له معلوماته، ولكنه أجفلها بقوله:

- الفترة دي هاتبقى يدوب على ماجهزنا عش الزوجية بتاعنا، إن كان هايبقى عندي ولا عندك، دا بابا مُصمم ان فرحنا يبقى اكبر حدث في مصر.

مسحت بباطن أناملها على عظام فكها بتوتر، ثم قالت وهي تجاهد لتُخفي ضيقها:

- وإيه اللي دخل والدك معانا بس واحنا لسة مدخلناش في حاجة رسمي؟ ثم انه ازاي يوافق على جوازك قبل ماتخلص جامعتك اساسًا؟

اعتدل في جلسته واضعًا قدم فوق الأخرى يقول بزهو :

- مش محتاجة تفكير ياقلبي، هو عارف ومتأكد إن ابنه جامد، وشهادة الجامعة دي، خدتها أو مخدتهاش مش هاتفرق معايا، انا مش فقير عشان ابنى مستقبلي على وظيفة بيها، والحقيقة كمان اسم والدك وفر عليا كتير أوي في اقناعه.

- اممم .

زامت بها وهي تشيح بوجهها حانقة ثم التفت بابتسامة صفراء تقول:

- اهي المشكلة بقى يا مارو في والدي، لأني عارفة ومتأكدة كويس، إنه لايمكن هايقبل يجوزني طالب في الجامعة وأصغر مني بست سنين.

شددت على عبارتها الأخيرة فانتفض أمامها بانفعالٍ أجفلها :

- وافرضي يعني ياميري ما وافقش، انتِ برضوا ما ينفعش تستلمي، قاومي وافرضي رأيك عليه، لازم يفهم ان احنا بنحب بعض ويوافق على كدة.

عادت لرسم ابتسامة صفراء على وجهها، وقد علمت بعقم الجدال معه، فيبدوا ان جموح جنونه الذي كان من أهم أسباب انجذابها اليه في البداية، هو نفسه ما يجعلها اليوم تشعر بالقلق منه، مالت تتصنع النعومة في صوتها لتنهي الحديث بقولها:

- طب ممكن ياقلبي نأجل الكلام في الموضوع دا بعدين، عشان دلوقتِ الصداع هايفرتك دماغي ونفسي في مج كببر من الكوفي الجميل بتاعك تعملهولي ممكن؟

- اميرة حياتي كل اللي تطلبه مُجاب .

قالها بحماس ونهض على الفور يلثم شفتيها بقبلة خاطفة واكمل وهو يخطو لخارج الغرفة:

- ثواني واحضرلك الفنجان تشربيه عشان تفوقي كدة معايا.

تابعته حتى انصرف لتزفر بارتياح مع خروجه، ثم تناولت الهاتف لتلقي نظرة به، توسعت عيناها متفاجئة بكم الإشعارات التي عليه، لتجد أمامها الخبر الأهم وبيان جاسر الريان عن زوجته يتناقل في الصفحات بصورة غير طبيعية، قرأت نص البيان بأنفاس متهدجة من الغضب مع كل كلمة به، ثم الاراء المشجعة، والتي تُثني على جرأة الرجل في اختيار زوجته دون النظر إلى الفارق المادي، واستشاط عقلها بنيرانه وهي تقرأ كم التعليقات الساخرة من زوجته الأولى، فلم تشعر بصرختها المدوية وهي تخرج من عمق حلقها، ولا بالهاتف الذي دفعته بطول ذراعها حتى اصطدم بالحائط؛ ليقع على الأرض متهشمًا لعدة قطع متناثرة، ولا بشهقة الزعر التي صدرت من مارو وسقط على أثرها فنجان قهوتها الكبير من يده، ليكمل على فوضى الغرفة، وخروجه مهرولًا خوفًا هيئتها. 


❈-❈-❈ 


تتابع الأخبار وما يتناقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بهاتفها وهي تهبط الدرج وابتسامة تعتلي محياها مع كل كلمة تقرأها، فقالت بإعجاب وهي تتجه نحو طاولة السفرة التي يتناول عليها زوجها وجبة إفطاره:

- يانهار ابيض يا عامر، ابنك المجنون طلع بيان قالب الدنيا، وخلي معظم الناس في صفه، ابن اللذينة جاب الفكرة المجنونة دي منين؟

ظل صامتًا على وضعه، فتابعت غير منتبهة:

- يخرب عقله، دا إسمه النهاردة بقى ترند، لكن انت كنت على علم باللي عمله دا ياعامر؟!

رمقها بنظرة غامضة وهو يرتشف من فنجانه لعدة لحظات، ثم رد باقتضاب:

- عايزاني اقولك ليه؟ وانتِ مالك؟

أجفلها رده المباغت، فتلعثمت تجيبه بحرج، وقد وصلها مقصده حينما تذكرت شجارها معه بالأمس:

- أنا مالي ازاي بس يا عامر؟ مش معنى ان معجبنيش تصرف ابني في الأول، يبقى مش هافرحله لما إسمه يعلى من تاني .

رد وسهام عيناه القوية تخترقها بقوة:

- يعني حضرتك كنت حاسة بالعار امبارح عشان كسرناك انا وابني بجوازته اللي عرتك قدام بهيرة شوكت بنت سلطح باشا ، والنهاردة بقى رفعتي راسكِ، لما شلة المنافقين اللي حواليكِ، بعتولك يمشوا مع الموجة، ويعبروا عن جرأة ابنك وحكمته! في اختيار البنت الفقيرة وقصة الحب الجميلة مابينهم.

صمت برهة وعيناه اشتدت حدتها يكمل:

- وبرضوا في الحالتين انت مايهمكيش غير مظهرك وشكلك قدام الناس، وسعادة ابنك ولا زعل جوزك، في المرتبة التانية بعد الناس

ابتعلت ريقها بتوتر لم يخفى عليه، وعيناها لا تقوى على مواجهته ولا تجد من الكلمات التي تصلح للرد، فلا هي تملك تبرير موقفها لتمتص غضب زوجها الذي تعلم العلم أنه تعدى أقصى مراحله منها، ولا هي تقوى على الإعتذار عن شئ توقن في قرارة نفسها أن لديها كل  الحق فيه، وكأن صفحة وجهها الشفافة انبأته بصراعها من الداخل، وقرأ عليها مالم تبوح به بلسانها، زفر من أعماقه مطولًا ثم نهض ينهي حديثه ليرحمها من صراع نفسها، تاركها محلها كالطفل المذنب وحزنه هو يزداد أضعاف. 


❈-❈-❈ 


كف يدها بين يديه، يغمرها دفء راحته، والسعادة تشرق منها فتبدوا ظاهرة لكل من يراها، خرج بها من مصعده الخاص وقد أصبح مكانها جواره في أي خطوة تخطوها معه، يسير بها في رواق الشركة وابتسامة على وجهه بعرض وجهه، تزيد من غرابة الاستيعاب لكل من يعلمه سابقًا، لا يهمه ثرثرة الموظفين وهمهاماتهم المتعجبة من حال رئيسهم، الذي كان دائمًا متجهم الوجه، جامد الطبع، خشن المعاملة سابقًا، في تحوله الغريب إلى هذا الشخص المخالف تمامًا له.

ومن الطابق الأعلى كانت تتابع عرضهم، ويدها مستندة على الحاجز الزجاجي مضيقة عيناها بغموض صامتة، وهي تستمع الى الأصوات خلفها، بعض الموظفات الاَتي يحسدن زهرة عليه وإعجابهم بشطارتها التي أوقعت رجل بحجم جاسر الريان نفسه.

- يالهوي ع الكهن، فضلت راسمة فيها دور المؤدبة لحد اما جابت الراجل على بوزو.

- لا وتخطيط تمام، مشيت معاه في السر لحد اما اتمكنت وبعدها نترت بنت وزير عشان تمد وتدلدل رجليها على كيفها. 

- ايوة ياختي ايوة، جاتنا نيلة في حظنا الهباب.

التفت بطرف عيناه على السيدتين لبعض اللحظات، ثم تحركت لتتركهم في ثرثرتهم، حتى وصلت لغرفتها، صدرها يصعد ويهبط بعنف، بريق عيناها الذي يومض بشكل مخيف ينبئ عن حجم النيران المستعرة بداخلها، على نفس هدوءها المُريب توجهت للنافذة الكبيرة خلف مكتبها، تتطلع في الفضاء الواسع أمامها بأعين شاردة في ذكراها البعيدة معه منذ أكثر من سنة.


" ولجت لداخل الملهى الليلي مع أحد أصدقائها القدامى، فلمحت عيناها شبح جسده من الخلف جالسًا امام رجل البار، يجترع في كؤوس الشراب بلا توقف، اقتربت تحيه بلمسة على ظهره:

- هاي ياجاسر، انت هنا من أمتى؟

رد التحية بشبه ابتسامة فاترة:

- أهلًا ياميرفت .

- قاعد لوحدك يعني النهاردة، طارق صاحبك مش موجود بقى ولا إيه؟

قالتها وهي تجلس بجواره على البار، فرد يجيبها باقتضاب وهو يتناول من طبق المسليات أمامه:

- لأ ، عشان سافر لعيلته .

- اممم 

صدرت منها بارتياح لتجدها فرصة لتكمل الجلسة معه، متخلية عن الجلسة مع صديقها الذي وجد صحبة أخرى ليندمج معهم، منعت بأسلوبها الجاف تقرب أي فتاة من عاملات الملهى إليه، وهو يزيد من شربه في الخمر وهي لا تكف عن الحديث معه في شتى المواضيع، حتى نهض فجأة مقررًا العودة لمنزله، أصرت على مرافقته مستغلة عدم اتزان رأسه باهتزاز جسده من تأثير الخمر، مع علمها الأكيد بسفر ميري برحلة سفاري مع أصدقائها في الشمال، دلفت معه لداخل المنزل وأصبحوا وحدهم مع انصراف الخادمة ووجود الحراس في الخارج، سقط هو من تعبه على أقرب كنبة وجدها أمامه يمسك برأسه بين راحتيه، فاقتربت هي 

تجلس بجواره لتلمس براحتها على ظهر كفه تدعي القلق:

- الف سلامة عليك، هي لدرجادي دماغك بتوجعك؟

أومأ برأسه دون ان يرفع عيناه إليها فزادت من قربها حتى أصبحت ملتصقة به، وقالت بمسكنة:

- ياقلبي ياجاسر، حاسة بيك وتعبانة على تعبك، أنا أكتر واحدة تعرف باللي يألمك.

انتبه على جملتها والتي كانت تحمل في طياتها عدة معاني، فرمقها بنظرة بمتفحصة يستنبط مقصدها، مع قربها الغريب، فقد كان وجهها لا يفرق عن وجهه سوى مسافة قليلة جدًا، واستطردت هي بحديث عادي ولكن بنبرة مغوية:

- انت مستغرب ليه؟ انا بتكلم عن تجربتي في جواز فاشل مع راجل شخصيته ضعيفة وغبي، يفتقر للرجولة اللي بتتمناها أي واحدة ست، مش انا شخصيتي قوية، لكن احب جوزي يبقى هو المسيطر والقائد.

أكملت بنعومة أكثر :

- الرجالة اللي بالصفات دي بقوا نادرين قوي، والست المحظوظة هي اللي بتقع على واحد فيهم، لكن لو ما حافظتش عليه واهملت، يبقى تستاهل كل اللي يجرالها 

قالت الأخيرة وهي تقرب وجهها اكثر لتفعل ما تمنته كثيرًا، انتفض جاسر يدفعها عنه واستقام واقفًا يمسح بكف يده أثر قبلتها على فمه، وهتف غاضبًا:

- سكرتي ولا إيه يا ميرفت؟ انت مش دريانة باللي بتعمليه؟

وقفت تقابله قائلة بثقة:

- إيه اللي انا بعمله بقى؟ شئ عادي جدًا بيتم بين أي اتين بينجذبوا لبعض، ولا انت مجربتش؟ 

عقد حاحبيه يسألها بريبة:

- جربت إيه؟

أكملت وهي تقترب على حذر:

- مش محتاجة أوضح ياجاسر، ولا انت عايز تفهمني ان البنات اللي بتسحبهم يوميًا معاك وتيجي بيهم هنا في غياب ميري، بتجيبهم عشان ينظفوا البيت؟

كلماتها السامة جعلته يستفيق حتى محت كل أثر للخمر من رأسه، فقال يرد عليها بهدوء:

- لأ يا ميرفت، انا بسحبهم فعلًا على هنا او اروح بيهم الفندق عشان غرض معروف جدًا بالنسبالي، بس تفتكري يعني ان أخلاقي تسمحلي اعمل كدة معاكِ انتِ صاحبة مراتي؟

- وفيها إيه؟

قالتها ببساطة وأكملت :

- مدام انت عاجبني وانا عجباك، ايه اللي يمنع؟ مراتك غبية و ماتستهلش نظرة واحدة منك حتى، لا عمرها حست بيك ولا حتى هاتفهمك، يبقى ليه نعمل حسابها بقى؟ 

أومأ برأسه ورد مضيقًا عيناه بتفكير:

- هي فعلا غبية عشان مصاحبة واحدة زيك، بس تعرفي بقى انا ممكن امشي على كلامك على فكرة واكمل الليلة معاكِ، بس من البداية كدة انا ماحبش اخد حاجة من غير تمن.

قطبت جبينها تسأله باستفسار:

- قصدك إيه؟

مال نحوها بابتسامة قاسية يجيبها:

- قصدي مدام جيبتي سيرة البنات، فا انا على استعداد إن احل إشكال ميري اللي واقفة مابينا، بإنك تاخدي حق الليلة زيهم، إيه رأيك بقى؟

احتدت عيناها وتوحشت ملامحها بشراسة تهتف غاضبة بوجهه:

- انت قد كلامك دا يا جاسر، بقى بتشبهني أنا، بشوية الحثالة أولاد الشوارع دول؟

توسعت ابتسامته يقول بتأكيد:

- شوية الحثالة دول عندهم مبرر عشان يبيعوا نفسهم، إنما انتِ بقى، مبررك إيه للخيانة؟ أخرجي من هنا دلوقتِ ورحي على بيتكم ياميرفت.

تسمرت محلها وهي ما تزال لم تستوعب الصدمة، فتخصر جاسر يشيح بوجهه عنها وكرر مطلبه غير عابئ بهيئتها:

- بقولك برا يا ميرفت واخرجي حالًا.

مع صيحتها الهادرة تحركت أقدامها للمغادرة من منزله، وشعور بالذل اكتنفها لم تقابله في حياتها، حتى وصلت لسيارتها لتسيل من عيناها دموعٍ عزيزة بل نادرة، مسحتها سريعًا لتعود لطبيعتها القاسية على الفور تردد لنفسها وهي تهم بتدوير المحرك:

- ماشي يا جاسر يا ريان، مسيري ارد حق كرامتي منك"

عادت لواقعها الاَن على طرقة خفيفة على باب غرفتها، أصبحت تعلمها وتعلم بصاحبتها، حركت رأسها لتجلى عنها ذكريات الأمس ومرارتها بحلقها، وخطت لتجلس خلف مكتبها، تدعي الثبات قائلة:

- أدخل .

فتحت غادة بهيئتها المبالغة في الإناقة والزينة وابتسامة تفضح ما يدور برأسها وهي تجيبها برقة:

- صباح الخير، انا قولت اجي اطل عليكِ، فاضية.

ردت برسم ابتسامة لتخفي حزنها:

- حتى لو مش فاضية افضيلك نفسي، اتفضلي ياغادة. 

دلفت بخطواتها المتأنية لتجلس أمامها بأدب قائلة؛

- كنت عايزة اشكرك على حفلة امبارح، اصل بصراحة انبسطت فيها جدًا. 

هنا صدرت منها ابتسامة حقيقية، لترد على كلمات غادة:

- إيه يابنتي اللي بتقوليه ده؟ بتشكريني على حفلة كنت عاملاها عشان صحابي وحبايبي، ولا انتِ مش معتبرة نفسك صاحبتك. 

ردت بلهفة على الفور:

- لا أبدًا والله، دا انتِ قلبي من جوا

اعتدلت ميرفت في جلستها تعود لطبيعتها وهي تخاطب الأخرى قائلة:

- بس انتِ إيه الحلاوة دي، دا ماهر اخويا كان هايتجنن عليكِ امبارح، الولد اتفاجئ بحلاوتك حرفيًا

كتمت شهقة بحلقها وهي ترد بقلب يرتجف بالفرحة:

- مش لدرجادي يعني يا ميرفت؟ دا البنات الحلوين كانوا مالين الحفلة إمبارح .

- لا لدرجادي وأكتر كمان، خليكِ واثقة من نفسك ومن جمالك، دي ناس أقل منك بكتير اهي واخدة حظها والدنيا كلها بتتكلم عنها.

قالتها بمكر لم تفهمه غادة فظهر على وجهها التساؤل، فتابعت ميرفت

- إيه بقى؟ هو انتِ ما شوفتيش البروباجندا اللي عاملها النهاردة جاسر الريان بإعلان جوازه من بنت خالك.؟

استدركت غادة ترد وهي تلوي بثغرها:

- ما انا قولتها من زمان يا حبيبتي، حظوظ. 

وكأن كلمتها جائت على موضع الجرح، رددتها من خلفها تقصد كل حرف منها:

- هي فغلًا حظوظ.


❈-❈-❈ 


داخل غرفة مكتبه، دلفت بابتسامة توسعت فور أن رأت إشراق وجهه نحوها، فتقدمت ترسم الجدية لتضع الملفات أمامه تقول برسمية:

- الملفات دي عايزة إمضتك حضرتك.

- حضرتك! 

ردد خلفها ضاحكًا، وتابع يشير لها بيده:

- طب تعالي تعالي، وبلاها من الرسمية دلوقتِ

-التفت لخلف المكتب تُطيعه وهي تخاطبه بتعجب:

- طب عايزني في إيه طيب فهمني؟

فور وصولها إليه نهض فجأة ليرفعها من خصرها ويجلسها على سطح المكتب أمامه، فرفست بأقدامها باعتراض:

- ياجاسر مايصحش نزلني ماينفعش كدة.

شدد عليها بين يديه يقول بحزم:

- بس بقى اهدي كدة، يصح ولا مايصحش، دا مكتبنا واحنا حرين فيه، اهدي عشان تسمعي عايز اقول إيه؟

توقفت عن مقاومتها واضطرت صاغرة لمطلبه على مضض، فشاكسها بمرح:

- وافردي بوزك دا عشان اعرف اكلمك كويس.

أومأت ترسم ابتسامة مضطربة، فاستطرد يسألها:

- عرفتي اني أمرت بصرف مكافأة نص شهر لكل الموظفين بمناسبة الشراكة الجديدة؟

أومأت برأسها تقول:

- اَه عرفت، دي البت غادة كانت هاتموت من الفرحة وهي بتكلمني

تبسم يسألها:

- وانتِ بقى مسألتيش عن مكافأتك ليه؟

هزت بأكتافها تجيبه:

- واسأل ليه بقى؟ هو انت مخليني محتاجة حاجة ولا بصرف قرش حتى من مرتبي؟

تطلع إليها صامتًا يتأملها للحظات ثم تناول كف يدها، 

ليسألها برقة:

- طب انا عايز أكافئك بحاجة مختلفة عن الفلوس، نفسك في إيه بقى؟

عقدت حاجبيها قليلًا بتفكير، ثم قالت ومقلتيها يتراقصان أمامه بحيرة:

- مممم مش عارفة ياجاسر، أصلك مش منقصني من أي شئ شالله يخليك ليا يارب.

ضحك من قلبه يقبل كفها بعمق، فهذه المرأة ستُذهب بعقله يومًا ما برودودها الغير متوقعة، ثم تنهد مطولًا ليقول:

- طب بقولك إيه؟ انا هاجيبلك من الاَخر واقولك إني قررت ياستي اَراقيكي...

شقهت متفاجأة تردد بتساؤل غير مصدقة:

- ترقيني أنا ياجاسر، طب ليه؟ وازاي دا بقى؟

أجابها مرة أخرى ضاحكًا:

- ليه إيه؟ أنا صاحب الشغل يابنتي، يعني ارقي واوظف على كيفي، المهم بقى، جيبي انتِ اسم الإدارة اللي عايزاها وانا اخليكِ تمسكيها. 

- كدة على طول!

قالتها لتقهقه غير مستوعبة ثم تذكرت وخبئت ابتسامتها وهي ترد بقلق:

- بس الموظفين كدة ممكن يكرهوني، ويقولوا دي اترقت بواسطة جوزها، لا بلاش ياعم .

تغير مرح وجهه لينقلب لتجهمه القديم ورد بصرامة على كلماتها:

- وما يقوله اللي يقوله يازهرة، إنت هاتوقفي حياتنا بقى عشان كلام الناس، أنا لو عندي شك واحد في المية انك مش كفاءة، ماكنتش سألتك، سيبك بقى من العالم الوردي بتاعك دا ياقلبي وخليكِ معايا، الناس ما بتسيبش حد في حاله، يعني ماتجيش على نفسك ولا توقفي طموحك عشان حد.

صمت برهة يتابع رد فعلها على كلماته، وقد بدا على وجهها الإقتناع، فا ستطرد:

- ياللا بقى جاوبي على سؤالي وقولي ع اللي نفسك فيه.

همت لتجيبه على الفور عن إدارة الحسابات، ولكن تذكرت رئيسها السابق، فقالت بتهرب:

- طب ممكن تخليها وقت تاني، على ما افكر .

- تمام .

تفوه بها بعملية ثم أردف:

- خدي وقتك براحتك في التفكير، عشان تختاري كويس ، الإدارة اللي تحسي انك هاتسبتي نفسك فيها ، اهم حاجة ماتبعدش عن الشركة وعني، وعلى فكرة انا حطيتلك مبلغ كدة في حسابك، مكافأة مؤقتة.

هتفت معترضة:

- تاني ياجاسر، وانا مالي بالفلوس دي كلها أساسًا؟

جعد أنفه يمازحها بقوله:

- مزاجي كدة ياستي فيها حاجة دي؟ ياللا قومي بقى شوفي شغلك، ولا انت استحليتي قعدة المكتب. 

شهقت محرجة تنزل بأقدامها على الأرض، بابتسامة مستترة لكزته بقبضتها على كتفه، تأوه ضاحكًا يقول بسخرية:

- دي كانت ضربة دي ولا زغزغة؟

بس بقى؟

قالتها وهي تستدير لتغادر ولكنها تذكرت سبب دلوفها الأساسي، فالتفتت تخاطبه:

- اَه صحيح ياجاسر انا كنت عايزة اروح النهاردة عند ستي عشان خالي اتصل بيا وقالي عايزك ضروري.

سألها قاطبًا:

- عايزك في إيه يعني؟ 

مطت بشفتيها تقول بابتسامتها:

- هو مقالش، بس ممكن يكون بسبب اللي انتشر عني وعنك، ما احنا بقينا نجوم خلاص.

هزهز برأسه بعدم اقتناع يقول:

- يمكن! بس استني هنا يازهرة.

- إيه؟

قالتها باستفسار، فأجاب يحاول اختيار كلماته:

- حاولي تقنعيهم بالبيت اللي قولتلك عليه، انا ببقى حاطط إيدي على قلبي في كل مرة تزوريهم، حتى عشان تبقى المسافة قريبة مابينا. 

اومأت برأسها صامتة بحرج، قبل أن تتركه وتذهب لعملها .


❈-❈-❈ 


دلفت لمنزلهم وقد فتحت بمفتاحها، بعد عودتها من العمل، مرهقة وتشكو من صداع رأسها، لقد كان يومًا عصيبًا بحق، منذ مواجهتها له في بداية اليوم، التي استنزفت طاقتها بشدة، ثم إدعائها القوة أمامه في كل مرة التقت به بعدها خلال اليوم، بالإضافة إلى سهرها طول الليلة السابقة، أقصى امنياتها الاَن هي أن تستلقي على سريرها، لتنام ولو لأسبوع قادمُا.

انتبهت على الأصوات الصادرة من غرفة المعيشة، وماهي الا خطوتين إلا وتفاجأت به أمامها:

- كارم .

قالتها بدهشة، قابلها هو بابتسامة منمقة صامتًا، فقال والدها الذي كان جالسا معه:

- طب مش تسلمي الأول يابنتي وبعد كدة اسألي:

شعرت بالحرج فخطت متقدمة إليه لترحب به قبل أن تنضم معهم في الجلسة، تسامرت بالكلمات الودوة قبل أن تسأله هامسة حتى لا يسمع والدها:

- ما اتصلتش يعني تبلغني بحضورك؟

أجابها بهمس هو الاَخر:

- اتصلت بيكِ من ساعة وانت ما ردتيش، اعملك ايه بقى؟ وانا متفق مع عمي من امبارح على الميعاد ده، اخلف ميعادي معاه يعني؟

همت لتجادله ولكن قطع عليها والدها بقوله:

- بس كان لازم والدتك تيجي النهاردة يا بني، حتى عشان يبقالها كلمة معانا .

أجابه كارم :

- خليها بعدين يا عمي، أمي ملهاش في الاتفاقات والكلام ده، دي بتخرج بالعافية اساسًا.....

- اتفاق إيه بالظبط؟

سألته مقاطعة كلماته، فجاءها الرد من والدها:

- كارم النهاردة جاي يتفق على ميعاد الخطوبة الرسمي، وبيقترح يخليها كتب كتاب بالمرة. 

- إيه؟

صدرت منها متفاجئة، فقال كارم يخاطبها:

- بيقولك كتب كتاب ياكاميليا، غريبة دي؟


❈-❈-❈ 


وإلى زهرة التي تمكنت من الوصول إلى شقة جدتها بصعوبة للازدحام الشديد في الشارع بالمهنئين من أهل وسكان المنطقة والذين تجمعوا بمجرد رؤية السيارة، ولولا حماية الحرس، ما استطاعت تخطيهم ودخول المبني إطلاقًا، تلقفتها سمية وشقيقاتها بالترحيب الحار والقبلات، قبل أن تصل بصحبتهم إلى جدتها، التي أطبقت عليها بذراعيها تضمها إليها بشدة تعجبت لها زهرة:

- براحة ياستي شوية، هو انا كنت مسافرة؟

لم ترد رقية بل زادت من تشبثها بها ثم قبلتها على وجنتيها ورأسها، حتى هتفت حفيدتها ضاحكة:

- هههه يا رقية حتى دماغي كمان، دا انا بايني وحشتك قوي؟

- قوي قوي يا حبيبة ستك انتِ

تمتمت بها رقية بحرقة وهي تزيد من ضمها وقبلاتها

وهتفت سمية من خلفها:

- دا أكيد كمان من كتر فرحتها بيكِ يا زهرة، بعد ربنا ما نصفك ونصفنا احنا معاكِ ، حد كان يصدق إن محروس يطلع براءة ياناس؟ دا انا عقلي لحد الاَن مش مستوعب. 

- اه والله يا أبلة، جاسر باشا طلع باشا على حق، دا كفاية اعتراف الولد على فهمي الزفت، اللي كان دايمًا بيخرج منها زي الشعرة من العجين، كان نفسي تشوفي امبارح لما البوليس كبس فجأة وخرجوا بلاوي من شقته؟

سألتها زهرة بلهفة:

- يعني قبضوا عليه يا صفية؟

حركت المذكورة رأسها بالنفي تقول :

- للأسف هرب، أكيد وصله الخبر والحكومة في الطريق، بس ان شاء الله البوليس مش هايسيبه.

- إن شاء الله. 

تمتمت بها زهرة بتمني، فسألتها رقية:

- جوزك كويس معاكِ؟

اومأت لها بسعادة اشرقت على وجهها بصخب، فقالت صفية من خلفها بمرح:

- انتِ لسة بتسألي ياستي؟ دا جاسر باشا طلع بصورتهم ع النت وقال دي مراتي واللي يقرب منها هاديلوا بالجزمة. 

- بالجزمة !

قالتها سمية بتعجب أثار ضحك زهرة مع شقيقاتها، قبل أن تصحح للمرأة، ماقالش كدة بالظبط، دي البت دي بتزود من دماغها ياسوسو، هو قال بس اني مراته وما يقبلش أي حد يقلل مني.

قالت الأخيرة بلمعة الفرح في عيناها، فهللت صفية وبناتها بالكلمات المشاكسة التي أخجلتها، حتى هتفت تدعي الغضب:

- خلاص بقى ياجماعة بلاش إحراج.

- ياختي إحراج ليه بس؟ ربنا يهنيكم ببعض، جاسر باشا ونعم الرجال، أنا مش عارفة اكفي جمايله معانا ازاي؟ لما يتمسك بيكِ لا ويتحدى الناس ويقف مع والدك لحد اما يخرجه من سجنه، وبعدها يدخله على مصحة يتعالج فيها عشان ما يعودش للطريق دا تاني، ربنا يخليهولك يارب .

تمتمت بها من قلبها، ثم غيرت مباشرةً نحو الموضوع الذي تقصده:

- كويس قوي عشان انتوا كلامكم دا شجعني اقولكم على اقتراح جاسر.

سألته رقية بفضول:

- ايه هو بقى اقتراح جاسر؟

ردت زهرة بحماس: 

- بيت كبير ياستي، وقريب من المنطقة اللي احنا عايشين فيها، الدور الأول هايبقى لابويا وخواتي مع خالتي سمية.

هللوا الفتيات يصفقن بحماس وصراخ اضحكها، ثم استطردت، والدور التاني هايبقى ليكِ انتِ ياستي مع خالي وعروسته كدة بعد مايتم فرحهم، دا غير كمان الدور التالت دا بقى فاضي، يصلح لأي حاجة في المستقبل، لعيال خالي ان شاءالله او لو حب يعمله مكتب لشغله كدة او شغل مراته.

- وايه تاني ياقلب خالك كمان؟

قالها من خلفهم وقد أتى بالصدفة واستمع لحديثها، شهقت هي برؤيته لتقفز من محلها نحوه وترتمي عليه كعادتها في كل لقاءتها به.

- خالي حبيبي اَخيرًا وصلت، دا انت وحشتني أوي .

تقبل قبلاتها الخفيفة على وجنتيه دون أن يبادلها ككل مرة، شعرت بفتور ترحيبه فسألته بريبة:

- إيه مالك ياخالي، هو انت تعبان؟

تطلع لها بوجه مغلف صامتًا للحظات قبل أن يقطع صمته بوضع قبلة صغيرة على رأسها، ورد قبل أن يحرك قدميه نحو غرفته:

- حصليني جوا عايزك في موضوع مهم .

نظرت في اثره مندهشة جفاف كلماته، فانتقلت عيناها نحو جدتها بتساؤل، وكانت إجابة رقية وهي تلوح أمامها فاردة كفيها بعدم معرفتها، مع نظرة قلقة تطل من عيناها. 


❈-❈-❈ 


- إنت عرفت منين؟ ولا مين اللي قالك؟ ستي؟

تفوهت بها سائلة بصدمة، ليزداد تخمينه بصدق ما علم به، فتابع يسألها بهدوء ما يسبق العاصفة:

- يعني الكلام دا حصل فعلًا يازهرة؟

تلعثمت وخرجت كلماتها بارتباك:

- ممم مش بالظبط ياخالي...

قاطعها يضغط بإلحاح:

- يعني جاسر ما رقدش الراجل في المستشفى بعد ما مد إيده عليكٍ؟

صرخت نافية تلوح أمامه بسبابتها:

- لا والله ما لحق يمد إيده، دا انا كنت هارمي نفسي من الشباك عشان مايعرفش يقرب مني، بس جاسر دخل ولحقني .

أكمل لها:

- لحقك لما دخل بالحارس بتاعه، كسر له إيديه وخرج بيكِ من العمارة وهو شايلك على إيديه، صح؟

شحب وجهها وانسحبت الدماء منه، وشفتيها تتحرك أمامه في محاولة للبحث عن رد لا تجده، فاشتعلت الدماء برأسه ولم يشعر بنفسه وهو يقبض على مرفقها هادرًا:

- الراجل ده استغلك يابت عشان تتجوزيه؟

صرخت تجيبه:

- لا والله ياخالي، دا ملمسش شعري من راسي غير بعد ما بقيت مراته على سنة ورسوله. 

- طب وشقتي انا، كانت هي مهرك يازهرة؟

باغتها بالسؤال الذي لم تحسب حسابه كباقي حديثه المفاجئ لها:

- لأ يا خالي لأ.

قالتها على الفور تنفي، فصاح هو بأعين مشتعلة:

- أمال دفع باقي الأقساط وجابلك عقد مخالصة كدة ع الفاضي من غير تمن؟

- ياخالي اسمع مني الأول بس عشان تفهمني .

هتفت بها باستجداء تخاطب حكمته التي كان أبعد ما يكون عنها الاَن، وجهه المحتقن بالغضب، بأعين حمراء وصدره يعلو ويهبط بشدة، فترك مرفقها يقول بحدة:

- تمام يازهرة اتكلمي عشان أسمع .

مسحت بيداها سريعًا الدموع المتساقطة منها بغزارة، تجاهد للتماسك جيدًا أمامه. 

- اتكلمي يازهرة .

رددها مرة أخرى متخصرًا بوقفته المتحفزة، فتكلمت لتحكي له عن ما حدث، وقد أصبح لا مفر من الكذب أو الإخفاء. 


تكملة الرواية من هنا

تعليقات

CLOSE ADS
CLOSE ADS
close