القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

الفصل الثالث غابة الذئاب «ما بعد العهد» "الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب" بقلم: ولاء رفعت علي كامله على مدونة النجم المتوهج للروايات



 الفصل الثالث 

 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 

"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب" 

بقلم: ولاء رفعت علي


البارت الثالث 

 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 

"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب" 


الجزء الثالث 

 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 

"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب" 


الحلقه الثالثه 

 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 

"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب" 


وصل أمام باب المكتب، طرق الباب، جاء إليه صوته من الداخل: 

- أدخل. 


أخذ شهيقاً ثم أطلقه زفيراً ثم ولج إلي الداخل بخطي وئيدة، توقف بالقرب من شقيقه الذي يولي إليه ظهره. 


"أنا عايزك تسـ....

بترت كلماته لكمة قوية من قبضة شقيقه، جعلته يقع علي الأرض. 


"تحب أفكرك يوم ما بعت لك رجالتي يكسروا عضمك عشان تبعد عن كارين!، و لا نسيت لما رفعت سلاحي عليك لما جيت لك في إيطاليا و علي فكرة كان في نيتي أخلص عليك و لولا هي أترجتني عشان معملش كدة كان زمان بيتوزع علي روحك قرص رحمة، و ده مكنش عشانك ده عشان هي غالية عندي و ما يهونش عليا أشوف دموع عينيها". 

تفوه بها قصي قاصداً إيلام الأخر، بينما يونس نهض و يده علي وجهه، نظرات عينيه مليئة بالرجاء و التوسل، لم ينقصه لوم شقيقه الذي زاد في قلبه ألماً و جعله ود صفع خديه بأقصي ما لديه من قوة. 


" أنا عارف مهما بررت أو حكيت لك أسبابي في النهاية أنا غلطان، بس أقسم بالله ما حبيت و لا هاحب و مفيش في قلبي غير كارين، و زي ما أنت قولت دلوقت، أنا مستعد أضحي بروحي و ما أبعدش عنها، لكن موضوع جوازتي التانية ده ليه أسباب، و مش زي ما أنتم فاكرين، كل الحكاية جواز علي ورق مش أكتر". 


رمقه الأخر بعدم تصديق و أخبره بسخرية: 

"أيوه ما أنا عارف بأمارة لما أنت مقعد مراتك التانية في الشقة اللي أنت أشترتها لها بإسمها!"

نكس يونس رأسه بخجل و حرج ثم قال: 

"ده كان وضع مؤقت لحد ما أخو آسيل يرجع من بره و هاتروح تعيش معاه". 


حدق إليه قصي بـ إزدراء قائلاً: 

"أي إن كانت الأسباب، أنت عملت أكتر حاجة توجع قلب أي واحدة، أنت مش خنتها و بس أنت كسرتها، أقسم بالله لو حصل لكارين حاجة و أنت عارف كويس ظروف مرضها، ما هتكفيني روحك في إيدي، أنا هخليك من اللي هاعمله فيك تبوس إيدي عشان أرحمك و أموتك". 


تذكر أمر مرض زوجته بالقلب مما جعل الألم ينهش في صدره و فؤاده، فقال بـ رجاء: 

"أرجوك يا قصي، ما تبقاش أنت كمان عليا، زي ما هي كمان في مقام أختك أنا كمان أخوك الصغير و عايزك تقف جمبي و تفهمها إن ده وضع مؤقت و هطلق آسيل". 


جلس قصي علي الكرسي يمسك سيجاراً و قداحة ليشعلها، نفث الدخان و قال: 

"أخويا علي راسي من فوق أسامحك علي أي غلطة، يعني لو جيت في يوم و غلطت في حقي هسامح و أعدي لكن كارين بالذات خط أحمر، ما بعتبرهاش أختي و بس دي بنتي الصغيرة اللي أتربت قدام عيني". 


نفث الدخان مرة أخري و أردف: 

"لما كانت في سنة أولي أيام الجامعة جت لي في يوم معيطة، عرفت منها الدكتور بتاعها كان مستقصدها في مادته ده غير إنه أحرجها قدام زمايلها و خلي الكل يضحك عليها، تاني يوم كان الدكتور ده مفصول و قعد في المستشفي جسمه كله متجبس أكتر من ست شهور، أنا بقي مش هعمل فيك كدة أنا هسيبها المرة دي هي اللي تاخد حقها منك، و اللي قالت عليه قدامك يومين و هتنفذه". 


أزدادت خفقات قلبه عندما فطن ما تريده زوجته، أبتلع غصته و سأله بتوجس: 

"هي طلبت أطلقها؟ ". 


أومأ له شقيقه: 

"ده مش طلب ده أمر". 


استعاد رباطة جأشه ثم أخبره بإصرار و تحدي: 

"و أنا لو أخر يوم في عمري مش هطلقها". 


أنتهي الأخر للتو من سيجارته و ترك ما تبقي في منفضة السجائر، حدق إلي شقيقه بإبتسامة تخفي خلفها بركان علي وشك الإنفجار: 

"هتطلقها يا يونس و هاتكون قبل مننا عند المأذون بعد بكرة، و لو ده محصلش أنا بنفسي هوكل المحامي يرفع لها قضية طلاق أو خلع". 


وضع يده علي كتفه و نظر إليه بتحدي و قوة مردفاً: 

"أنت في التلات حالات هتطلقها، لأنك لو معملتش كدة هزعلك و برضو في الأخر هتطلقها". 


و إذا به و هو بين نيران أفكاره يتذكر عندما ألقي عليها تلك الجملة التي قسمت ظهره و جعلته كالذي ينفذ به حكم الأعدام بالمقصلة. 


أنتبه إلي زمور السيارة التي تقف خلفه يصيح سائقها: 

"أنت يا أستاذ واقف من بدري في مكانك و عمال ادوس لك كلاكس و أنت و لا هنا". 


لم يلتفت يونس إليه أو يلقي نظرة فأنطلق بسيارته. 


༺༻

صوت إحدي برامج الأطفال يصدره التلفاز يصاحبه رنين هاتفه و رنين جرس المنزل أيضاً. 

نادت الصغيرة علي والدها: 

" بابي، بابي فيه حد بيرن الجرس و تليفونك بيرن". 

أخبرته و ذهبت إلي إحدي الغرف، خرج من المطبخ مسرعاً و ذهب ليري الطارق: 

"حاضر، جاي". 


فتح الباب فوجد حارس البناء أمامه و يحمل أكياس بلاستيكية، يعطيه إياها: 

"أتفضل يا ياسين بيه، الطلبات اللي حضرتك طلبتها، و ده الباقي حضرتك". 


أخذ الأخر الأكياس و أخبره: 

"خلي الباقي هات بيه حاجة للأولاد". 


هلل الحارس بسعادة و ينظر إلي المبلغ في يده: 

"ربنا يبارك لك يا بيه، و يخلي لك الهانم الصغيرة، أي أوامر تانية سعادتك؟ ". 


"شكراً". 


رفع الأخر يده بتحية و قال: 

"بالإذن أنا بقي، سلام عليكم". 


رد ياسين التحية و أغلق الباب ثم ذهب إلي المطبخ، وضع الأكياس فوق الطاولة الرخامية و أخرج محتوياتها. 

أنتبه إلي رنين هاتفه من جديد، أطلق تنهيدة و  ذهب ليري من المتصل، ألتقط هاتفه و جهاز التحكم الخاص بالتلفاز ليخفض الصوت، نظر إلي هوية المتصل حتي تجمدت أطرافه و يردد الإسم: 

"ياسمين!". 


نظر من حوله و كأنه تذكر أمر ما، ركض إلي الغرفة التي يرفض النوم بها بالأحري لنقل لا يرغب النوم بها من دونها، كل قطعة من الأثاث و الفراش تذكره بها، عبق رائحتها في كل الأرجاء. 


أنتبه إلي طفلته تمسك بهاتف والدتها، أقتربت من والدها تخبره ببراءة: 

"بابي أنا كنت بدور علي العروسة بتاعتي لاقيتها و لاقيت تحتها الموبايل ده". 


أخذه و نظر إلي شاشته و كانت الخلفية صورة له و لابنته، تذكر أمر هذا الهاتف و الذي قام بشرائه لها قبل الحادث بشهور. 


«مشهد سابق» 

داخل الغرفة في قصر عائلة البحيري، يجلس بجوار مائدة صغيرة قد أعدها من أجل إحتفال صغير، أعلي المائدة قالب حلوي فاخر يتوسطه عبارة تهنئة بالإنجليزية

" Happy  Anniversary  "


ينظر في ساعة يده و يزفر بنفاذ صبر، يجري إتصاله المائة بها و لم تجب، و عند سماعه صوت تحرك مقبض الباب وجدها هي، ترفع غطاء وجهها قائلة: 

"السلام عليكم". 


لم يرد التحية بل أخبرها بتهكم: 

"ما لسه بدري!، مش المفروض متفق معاكِ و قايلك أنا هارجع بدري النهاردة عشان عايزك في موضوع مهم؟". 


لفت إنتباهها ما فوق المائدة و لا تبدي ردة فعل بل أجابت ببرود: 

"كان عندي شغل لازم أخلصه النهاردة و أسلمه، و ده سبب تأخيري". 


رفع هاتفه و سألها: 

"طيب ما كلمتنيش ليه و لا رديتي عليا و أنا متصل بيكِ فوق ال١٠٠ مرة؟". 


أخرجت هاتفها من الحقيبة و نظرت إلي الشاشة و قالت: 

"كنت عملاه صامت عشان الشغل و نسيت ألغيه قبل ما أمشي". 


حاول جاهداً أن يملك زمام غضبه حتي لا يقترف شيئاً و يندم عليه لاحقاً: 

"ياسمين مش أنا متفق معاكِ من أسبوع إن النهاردة بالذات يا تاخديه اجازة يا إما ترجعي بدري و أظن إنك عارفة السبب، و لا دي كمان نسيتيها!". 


جلست بهدوء علي الكرسي و عقدت ساعديها أمام صدرها و أخبرته بكل أريحية: 

"أيوه عارفة السبب، و أنا من أمتي بحتفل بعيد جوازنا! ". 


قرأ في عينيها تلك النظرة التي لم تتغير منذ سنوات مضت 

"لو قصدك عشان اللي شايفه في عينيكِ دلوقت، أظن مر عليه سنين و المفروض يكون الموضوع ده أتنسي". 


"أنت نسيت لكن أنا مانستش و لا عمري هانسي، أنت أتجوزتني عشان صعبت عليك بعد اللي عملته فيا، و لولا اللي حصل ده مكنتش أتجوزتني". 


شد من قبضته حتي أبيضت مفاصل أنامله و عقب علي كلماتها: 

"يعني بعد كل اللي ما بينا و حبي ليكِ و وقفت قدام بابا الله يرحمه وقتها و أتحديته ده غير المشاكل اللي واجهتنا بعدها و لما كنت هاروح في داهية بسبب غيرتي عليكِ من الكلب اللي كنت بعتبره صاحبي، كل ده و في الأخر بتقولي لي لولا الغلطة الوحيدة و اللي مكنتش في وعي وقتها إن أنا مكنتش هاتجوزك!، أنتِ إيه يا شيخة ما ترحميني، علي طول محسساني بالذنب و مهما عملت لك أي حاجة برضو تلفي و ترجعي لنفس الموضوع ". 


نهض و ضرب المائدة بقبضته صارخاً: 

"أنا تعبت منك، أنا خلاص قربت أجيب أخري معاكِ، حسي بيا بقي و لو مرة". 


فتح الباب و دلف آدم و أتبعته خديجة علي صراخ شقيقه يسأل بذعر: 

"في إيه يا ياسين مالك بتصرخ ليه؟". 


أقتربت خديجة من ياسمين التي أسدلت غطاء وجهها، سألتها: 

"في إيه يا ياسمين؟". 


كانت الأخري تنظر إلي زوجها و تجيب علي سؤال خديجة: 

"اسأليه هو خليه يقولك". 


رمقها ياسين بتحذير و غضب: 

"و ليه ما تحكيش ليهم، قولي لهم! ". 


سحبه آدم من ذراعه قائلاً: 

"تعالي معايا و روق كده". 


ثم نظر إلي خديجة و أخبرها: 

"و أنتِ يا خديجة خلي معاها و حاولي هديها ". 


نزل كليهما في الأسفل و خرجا إلي الحديقة

"أي يا ياسين ينفع العمايل دي!، ده الحمدلله ماما متجوزة و قاعدة في بيت uncle عابد ". 


أطلق الأخر زفرة و أخذ يرجع خصلاته إلي الوراء: 

"يا آدم أنا تعبت، كل ما تحصل أي حاجة تقعد تفكرني بالموضوع إياه، أنا فعلاً غلطت و صلحت غلطي مش عشان كان لازم زي ما بتقول، ربنا يعلم إن عملت كدة عشان بحبها، مهما أعمل معاها أي حاجة كويسة تحسسني إن بعمل كده تكفير عن اللي حصل، قولي أنت لو مكاني هاتعمل معاها إيه،  أنا خلاص تعبت و ربنا أتخنقت، دي ما بقتش عيشة". 


توقف آدم عن السير و أخبره: 

"عايز نصيحتي، لما تلاقيها كدة أحتويها و طبطب عليها، برضو ما تنساش اللي حصل ما بينكم مكنش سهل، و مأثر فيها أكتر منك، و بعدين أنت أكتر واحد فينا ليه خبرة في البنات و عارف طباعهم و هرموناتهم المتقلبة ديماً، طيب هقولك علي حاجة من يومين أنا و خديجة شدينا مع بعض و هي مكنتش طايقة نفسها، سابت أي مشكلة زعلتها فيها و بتقولي فاكر لما كنت تعبانة وقاعدة عندكم كنت بتطردني". 


ابتسم الأخر رغماً عنه، فأخبره شقيقه: 

"ايوه كده أضحك، أنت ما تقلقش زمان خديجة فوق بتديها دروس تنمية بشرية اللي قارفاني بيها طول الوقت، ماما الله يسامحها لما اتجوزت سابت لها أوضة المكتبة بالكتب اللي فيها، و التانية لما صدقت و كله بيطلع عليا". 


و بعد قليل صعد إلي أعلي ليجد خديجة تخرج من الغرفة و أخبرته: 

" ربنا يهدي سركم و يبعد عنكم الشيطان". 


دلف إلي غرفته فوجدها تقف بجوار النافذة في سكون، أخذ صندوق هدايا من فوق طاولة الزينة و تقدم منها، و مد يده به إليها: 

"كل سنة و أنتِ معايا". 


ألتفت إليه علي استحياء، تناولت منه الصندوق: 

"أنا آسفة". 


حاوطها بذراعه قائلاً: 

" خلاص يا قلبي انسي اللي حصل، افتحي الهدية و قولي لي إيه رأيك". 


فتحت الصندوق و جدت علبة هاتف خلوي، أمسكت به و بسعادة: 

"اي ده التليفون اللي كنا شفنا إعلانه من اسبوع و قولت لي ده بيتباع برة و لسه هينزل بعد شهر في مصر". 


ابتسم و أخبرها: 

"ما أنا طلبته أون لاين". 


أخرجت الهاتف من العلبة و تحدق إليه بإنبهار: 

"بس ده شكله غالي أوي ". 


قام بتقبيل خدها: 

"مفيش حاجة تغلي عليكِ". 


«عودة إلي الوقت الحالي» 


قام بإغلاق الهاتف من الزر الجانبي ثم فتح الخزانة و وضعه داخل صندوق، سحب وشاحاً لها و أخذ يشم رائحتها. 

༺༻

مازال يقود سيارته حتي أتاه الحنين و الشوق إلي المنزل الذي جمع كليهما و شاهد أحلي الذكريات قبل أن يذهب الإثنان للسكن في قصر والدها «قصر العزازي»


صف سيارته أمام البناء الشاهق، و عندما رآه الحارس هرول إليه: 

"يا أهلاً و سهلاً، يا أهلاً بيونس بيه الفنان، ليك وحشة يا باشا". 


"تسلم يا عم مرتضي". 

قالها و ولج إلي داخل البناء ثم دلف إلي المصعد و ضغط رقم الطابق. 

و بعد أن توقف المصعد غادره و يخرج سلسلة المفاتيح خاصته، قام بفتح الباب و إن وطأت قدميه أرض الشقة ضربت أنفه رائحة عطرها الذي يعشقه، عطر يشبهها تماماً، خليط من روائح الأزهار و كأنه صُنع من أجلها هي فقط. 


إبتسم و لكن تلك البسمة يخالطها الشجن، تابع سيره إلي الداخل بخطي هادئة، ولج إلي غرفة المرسم و ضغط علي زر الإضاءة، وقعت عينيه علي لوحات من رسم كليهما، خطي نحو لوحة مقلوبة علي الحائط، أمسك حوافها و قام بقلبها، فكانت اللوحة التي رسمها لها في إيطاليا عارية دون ثياب، تذكر هذا المشهد فأبتسم و تمني أن تعود تلك الأيام، لكن عندما يتذكر إنه السبب فيما حدث لا يلوم سوي نفسه فقط. 


غادر المرسم و يحمل اللوحة، و أتجه نحو غرفة النوم، يريد أن ينام و يحتضن اللوحة و كأنها هي، فهو لم يستعب إلي الآن إنها أصبحت طليقته. 

عبرة هاربة تتسلل من بين شعيرات أهدابه سقطت علي اللوحة حيث وجنتها، من يراها يحسب هي من تبكي و ليست دمعته هو. 


وجد باب الغرفة شبه مغلق و الإضاءة مشتعلة بها، تسحب دون إصدار صوت ليري من بالداخل، وقعت عيناه عليها و هي نائمة بين الصور و إطارات اللوحات التي قد رسمها إليها، 

دقات قلبه تعلو لم يصدق إنها أتت إلي هنا، جمعهما قلبيهما في مكان واحد، يجذب كليهما الحنين. 


أغمض عينيه للحظات ربما إنه يتوهم، فتح عينيه فتأكد من وجودها أمامه، أقترب منها و جلس بجوارها بحذر حتي لا تستيقظ، يريد الإستمتاع برؤيتها، سوف يخبرها دون أن يتحدث و يده تلمس خصلات شعرها المبعثرة علي الوسادة: 

"أنا آسف، أنا غلطان، عمري ما خنتك بمشاعري، عارف اللي عملته مش سهل و ممكن تكرهيني كمان، بس حكمك عليا بالبعد كأنك حكمتِ عليا بالموت، لما مر علي فراقنا كام يوم و مش قادر أستحمل، أومال الأيام الجاية هعمل إيه! ". 


ترك ما بيده و تمدد بجوارها و جذبها برفق بين ذراعيه، أخذ يستنشق رائحة عطرها فعلم سبب الرائحة التي قد وصلت إليه عندما فتح باب المنزل. 


ظل يتأمل وجهها الفتان، فهو يحفظ كل إنشاً بها، رفع يده ليلمس وجنتها بأطراف أنامله، لم يتمالك نفسه و دون أن يشعر، هبط بشفتيه نحو خاصتها و قام بتذوقها، زاد من عناقه بشوق و لهفة، بينما هي فتحت عينيها في محاولة إدراك ما يحدث معها. 


صرخة دوت في كل أرجاء الغرفة عندما وجدت نفسها بين ذراعيه، قام بتقيد ساقيها بين ساقيه و بذراعه قيد ذراعها بجوار جذعها و باليد الأخري كمم فاهها: 

"ما تصوتيش، أنا هشيل إيدي بس قبل ما أشيلها عايزك تسمعيني و تديني فرصة أحكي لك ". 


أخذت تهمهم من أسفل كفه و تهز رأسها برفض و تحرك جسدها للتحرر من قيوده لها، فأردف: 

"بطلي حركة و أسمعيني و أوعدك هاسيبك و أمشي، بصي جوازي من آسيل مش زي ما أنتِ فاهمـ... 


صرخ بألم عندما قامت بعض كفه الذي كان يكمم فاها به، دفعته في صدره و أستطاعت التملص من قيود ساقيه و ذراعه لها، قفزت من أعلي الفراش و صاحت محذرة إياه: 

"مش عايزة أسمع حاجة، و مين سمح لك تدخل هنا؟، و لا أنت بتراقبني! ". 


أجاب بنفي قائلاً: 

"أنا أصلاً معرفش إنك موجودة هنا غير بالصدفة داخل الأوضة و لاقيتك نايمة، يا كارين أعقلي و تعالي نتكلم، أنا نفذت لك طلبك فياريت كمان تنفذي لي طلبي و هو أنك تسمعيني، مش عايزة حاجة منك غير كدة". 


حدقت إليه بغضب و برفض تام أخبرته: 

"و أنا بقولك للمرة الأخيرة مش عايزة أسمع، لأن مهما كانت أسبابك فأنت بالنسبة لي خاين و مخادع و عمري ما هصدقك بعد كدة، و بحذرك إياك أشوف وشك تاني أو تمشي ورايا". 

ألتقطت حقيبة يدها و متعلقاتها و كادت تذهب، أوقفها يمسك يدها و بنظرة أخترقت روحها قبل فؤادها قال: 

"أعتبري ده اخر طلب ليا و أوعدك مش هاتشوفي وشي تاني". 


ترددت أن تقبل أم لا، و قاطع تلك اللحظات رنين هاتفه، أخرج الهاتف من جيب بنطاله و ضغط علي زر كتم الرنين عندما رأي إسم المتصل، و التي قرأته الأخر سريعاً فقالت بسخرية جلية: 

"ما ترد شكلها المدام، واضح أوي إنها مش قادرة تستحمل البعد عنك!". 


و قبل أن يتفوه بكلمة تكرر الرنين و تذكر أمر الأخري فأجاب: 

"أيوه يا آسيل، فيه حاجة؟". 


جذبت كارين يدها من قبضته تحدق إليه بإزدراء، و قبل أن تذهب سمعت صوت الأخري الذي كان واضحاً بسبب الهدوء و السكون داخل الغرفة: 

"ألحقني يا يونس، أنا حاسة بوجع جامد في بطني و ضهري و خايفة لتكون ولادة مبكرة". 


أنصتت كارين بأعين جاحظة لما قد سمعته للتو، نظرت إليه من أسفل إلي أعلي قائلة: 

"كان عندي حق لما ما صدقكش، يا خاين يا كداب". 


تركته و ذهبت من أمامه قاصدة المغادرة، نهض و يخبر الأخري في الهاتف: 

"اقفلي أنتِ دلوقتي أنا جاي لك، أرتاحي و ما تتحركيش". 


أنهي المكالمة و أطلق زفرة بحنق: 

"ده وقته! ". 


ذهب خلف كارين راكضاً و منادياً: 

"كارين، استني أنتِ فاهمة غلط، أديني دقيقة أشرح لك... 


صاحت الأخري و تدلف إلي داخل المصعد: 

"كفاية، كفاية بقي، عمال أخد صدمة ورا التانية، يعني متجوز عليا و تحلف لي إن جوازك علي ورق و دلوقت الهانم من اللي سمعته فهمت إنها حامل منك، أنت مش كداب و خاين بس، أنت حقير". 


صفعته بقوة و لم تمهله أن يدرك ما حدث، أوصدت باب المصعد في وجهه بعد أن ضغطت علي زر الطابق الأرضي. 

༺༻

"حمزة يا حمزة؟". 

تنادي علي صغيرها و تبحث عنه في أرجاء المنزل، القلق و الخوف يسري في قلبها، تخشي علي صغيرها من أي أذي. 

طرق قوي علي باب المنزل، ألقت وشاحها فوق رأسها و ذهبت لتفتح الباب، ظهر لها طفل صغير يخبرها: 

"ألحقي يا طنط حمزة العيال ولاد أم هيما بيضربوه تحت". 


شهقت و تضرب كفها علي صدرها: 

" ابني! ". 


أرتدت نعلها و ركضت إلي خارج البناء الذي تقطن فيه، رأت ولدها يقف جانباً يبكي و إحدي ابناء جيرانها يلكزه في ذراعه بعنف، قبضت علي ذراع هذا الولد الشقي و قامت بتوبيخه: 

"أنت بتمد إيدك عليه ليه، قدك ده؟، إياك أشوفكم تيجوا جمبوا تاني". 


صاح الولد قائلاً: 

"ابنك غبي كل ما نجمع حتت طوب عشان نعمل بيها جون و نلعب كورة، يروح شايلها من مكانها و واخدها يلعب بيها". 


أمسكت بيد صغيرها، عانقته و قامت بالتربيت علي ظهره ليكف عن البكاء: 

"معلش يا حبيبي ماتعيطش". 


وقفت أمامها سيدة بدينة علي وجهها أمارات الشر تتشدق بتهكم: 

" جري إيه يا ست علا، بتمدي إيدك علي ابني ليه!، الحق عليه هو و أخواته بيلعبوا مع ابنك العبيط و مستحملينوا". 


رمقتها علا شزراً تحذر إياها: 

"أولاً أنا مضربتش ابنك، أنا فهمته غلطه، و تاني حاجة ابني مش عبيط و كونك أنك ست جاهلة ما تعرفيش يعني إيه طفل عنده توحد، يبقي تكتمي خالص". 


نظرت إلي صغيرها و قالت: 

"يلا يا حمزة يا حبيبي ندخل جوة، و ياريت ما تطلعش تلعب مع الأشكال دي تاني". 


عادت إلي المنزل و تكبت عبراتها، فكم عانت طول فترة معيشتها هنا مُجبرة لنقل بالأخري مجبرة علي العيش في تلك الحارة العفنة،  و المضايقات التي يتلقاها ولدها من تعليقات مليئة بالتنمر علي مرضه الذي يعاني منه آلاف الأطفال بدرجات متفاوتة، لقد أكتشفت مرضه عندما كان في سن الرابعة، كانت تظن سبب هدوءه و صمته معظم الوقت يعود إلي إنه هادئ الطباع، و عندما دخل روضة الأطفال، لاحظت معلمته إنه مريض بالتوحد، قامت بإبلاغ علا علي الفور و أخبرتها عليها التوجه إلي مركز متخصص لعلاج التوحد، و عندما قامت بزيارة هذا المركز قابلت الطبيب الذي قام بتشخيص حالة صغيرها و شرح لها ماهية المرض و كيف يتم التعامل مع الطفل المصاب به. 


جلست علي الأريكة و أخذت تتأمل ملامح طفلها و الذي يشبه والده كثيراً، انتبهت إلي رنين هاتفها فنهضت و أتجهت إلي غرفة صغيرة و أخذته من فوق الكمود، نظرت إلي هوية المتصل، أتسعت عيناها و خفق قلبها بخوف. 

"ألو يا عم صابر؟". 


أتاها صوت الأخر بصوت خافت و كأنه يخشي أن أحداً يسمعه: 

"اسمعيني يا علا، إياكِ تخرجي من المنطقة عندك، يسري بيه تعيشي أنتِ و إبنه أحمد بيه رجع من بلاد برة و مكنش يعرف إن أخوه حازم ليه ولد و لما جه المحامي عشان إعلان الوراثة لقوا إن يسري بيه كاتب وصية مفيش تقسيم الميراث غير لما يلاقوا حفيده الأول".


صاحت علا بقلب يرتجف من الذي أُلقي علي مسامعها للتو: 

"يعني إيه!، عايزين ياخدوا ابني مني و يحرموه مني تاني!". 


"إهدي يا علا، ابنك محدش يقدر يوصله منهم طول ما أنتِ قافلة عليكِ بابك، أحمد بيه طالع زي والدته قلبهم قاسي و كانوا السبب إن حازم بيه الله يرحمه يعيش بعيد عنهم بسبب تحكماتهم و جبروتهم، المهم أعملي اللي قولت لك عليه و لو محتاجة أي حاجة أبقي رني عليا و أنا هكلمك". 


أجابت من بين شهقات بكائها: 

"حاضر يا عم صابر". 


"يحضر لك الخير يا بنتي و يبعد عنك ولاد الحرام، خدي بالك من نفسك و من ابنك، أنا مضطر أقفل معاكِ دلوقت، سلام". 


"سلام". 

نطق لسانها فقط لكن عقلها قد شرد في ذكريات الماضي التي ظنت إن قد طواها النسيان، لا تعلم إن تلك الذكريات مثل النيران الخامدة تأتي الرياح لتجعلها تندلع من جديد! 

༺༻

يجلس خلف مكتبه يطلع علي كثير من الأوراق و في ذات الوقت يعمل علي الحاسوب، قاطع تركيزه طرق علي الباب يتبعه ولوج السكرتير: 

"قصي بيه في إنتظار حضرتك". 


ترك الأخر كل ما في يده و أمره علي الفور: 

"أنت أتجننت و دي محتاجة إستئذان!، خليه يدخل فوراً". 


أومأ إليه الأخر و ذهب ليبلغ قصي و الذي دخل فوجد مصعب في إستقباله قائلاً بترحاب و حفاوة: 

"يا أهلاً و سهلاً، إيه المفاجأة الحلوة دي، الشركة نورت". 


صافحه بالعناق و التربيت القوي علي الظهر، فقال قصي: 

"كنت بتصل عليك لاقيت تليفونك مغلق، قولت أجي لك بنفسي". 


أخبره الأخر و يشير نحو سطح المكتب حيث يوجد هاتفه: 

"أنا قافله فعلاً عشان أقدر أركز في الشغل". 


ابتسم قصي و حدق إليه بمكر قائلاً: 

"تركز في الشغل برضو، و لا تهرب من إتصالات و زن ملك؟". 


حك الأخر ذقنه مبتسماً: 

"بصراحة الأتنين". 


أشار إليه نحو المقاعد الجلدية، جلس كليهما، أطلق مصعب تنهيدة و سأله: 

"ألا صحيح قولي هو فعلاً يونس و كارين أتطلقوا؟". 


أخرج سيجاره من جيب سترته الداخلي ثم القداحة ليشعل بها السيجار و أخذ ينفث الدخان: 

"أه للأسف". 


عقد الأخر ما بين حاجبيه و سأل بتعجب: 

"إزاي!، دول قصة حبهم لسه بنضرب بيها المثل و فاكر كويس وقتها لما يونس أتحدي عزيز بيه الله يرحمه و أخدها و سافروا علي إيطاليا و أتجوزوا هناك". 


أطلق قصي زفرة قوية يخالطها دخان سيجاره، فتح زر سترته ليجلس بأريحية و أنحني بجذعه إلي الأمام قليلاً ليتحدث بجدية: 

"ما أنا جاي لك عشان الموضوع ده و موضوع تاني". 


أنصت إليه الأخر بإهتمام و قال: 

"خير؟". 


قام بإطفاء ما تبقي من السيجار في المنفضة: 

"الموضوع الأول بخصوص يونس، عايزك تجيب لي كل حاجة عن الست اللي متجوزها و أخوها مين و عن طليقها". 


كان يستمع و الدهشة تعلو ملامحه: 

"هو سبب الطلاق إنه أتجوز عليها؟". 


رفع الأخر زاوية فمه بتهكم و قال: 

"أومال أنت كنت فاكر إيه السبب اللي يخلي كارين تطلب إنها تطلق منه؟". 


"أصل ملك ما جبتليش سيرة جواز أخوها من واحدة تانية و فهمتني إن ده بسبب تراكم مشاكل، اه دلوقت فهمت إنها ما قالتليش ليه". 


ضحك قصي الأخر رغماً عنه قائلاً: 

"خافت لتعملها أنت كمان، بدليل خلتك تشيل السكرتيرة و تجيب بدالها سكرتير". 


بادله مصعب الضحك: 

"أعمل إيه حكم القوي، قولت أريح دماغي بدل ما كل يوم ألاقيها في الشركة و تفرج علينا الموظفين". 


عاد بظهره إلي المسند الخلفي للمقعد و أخبره: 

"بمناسبة الموظفين، أنا عايز حد من عندك يكون شاطر في الـ Markting علي الميديا خصوصاً في مواقع السوشيال لأن المسئول اللي عندي حصله حادثة إمبارح و لسه هناخد وقت عقبال ما ننزل إعلان ده غير عايزين حد خبرة". 


فكر مصعب قليلاً ثم ظهرت علي شفتيه إبتسامة: 

"طلبك عندي، و من ناحية الخبرة فهي خبرة و كفاءة في كل حاجة تسويق و إدارة و سكرتارية، دي عليها مساچ للكتاف... 


"مصعب، أنا مش وقت هزارك، أنا ورايا مليون حاجة". 

قاطعه الأخر ثم أشار إلي ساعة يده و نهض ليهم بالذهاب، فأخبره مصعب قائلاً: 

"و أنا بكلمك بجد و الله، أستني بس هاديلها تليفون خليك تشوفها بنفسك و ممكن تعملها interview بنفسك". 


زفر الأخر و صبره وشيك علي النفاذ، بينما مصعب قام بالإتصال عبر هاتف المكتب: 

"تعالي لي المكتب ضروري". 


و علي الجانب الأخر، بعدما استمعت إلي أمر رب عملها، خفق قلبها طرباً و كأن نبت لها جناحين سوف تحلق بهما، أمسكت حقيبتها و أخرجت المرآة لتضع قليلاً من الحُمرة ثم تناولت زجاجة العطر الخاصة بها و نثرت الكثير منها، تجعل من يستنشق رائحتها يسير خلفها مغمض العينين مسلوب لبه و فؤاده. 


ألقت نظرة أخيرة علي خصلات شعرها ذات اللون الأشقر الصناعي، فتحت أول زر في الكنزة الضيقة علي جذعها و تبرز تضاريس منحنياتها الفاتنة. 

نهضت و فتحت درج مكتبها و ألقت داخله بأدوات الزينة و المرآة، غادرت الغرفة بخطوات تشبه سير عارضات الأزياء علي المنصة الخشبية، يرمقها كل من يقابلها من الموظفين بنظرات تجول علي كل إنشاً بها، بعضهم هائم و الأخر يجز علي شفته السفلي يتمني نظرة رضا من عينيها ذات الأهداب الكثيفة. 


وصلت أمام باب المكتب، خرج إليها المساعد ليخبرها بنظرة حب: 

"آنسة منار، آنسة منار مصعب بيه عايزك جوه". 


حدقت إليه من أسفل إلي أعلي بإزدراء و قالت بسخرية: 

"أومال أنا جاية أعمل إيه!، ده أنت غبي أوي،  أوعي من قدامي". 


و دفعته من أمامها ثم طرقت الباب و دخلت، و بمجرد أن ولجت إلي الداخل: 

"مصعب بيـ...

و كأن لسانها توقف عن الحركة و عينيها تنتقل من بين مصعب و قصي اللذان ينظر كليهما إليها بإستفهام، سألها الأول: 

"واقفة عندك ليه يا منار، تعالي أقعدي قصي بيه عايزك في موضوع مهم". 


تسمر جسدها و وضعت يدها علي موضع قلبها، رددت قائلة بأسلوب فكاهي: 

"حضراتكم الأتنين عايزني، يا حظك يا منار، اه قلبي الصغير لا يتحمل". 


أنتقل قصي ببصره إلي الأخر و رمقه بعدم فهم، فأجاب مصعب بصوت خافت: 

"ما تخدش في بالك، هي هربانة منها شوية أو شويتين بس شاطرة جداً". 


قالها ثم أشار إليها بأن تتقدم: 

"فوقي من الجنان اللي أنتِ فيه و تعالي أقعدي  ". 


أتسع فمها بإبتسامة ثم أومأت إليه و كأن عاد إليها إدراكها: 

"أمرك يا فندم". 


أسرعت علي الفور و جلست لكن في المقعد الملاصق للمقعد الذي يجلس عليه قصي، و قبل أن يتفوه بكلمة، مالت نحوه بجذعها و سألتها بنظرات هائمة و دلال: 

"هو أنت بجد و لا هولوجرام؟". 


ضيق الأخر ما بين حاجبيه فتنحنح مصعب و قال إليها بتحذير: 

"منار ". 


لم تكترث لتكمل أسألتها ذات الطابع الفكاهي: 

"بص حضرتك أنا موافقة من قبل ما تقول، بس قولي الأول أنت إزاي كده؟". 


"منار؟". 

كان نداء مصعب مرة أخري إليها بتحذير، عادت بظهرها و اعتدلت في وضع الجلوس ثم قالت: 

"معلش يا فندم، أصل بصراحة مش مصدقة نفسي إن أنا قاعدة مع قصي بيه face to face، قصدي يعني قاعدة مع حضرتك و معاه في وقت واحد، ده بالتأكيد نتيجة دعوات ماما". 


أشاح مصعب وجهه بعدما رمقه قصي بتوعد، يكبت ضحكاته علي ملامح الأخر والتي يعتليها الحنق، بدأ الحديث بنبرة جدية و أخبرها: 

"بصي يا... 


"منار يا فندم، و لو مش عاجبك الإسم ممكن أغيره عادي، المهم رضا حضرتك". 


حدق مصعب أولاً ثم الأخري و قال: 

"رضا حضرتي هو تشوفي شغلك كويس، و مفيش تهاون في أي غلطة تحصل". 


نهضت و وقفت أمامه مباشرة: 

"عايزة من حضرتك تطمن خالص، و أسال مستر مصعب عليا و لو غلطت في مرة أبقي عاقبني براحتك". 

و اختتمت حديثها بإبتسامة متسعة تظهر أسنانها ناصعة البياض. 


رفع قصي إحدي حاجبيه و كلما نظر إلي الأخر يرمقه بتوعد، و يقابل مصعب هذا بالنظر إلي أسفل حتي لا يري الأخر ضحكاته التي يكبتها عنوة. 


"ماشي يا منار، من بكرة تيجي الشركة و تقابلي الـ HR و هو هيفهمك مهام شغلك". 

قالها و نهض، تبعه مصعب الذي قال للأخري: 

"أتفضلي أنتِ يا منار ". 


ذهبت و عينيها لا تحيد عن قصي حتي أرتطمت في الباب و تأوهت ثم غادرت علي الفور عندما شعرت بالحرج. 


بينما مصعب سأله: 

"رايح فين؟". 


نظر الأخر في ساعة يده و أجاب: 

"ورايا مشوار و بعدها هاروح، اه صح هات ملك و الأولاد و تعالوا قضوا معانا الـ Week End". 


"إن شاء الله". 


وضع قصي يده علي كتف الأخر قائلاً: 

"هنستناكوا و ياريت ما تعملش زي المرة اللي فاتت". 


أومأ له بعينيه: 

"بإذن الله هنيجي". 


وضع يده في جيبه و الأخري رفعها أمامه ليقرأ الساعة مرة أخري: 

"هستأذن أنا بقي". 


و في طريقه في الرواق وقفت منار تنظر نحوه  بسعادة و قامت بعدة حركات كالوثب مثل الطفلة مرتان، و حين ألتفت لتعود إلي حيث تعمل وجدت مصعب يقف خلفها مباشرة يرمقها بالنظرة الصارمة التي أعتادت عليها من قبله، شهقت بفزع و شعرت بالخجل الشديد ثم أطلقت ساقيها للريح. 


༺༻

و في حي السيدة زينب، تبدلت معالم الحارة من متاجر حديثة و أبنية قد شُيدت بعد هدم الأبنية القديمة و لم يتبق سوي بناء الشيخ سالم البحيري و البناء المقابل إليه و الذي قد تركه السكان بسبب كثرة الشروخ و التصدعات التي ملأت جدرانه، فأصبح خطيراً علي سكانه. 


و بالأعلي تقف أمام المرآة ترتدي الحجاب و تتحدث في الهاتف: 

"أنا لبست و مستنية أخوكِ عشان يقعد مع ريتاچ و سالم". 


أتاها صوت الأخري قائلة: 

"أنتِ أكدتِ عليه و قولتي له أنك خارجة معايا؟". 


ترددت في الإجابة و قبل أن تتحدث سمعت صوت رنين جرس المنزل: 

"أنا هاقفل معاكِ دلوقت و هكلمك أول ما هانزل، سلام". 

أنهت المكالمة و خرجت إلي الردهة، فوجدت صغيرها يفتح الباب، دخل والده و عانقه بعدما ألقي التحية

"عملت اللي قولت لك عليه و لا لاء؟". 


أومأ له قائلاً بصوت طفولي: 

"أيوه خلصت الـ home work كله و حفظت سورة المرسلات كلها". 


ربت علي رأس صغيره مبتسماً: 

"براڤو عليك، أنا كدة مبسوط منك عشان كدة جيبت لك التاب اللي وعدتك بيه". 


و مد يده داخل حقيبة هدايا و أخرج منها علبة تحوي لوح ألكتروني، صاح الصغير بفرح و يأخذ من والده اللوح: 

"حبيبي يا بابا ". 


" حافظ عليه و زي ما أتفقنا تفتحه ساعة بس في اليوم". 

هز الصغير رأسه و قام بتقبيله من وجنته، رفع الأخر رأسه فوجد صغيرته التي علي مشارف إتمام العشر سنوات تنتظر عناقه، فتح لها ذراعيه فأرتمت علي صدره: 

"حبيبتي أنا مش ناسيكِ، التليفون اللي نفسك فيه هاخدك بكرة و هخليكِ تشتريه بنفسك". 


"حمدالله علي السلامة"

كان صوت زوجته، ألتفت إليها و قبل الإجابة رمقها عاقداً حاجبيه فسألها: 

"لابسه و رايحة علي فين كدة؟". 


أجابت بتوتر واضح: 

"أنا أستأذنتك إمبارح إن أنا رايحة مع خديجة مشوار". 


حدق إليها بإمتعاض فقال إلي إبنتها: 

"ريتاچ خدي أخوكِ و أدخلوا ألعبوا في أوضتكم". 


أذعنت الصغيرة لأمره، و عندما أصبح منفرداً بزوجته سألها: 

"لما أنتِ أستأذنتي هل أنا قولت لك موافق؟". 


أجابت بتردد: 

"أصل، أصل أنا قولت لك رديت و قولت هافكر و الكلمة دي معناها مش موافق". 


"و لما أنتِ عارفة ليه بتتصرفي من دماغك و كأنك بتحطيني قدام الأمر الواقع!" 


أنتفخت أوادجها بعدما فاض بها، صاحت في وجهه: 

"أنا مش بحطك قدام الأمر الواقع، أنا ياما قولت لك إن إحنا خلاص ما ينفعش نقعد في البيت ده، قولت لك بيعه و نشتري برة في حتة راقية أو قريب من أختك قولت لي لاء، رغم ماشاء الله ربنا موسعها عليك و صاحب مصنع حديد قد الدنيا، قعدت تمسك لي في الذكريات و إنه من ريحة أبوك الله يرحمه، خليك معيشنا لحد ما البيت يوقع في فوق دماغنا و نحصل أبوك". 


كور قبضته و ضربها في الحائط، أجاب من بين أسنانه في محاولة كظم غضبه الناري: 

"أول و أخر مرة تفتحي معايا الموضوع ده تاني، أنا قولت مش هابيع البيت و لا هاسيبه، و بعدين لسه عامله تجديد و تصليح السنة اللي فاتت و مجدد كل العفش و جيبت لك كل اللي نفسك فيه، طبعاً كل ده ما عجبكيش عشان عايزة تروحي تسكني في كمبوند أو في قصر زي اللي عايشة فيه خديجة، صح و لا أنا غلطان!". 


رمقته بإمتعاض و صاحت بدفاع: 

"أنا مش طماعة يا طه،  و أنت أكتر واحد عارف ده، بس نفسي أعيش أنا و ولادي في حتة نضيفة، دول بيتكسفوا يقولوا لزمايلهم في المدرسة إنهم عايشين في حارة، و التانيين أغلبهم يا في زايد أو التجمع، زي ما أخترت لهم تعليم نضيف ياريت تعيشهم في حتة نضيفة برضو". 


زفر بغضب و وقف في وضع هجوم: 

"ريحي نفسك يا شيماء، أنا مش هطلع من بيت أبويا غير علي قبري، و لما أموت أبقي أعملي اللي أنتِ عايزاه". 


جزت علي شفتيها معاً و رمقته بتحدي قائلة: 

"براحتك بس ما تجيش تلومني في الأخر". 


قالتها و همت بالذهاب من أمامه، أوقفها يقبض علي عضدها بحدة يسألها: 

"رايحة فين؟". 


حدقت إليه بإزدراء و غضب: 

"رايحة في داهية". 


أمرها بحسم: 

"مفيش خروج". 


صاحت بتحدي لن تتراجع عنه: 

"و أنا هاخرج وريني هاتعمل إيه لأن أنا جبت أخري منك خلاص". 


انتفضت من داخلها عندما رأت عروق عنقه نافرة علمت إنه قد وصل إلي ذروة غضبه، صرخت حينما هبط علي خدها بلطمة علي غير العادة و دون المتوقع، قلما كان يلجأ إلي العنف في تلك اللحظات، تراجع إلي الوراء ينظر إلي كف يده الذي اقترف هذا و ولي إليها ظهره حتي لا يري نظرة الألم و اللوم في عينيها، بالرغم من حدوث الكثير من الخلافات بينهما لكنه مازال يعشقها و لم يستطع رؤية عبراتها لاسيما عندما يكون السبب في إنسدالها. 


ألتفت عندما سمع صوت صفق باب الشقة،  و صوت قرع حذائها و هي تهبط الدرج، ذهب خلفها منادياً: 

"شيماء، استني عندك، شيماء؟ ". 


نجح في اللحاق بها و أوقفها قبل أن تغادر البناء: 

"معلش حقك عليا، بس كلامك أستفزني و عملت كده غصب عني". 


رمقته بإمتعاض و عتاب و لوم شديد قائلة: 

"مش أول مرة تعملها، قبل كدة كنت بسامح المرة دي لاء". 


يتبع...

تعليقات

CLOSE ADS
CLOSE ADS
close