( الحلقة25/ 24) الصبى محمد صلى الله عليه وسلم مع قافلة الشمال !!
من كتاب الطريق الي النور للكاتب ا/محمد مصطفي
لم تدفعه فطرته الهادئة إلى التسابق على الطعام، ولا إلى اللهو العنيف، ولا إلى التلفظ بفحش القول، ورآه القوم مغايرًا لأقرانه فى أحوال كثيرة، فنأى بنفسه عن مسايرة الناس فيما جرت عليه العادة فى مكة، فقد كان التعرى وخلع الملابس عند الكعبة أمرًا صار مألوفاً منذ أصدرت قريش تعليماتها، بألا يطوف أحد حول البيت إلا بثياب مُشتراة من مكة، ليروّجوا لبضاعتهم، وتعذر على الفقراء القادمين فعل هذا،
فمُنعوا الطواف بثيابهم، فاضطرهم ذلك لخلعها خارج الحرم، وطافوا حول الكعبة دون ثياب، عرايا، ولم تنكرها قريش عليهم، وتحول هذا المشهد إلى عادة يفعلها الحجيج الفقراء، وانسلت تلك العادة السيئة من البيت، وانتشرت فى أماكن أخرى بعيدة عن الحرم، وبمرور الأيام صار التعرى فى مكة غير مستهجن ولم يلق إنكارًا من أحد، فكان الصبية إذا جدوا فى الحر ولفحتهم الهاجرة، نزعوا ثيابهم دون حرج، إلا ما كان من الصبى محمد صلوات ربى وسلامه عليه، الذى استنكر فى داخله فعل هذا .
رآه عمه العباس ذات يوم يلهو مع الغلمان، يحملون على أكتفاهم الحجارة ثم يضعونها على الأرض لعمل بنايات صغيرة، ولما اشتدت بهم الهاجرة وهم منهمكون فى لعبهم، راح الصبية يخلعون الأرديه من على أجسادهم، ويضعونها على الأكتاف ليحملوا فوقها الحجارة، ولم يفعل الصبى محمد مثلما فعلوا، ظل الإزار على جسده رغم تشربه بالعرق من شدة الحر، فأشفق عليه العباس عمه وقال : يا محمد اخلع إزارك وضعه على كتفك لتحمل عليه كما يصنع إخوانك – وينزل محمد لأمر عمه استنكاره لذلك، فما إن خلع إزاره وبدأ ينكشف جسده إلا وخر على الأرض مغشيًا عليه، وأخذ يصيح " إزارى، إزارى " فشدوا عليه إزاره – وكأنها إشارة ربانية – بأن لا يعاود خلع ثيابه مرة أخرى – فتعجب العباس !! فما أن غطوه بإزاره حتى انتقض محمد كمن مسه شيء –
أراد الله أن يكله بعناية خاصة، تمهيدًا للرحلة الخالدة، فصرفه عما يفعله القوم فى أفراحهم وأعراسهم، فما حضر رقصا قط، ولا حط فى مجلس غناء، ولما حاول فعل هذا كان الإصراف الإلهي له بالمرصاد، كما حدث حين كان مناوبًا لرفيق له على عير لأحد ثراة مكة، ولزم الأمر أن يبيت مع صاحبه فى الخلاء لحراسة العير، فلما حل المساء، سمع محمد دق الطبول وعزف المزامير وأغانى تأتى من بعيد من مشارف مكة – فقال لرفيقه : أبصر لى غنمى حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان – قال رفيقه : نعم .. فدخل الصبى محمد مكة، حتى إذا أتى إلى أول دور من دورها، سمع عزفا بالغرابيل والمزامير فقال : ما هذا ؟ قالوا : إنه عُرس فى دار بنى مخزوم - فجلس غير بعيد، وتهيأ للسماع، وإن هى إلا لحظات وداهمه النعاس فاستسلم للنوم، ولم يوقظه إلا حر الشمس حين أسفر النهار – ويعاود الكرة فى مساء اليوم التالى، يطلب من رفيقه : أبصر لى غنمى حتى أسمر الليلة – فقال له : أو ما فعلت ذلك بالأمس ؟ قال محمد : ما رأيت شيئا، وما سمعت عزفا، فقد سربلنى النوم –
قال الغلام : إذن افعل الليلة –
ونزل إلى مكان العرس المُقام فى دار بنى مخزوم، وكانت أعراسهم ثلاثة ليال، يسمرون فيها حتى آخر الليل، وما إن دنا من العرس، واستعد للسماع، إلا وتكرر ما حدث بالبارحة، غشيه النوم فى مكانه ، وأيقن عندها الصغير محمد، أن هناك شيئا يصرفه عن أعراس القوم، التى لا تخلو من الرقص والزمر والخمر –
قنع محمد بحياته الرضية الهنية، فى دار عمه أبى طالب، وتعلق به عمه أبو طالب، تعلق به أيما تعلق، فكان دائم السؤال عن حاله بأكثر مما يسأل عن أبنائه، وكلما سمع إطراء الناس وحبهم له، ازداد تعلقا به، فما ذهب إلى مكان إلا وسمع عن محمد الخير كل الخير، فمن يقول ( هذا الأمين ابن أخيك ) ومن يقول ( الصادق ) ومن يقول ( غلام أبى طالب الذكى ) –
وتتوق نفس محمد إلى التغيير والترويح، فكلما سمع أن عمه يُعد قافله للسفر إلى الشمال أو الجنوب، تمنى أن يصحبه فهو يسمع عن البلاد التى يجوبها التجار الكثير من القصص والحكايات، وكلما طلب من عمه السفر معه قال له : لازلت صغيرا لا تقوى على مشاق الترحال .. ويتحين الصغير محمد الفرصة ويترقبها، دون أن يقطع حبل الأمل، حتى إذا جاء يوم تهيأ فيه أبو طالب للسفر إلى الشام، بعد أن عهدت إليه قريش بتجارتها، فتجهز أبو طالب ومعه رجالات من أشراف مكة، فى عير لهم يزمعون الرحيل، ولم يتحمل الصبى محمد الذى كان يرعى الغنم خارج مكة سماع خبر القافلة، حتى ترك ما فى يده من عمل، وانطلق إلى دار عمه، رأى العير المسافرة أمام داره، وقد أحزم الرجال بضائعهم وأخذوا يستعجلونه : هيا يا أبا طالب قبل أن تغيب الشمس ولم نمسك بناصية الطريق .. وخرج إليهم أبو طالب وكان يريد شيئا قد نساه قال : ها أنا ذا يا قوم قادم – ولما تحركت القافلة انطلق محمد خلف عمه وأمسك بطرف ثوبه فى تشبث وقال فى إلحاح : خذنى معك يا عماه، أريد أن اصطحبك هذه المرة –
قال عمه : هذا سفر شاق عليك يا ولدى، ولن يلتفت إلى حاجتك من طعام وشراب أحد لانشغالنا فيما نحن فيه، كن فى جوار إخوتك، ودع ما تحب لسفرة أخرى –
ويكثر محمد اللحاح فى الخروج معه، وأبو طالب لا يريد ذلك، خوفا عليه، ويشفق على الصبى الذى أوشك على البكاء، أبو سفيان بن حرب قال : يا أبا طالب فلنأخذه معنا، فلم يعد يُخشى عليه، فقد اشتد عوده وصار ابن الثانية عشرة، فلا خوف من اصطحابه معنا، وما يدريك يا أبا طالب لعلنا نحتاجه فى حراسة رحالنا ومتاعنا، دعه يا أبا طالب – ويتهلل وجه الصبى فرحاً بهذه الكلمات، ولا يقوى أبو طالب على الإصرار بعدما رأى البسمة فى وجه محمد فقال : فاجعلوه على أعينكم، لا تغفلوا عنه –
شقت القافلة طريقها إلى الشام، ولا يعلم أبو طالب ما مكنون خبيئة القدر فى رحلته تلك، ولم يدر أبو طالب أن بأخذه يقرب الزيت من النار، فأرض الشام بها اليهود الذين عندهم الإشارات الواضحة بظهور النبى الخاتم، وأكثرهم على يقين أنه يحيا على الأرض صبيا بعد، لم يأته أمر السماء، وكذا اليهود على طول الطريق من الشام حتى يثرب، يتربصون بنبى آخر الزمان، فالرحلة إذن محفوفة المخاطر التى لا يدركها أبو طالب، وكيف يتأتى لأبى طالب فهم ذلك ؟ وهو لا يدرى بما تدبره يهود لابن أخيه، فمنذ طفولته صلى الله عليه وسلم وهم يرصدونه، ويتحينون الفرصة لخطفه أو لقتله –
أرسلوا ثلاثة من شياطينهم ( زرير ، وتمام ، ودريس ) وهم من يهود شمال الشام المقيمين فى ظل الدولة الرومانية، أرسلهم أحبارهم ليكثفوا جهودهم فى هذا السبيل الإجرامى مع بنى النضير فى يثرب ، فى طريقهم عرجوا على ـ بُصرى ـ التى تمر بها قوافل مكة القادمة نحو الشام، وفى بُصرى قلعة نصرانية لا تخفى على أحد فى المشرق والمغرب ( دير بحيرى الراهب ) ومعه رهبان من النصارى، يعيشون داخل الدير فى عزلة تامة عن العالم الخارجى، يعكفون على الكتب يتدارسونها ويداومون الصوم والعبادة، فارين من ضلالة أصابت العالم فى هذا الزمان، الذى حُرّفت فيه الكتب السماوية، وشُوهت فيه معالم الدين الحق، ومعالم التوحيد – حط الشياطين الثلاثة رحالهم فى بُصرى ، ونزلوا على الراهب
(بحيرى) رجل فى الستين من عمره، كان إليه علم أهل النصرانية، اشتهر فى المنطقة بزهده وتقواه وكثرة عبادته، وعُرف أيضا بتردده على البلدة التى بأطرافها ديره ـ بُصرى ـ إذا علم بورود قوافل قريش فى الصيف، يكثر من السؤال فيما يجد بمكة من أمور، فإذا انصرفت قوافل قريش عاد ولزم الدير فى أقصى بُصرى، حتى يكون الصيف التالى، يخرج من جديد يتحسس أخبار مكة، وهل فيهم الصبى الذى تبحث عنه يهود، والذى ينتظر ظهوره النصارى أمثال بحيرى، ويدور الحوار بين بحيرى واليهود الثلاثة ( زرير ، وتمام، ودريس) يسأله تمام : نعلم أنك تترقب قوافل قريش، وتعلم بأمر الصبى الذى تعلمه يهود، وقد ظهر الآن فى مكة فهل خبرت من تجار قريش جديدا عن الصبى ؟ قال بحيرى : كلا وأصدقكم القول إننى على ثقة من أن هذا الصبى الذى أنبأته منذ نزلت هذا الدير، هو الذى يحدثنا عنه الإنجيل ..
قال تمام : يسميه الإنجيل أحمد .. قال بحيرى : واسمه الذى ينادونه به فى مكة محمد .. قال زرير : علمنا أن جده عبد المطلب قال يوم ولادته هو أحمد وهو محمد ، وما أرى إلا أنها من بعض أسمائه .. قال بحيرى : علمت هذا الذى تذكره يا أخى، ولكنى لا أقطع برأى حتى أرى الصبى، وأكشف عن علاماته وأسمع ما يقول عن أسئلة تدور فى رأسى !! قال دريس : أما نحن فقد كشفنا عن تلك العلامات، وعلمنا كثيرا مما نريد من إجابات عما يدور فى رؤوس أحبارنا عنه .. قال بحيرى : فحدثونى بما لديكم .. قال تمام : تحققنا من صدق كل ما جاء فى كتبنا عن ذلك الصبى محمد، كان بعض أعاوننا فى مكة حين نزل بها رجل يُدعى ( لهب ) وكان لهب هذا يدّعى الكهانة، ويقرأ طوالع الناس، بالتفرس فى خلقتهم، فيخبر بما يؤول إليه حالهم، فى يوم آتاه رجال من قريش بغلمانهم – ينظر إليهم، وجاءه أبو طالب ومحمد فى يده، وقال أبو طالب ( أيها الكاهن – لهب – تفرس فى ولدى هذا وقل لى عن حاله .. قال الكاهن لهب : أهذا الصبى تقول هو ولدك ؟ قال أبو طالب : أجل قال الكاهن : كذبت، إنه ليس ولدك، ما يصح أن يكون لهذا الصبى والد على قيد الحياة، أيها الرجل، أيها الرجل انتظر حتى أفرغ من هؤلاء الصبيان، فإن حديثى لك عن هذا الصبى يطول "
ويكمل تمام قصته " ويبدو أن أبا طالب ثارت ريبته فى لهب، فأخفى ولده، فما أن نظر لهب ولم يجده حتى أخذ يصيح : الغلام ، الغلام ، إليِّ به ، أين هو ؟ ويلكم ! ردوا عليّ غلامى الذى رأيت آنفا، فو الله ليكونن له شأن ائتونى باليتيم آتونى به، فاحذروا عليه يهود )
قال بحيرى الراهب بعد طول إنصات لليهودى تمام فى ذكره تلك القصة : وماذا تريد منه اليهود يا أخى ؟ قال تمام : ما تريده النصارى منه نريد جميعا أن نقتله قبل أن يبدل الشريعة – قال بحيرى فى غضب : لا والله يا أخى ما تريد النصارى هذا أبدا، نقتل صبيا تتكلم عنه كتبنا، وتقول إنه سيصبح النبى الخاتم !! قال زرير : عجبا لك يا بحيرى !! أترضى بأن يأتى ذلك الصبى إذا كبر ودخل فى العمر بدين جديد غير اليهودية والنصرانية ؟ قال بحيرى : وما نملك نحن إزاء إرادة السماء يا أخى، والله لو طال بى الأجل، حتى يرسل هذا الصبى، إذا كان هو المقصود بالرسالة، لكنت أول من يتبعه – قال تمام : أما نحن فسنكون أول من يقاتله، بل إننا ما جئنا إلى ها هنا إلا لننحدر إلى مكة، نتحين الفرصة لقتله، أو خطفه وحبسه فى بلادنا حتى يموت .. صلوات ربى وسلامه على سيد الخلق والمرسلين .. وإلى الحلقة القادمة من كتابنا الطريق إلى النور .
ملحوظة:
هذا الكتاب الذي بين أيدينا والمكون من جزئين، نقدمه للأمة فى عصرنا الحالى، ولأجيال قادمة، والمُسمى ( الطريق إلى النور فى سيرة الرسول .. صلوات ربى وسلامه عليه ) قد تم طبعه فى عام 2007 والناشر له "مؤسسة حورس للنشر والتوزيع"، وقد نفذت نسخه من دور العرض، لذا جاري الآن إعداد طبعة جديدة بإضافات لم تكن موجودة في الطبعة السابقة .. هذا الكتاب هو ما نعرضه لحضراتكم في حلقات هنا علي صفحتنا للمرة الثالثة، وعلي الله قصد السبيل.
محمد مصطفى