رواية اسميتها ريحانه البارت الاول بقلم سلمي جاد حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
تسللت شمس القاهرة الذهبية عبر نافذة الغرفة، معلنةً بداية يوم جديد...
في غرفة ريحانة السويسي، دوّى صوت المنبه في أركان الغرفة، معلنًا حلول الساعة الثامنة صباحًا. واحد... اثنان... ثلاثة... مدت يدها بسرعة لتطفئ المنبه، وما زالت عيناها مغمضتين. همست بضيق:
"أووف... يارب المنبه يموت، أنا ملحقتش أنام."
وبعد ثوانٍ، فتحت عينيها الفيروزية المختبئتين خلف رموش كثيفة، ورثتهما عن والدتها.
نهضت ببطء، وارتدت نعلها الوردي، وقامت ببعض الحركات الخفيفة لتنشيط دورتها الدموية، ثم التقطت فوطة زرقاء، ودخلت لتأخذ شاور كعادتها فور استيقاظها.
بعد مرور عشر دقائق، خرجت ريحانة وهي تجفف شعرها بفوطة صغيرة. وقفت أمام الدولاب الخشبي الكبير الذي يتوسط الغرفة لتختار ملابسها؛ أغلبها ملابس رياضية، وجواكت، وبناطيل جينز، مع عدد قليل من الفساتين التي اشترتها بعد إلحاح والدتها. قطع تفكيرها رنين هاتفها، الذي صدح بإحدى أغانيها الأجنبية المفضلة.
نظرت إلى شاشة الهاتف، وسرعان ما أجابت بعدما علمت بهوية المتصل:
"ألو."
جاءها صوت فتاة من الناحية الأخرى:
"أيوة يا ست ريحانة، جهزتي ولا لسه؟"
ردت وهي تلتقط قطعة ملابس:
"بلبس أهو، وبعدين هنزل أفطر."
"تمام، متنسيش تعدّي عليّا عشان توصليني."
قلبت عينيها بملل قبل أن تجيبها بغضب قائلة:
"يا فوتي، أنا مالي؟ هو أنا كل يوم هعدّي عليكي بالعربية عشان أوصلك الكلية؟ ما عندك خطيبك يوصلك، ثم إنتي كليتك بعيدة عن بتاعتي؛ إنتي في فنون جميلة وأنا تجارة."
أجابتها فتون بصوت ناعم:
"إخص عليكي يا ريحانة، إنتي مش صاحبتي وبنت خالي؟ ثم يزن أخوكي على طول مشغول في شغله."
ردت ريحانة:
"أيوة يا أختي، اتكلمي بصوتك الشتوي الممحلس ده. ماشي، نص ساعة وهجيلك."
________________________________________
نزل درجات السلم بهدوء، وما زالت آثار النوم واضحة على وجهه. مسح ردهة القصر بعينيه القاتمتين ليجدها خالية، ثم لاحظ حركةً بالمطبخ الموجود في نهاية الطرقة. توجه ناحية المطبخ، ليقف ساندًا على الحائط، يتأملها وهي تجهز الفطور مع إحدى الخادمات. كانت تتحرك بنشاط وحيوية لم يتغيرا بمرور السنوات.
حمحم بخشونة، فالتفتت جميلة على الفور، وارتسمت ابتسامة رقيقة على وجهها حين رأته يقف مستندًا بظهره العريض إلى باب المطبخ، يرتدي فانلة رياضية باللون الرصاصي أبرزت جسده الرياضي الذي لم يتغير بمرور السنين... ولمَ لا؟ فهو اعتاد طوال الثلاثة عشر عامًا الماضية على ممارسة الرياضة يوميًا.
كان شعره، الذي طالما اتخذ لون الفحم، قد بدأ يتخلله خيوط الشيب ليصبح بلون القصدير، ولأنه اعتاد على تقصيره بعد ظهور الشعر الأبيض فيه، بدا منمقًا جدًا.
رجل في منتصف الخمسينيات يفرض حضوره بصمته قبل كلماته.
خرجت الخادمة فور دخوله، فهو قد وضع قانونًا: طالما تواجد بالمطبخ، فلا وجود لأي خادمة فيه.
اقترب بخطوات هادئة رزينة، وحاوط خصرها النحيل، قائلًا بصوت محشرج من أثر النوم:
"صباح الجمال على أجمل الجميلات."
ابتسمت له ابتسامة جعلت ملامحها أكثر دفئًا:
"صباح الفل يا حبيبي، إيه المدح ده كله على الصبح؟"
"أنا مش بمدح، أنا بوصف اللي عيوني شايفاه."
تنهدت جميلة بحالمية وقالت:
"بجد يا أدهم؟ لسه شايفني الجميلة حتى وأنا كاسرة الخمسة وأربعين؟"
رفع رأسه يتأملها، ومرر كفه على شعرها، لتتخلل أصابعه بين خصلات شعرها الأسود الطويل:
"كل سنة بتزيدي جمال وأنوثة في عيني يا جميلة، وبعدين اللي يشوفك ما يديكيش أكتر من تلاتين سنة."
ضحكت برقة على كلماته التي باتت تعشقها بشدة، وقالت:
"ماشي يا حبيبي، اللي تشوفه. المهم يلا اخرج أنت اقعد على السفرة، عقبال ما أخرج باقي الأطباق عشان نفطر، زمان الولاد صحيوا ونازلين دلوقتي."
قبّلها من جبينها، ثم ابتعد برفق وخرج من المطبخ، لتتبعه جميلة وهي تحمل أطباق الفطار، ويتوجها إلى غرفة السفرة
نزل درجات السلم بهدوء وهيبة، يرتدي قميصًا كحليًا أبرز عضلات جسده الرياضي؛ بحكم طبيعة عمله كضابط في الحربية. تأمل ساعته المعدنية التي تلتف حول معصمه، ثم رفع عينيه اللتين تشبهان أمواج البحر في زرقتها، ليجد الجميع يجلسون على السفرة.
سحب كرسيًا وهو يتمتم بصوته الرخيم:"صباح الخير يا بابا، صباح الخير يا جميلة."
ابتسمت جميلة وهي تضع الطعام أمام أدهم بحب واهتمام كعادتها:"صباح الخير يا حبيبي، أحطلك إيه في طبقك؟"
مرر عينيه على محتويات السفرة... كان فطورًا شعبيًا أصيلًا، بالرغم من ثرائهم الكبير، إلا أن جميلة حافظت على تقاليد الأسرة المصرية في وجبة الإفطار.
قال يزن أخيرًا:"حطيلي فول."
وضعت له جميلة بعض الفول، ليتحدث أدهم قائلًا:"هتروح شغلك النهارده؟"
رد يزن وهو يلتقط لقمة من الفول:"أيوة، هروح للمعسكر، أدرب الكتيبة الجديدة، وبعدين أطلع على المكتب."
قطع حديثهم صوت خطوات ريحانة، وهي تنزل درجات السلم بسرعة كعادتها، حيث تخطف ثلاث درجات مرة واحدة.
هزّت جميلة رأسها بتعب، قائلة:"يا بنتي على مهلك، هتتكفي على وشك."
اقتربت ريحانة، التي كانت ترتدي سوتًا رصاصيًا، وترفع شعرها الأسود الطويل على هيئة ذيل حصان يصل لنهاية ظهرها.
قبّلت أدهم من خده، وكذلك جميلة، وعندما جاء الدور على يزن، مررت كفها بين خصلات شعره البني الناعم، قائلة:"إزيك يا باشا؟"
"أهلًا."
نظرت له شزرًا لبروده المعتاد، وهمّت لترد، لكن قاطعها حديث والدها:"وراكي كلية النهارده؟"
"آه، ورايا محاضرتين، وبعدها هقابل فتون نروح نعمل شوبينج."
قال أدهم بهدوء:"طيب، خلصي محاضراتك وتعالي لي الشركة على الساعة التلاتة."
تغيرت ملامحها، وتكلمت بضيق:"هروح الشركة أعمل إيه يا بابا؟"
"هتحضري اجتماع مهم."
"يا بابا، حضرتك عارف رأيي في الموضوع ده."
تحدثت جميلة هذه المرة:"إيه المشكلة لما تشتغلي مع أبوكي في الشركة يا ريحانة؟ منها تستفيدي، ويكون تدريب ليكي لحد ما تتخرجي من الكلية."
"يا جماعة، افهموني. بعد إذن حضرتكم يا بابا، أنا مش عايزة أشتغل أو أقرب في أي مكان تابع لحضرتك. مش عايزة أبقى بنت صاحب الشركة اللي اشتغلت بالواسطة."
تحدث أدهم:"خلاص، روحي أي شركة من بتوعي، مش شرط الشركة الرئيسية."
قلبت عينيها وقالت:"يا بابا، ما هي في الآخر بتاعت حضرتك برضو، وأكيد بشكل أو بآخر هتعمل تسهيلات، وده اللي أنا مش عايزاه."
نهض يزن فجأة وقال:"طيب، استأذنكم أنا عشان اتأخرت على شغلي."
أمسكت ريحانة كتفه برجاء:"استنى يا يزن، خدني معاك. يلا أنا ماشية. سلام يا جماعة."
بعد خروجهما، نظرت جميلة في أثرهما قائلة بغضب:"البنت دي طالعة عنيدة لمين؟ دماغها ناشفة زي الحجر."
تمتم أدهم وهو يحتسي فنجان القهوة:"يعني مش عارفة طالعة لمين؟"
ابتسمت بصفاء:"طالعة لأبوها طبعًا، مش محتاجة كلام."
وقف بعدما احتسى آخر رشفة من الفنجان، ثم انحنى وقبّل جبينها بحنان:"أنا هطلع عشان أجهز وأروح الشركة. عايزة حاجة؟"
أجابت بحب :"عايزة سلامتك يا حبيبي ."
_________________________________________________
في منزل علي وياسمين (أخت أدهم):
خرجت فتون من غرفتها، تضع مستلزماتها في حقيبتها التي تحملها على كتفها. دلفت إلى الصالة ثوانٍ وشهقت، قائلة بتذمر:.
"إنتو بدأتوا فطار من غيري؟
رفع والدها (علي) نظره إليها ثم عاد لأكله مرة أخرى وهو يقول:
"أنا جعان، وإنتي الصراحة اللي يستناكي يموت من الجوع."
سحبت كرسي السفرة لتجلس عليه، قائلة وهي تلتقط رغيف خبز:
"ماشي يا علوة، هعدّيهالك المرة دي."
ابتسمت والدتها ياسمين التي كانت تتابع حديثهما ومزاحهما المعتاد كل صباح:
"طيب يلا افطروا عشان كل واحد ميتأخرش عن اللي وراه."
تحدث علي باستفهام:
"يزن هيوصلك الكلية؟"
التقطت فتون لقمة من الجبن وحمحمت، محاولةً تغيير الحديث:
"الله عليكي يا ماما، أجمد واحدة بتعمل جبنة بطماطم"
لكن قاطعها علي الذي كرر السؤال ولكن بنبرة أكثر جدية:
"ياسمين"
"أيوة يا بابا."
"ردي على سؤالي."
"لا يا بابا، يزن وراه شغل ومش هيلحق يوصلني."
ابتسم علي بغضب:
"آه.. شغله، كالعادة يعني."
"يا بابا ما إنت عارف إن يزن ظابط وإن شغله صعب ووقته مش ملكه."
"دافعي عنه، ده اللي إنتي فالحة فيه!"
أدارت فتون رأسها لساعة الحائط تفحصها، ثم نهضت:
"إيه ده! أنا اتأخرت أوي، زمان ريحانة قربت توصل. يلا عن إذنكم أنا ماشية."
تمتم علي بغضب:
"شايفة عمايل بنتك يا ياسمين؟"
لمست كف يده الموضوع على المنضدة:
"مالها بس يا حبيبي؟"
"يعني مش شايفة؟ الحب عاميها ومش واخدة بالها إنه مبيهتمش بيها وكل حاجة شغله."
"يا علي مش شغله، هو بمزاجه؟ ثم إنت زمان لما كنت بتشتغل حارس شخصي لأدهم أخويا كنت بتغيب عني كتير ومكنتش بزعل منك."
تمتم بغضب قائلًا:
"لأني مكنتش سايبكم لوحدكم، خالتي منى الله يرحمها كانت عايشة معانا، ثم إحنا كنا خلاص اتجوزنا وخلفنا فتون، لكن ده بيعمل كده ويادوب لسه مخطوبين! أومال بعد الجواز هيعمل إيه؟"
"طيب ووافقت على خطوبتهم ليه من الأول؟"
"أنا عارف إن يزن بيحبها، هو أنا هنسى غيرته وحبه ليها من وهي صغيرة؟ بس مش حابب طريقه معاها."
ردت ياسمين بهدوء:
"هما أحرار يا حبيبي، ثم أنا متأكدة إن محدش هيحب فتون ولا هيخاف عليها قد يزن."
ثم صمتت لثوانٍ قبل أن تسأله مرة أخرى:
"ولا إنت يا علي عندك مشكلة مع يزن شخصيًا؟"
ضيق بين حواجبه باستغراب قائلًا:
"مشكلة شخصية إزاي يعني؟"
همست ياسمين بقلق:
"أكمنه يعني... يزن مش ابن أدهم الحقيقي؟"
وقف بغضب من حديثها، ثم تمتم بعتاب:
"إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟ إنتِ عارفة أنا بحب يزن قد إيه وبعتبره ابني، زي ما أدهم بيعتبره ابنه. وإلا مكنتش سلّمته حتة من روحي واديته بنتي. ده أنا من الأول كنت عايزهم يفضلوا مخطوبين لحد ما فتون تخلص دراستها، وهو اللي أصر يكتب الكتاب... وافقت عشان عارف إنه بيحبها، مش عشان شايفه غريب عننا."
هزت ياسمين رأسها ونظراتها مليئة بالحب، فهي تعلم كم يحبه، فيزن قضى فترة مراهقته مع علي الذي حبّبه في حياة الجيم والرياضة، وكان له الفضل الأول في دخول يزن الكلية الحربية بفضل معارفه.
"عارفة يا حبيبي." ثم حاولت تغيير مجرى الحديث: "إنت مش رايح الشركة النهارده ولا إيه؟
"
خبط على جبينه باستيعاب:
"ينهار أبيض! ده أنا اتأخرت، زمان أدهم وصل الشركة."
اقترب وقبّل جبينها ثم نهض ليستعد، أما هي فتأملت أثره بابتسامة... زوجها وحبيبها الذي جمعهم القدر منذ سنوات ليصبح عوضها عن كل ما رأته في حياتها.
(لو حابين تعرفوا قصة حب علي وياسمين هتلاقوها في الجزء الأول ،موجوده على حسابي في رواية عشقت محتالة )
_________________________________________________
في شركة السويسي للاستيراد والتصدير..
كان يقف شارد الذهن أمام الشرفة الزجاجية الكبيرة بالمكتب، يستعيد ذكريات السنوات السابقة.
منذ أن دخلت جميلة حياته، وتغيرت حياته رأسًا على عقب، فهو لم يعد نفس الشخص الذي كان عليه من قبل؛ كانت حياته مقتصرة على الصفقات، وتكبير الشركة، وتربية ابنه.. أو لنقل ابن العائلة التي تبنّته.
ابتسم حين تذكر كيف دخلت جميلة حياته، فهي لم تكن سوى محتالة جاءت لتسرق أمواله، ولكنه أحبها وتزوجها ليبدأ فصلًا جديدًا في حياته، كان أهم ما فيه ولادة أثمن شخص على قلبه.. "ريحانة".
وآآآه من ريحانة ....ابنته التي ورثت عنه شخصيته؛ نفس الهدوء، العناد، والكبرياء، بينما هي نسخة من جميلة في الشكل، مما ضاعف حبها في قلبه رغم التصادم المستمر بينهما بسبب تشابه شخصيتيهما.. كقطبي المغناطيس المتشابهين اللذين يتنافران باستمرار.
قطع حبل أفكاره دقات على الباب، تبعها دخول سكرتيرته قائلة باحترام:
"أدهم بيه، فيه واحد برة اسمه سعد الدالي عايز حضرتك."
صمت ثوانٍ يتذكر الاسم الذي بدا مألوفًا جدًا على مسامعه، وفجأة ابتسم قائلًا:
"دخليه فورًا."
جلس على مكتبه، وبعد ثوانٍ فُتح الباب مرة أخرى ليظهر رجل من نفس سن أدهم تقريبًا، اقترب بخطوات بطيئة قائلًا بابتسامة دافئة:
"إزيك يا أدهم؟ والله لك وحشة."
نهض ليحتضن الرجل، قائلًا بود مماثل:
"إزيك يا راجل يا عجوز؟"
ضحك الآخر بخفة:
"ماشي يا عم عندك حق، ما السن مش باين عليك زيي؛ بذمتك ده منظر واحد داخل على الستين؟ لسه محافظ على صحتك وجسمك زي زمان"
تعالت ضحكات أدهم:
"الله أكبر في عينك" ثم أشار إلى كنبة مريحة في نهاية المكتب: "تعالى نقعد هناك وندردش سوا."
جلسا، فبدأ أدهم الحديث قائلًا:
"عامل إيه يا سعد؟ وحشتني."
"إنت كمان وحشتني يا أدهم، يااااه.. حاسس إني لما شوفتك رجعت لأيام ما كنا لسه متخرجين وبنفكر نأسس شركة."
هز أدهم رأسه مبتسمًا:
"فعلاً العمر عدى.. وإنت رجعت من أمريكا امتى؟"
أجاب سعد:
"لسه راجع من كام أسبوع، وقولت لازم أشوفك عشان ندردش شوية."
خبط أدهم على ظهره بابتسامة:
"تعيش يا سعد، قولي.. نازل مصر زيارة ولا نويت تستقر خلاص؟"
"لا خلاص بقا، كفاية غربة.. قولت انزل مصر وأنقل شغلي اللي في أمريكا في شركتي هنا."
"عااااال ..وهتمسك إنت الشركة ولا هتعين مدير تنفيذي؟"
"لا، سليم هيدير الشركة."
ضيق أدهم بين حواجبه باستغراب:
"سليم مين؟"
"سليم ابني."
"ابنك؟! إنت عندك ولاد؟ أنا فكرت معاك بنتك ندى بس"
مسح سعد على جبينه بتوتر ثم قال:
"آه.. أنا خلفت بعد ندى، وبعدها سافرت أنا ومراتي أمريكا فهو كبر هناك."
هز رأسه بابتسامة:
"ربنا يحفظهولك."
أمَّن سعد على كلامه ثم سأله:
"وإنت معاك مين دلوقتي؟"
ابتسم أدهم:
"ريحانة، تالته بيزنس السنادي."
"بسم الله ما شاء الله، دي بقت عروسة"
ابتسم أدهم:
"أيوة بس مغلباني."
سأله سعد:
"ليه؟"
بدأ أدهم يسرد له مشكلته مع ريحانة ورفضها للعمل بالشركة.
إبتسم سعد:
"مشاكل الولاد مبتخلصش، حتى بعد ما يكبروا بنفضل شايلين همهم."
هز أدهم رأسه موافقًا على كلامه، ثم أكمل سعد:
"المهم نتكلم في الشغل.. أنا طبعًا نقلت شغلي كله من أمريكا وفضيت الشراكة مع شركائي اللي هناك، وهحتاج شركاء معايا في مصر، وطبعًا مش هلاقي أحسن منك، لأنك بعيدًا عن إنك من أفضل رجال الأعمال في مصر، فأنت صاحبي وأخويا من سنين."
خبط أدهم على كتفه بحنان:
"ده شرف ليا يا سعد."
"يعني موافق؟"
"طبعًا موافق، مش هلاقي شريك أفضل منك."
نهض سعد بفرح ليحتضنه قائلاً:
"يبقى اتفقنا"
تحدث أدهم:
"تمام، علي شريكي زمانه على وصول وهنتكلم سوا." ثم أكمل حديثه: "وطبعًا هنمضي العقد بعد ما سليم ابنك ينزل مصر، بما إنه هو اللي هيمسك الشركة وهيكون رئيس مجلس الإدارة."
"أكيد طبعًا، وسليم النهاردة أو بكرة بالكتير هينزل مصر، لأنه بيخلص شغلنا اللي في أمريكا."
_____________________________________________________________
وصلت فتون إلى المنزل بعدما أنهت دوامها بالجامعة، فهي في عامها الأخير من كلية الفنون الجميلة، وتنتظر انتهاء العام بفارغ الصبر؛ ليس للتخلص من ضغط الدراسة فحسب، بل لأنه بمجرد تخرجها سيتم تحديد موعد زفافها على حب طفولتها، يزن.
صعدت درجات السلم بتعب وإرهاق بسبب حقيبتها التي تحملها على ظهرها، والتي تحتوي على أدوات رسم وعدد من اللوحات والمشاريع المكلفة بها في الكلية. وما إن صعدت آخر درجة، حتى تسارعت أنفاسها من التعب. همّت لتفتح الباب، لكن بعد ثوانٍ شهقت بخضة تحولت إلى حنين حين شعرت بيد صلبة تحيط جسدها بحنان، وصوته الرخيم الذي دبّ القشعريرة في أوصالها، خصوصًا مع اقتراب فمه وأنفاسه من أذنها:
"وحشتيني يا فوتي."
ابتسمت بخجل، ودارت بجسدها لتقف في مواجهته، وهمست برقة:
"يزن."
أجابها بنبرة عاشقة تخصها هي فقط:
"قلب يزن."
"ليه معرفتنيش إنك جاي؟"
"أولًا هاتي الشنطة اللي كابسة على نفسك وشوية وهتاخدك وتقع على الأرض."
نزع الحقيبة عنها ووضعها على الأرض، ثم أجاب عن سؤالها:
"قلت أفاجئك، ثم عرفت من مصادري الخاصة إنك هتخرجي تعملي شوبينج إنتِ وريحانة، فقلت أجي أعرض عرض."
سألته باستفهام:
"عرض إيه؟"
تحدث وهو ينظر لأعلى كأنه يفكر:
"بفكر نفكس للبت ريحانة، ونروح أنا وإنتِ نجيب اللي إنتِ عايزاه، وبعدها أعزمك على العشا."
اقتربت منه بفرحة طفولية:
"بجد يا يزن؟ هنخرج سوا؟ إحنا بقالنا أكتر من شهر ما خرجناش مع بعض."
ابتسم بحب، ومسح بكفه على خدها:
"عارف يا حبيبتي، وعشان كده أول ما عرفت إني بكرة مش ورايا مأموريات، جيتلك على طول نخرج. حتى ملحقتش أغير البدلة الميري."
شهقت وهي تبتعد عنه:
"إيه ده! إزاي ماخدتش بالي؟ إنت جاي بالبدلة العسكرية"
ابتسم، وعيونه الزرقاء تلمع بحب:
"وإيه رأيك؟"
ضمت شفتيها بخجل وهي تهمس:
"إنت عارف كويس إني بحب شكلك في البدلة العسكرية، وعشان كده يا حضرة الظابط، إنت هتروح تغير الأول قبل ما نخرج سوا."
استغرب يزن وقال:
"ليه بقى؟ مش هي عجباكي؟"
ضمّت حاجبيها بغيرة:
"ما هي مش هتكون عجباني لوحدي، وهتعجب كل البنات اللي تشوفك وإحنا ماشيين. ثم مش كفاية إني لما بمشي جنبك الناس بيفكرونا إخوات، مش مخطوبين ومكتوب كتابنا كمان؟"
تعالت ضحكاته:
"حد قال لأمك تتوحم عليا وهي حامل فيكي؟ أهي دي النتيجة، طلعتي نسخة مني كأننا توأم."
ابتسمت فتون، فهذا ما حدث بالفعل؛ حين كانت ياسمين في شهور حملها، تمنت أن يكون الطفل يشبه يزن، وبعد تسعة شهور حدثت المعجزة وأنجبت فتاة تشبه يزن جدًا، لدرجة أن كل من يراهما يعتقد أنهما أخوان.
_________________________________________
في مطار القاهرة، دوّى صوت الموظف وهو يعلن وصول الطائرة القادمة من أمريكا.
تجمع حشد من الأهالي والأصدقاء لاستقبال المسافرين؛ فكل فرد يخرج ليجد من ينتظره، لينتهي المشهد بعناق حار يعبر عن شوقهم.
كان يسير بهدوء وهيبة، وصدى خطواته يرتطم بالبلاط فيصدر صوتًا مهيبًا، بينما يجر حقيبة السفر ذات العجلات خلفه.
كالشبح الأسود، كان يرتدي قميصًا أسود تاركًا الأزرار الثلاثة الأولى دون إغلاق، ليظهر عضلات صدره المقسمة بصلابة. ارتدى بنطالًا أسود، ولم تكن ملامحه ظاهرة بسبب نظارته الشمسية السوداء؛ فلم يظهر سوى فكه الحاد كالسيف، ولون بشرته البرونزية.
خرج من بوابة المطار، ليقف يتأمل المكان... وطنه الذي أخيرًا عاد إليه بعد سنوات.
لم يكن نفس الشخص الذي سافر منذ واحد وعشرون عامًا.
خلع نظارته ليظهر عينيه ذواتا النظرة الحادة، سوداوين كالفحم، تزينهما رموش كثيفة لدرجة أنها تكاد ترتطم بخديه.
همس بصوته الخشن ذي البحة الرجولية:
"أنا رجعت... وهنتقم من عيلة السويسي.هحرق قلب أدهم السويسي زي ما حرق قلبي زمان، وهنتقم منه في أعز ما يملك."
كان في طريقه إلى منزل والده، يستقل إحدى سيارات الأوبر، فهو لم يشترِ سيارة بعد، إذ إن سيارته الخاصة ما زالت في أمريكا.
مر بعض الوقت...حتى وصل إلى أرجاء القصر، الذي بدا أكثر ضخامة كلما اقتربت السيارة منه.
كان الغروب قد حل، ورسمت أشعة الشمس البرتقالية خيوطها الناعمة على القصر، ليبدو كتحفة معمارية مكونة من ثلاثة طوابق، تتقدمها حديقة واسعة مليئة بالأشجار والزهور.
ترجل من السيارة بهدوء وهيبة، ثم وقف لثوانٍ يتأمل المكان بتمعن، بينما تهاجمه ذكريات كثيرة.
مر واحد وعشرون عامًا على آخر مرة تواجد فيها هنا... بل على آخر مرة وطئت فيها قدماه أرض مصر، باستثناء زيارة وحيدة عاد فيها وهو في الثامنة عشرة من عمره، لهدفٍ معين.
دلف إلى القصر بهدوء، يجر حقيبة سفره، بينما كان يحمل سترته على ساعده.
وما إن وصل إلى ردهة القصر، حتى ارتسمت ابتسامة على شفتيه عندما سمع صوت والده الحنون:
"سليم... حمد الله على سلامتك يا ابني."
ألقى سليم سترته بإهمال فوق الحقيبة، ثم اقترب ليحتضنه قائلًا:
"الله يسلمك يا بابا."
تحدث سعد بنبرة أبوية حانية:
"إيه يا ابني؟ جاي النهارده ومعرفتنيش ليه؟ كنت هستقبلك في المطار."
ابتسم سليم بخفة وأجاب:
"عادي يا بابا، مكانش له لزوم."
هز سعد رأسه بيأس، فمن طباع سليم أنه لا يريد أن يكون عبئًا على أحد، وقد عانى معه كثيرًا في هذه النقطة، ثم استسلم في النهاية لطبعه.
سأله سليم:
"عملت إيه في الشغل؟"
أجاب سعد وهو يجلس على الأريكة:
"الحمد لله، اتفقت مع صاحبي إنه يشاركني في الشركة اللي هنا في مصر، وهو رحب بالفكرة جدًا."
تحدث سليم بشيء من الشك:
"وإنت واثق من صاحبك ده؟"
ابتسم سعد بثقة:
"أيوة طبعًا. ده صاحبي من زمان جدًا، من أيام ما كنا شباب. صحيح علاقتنا انقطعت بحكم مشاغل الحياة، لكن معزتنا عند بعض لسه زي ما هي."
هز سليم رأسه باقتناع ،وفقد بدا التعب يغزو ملامحه، فقال:
"تمام يا بابا... أنا هطلع أرتاح بقى، لأني هموت وأنام."
ربت سعد على كتفه بحنان:
"ماشي يا حبيبي، اطلع. أكيد تعبت من السفر."
التقط سترته، ثم أمسك حقيبته ورفعها، وبدأ يصعد درجات السلم المؤدية إلى الطابق العلوي.
لكنه توقف حين سمع والده يقول:
"صحيح... نسيت أقولك، ياسين فوق."
هز رأسه ببطء، وهو يتمتم ببعض الكلمات الساخطة التي اتضح أنها سباب موجه لذلك المدعو ياسين.
وصل إلى الطابق العلوي، حيث تنتشر الغرف على جانبي الممر. وضع الحقيبة أمام جناحه، الواقع في مقدمة الطرقة، ثم بدأ يفتح باقي الغرف واحدة تلو الأخرى، لكنه لم يجده.
تمتم وهو يفتح باب جناحه:
"أومال راح فين الزفت ده؟"
دلف إلى جناحه، وأغلق الباب خلفه، ثم مسح على عنقه بإرهاق واضح من أثر السفر لساعات طويلة.
ألقى سترته بإهمال، ثم شرع يفك أزرار قميصه الأسود، استعدادًا لأخذ حمام دافئ يريح عضلات جسده المرهقة.
وما إن همَّ بالدخول إلى الحمام، حتى فوجئ ببابه يُفتح من الداخل، ليخرج منه شاب بدا من خصلات شعره المبتلة أنه أنهى حمامه للتو.
كان الشاب يمتلك جسدًا رياضيًا، وإن كان أقل ضخامة من سليم، كما أنه أقصر منه ببضعة سنتيمترات، ذو بشرة فاتحة، وملامح أوروبية، وعينين بنيتين فاتحتين.
كان يجفف خصلات شعره البنية بهدوء، وما إن لمح سليم يقف على بعد خطوات منه يرمقه بنظرات غير مفهومة، حتى شهق بخضة:
"بسم الله الرحمن الرحيم!"
تحدث سليم بهدوء، رغم أنه كان على وشك فقدان أعصابه:
"إنت إيه اللي دخلك جناحي يا زفت؟"
ظل الآخر يحدق به بصمت، وكأنه لم يسمع شيئًا.
تنهد سليم بعمق، ثم قال نافد الصبر، وهو يشير إلى أذن الشاب:
"البس السماعة يا ياسين."
أدرك ياسين مقصده، فتحسس أذنه، ثم التقط سماعته الإلكترونية الصغيرة الموضوعة فوق السرير، ووضعها في أذنه.
نعم... ياسين أصم، ولا يستطيع السماع دونها.
ابتسم ياسين وقال:
"ها... كنت بتقول إيه؟"
مسح سليم على جبينه بإرهاق، ثم خلع قميصه وألقاه على الأرض، ليبقى عاري الصدر.
اتسعت عينا ياسين بصدمة، وهو يتراجع خطوة إلى الخلف قائلًا بفزع:
"إنت قلعت قميصك ليه؟!"
نظر إليه سليم ببرود مستفز، ثم بدأ يقترب منه بخطوات بطيئة.
ابتلع ياسين ريقه، وتراجع عدة خطوات إلى الخلف، وهو يرفع كفيه باستسلام:
"إنت... إنت بتقرب كده ليه؟ هي أمريكا غيرتك ولا إيه؟ أنا ياسين آه... بس راجل أوي، والله!"
ضحك سليم بقوة، ثم اتجه نحو الحمام وهو يتمتم:
"لسه متغيرتش... أهبل زي ما إنت."
ثم التفت إليه قبل أن يغلق الباب، وقال:
"أنا هدخل آخد شاور، ولما أخرج ملمحكش في الجناح، عشان عايز أنام."
رفع ياسين كتفيه بلا مبالاة، وأجابه مبتسمًا:
"متخافش، أنا كده كده ورايا عيادة، ومش هقعد."
_________________________________________________________
في صباح يوم جديد...
جناح أدهم وجميلة
كان يقف أمام المرآة، يعقد ربطة عنقه الرصاصية المتناسقة مع لون بدلته. التقط الفرشاة، وبدأ يصفف خصلات شعره، حتى شعر بيدين تحيطان خصره من الخلف.
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه دون أن يلتفت، وقال:
"صباح الخير يا حبيبتي. إوعى أكون صحيتك وأنا بجهز."
همست جميلة بصوت محشرج من أثر النوم:
"صباح الخير يا حبيبي... أنا صحيت لوحدي. إنت رايح الشركة؟"
التفت إليها، ثم أحاط خصرها بحنان، مجيبًا:
"آه، ورايا اجتماع مهم. هقابل ابن صاحبي عشان نوقّع العقد."
ابتسمت له بحب، وقالت:
"ربنا يوفقك يا حبيبي."
اقترب منها، وطبع قبلة هادئة على جبينها، ثم التقط محفظته وهاتفه، وغادر الجناح تحت أنظار جميلة، التي ارتسمت على شفتيها ابتسامتها المعتادة وهي تتابع أثره.
وبعد لحظات، خرجت هي الأخرى من الجناح لتبدأ روتينها الصباحي المعتاد.
____________________________________________________
شركة الدالي جروب...
توقف ياسين بسيارته الفخمة أمام الشركة، ثم نظر بجانبه إلى سليم، الذي كان يتأمل واجهة الشركة، قائلًا:
"يلا يا عم، انزل."
أجابه سليم دون أن يحول نظره عن المبنى:
"إنت هتذلني عشان وصلتني بعربيتك؟ بكرة أستلم عربيتي من التوكيل، ولا هحتاج لأمثالك."
ضحك ياسين قائلًا:
"يعم والله مقصدي، أنا بس عشان اتأخرت على العيادة."
رد عليه سليم مستنكرًا:
"اللي يسمعك يقول إنك جرّاح ووراك عملية خطيرة! ده إنت، يا دوب، دكتور أطفال."
ضم ياسين شفتيه بضيق من التقليل من مهنته، وقال:
"لا، لو سمحت، إلا شغلي. اسمحلك تغلط فيا شخصيًا، لكن شغلي لأ. ثم إن أحلى حاجة الأطفال؛ تحسهم مش معقدين، ولا جواهم كلاكيع زي البشر."
ابتسم سليم وهو يهندم ملابسه استعدادًا للنزول، وقال:
"عشان إنت طيب يا ياسين، وعشان كده الأطفال بيحبوك، وناجح في شغلك."
ابتسم ياسين أخيرًا، ثم قال بمشاكسة:
"ماشي يا عم، مقبولة منك. يلا بقى انزل، أخرتني."
ترجل سليم من السيارة، وبعد ثوانٍ انطلق ياسين بسيارته متجهًا إلى عيادته.
في شركة الدالي جروب...
دخل الشركة بخطوات هادئة وثابتة، تدل على شخصيته الباردة.
تجمعت أنظار الجميع حوله؛ النساء يتأملنه بإعجابٍ صارخ، يتساءلن عن هوية ذلك الرجل ذي الملامح العربية الأصيلة، والعينين السوداوين الحادتين، والشعر الأسود الكثيف، مع قامته الفارعة وجسده ذي العضلات الصلبة.أما الرجال، فكانوا ينظرون إليه بغيرة وحقد.
خرج من المصعد بخطوات هادئة، ليلمح السكرتيرة تجلس أمام جهاز الكمبيوتر.
اقترب منها، ثم وقف أمام مكتبها وتحدث بصوته الرجولي ذي البحة المميزة:
"صباح الخير... سعد بيه موجود؟"
أجابته السكرتيرة بابتسامة:
"أيوة يا فندم، موجود في مكتبه. أقول له مين؟"
"أنا سليم الدالي."
وقفت فجأة فور سماعها الاسم، وقالت بتوتر:
"أهلًا وسهلًا يا سليم بيه... أنا آسفة."
ابتسم بطرف فمه وقال:
"ملوش لزوم الاعتذار، إنتِ أصلًا مشوفتنيش قبل كده."
ثم أضاف وهو يتجه نحو المكتب:
"عمومًا، أنا هدخل لبابا."
تابعته بعينيها حتى اختفى داخل المكتب، ثم همست لنفسها وأنفاسها متسارعة من التوتر:
"إيه الراجل ده! هو فيه كده؟!"
داخل المكتب...
دخل سليم بهدوء، وبمجرد أن رآه سعد، الذي كان يراجع بعض الملفات، نهض مسرعًا وقال بابتسامة:
"سليم... نورت المكتب."
ابتسم سليم وأجاب:
"منور بوجودك يا بابا."
"طيب اقعد."
جلس سليم، ليبدأ سعد حديثه:
"طبعًا أنا عارف إن الشركة جديدة بالنسبة لك، لأنك متعود على الشركة اللي في أمريكا. أنا عملتلك مكتب في الدور الأخير، وفرشته بنفسي. إن شاء الله يعجبك، حاولت أخليه على ذوقك، ولو فيه أي حاجة عايز تغيرها إنت حر. وكمان الجو كله جديد، لأن الدور لسه جديد."
ابتسم سليم وقال:
"شكرًا يا بابا، مكانش له لزوم. كنت هقعد في أي مكتب."
هز سعد رأسه معترضًا:
"لا طبعًا. رئيس مجلس الإدارة لازم مكتبه يبقى مميز."
ثم اعتدل في جلسته وقال:
"نتكلم في المهم. طبعًا إنت عارف إني نقلت كل شغلي هنا في مصر بعد سنين من الاستقرار في أمريكا."
هز سليم رأسه قائلًا:
"أيوة يا بابا."
أكمل سعد:
"وعشان كده كنت محتاج شريك يشاركني في الشركة دي، وبالفعل اتفقت مع صديق ليا إنه يدخل معايا شريك."
قاطعه سليم قائلًا بجدية:
"بس يا بابا، حضرتك متأكد من صاحبك ده؟ دي شراكة، ولازم نكون حذرين."
ابتسم سعد بثقة وقال:
"هو مش بس صديق ليا يا سليم، ده من أكبر رجال الأعمال في مصر، ومسيطر على السوق كله. وشراكتنا معاه هترفع الشركة بسرعة."
سأله سليم بفضول:
"مين ده يا بابا؟"
ابتسم سعد وقال:
"أكيد سمعت اسمه قبل كده بحكم شغلنا، لأنه حوت في التجارة... اسمه أدهم السويسي."
شحب وجه سليم فجأة، وكأن دلوًا من الماء البارد انسكب فوق رأسه.
همس بصدمة:
"مين؟!"
خارج المكتب...
خرج من المصعد، ونظر إلى المكان بهدوء، ثم تقدم بخطوات رزينة نحو مكتب السكرتيرة.
قال بصوته الوقور:
"صباح الخير... سعد الدالي موجود؟"
أجابته باحترام:
"أيوة يا فندم. أقول له مين؟"
"قوليله أدهم السويسي."
في تلك اللحظة، كان سليم ما يزال غارقًا في صدمته.
لم يخطر في أسوأ كوابيسه أن يكون شريكه الجديد هو عدوه الذي يحمل له في قلبه كل ذلك الحقد والكراهية.
لم يكن يريد أن يُدخل الرجل الذي تبناه واعتبره أبًا في دائرة انتقامه، لكن... إنها سخرية القدر، ولا يد له في ذلك.
انتشله من أفكاره صوت السكرتيرة، بعدما طرقت الباب، ثم دخلت قائلة:
"أدهم بيه السويسي برة يا فندم."
وبعد ثوانٍ، ظهر أدهم من خلفها.
ثبتت عينا سليم عليه، وقد امتلأتا بمزيجٍ من الكراهية، والحقد، والرغبة العارمة في الانتقام.فهذا هو الرجل الذي كان يراه المسؤول عن تدمير عائلته، ومقتل والديه، وتحويله إلى يتيم وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره.
____________________________________________________
مساءً في قصر السويسي...
كان الجميع يجلسون حول السفرة، يتناولون وجبة العشاء في جو أسري دافئ.
تحدث أدهم أخيرًا، قاطعًا الصمت:
"ريحانة."
رفعت رأسها إليه بانتباه، وقالت:
"نعم يا بابا؟"
قال وهو يواصل تناول طعامه:
"اعملي حسابك إنك هتروحي بكرة تعملي إنترفيو في شركة الدالي جروب
ضيقت ما بين حاجبيها باستغراب، وسألته:
"الدالي جروب؟"
أجابها بهدوء:
"دي شركة شاركت فيها مع واحد صاحبي من زمان."
نفخت بضيق، وقالت:
"يا بابا، حضرتك عارف رأيي في الموضوع ده. أنا مش هش..."
قاطعها أدهم قبل أن تكمل:
"افهمي الأول، وبعدين اعترضي. أنا ليا حصة في الشركة، لكن مش تحت إدارتي، ولا حتى هتكون تحت إدارة صاحبي."
سألته باستفهام:
"أومال مين اللي هيديرها؟"
أجابها:
"ابن صاحبي هو اللي هيبقى الرئيس التنفيذي. دارس في أمريكا، وكان ماسك شركة والده هناك، لكن نزلوا مصر وهيستقروا هنا."
صمتت ريحانة لثوانٍ، تغرق في التفكير.
حينها تحدث يزن بعقلانية:
"أنا شايف يا ريحانة إن المرة دي معندكيش حجة. بابا مش هيكون له أي علاقة بإدارة الشركة، ومفيش محسوبية، وكمان هو قال إنك هتعملي إنترفيو، يعني زيك زي أي موظف بيتقدم للشغل."
تحدثت جميلة هذه المرة، وهي تنظر إلى ابنتها بابتسامة هادئة:
"ها يا ريحانة؟ الموضوع هيمشي زي ما إنتِ عايزة أهو... إيه رأيك؟"
ظلت صامتة لثوانٍ، ثم أجابت بعد تفكير:
"ماشي... أنا موافقة."
____________________________________________________
في اليوم التالي...
توقف يزن بسيارته أمام شركة الدالي جروب، ثم نظر إلى من تجلس بجانبه، والتي كانت تتأمل واجهة الشركة بانبهار.
قال بضيق:
"مش فاهم، مجيتيش بعربيتك ليه؟ ومخلّياني السواق الخصوصي بتاع حضرتك عشان أوصلك."
تحدثت ريحانة وهي تفك حزام الأمان:
"ما أنا قلتلك يا يازينو، أنا مش عايزة حد في الشركة يعرف إني بنت أدهم السويسي. مش عايزة حد يعاملني معاملة خاصة، وعايزة شغلي هو اللي يتكلم عني، مش مجرد إني بنت أدهم السويسي. مع احترامي لبابا طبعًا، بس ده مش معناه إني مش فخورة بيه."
ابتسم يزن، وقال:
"ماشي يا ستي... ربنا يوفقك."
ابتسمت قائلة:
"شكرًا يا زينو."
ترجلت من السيارة، وبعد ثوانٍ انطلق يزن بها، أما هي فارتدت نظارتها الشمسية، وأخذت تتأمل مبنى الشركة بانبهار.
كان شعرها الأسود الطويل يتطاير مع نسمات الهواء الباردة. ارتدت جاكتًا من الجينز، أسفله تيشيرت باللون البني يحمل رسمة كرتونية لطيفة، مع بنطال أبيض، وحذاء رياضي أبيض.
سحبت نفسًا عميقًا، ثم دلفت إلى الشركة، يملؤها شعور بأنها ستكون بداية جديدة... لكنها لم تكن تعلم ما الذي ينتظرها بالداخل.
خرجت من المصعد، ومسحت الطرقة الطويلة بعينيها، حتى وقعت أنظارها على السكرتيرة.
تقدمت نحوها بخطوات هادئة، حتى توقفت أمام مكتبها مباشرة، وقالت بابتسامة:
"صباح الخير."
رفعت السكرتيرة عينيها، ثم نظرت إلى ريحانة من أعلى إلى أسفل، وقالت ببرود:
"نعم؟"
أجابت ريحانة بهدوء:
"من فضلك، سليم بيه موجود؟"
رفعت السكرتيرة حاجبيها باستغراب:
"أيوة، موجود... إنتِ مين؟"
كادت ريحانة تقول:
"أنا ريحانة السو..."
لكنها تداركت نفسها سريعًا، ثم أكملت:
"أنا ريحانة، وعندي مقابلة مع سليم بيه."
أومأت السكرتيرة برأسها، ثم رفعت سماعة الهاتف الموجودة على مكتبها.
وبعد ثوانٍ جاءها الرد:
"نعم يا سهيلة؟"
قالت سهيلة، وهي ما زالت تنظر إلى ريحانة من أعلى إلى أسفل:
"سليم بيه، فيه بنت مستنيا حضرتك بره، وبتقول إن عندها معاد مع حضرتك."
عقد سليم حاجبيه باستغراب، وقال:
"بنت مين؟"
"اسمها ريحانة."
صمت لثوانٍ.
فهو لا يتذكر أنه أعطى موعدًا لأي فتاة، لكن الاسم جذب انتباهه، وأيقظ داخله شعورًا غريبًا لم يستطع تفسيره.
لذلك قال أخيرًا:
"تمام... دخليها."
أغلقت سهيلة الهاتف، ثم قالت بابتسامة متكلفة:
"اتفضلي... سليم بيه مستنيكي جوه."
رفعت ريحانة أحد حاجبيها بضيق، فهي لم تستلطف تلك الفتاة منذ اللحظة الأولى، ثم تمتمت بصوت منخفض:
"مالها دي؟"
وما إن همّت بالدخول إلى المكتب، حتى صدح هاتفها بالرنين.
نفخت بضيق، واتجهت إلى أحد أركان الطرقة لتجيب على المكالمة.
أما في الداخل...
فقد بدأ سليم يستغرب تأخرها في الدخول.
مد يده نحو سماعة الهاتف ليطلب سهيلة، لكنه اصطدم دون قصد بفنجان القهوة الموضوع على المكتب، فانسكبت منه بعض القطرات على بنطال بدلته.
نفخ بضيق، ثم توجه إلى الحمام الملحق بالمكتب لتنظيف البقعة.وفي الوقت نفسه، كانت ريحانة قد أنهت مكالمتها مع إحدى زميلاتها بالجامعة. طرقت الباب بهدوء، ثم دلفت إلى الداخل.
في البداية، استغربت خلو المكتب، لكن دهشتها لم تدم طويلًا، إذ انشغلت بتأمل المكان.
كان المكتب أشبه بجناح داخل أحد الفنادق الفاخرة؛ امتزج فيه اللون الرصاصي المخملي مع الأبيض في تناغم أنيق، وتوسطته سجادة كبيرة تناسب تصميم الغرفة، بينما احتل أحد الأركان أريكة جلدية واسعة باللون الأزرق.
لكن أكثر ما لفت انتباهها كان المكتبة.
كانت عبارة عن مكتبة خشبية كبيرة تتصدر نهاية الغرفة، تضم مئات الكتب المتخصصة في إدارة الأعمال والتجارة والاقتصاد.
دون وعي، مدت يدها وسحبت أحد الكتب ذي الغلاف المميز، ثم بدأت تقلب صفحاته باهتمام.
لم تشعر بذلك الواقف خلفها، الذي كان يراقبها بعيني صقر.لم يرَ ملامحها، لأنها كانت تعطيه ظهرها، لكن ما لفت انتباهه شعرها الأسود الطويل الذي تجاوز خصرها، رغم أنها رفعته على هيئة ذيل حصان.
همس دون وعي:
"روبانزل."
شعرت بحركة خلفها، فالتفتت بسرعة.لتجد أمامها شابًا في بداية الثلاثينيات، يتمتع بوسامة لافتة، وملامح حادة، يرتدي قميصًا أبيض أبرز اتساع كتفيه وصدره، مع بنطال كحلي أنيق.
اتسعت عيناها بصدمة.ولسبب لا تعلمه، كانت تتوقع أن يكون ابن صديق والدها رجلًا في منتصف الأربعينيات على الأقل، متزوجًا ولديه أطفال... لا أن يكون ذلك الشاب.
قطع صمتها بسؤاله:
"إنتِ مين؟"
تلعثمت قليلًا، ثم أجابت:
"أنا... أنا ريحانة."
وأكملت، وهي تحرك يديها بعفوية كعادتها كلما توترت:
"أنا فكرت إن بابا قال لوالدك إني جاية... بس يا ريت محدش هنا يعرف إن بابا له حصة في الشركة. أنا بنت أدهم السويسي... أنا ريحانة السويسي .........
#رواية_أسميتها_ريحانة
#الجزء_الثاني_من_رواية_عشقت_محتالة
#الكاتبة_سلمى_جاد
ان شاءلله التنزيل هيكون تلات أيام في الأسبوع وهم .. سبت وتلات وخميس طبعا فيه أيام ممكن أنزل بارتين ورا بعض لكن دول الأساسين وبس كده دمتم سالمين أحبابي وأشوفكم على خير البارت القادم
Salma Gad🍉
متنسوش تعملولولي فولو في الأكونت الشخصي بتاعي ↖️↖️


تعليقات
إرسال تعليق