القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية صراع الحب والوهم الفصل الاول والثاني والثالث والرابع بقلم الكاتبه شروق مصطفى حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج

 رواية صراع الحب والوهم الفصل الاول والثاني والثالث والرابع بقلم الكاتبه شروق مصطفى حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 



رواية صراع الحب والوهم الفصل الاول والثاني والثالث والرابع بقلم الكاتبه شروق مصطفى حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 


فتاة هشّة مات سندُها في الحياة، حاولت الأم أن تعوّضها عن السند بسندٍ آخر، لكنّه خذلها وظنّ فيها السوء، وفقدت الثقة.

حيث البنت من دون الأب يُكشف ظهرها وتكون عُرضة للكسر، حتى تجد رجلًا بحق يكون زوجًا آخر لمواجهة تلك الحياة.

لكن ماذا إن وجدت الخذلان؟ وهذا ما ستعرفونه من خلال هذه الرواية…


وُلِدت في مدينة الإسكندرية عاشقةً للبحر تُلتقي به لتشكو ما يجيش بصدرها من هموم وآلام، لتعود منه شخصًا جديدًا خاليًا من الوجع، حتى لو كان من أقرب الناس لها.


عانت كثيرًا لفقدانها والدَها؛ كان الأقرب إليها من أخيها، فهو صديقها قبل أن يكون أبيها، حبيبها وأيضًا سندها في هذه الحياة. كل شيء في حياتها تأثّر كثيرًا بعد وفاته، لم تُصدّق بعدُ حقيقةَ فراقه وأنها لن تراه مرة أخرى.


والدتها تبلغ من العمر خمسًا وأربعين عامًا، امرأة تُقدّس الحياة الزوجية وتكوين أسرة ومعنى العائلة. لديها ابن وحيد متزوج ولديه طفل، لكنه يعمل بالخارج.


مايا تبلغ من العمر اثنتين وعشرين عامًا، حاصلة على بكالوريوس تجارة. عملت فترة بسيطة، لكنها توقفت فجأة. بريئة وبسيطة جدًا، لا تحتاج لأدوات تجميل، ولديها صديقة وحيدة مقرّبة إليها.


أغلقت على حالها وتعرّضت لاكتئاب شديد، رافضة الاعتراف بوفاة والدها. تتحدث معه كأنها تراه، لم تقتنع بعدُ بحقيقة فقدانه إلى الأبد، وأنها لن تراه مرة أخرى.


فكّرت الأم، محاولةً منها التخفيف عنها، في الذهاب إلى أكثر مكان تعشقه؛ لعلّ أعصابها تهدأ قليلًا لِهُدوئه. فقاما بتجهيز أنفسهما للذهاب إلى الشاليه الخاص بهم أمام البحر حتى يتغيّر حالها للأفضل.


لكنها ظلّت على حالها؛ تجلس وحيدة تسترجع ذكرياتهم سويًا، تُقلب صورهم سواء على الهاتف أو ألبوم الصور. دائمًا في حالة شرود تام، ولا تنتبه لما حولها إلا عندما لفتت نظرها والدتها. هزلت كثيرًا، وتأكل ما يُبقيها فقط حيّة.


لم تستطع مديحة تحمّل هذا الحال، فانفجرت بالكلمات، غير قادرة على كتم حزنها:


ـ يا بنتي حرام عليكي اللي انتي فيه ده! انتي عاملة كده؟ أمال أنا أعمل إيه؟ أنا ماسكة نفسي عشانك والله!

أنا فيّا اللي مكفيني برده، ده كان حب طفولتي وكبرنا سوا، ووقفنا جنب بعض لحد ما قدرنا نتجوز.

ده عمر يا بنتي! عمر! مش بسهولة دي!

حرام عليكي بقى! وأنا اللي فكراكي هتوقفي جنبي وتقوّيني! ما أخوكي نزل وعمل العزا ورجع تاني لحياته هناك، وأنا مليش غيرك دلوقتي.


ثم قالت بنبرة يائسة محاولة دفع ابنتها للواقع: – طيب حتى انزلي دوري على شغل تاني، اشغلي نفسك شوية، فوقي من حالة التوهان دي.


ردّت مايا بصوت خافت، هامسة وكأنها تُجبر نفسها على النطق: – حاضر يا ماما، هحاول والله، أنا بس مش قادرة أستوعب اللي حصل، فجأة كده، كأنه حلم ولسه بحاول أفوق منه.

أنا مخنوقة أوي بجد، محتاجة فترة مع نفسي، وبإذن الله هرجع تاني، متقلقيش بجد.


صمتت قليلًا، ثم قالت على مضض: – ممكن أنزل أتمشى شوية على البحر؟ محتاجة أغيّر جو، أشم شوية هوا.


نظرت إليها مديحة بتردد ظاهر، وقلق يتسلل إلى ملامحها: – طيب أجي معاكي؟ شكلك دايخة، لتقعي من طولك وانتي ماشية.


ربّتت مايا على كتف والدتها محاولة طمأنتها: – متخافيش، أنا كويسة. بس معلش يا ماما، أنا حابة أنزل لوحدي، بعد إذنك، مش هتأخر.


هزّت مديحة رأسها بالموافقة، مستسلمة: – طيب، خلي بالك من نفسك يا حبيبتي.


– حاضر، متقلقيش، قالتها مايا، ثم نهضت واستعدّت للخروج.


دعت الأم من قلبها وهي تتابعها بنظرات القلق: – يا رب تحميها... يا رب.


خرجت مايا تتنفس القليل من الهواء لعلّه يخفف عنها، تمشي بمحاذاة البحر الذي لطالما ألقت فيه همومها، تُحدّثه بصمت، وتغرق بين أمواجه بحثًا عن راحة لا تجدها إلا بين ذراعيه. وبما أن مكان سكنهم قريب من البحر، لم تكن تحتاج سوى خطوات قليلة لتصل إليه.


كانت في عالمها الخاص، تتذكره... والدها، وهو يُسابقهم نحو الشاطئ وهي طفلة، حين كان يصحبهم إلى البحر في عطلاتهم. تتذكر ضحكهم معًا حين كبرت، وذراعيه التي كانت تحتويها بكل ما فيها من حب وحنان.


لم تكن منتبهة للطريق، حتى وجدت نفسها في منتصفه، ف...


كان شاب يقود سيارته بسرعة، منشغلًا بمكالمة هاتفية، لم ينتبه لها إلا عندما اقتربت منه فجأة. ضغط على الفرامل بقوة، فأصدرت صوتًا عالياً، وأوقف السيارة على الفور. كاد أن يفتح الباب، لكنه رأها ت...


اعتدلت مايا بسرعة، مدركة أنها المخطئة، فاقتربت من نافذة السيارة المفتوحة، وقدّمت اعتذارها سريعًا: – آسفة، آسفة.

ثم ركضت مبتعدة، تترنح من الدوار.


أما هو، فكان شابًا يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا، مهندس مدني، يدير شركة والده ويؤسس شركته الخاصة. طموح، صارم، واثق بنفسه حد الغرور. عيناه حادتان كعيني صقر، وهو بالفعل صقر

رغم كثرة المعجبات، إلا أنه لا يلتفت إلى أي منهن، يكره التلاعب والكذب والخيانة، ورفض ارتباطًا سابقًا لذلك السبب. لديه صديق  مقرب الذي يكاد لا يفارقه، وهو عكسه تمامًا: مرِح، خفيف الظل، مرتبط بابنة خالته ويعشقها بجنون.


في ذلك اليوم، كان صقر في طريقه لموقع بناء جديد، بناءً على طلب والده. وبينما غيّر طريقه، تلقّى اتصالًا من حمزة:


– أيوه يا بني، انت فين؟

– أنا لسه واصل الحي، انت اللي فين؟

– أنا في الطريق، رايح أشوف الموقع الجديد، العمال شغالين في الحفر، عايز أطمن وصلوا لإيه.

– تمام، أنا هخلص شوية تصاريح كده وجايلك.

– يلا، طيب، إنجز وحصّلني. هنقعد كم يوم لحد ما يخلصوا حفـ... أوبس!


ضغط صقر على الفرامل بقوة، وأصدرت السيارة صوتًا حادًا، كاد أن يصطدم بها، فتأفف بغيظ: – استغفر الله العظيم! هو يوم باين من أوله... 


حمزة، الذي سمع صوت الفرامل من الهاتف، سأله بقلق: – في إيه يا صقر؟ مالك؟ إيه الصوت ده؟ بتقول اية يا بني؟


رد صقر بغضب، ينفث أنفاسه الثقيلة: – أما أنزل أشوف الغبية دي كمان.


– طب اهدى كده، قالها حمزة محاولًا تهدئته.


هدر صقر في وجهه: – يلا غور انت دلوقتي!

ثم ألقى بالهاتف إلى جانبه وأوشك أن يخرج من السيارة ليوبّخها، لكن...


كانت مايا قد ابتعدت، رغم ألم في رأسها ودوخة ألمّت بها، نتيجة اصطدامها بالسيارة وتعبها العام بسبب قلة الأكل. حاولت أن تسند نفسها، وواصلت سيرها حتى وصلت إلى ماركت قريب، حيث لاحظها أحد العاملين هناك، فأسرع بجلب مقعد لها.


جلست مايا، تمسك رأسها، غير قادرة على رفعه. قدّم لها العامل مشروبًا مغلفًا، شكرته بأدب، تناولت القليل منه، ثم تفاجأت بـ...


صقر، الذي كان قد راقب الموقف من بعيد، لاحظ أن الفتاة بالفعل متعبة، وأنها لم تكن تدّعي. ركن سيارته مجددًا، وتوجه نحوها ليطمئن عليها.


وقف أمامها، وهمّ بالكلام، لكنها سبقته بصوت ضعيف: – أنا... أنا آسفة بجد، كنت ماشية سرحانة، ومخدتش بالي، آسفة.


ولم تمنحه فرصة للرد، إذ دخلت سريعًا إلى الماركت لدفع ثمن المشروب. لكنه سبقها، وأصر هو على الدفع.


لم تنظر اليه  لأنها أخرجت النقود، وضعتها في يده قائلة بسرعة قبل أن تغادر من أمامه: – شكراً... مش بقبل عوض.


الفصل الثاني والثالث صراع الحب والوهم بقلم شروق مصطفى

لم تنظر اليه  لأنها أخرجت النقود، وضعتها في يده قائلة بسرعة قبل أن تغادر من أمامه:

 – شكراً... مش بقبل عوض.

 

  توجهت نحو البحر، وجلست على أحد المقاعد المقابلة له. كانت تشكو إلى الموج كأنها تبوح له بهمومها، وتخرج من أعماقها اختناقًا. 


بدأت تسترجع حياتها في أيامها مع والدها، وتستحضر ذكرياتهم الجميلة معًا. كانت ابنته وصديقته، وكل شيء له في الحياة.


أمسكت بهاتفها، تقلب بين صورهما، تبتسم وتدمع في اللحظة نفسها. شعرت بالتعب من أثر الحادثة، فنهضت عائدة إلى المنزل.


مديحة بقلق:

مالك؟ وشّك مخطوف كده ليه وأصفر كمان إنتي كويسة؟


مايا، محاولة أن تبدو طبيعية:

أنا كويسة والله، عادي... مفيش حاجة، شوية إرهاق بس.


مديحة:

طيب، يلا... جهزتلك الأكل، تعالي ناكل سوا.


مايا برفض:

لأ، مش قادرة والله آكل، هدخل أنام، ولما أصحى هاكل... سيبيني براحتي.


نظرت مديحة إلى حال ابنتها بقلة حيلة، وقالت في نفسها:

كل يوم كده يا بنتي الصبر يا رب من عندك...


دخلت مايا إلى غرفتها، وكعادتها، غرقت في ذكرياتها. تحلم بوالدها وتنام كثيرًا.


---


في الشاليه، عاد صقر ليجد حمزة جالسًا ويتناول الطعام حتى قبل أن يأتي صديقه هتف مازحًا:

تعالي تعالي، حماتك بتحبك! أنا جبتلنا أكل، لاقيتك اتأخرت، قولت أستناك برده.


رفع صقر حاجبه ساخرًا:

لا، واضح أوي إنك استنتني!


ضحك حمزة وهو يرد بمرح:

يعني على خفيف كده... المهم، إيه اللي حصل؟ وأنا بكلمك اتعصبت كده ليه؟ حد حصل له حاجة؟ مش تركز وانت بتسوق يا عم!


صقر:

أنا مركز، هما اللي بيستعبطوا... بس بسيطة، المرة دي متقلقش.


أنهيا طعامهما، ثم نهض حمزة قائلًا:

طب يلا بينا على الموقع.


ذهبا إلى موقع العمل، واطمأنا على العمال، ونفّذا الخطط والتصاميم المطلوبة، ثم عادا إلى الشاليه ليرتاحا ويناما.


وقبل أن يغفو صقر، راجع في ذهنه ما حدث صباحًا. تذكر ارتباكها وخجلها، واعتزازها بنفسها حين رفضت أخذ المال منه. هزّ رأسه ونفض تلك الأفكار قائلًا في نفسه:

كلهم بيبقوا كده في الأول، وبنتخدع في الآخر.

ثم غفا أخيرًا.


---

أما مايا، فقد استيقظت من نومها تبحث عن الطعام، جلست تأكل حتى شبعت، ثم أعدّت مشروبها المفضل نسكافيه، وجلست في الشرفة.


دخلت والدتها وجلست بجوارها، تحاول التهوين عليها، وأيضًا لتوقظها من صدمتها.


مديحة:

وبعدين يعني... إمتى هتفوقي من اللي إنتي فيه ده؟ حتى شغلك بعد ما دوختي عقبال ما لاقيتيه، سبتيه فجأة! يا بنتي أنا عاوزة أطمن عليكي قبل ما أموت. فوقي بقى لحياتك... يعني انتي شايفاني أنا مبسوطة بحالك ده؟ أنا لو حصلي حاجة هتعملي إيه لوحدك؟ لازم تسندي على حاجة. انزلي دوري على شغل، لحد ما ييجي ابن الحلال اللي يطمني عليكي، ساعتها أحس إن ليكي ضهر يحميكي ويخاف عليكي.


مايا:بعد الشر عليكي يا حبيبتي، مقدرش أعيش من غيرك. مش فاضلي في الدنيا دي غيرك إنتي. أنا عايشة بيكي إنتي يا ماما... متقوليش كده تاني، لو سمحتي.


أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته وهي تشعر باختناق:

أنا نفسيتي تعبانة أوي. عارفة الأمان اللي كنت حاسة بيه معاه؟ أي حد يتعرض لي أو يكلمني نص كلمة، كان هو يوقف له ويجيب لي حقي. هو سندي وضهري... أنا بخاف أنزل وأمشي لوحدي، ضهري اتكشف. أنا حاسة إني انكسرت أوي يا ماما... بس أنا محتاجة شوية وقت بس، وهحاول والله أرجع لحياتي تاني، واحدة واحدة... محتاجة شوية وقت بس.


أفرغت ما في قلبها، بينما كانت والدتها تحاول تهدئتها. ثم استأذنت لتدخل غرفتها، وأحضرت هاتفها، وكان عليه بعض تسجيلات صوتية بصوت والدها، فاستمعت إليه، وابتسمت، ثم غفت لتحلم به.


---


استيقظت صباحًا، تحدثت قليلًا مع والدتها، ثم استأذنت للنزول في نزهة على شاطئ البحر. سارت قليلًا، ثم جلست في نفس المكان الذي اعتادت الجلوس فيه.


أخرجت المسجّل الصوتي، وبدأت تستمع إليه، ثم تحدثت إلى والدها كأنّه يجيبها، كأن الحوار بينهما حيّ. كانت مندمجة في الحديث، ودمعت عيناها حين بدأت تحكي له عن ضغوطها، وأنها لم تعد قادرة على استعادة حياتها من جديد.


لم تستوعب بعد أنها فقدته، وأنها لن تراه مرة أخرى...


وكل هذا، ولم تنتبه لمن كان يراقبها من بعيد.


والدها، بصوته المسجل:

انتي فين يا حبيبتي؟ اتأخرتي ليه كده؟


مايا، بابتسامة باهتة وكأنها ترد عليه من أعماق قلبها:

أنا قربت أخلص، هتصل بيك وأتابع معاك وأنا في الطريق، متقلقش. هخلص بس وأكلمك لما أركب.


والدها، في نهاية التسجيل:

ماشي يا حبيبتي، ع مهلك... لا إله إلا الله.


مايا: محمد رسول الله.


انتهى التسجيل، لكن حديث مايا لم ينتهِ. ظلّت تمسك بهاتفها، كأن والدها ما زال على الطرف الآخر، تكلمه من قلبها، بشوق متراكم وألم دفين.


مايا، بصوت مخنوق بالدموع:

إنت فين يا حبيبي؟ إنت واحشتني أوي... واحشني حضنك أوي. نفسي أشوفك، ولو مرة واحدة... لكن إنت سبتني ومشيت، وأخدت كل حاجة حلوة معاك.

أنا مضغوطة أوي في البيت... محتجاك جنبي. نفسي ترجعلي ولو مرة واحدة أحضنك بس، وأنام في حضنك زي زمان... بحبك.


بح صوتها من كثرة البكاء، ثم همست:

هكلمك تاني يا حبيبي... مع السلامة.


أغلقت الهاتف، وانفجرت في بكاءٍ صامتٍ مؤلم، ثم وقفت وتمشّت قليلًا، محاولة أن تهدأ، قبل أن تغادر المكان.


 عند صقر قاد سيارته دون أن يخطط للذهاب الى اين، ليجد نفسه يسير باتجاه نفس المكان الذي رآها فيه سابقًا. لم يكن يدرك سبب ذهابه، لكنه وجدها هناك، تجلس بنفس الوضعية، وتواجه البحر، ظهرها له.


اقترب منها، وكاد أن يناديها ليعتذر عن تصرفه وقت الحادثة، لكن فجأة، سمعها تتحدث... توقّف ليستمع. كانت تردد نفس الكلمات التي قالَتها قبل قليل، بصوتٍ منهارٍ، دون أن تعلم أن أحدًا يراقبها.


تجمّد مكانه، تفاجأ من فحوى كلامها، وشعر بوخزة في قلبه. تراجع خطوتين للخلف، انسحب بهدوء، دون أن يشعرها بوجوده.


ركب سيارته وهو بحالة عجيبة،  يضغط على مقود السيارة بقوة، لم يفهم ما الذي يدور بداخله، ولا لماذا قادته قدماه إلى مكانها.


صقر حدث نفسه: 

أكيد بتتكلم مع جوزها... أو حبيبها يعني... أو خطيبها! أنا زعلان ليه! 


ثم ذهب إلى موقع العمل، راجع العمال، واطمأن على سير التنفيذ، ثم عاد إلى البيت.


أما مايا، عادت الى المنزل و نامت وهي مبتسمة، شاعرة ببعض الراحة، بعدما أفرغت جزءًا من ألمها. كانت في حاجة ماسّة إلى مَن يسمعها، تفضفض له. هي بطبعها كتومة، ولا أحد يستطيع أن يُخرج ما بداخلها بسهولة.


عاد صقر إلى منزله، يشعر بضيقٍ شديد، لم يكن قادرًا على تفسير حالته أو فهم سبب انزعاجه المتصاعد. لم يمضِ وقت طويل حتى حضر صديقه حمزة وجلس إلى جواره، يلاحظ بوضوح تغير حاله.


حمزة، بقلق:

مالك يا صاحبي؟ حالك مش عاجبني... في إيه؟ احكيلي.


صقر، وهو يتنهد:

أقولك إيه بس؟ أنا نفسي مش فاهم حاجة خالص.


حمزة:

طب احكي... يمكن أقدر أساعدك.


بدأ صقر يحكي له تفاصيل ما حدث، بدايةً من الحادثة، وصورتها التي لم تغب عن تفكيره منذ ذلك اليوم، وكيف أنه تواصل مع أسامة ليعرف أخبارها، وما سمعه لاحقًا من حديثها جعله في صدمة.


صقر، بصدق واضح:

بس يا سيدي، ودي كل حاجة... إنت عارفني، أنا مليش في اللف والدوران، وفاهم حركات البنات اللي مش تمام وطريقتهم، بس دي... مختلفة في كل حاجة.

أنا رحت عشان أتكلم وأعتذر لها، وقلت أفتح أي كلام معاها، لكن صدمتني بكلامها... ورجعت عن اللي كنت بفكر فيه.


حمزة:

خلاص، يبقى أكيد كانت بتكلم جوزها أو خطيبها... ملكش نصيب معاها يا صاحبي.


صقر، بدهشة وصوت منخفض:

أنا مستغرب من نفسي! أول مرة أنجذب لحد بالشكل ده... وأتضايق أوي بالطريقة دي.

مش عارف... حاجة ملغبطة.


حمزة:

 أسامة هيعرف أخبارها؟ بس كده، هو هيجبلك قرارها.


صقر:

عموماً، بكرة هعرف من أسامة كل حاجة عنها... يلا، أنا هروح الجيم شوية. تيجي معايا؟ ولا هتقضيها نوم؟


حمزة، بمرح:

لأ، نوم إيه! يلا بينا... أنا بحب أحتفظ بلياقتي يا عم.


صقر، ضاحكًا وهو يربت على بطن حمزة:

لا، واضح... لياقة لياقة!


ذهبا إلى الجيم، وبدأ صقر في تمارينه وكأنه يفرغ غضبه كله على الأجهزة. أنهيا التمارين، وأخذا حمّامًا سريعًا، ثم دخل كلٌ منهما إلى غرفته. البعض نام مباشرة، والآخر ظل يفكر فيما هو قادم.


صباح اليوم التالي...استيقظت مايا، وكررت يومها المعتاد. جلست قليلاً مع والدتها، ثم أخذت هاتفها وخرجت إلى نفس المكان المقابل للبحر. أحبت هذا الطقس، فقد وجدت فيه مساحة للتنفيس والراحة النفسية.

بقلم شروق مصطفى

وكعادتها، فتحت هاتفها وبدأت تسجل له رسالة صوتية، تشاركه فيها تفاصيل يومها، كأنه ما زال معها.


مايا، بصوت دافئ مغموس بالشوق:

صباح الفل يا حبيبي... أنا حبيت أقولك إني هدور على شغل تاني وأبدأ من الأول وجديد.

مش ناسية... إنت في قلبي، بس مش عاوزة ماما تزعل مني. مليش غيرها دلوقتي...

عارف؟ إنت واحشتني أوي أوي.


أنهت الرسالة، وأغلقت الهاتف، وجلست تحدق في البحر، تفكر في كيف ستبدأ من جديد، إلى أن...


عند صقر.. كان في موقع العمل منذ الصباح الباكر. تلقى اتصالاً من أحد العمال يخبره بمشكلة في الحفر، فتوجّه فورًا إلى هناك، وحلّ المشكلة بنفسه. جلس قليلاً، يستعيد أنفاسه، ثم رنّ هاتفه، وكانت المفاجأة.


أسامة، على الهاتف:

أيوه يا باشا، عرفتلك كل حاجة عنها... أنا كمان جنبك جاي لك


صقر: ها اتكلم، عرفت إيه! 


أسامة:

دي بنت اتخرجت من تجارة، واشتغلت في مكتب ثلاث شهور، وسابت الشغل يوم ما والدها توفّى.

أخوها مسافر بره مصر مش بينزل خالص، وعايشة مع مامتها.


صقر، متوترًا:

مش متجوزة؟


أسامة، مؤكدًا:

"لأ يا باشا، عايشة مع مامتها، بقولك.

وبيقعدوا هنا من فترة... أنا حتى لسه شايفها دلوقتي قاعدة بتتكلم في التليفون، وأنا بكلمك.


صقر، بنبرة أمر:

وعاوزك تفضل مراقبها كده... زي ظلها.

اعرف تحركاتها، وكلمني على طول.


أسامة:

تمام، يا باشا.


صقر:

سلام... إنت دلوقتي.


بعد أن سمع صقر حديث أسامة، شعر لأول مرة بالراحة، وابتسامة خفيفة ظهرت على وجهه، فقد اطمأن أنها لا متزوجة ولا مرتبطة. لكن تلك الطمأنينة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اشتعل الغضب داخله من جديد، تذكر كلماتها التي سمعها في المكالمة...


صقر، غاضبًا في نفسه:

أمال مين اللي كانت بتقوله واحشني حضنك ونفسي أنام في حضنك؟! ترجعله؟! حتى إنتي يا ملاك... طلعتي زيهم كلهم! في الأول ملاك، ولا باين عليكي.

أنا إزاي اتخدعت فيكي؟! وكل يوم بتكلميه؟! أكيد طبعًا خد اللي عاوزه منك ورماكي! وبتقولي له نفسي أرجع لحضنك تاني؟!

كور قبضته بعنف حتى برزت عروقه: 

وملهاش كبير طبعًا، تعمل اللي هي عاوزاه! لاااااه... وعاوزاه يحضنها كمان؟!

أنا بقى اللي هربيكي... طالما مفيش حد بيعرف يربيكي أو يلمك، أنا اللي هعلمك الأدب من أول وجديد!

أنا لازم أتكلم معاها.


تحرك صقر على الفور متجهًا إلى نفس المكان الذي كانت تتردد عليه.


عند مايا...

كانت واقفة أمام البحر، تحاول أن ترتب أفكارها، تفكر في حياتها القادمة، وتقرر من أين تبدأ. أرادت أن تبحث عن عمل جديد، حياتها كلها كانت محدودة بين البيت والعمل وصديقتها المقربة. لا تجارب حقيقية، لا صداقات عميقة، ولا علاقات... قلبها كان مغلقًا تمامًا، لم تسمح لأحد أن يدخله، ولم تكن لتخون ثقة والدها ووالدتها بها.


تنهدت ودعت بصوت خافت:

يارب قويني... يارب اقف جانبي، مش عارفة أبدأ منين.


أمسكت بهاتفها، ظلت تتصفحه بصمت، حتى فوجئت بصوتٍ يقترب منها:


صقر:

مساء الخير... عاملة إيه دلوقتي؟ أنا آسف على اللي حصل، وملحقتش أعتذر يومها.


كانت مركزة في هاتفها ولم تنتبه للصوت، لكن حين تذكّرته، رفعت عينيها وقالت:


مايا:

الحمد لله... أحسن مفيش مشكلة، حصل خير.


ثم أضافت: بعد إذنك.


وقامت من مكانها محاولة الابتعاد، لكنه لحق بها.


صقر:

ممكن بس ثواني؟ حابب أتكلم معاكي في موضوع... ممكن؟ مش هأخرك.


مايا،متنهدة:

اتفضل.


صقر بتوتر:

الصراحة... أنا معجب بيكي، وعاوز أتعرف بيكي و...


قاطعته فورًا، كانت لهجته ووجهته في الحديث واضحة بالنسبة لها، ولم تكن في حالة تسمح لها بالدخول في تلك الأحاديث.


مايا، بحدة ناعمة:

آسفة، مضطرة أمشي.


وغادرت على الفور، تاركةً إياه واقفًا في مكانه.


هي بالفعل لم تكن مستعدة لأي نوع من الكلام، لم تتعافَ بعد، وحتى لو تعافت، لن تقبل بأي ارتباط بسهولة. قلبها لا يزال مغلقًا بإحكام.


صقر، وهمس لنفسه بغيظ:

أكيد لسه بتحبه... ماشي يا مايا، براحتك، أنا عارف هعمل إيه... أنا اللي هربيكي برده.


ورحل، يحمل في رأسه فكرة ناوي على تنفيذها.


عند مايا..عادت إلى البيت، وجلست بجوار والدتها قليلًا، تحاول التحدث معها، لكن لم تكن قادرة. كانت مرهقة نفسيًا، طاقتها مستنزفة، وقلبها مكسور.


مايا:

ماما بعد ما نرجع من هنا، هدور على شغل تاني... وهكلم صاحبتي تشوفلي باباها يمكن يرجعني الشغل، أو يدورلي على مكان جديد أبدأ فيه من أول وجديد.


مديحة، مبتسمة وداعية:

بجد يا مايا؟ يارب يحققلك اللي بتتمنيه يا بنتي، وأفرح بيكي يارب، وأشوفك أحلى عروسة كمان!


مايا، بابتسامة خفيفة:

مش أوي كده يا ماما...أنا عاوزة أرجع لنفسي الأول، أستعيد نفسي، بعدين نشوف الكلام ده... مش بفكر فيه نهائي دلوقتي.


مديحة، بتأثر:

بس يا بِت، أنا نفسي أفرح بيكي وأشوفك عروسة وأفرح بيكي، وتلاقي السند اللي يسندك في حياتك ويكون أمانك...

كل بنت لما تتجوز، بيبقى جوزها أمانها وسندها... وأنا مش هاطمن غير وأنا بسلمك لسندك بإيدي، وأطمن عليكي.


مايا، والدموع تملأ عينيها:

بس أنا سندي مات... مفيش سند بعد بابا. ربنا يرحمك يا بابا.


مديحة، متأثرة بكلماتها:

إيه اللي بتقوليه ده يا بنتي؟

الواحدة لما بتتجوز، بتكون عيلتها، وجوزها بيبقى هو السند والأمان والاستقرار.

وتجيبي أولاد، وتكوني أسرة جميلة.

يارب يعوضك بزوج حنين، ويكون لكِ سندك وضهرك يا مايا يا بنتي، يارب.

أنا عارفة إنك كنتي متعلقة بأبوك أكتر واحدة... بس هو راح لمكان أحسن وأحن مننا.

ادعي له، وهو هيكون مبسوط بدعائك... ادعي له يا بنتي كتير.


مايا، بهدوء:

حاضر يا ماما، بدعيله والله.


ساد الصمت قليلًا، وجلستا تتابعان التلفاز، ثم حاولت مايا تغيير الموضوع، فابتسمت وقالت بمزاح:


مايا:

المسلسل بتاعك جا ولا لسه؟ أبو ٨٠٠ حلقة ده؟


مديحة، تضحك:

يا بت ده ٨٨ حلقة، وشكلها الأخيرة كمان أهو.


مايا:

بجد؟ دي بقالها ٣ سنين شغالة!

أنا بكره الهندي، بيقعدوا يصوروا ساعة بالتمثيل البطيء وهما واقفين.


رفعت مديحة حاجبها الأعلى وعلّقت بحدة مصطنعة:


مديحة:

امشي يا بت من هنا!


مايا، وهي تضحك: خلاص، ماشية أهو!


عند صقر...


عاد صقر إلى البيت وهو يفكر، يدور في ذهنه مزيج من المشاعر والخطط. جلس يكلم نفسه، وكأن صوته الداخلي لم يتوقف:

أنا مالي؟ ما تحب ولا يضحك عليها... أنا مالي؟

ليه معلقة معايا كده؟ ماتغور في داهية زي غيرها!

ركز في شغلك... هي متستاهلش.

مش عارف... كل ما أبعد وانشغل، ترجع في بالي تاني!

أنا هنفذ اللي في دماغي... واللي يحصل يحصل.

ماشي يا اللي مطيرة النوم من عيني... والله لأربيكي من أول وجديد!


الفصل الثالث


في صباح اليوم التالي،

استعد صقر للقاء، وبعد أن تواصل مع أسامة، علم أن مايا قد خرجت وكالعادة موجودة في مكانها المعتاد.

قرر صقر أن يتجه مباشرة إلى بيت والدتها.


مديحة بصوت عالٍ من الداخل:

"ةما انتي معاكي المفتاح بتخبطي ليه؟ ها نسيتي إيه. إيه ده أنت مين؟


صقر، وهو يتحدث من خلف الباب:

أحم، آسف على الإزعاج... وعلى إني جيت من غير ميعاد، بس كنت حابب أتكلم مع حضرتك بخصوص مايا.


مديحة وقد بدا عليها القلق:

مايا خير! في إيه؟ بنتي دي لسه نازلة... حصل لها حاجة؟


صقر حاول طمأنتها:

متقلقيش، أنا جاي في خير إن شاء الله... أنا جاي أطلب إيدها من حضرتك.


مديحة:  طيب تعالَ يا ابني، اتفضل... أنا اتخضيت، فكرت فيها حاجة! اتفضل، أهلاً بيك يا ابني.


دخَل صقر وجلس، وقدّمت له مديحة مشروبًا، ثم بدأ يتحدث بهدوء وصدق.


صقر:

الحقيقة، أنا شفت بنت حضرتك، ومعجب بيها جدًا... وحاولت أتكلم معاها، بس هي رفضت. وده اللي خلاني آجي على طول... طبعًا بعد ما سألت عنكم.


سكت لحظة، ثم أكمل:

أنا حابب أتكلم عن نفسي شوية...

أنا مهندس، وبشتغل مع والدي وبساعده في شركاته، ودلوقتي بأسس شركتي الخاصة.

والحمد لله، عندي شقتي، جاهزة بالكامل ماعدا التشطيبات الأخيرة، سايبها عشان أختارها مع عروستي.

أنا وحيد، ماعنديش إخوات، وكنت خاطب قبل كده، بس ماحصلش نصيب.

وأكيد هيكون في فترة تعارف بينا قبل أي خطوة.


مديحة أُعجبت به، وارتاحت داخليًا من أسلوبه وكلامه، ورغبت في سعادة ابنتها.


مديحة:

والله يا ابني الرأي الأول والأخير لمايا.

أنا هكلم أخوها، وبصراحة، مش هلاقي أحسن منك، بس ادينا شوية وقت وهرد عليك.

 

وأنا هسيبلكم كل حاجة تسألوا عني... 

أتفضلي، ده الكارت عليه كل أرقامي... وده عنوان 

وهاكلم حضرتك قريب إن شاء الله عشان آجي أنا والعيلة نتعارف.


أخذوا أرقام بعض، وأخذ هو رقم أخيها ليكلمه لاحقًا.


مديحة:

مع السلامة يا ابني... ربنا يقدم اللي فيه الخير.


خرج صقر من البيت، واتجه إلى مكان مايا، ألقى عليها نظرة من بعيد، فوجدها جالسة تبكي، وقد أنهت مكالمتها  للتو.


نظر إليها نظرة قاسية، نظرة صقر غاضب:


لسه برضه بتجري وراه وبتعيطله عشان يرجعلها

هانت، هانت أوي... فاضلك خطوة واحدة بس.


شافها وهي تقوم وماشية، راح ناحيتها وشدها من إيديها وبيزعق:

إنتي إيه القرف اللي بتعمليه ده؟ كل يوم مرخصة نفسك كده ليه؟ فوقي بقى، مش هيرجعلك تاني إنتي مش بتفهمي!

وبيشاور لها على دماغها.


هي اتصدمت من موقفه وصاحت بوجهه، وأطاحت بيدها الأخرى على وجهه: أنت مجنون مين عطالك الحق تلمسني! 


تحدثت بغضب:

هو انت عشان رفضت أكلمك جاي تقول أي كلام وخلاص؟ ابعد عني أنت مش طبيعي أبدا. 


أمسك مكان  الضربه وتوعد لها:

وحياة القلم ده، لاردهولك أضعاف.

إنتي ماشفتيش حاجة لسه وهاندمك...

سابها ومشى.


هي مش مصدقة نفسها:

بيعمل ليه كده؟ ومرخصة نفسي في إيه؟ مش فاهمة حاجة، ده مجنون شكلُه.


ومشت، ورجعت البيت بتكلم نفسها

"ده مش طبيعي أبدًا. هو فيه كده؟ لا، رايحة منه خالص" 


سمعتها مديحة تتمتم:

مالك يا بنتي بتكلمي نفسك ليه؟ اتجنيتي ولا إيه؟


أنتبهت الاخرى لها:

ها؟ لا، ما تحطيش في بالك. أنا داخلة أنام.


مديحة:

طيب، في موضوع عاوزة أكلمك فيه تعالي. 

:

لما أصحى، لما أصحى. دخلت سريعا غرفتها وغفوت مباشرة تحلم بوالدها وهو بيقول لها:

تعالي ورايا ويشاور لها بابتسامة.


لسه هتروح وراه ومبسوطة إنها هتروح لباباها، لقت اللي بيشدها وبيبعدها عنه وهي تبكي:

سبني أروحله، سبني أروحله، مش عايزاك، سبني بقى أروحله يا بابا.


لقيت باباها مشي بعيد واختفى وهي من كتر العياط قامت تعيط: خير، اللهم اجعله خير.

وقامت توضأت، صلّت ركعتين، ثم خرجت وجلست مع مامتها.


مديحة: صحي النوم... كل ده عملت الأكل وجيت أصحيكي، لاقيتك رايحة في النوم خالص، مرضتيش أصحيكي.


مايا وهي بتتأوه:

"لنوم أحلى... أنا جعانة جدًا، فيه أكل؟


مديحة:

قومي سخني لك بقى وكلي، وعاوزاك في موضوع مهم.


مايا:

طيب يا ست الكل.


أكلت وعملت لهم شاي، وقعدت في الفرندة.


مايا:

ها يا ست الكل، الموضوع إيه بقى؟


مديحة:

في عريس جه النهاردة، بعد ما نزلتي على طول، وشكله كويس وابن ناس. شافك وأعجب بيكي وجاء يتقدملك قولتله هقولها وهكلم أخوها. إيه رأيك؟ أنا بقول ييجي ويتكلم معاكي، ويمكن يبقى فيه قبول.


كانت مايا تستمع لوالدتها، لكن ملامح وجهها كانت شاردة، وصوتها خرج بعد لحظة صمت، كأنها تحاول تجمع نفسها: 

اممممم... رأيي؟ ما أنا قولتلك قبل كده، أنا مش بفكر في الارتباط يا ماما دلوقتي، ومش مهيئة نفسي ليه. لسه عاوزة أرجع الشغل، أقف على رجلي، وأعيد ثقتي بنفسي من تاني. وبعد كده أفكر أرتبط. أنا من جوايا لسه حزينة، ومفوقتش... سيبيني على حريتي. قوليله مفيش نصيب وخلاص.


مديحة نظرت إليها بعينين تملؤهما مشاعر متداخلة، مزيج من الحب والقلق اقتربت منها وربتت على يدها، ثم قالت بنبرة أم تخشى أن يفوت الأوان:

يا بنتي، وفيها إيه؟ أنا نفسي أفرح بيكي النهارده قبل بكرة، ويكون ليكي ضهر، وأطمن عليكي. وبعدين الحي أبقى من الميت، والحزن في القلب. وهو أكيد هيفرحلك، وهيكون مرتاح أكتر في تربته. ما انتي شايفة أخوكي؟ متجوز وعايش مع عيلته وكمل حياته، ما وقفتش.

انتي كمان لازم تعيشي حياتك، وتطلعي من الحزن ده، وتخلي الفرحة تدخل بيتنا. نفسي أطمن عليكي.


تنهدت مايا بعمق:

مش عارفة يا ماما، بجد أنا حاسة إني مش مستعدة خالص للارتباط دلوقتي في حاجات كتير عاوزة أعملها، ومش مستعدة بجد. 


لكن مديحة لم تستسلم بسهولة. كانت كلماتها محمّلة بتجارب سنين، وبقلب أم ترى في زواج ابنتها استقرارًا لها وسندًا في الدنيا:

طيب جربي... مش يمكن يطلع كويس؟ وابن حلال؟ ليه نرفض من الأول؟

كلميه واعرفيه الأول واحكمي. وعلى الأقل ممكن يساعدك، ويقف جنبك، وتعملوا اللي انتي عاوزاه سوا بدل ما تكوني لوحدك.

زي ما عملت أنا وأبوك، كنا مع بعض في كل حاجة.


لكن مايا ظلت غير مقتنعة، وكل خلية في جسدها ترفض الفكرة، رغم نية أمها الطيبة:

سيبيني على حريتي يا ماما، حاسة إني مش مرتاحة بجد للموضوع ده أنا عاوزة أشتغل الأول، ويبقى ليا كياني المستقل، وأفكر بعد كده.

بلاش منه الموضوع ده، أنا مش عاوزاه بجد.

في دماغي حاجات عاوزة أنفذها الأول قبل الارتباط.


مديحة كأي أم، لم ترَ إلا مستقبل ابنتها من منظورها الشخصي، من خوفها ومن لهفتها أن تفرح بها. لكنها شعرت أن المزيد من الكلام لن يُجدي في تلك اللحظة، فاكتفت بإغلاق الحديث مؤقتًا، وفي داخلها ما زالت مقتنعة أنها تعرف ما هو الأصلح لمايا:


سيبيها على ربنا يا مايا.


في صباح اليوم التالي، مديحة اتصلت بابنها الكبير تسأله ماذا تفعل بشأن العريس الذي تقدّم لمايا، بينما مايا ترفضه من قبل أن تراه حتى.

أجابها ابنها بهدوء ومسؤولية:

هاتيلي بياناته... اسمه وعنوانه، وأنا هسأل عليه من أصحابي كويس.

أصحابي اللي في إسكندرية، لأن أنا مسافر بره مصر هعرف كل حاجة، وأكلمك أنا.


مرّ يومان بلا أحداث تُذكر.

مايا شعرت أن الموضوع انتهى، وارتاحت نسبيًا. بدأت تفكر في خطواتها القادمة، فاتصلت بصديقتها وطلبت منها أن تكلم والدها ليساعدها في إيجاد عمل مناسب كانت تنتظر المكالمة بفارغ الصبر. 


قررت أن تذهب إلى والدتها وتُخبرها أنها ترغب في العودة إلى منزلهم في وسط البلد، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها، تستعد فيها لما هو قادم.


مديحة من ناحيتها كانت قلقة من فكرة أن تبقى مايا وحدها، بابها مغلق دائمًا، لا أحد بجوارها، لا سند ولا ظهر. تخاف أن يحدث لها شيء ولا تجد من يساندها.

كانت تنتظر مكالمة ابنها لتطمئن، وتُحدد على أساسها خطوتها التالية. في رأسها، تخطط لجمع مايا والعريس معًا ليتقابلا ويتحدثا، على أمل أن يكون هناك قبول.


أما صقر، ففي هذين اليومين، كان قد تحدث مع والده ووالدته، وأخبرهما بأنه يرغب في الزواج، وأنه وجد فتاة مناسبة، ويريد أن يذهبا معه ليتقدم لها فرح والداه جدًا، فقد كانا يحلمان بهذا اليوم منذ زمن.


صقر صاحب شخصية قوية جدًا، جاد لأقصى درجة. والده يعتمد عليه اعتمادًا كليًا في العمل.

العمال يهابونه، والمهندسون يحسبون له ألف حساب.


وافق والداه على الفور، وسعدوا بالخبر سعادة غامرة، وبدأوا ينتظرون ميعاد المقابلة.


في بيت مديحة، تركت مايا على راحتها تمامًا، لم تسألها عمّا تفعل، لكنها تراقبها تذهب وتجيء، ترى أن عقلها مشغول بالتفكير.

فضلت أن تتركها دون ضغط، بينما تنتظر المكالمة المرتقبة من ابنها لتطمئن، ولترى ما ستفعله بعد ذلك.


رن هاتف مديحة، فأسرعت للرد.

كان ابنها على الخط، وصوته مليء بالشوق والمزاح المحبب:

أيوه يا ست الكل، عاملة إيه؟ والبت مايا عاملة إيه؟

وحشتوني أوي أوي...

حمزة بيسألني عليكوا، وبيسأل على يويو بتاعته دي...اللي هتبقى أحلى عروسة إن شاء الله قريب!


مديحة رفعت الموبايل على أذنها وهي مبتسمة، مجرد سماع صوت ابنها عماد يُشعرها بالأمان:


ميزو حبيب تيتة يا ناس! واحشني أوي بجد يا حبيبي. طمني... سألت أصحابك؟ قالوا لك إيه؟ طلع كويس؟


عماد بثقة:

ما شاء الله عليه، شاب كويس جدًا، ومرتاحين ماديًا كمان وعيلته معروفة جدًا في مجال المقاولات والبناء... الهواري جروب وابنهم مهندس يُعتمد عليه، الصراحة الكل بيشكر في أخلاقه وأدبه.

توكلوا على الله يا أمي، وخليه يكلمني لما يكلمك عشان نتفق معاه على شوية حاجات كده لو فيه قبول، لحد ما أنزلكوا إن شاء الله.


مديحة بفرحة ورضا:

والله كان قلبي حاسس إنه شاب كويس... وأختك الفقرية دي قال إيه؟ مش عاوزة، مش مهيئة نفسها، وبتاع!


عماد ضاحكًا:

دلع بنات بقى يا أمي.

يلا، هقفل عشان الشغل.


مديحة بدعاء نابع من القلب:

يا رب يجعلك في كل خطوة سلامة يا حبيبي. مع السلامة.


أغلقت الهاتف وهي تشعر بالراحة أخيرًا، وكأن حجرًا ثقيلًا زال من فوق صدرها.


الخطوة القادمة أصبحت واضحة: إقناع مايا.

كان عليها أن تبدأ بتليين قلب ابنتها، وتمهيد الطريق للقاء.


عند صقر: لم يهدأ له بال.

قرر أن المواجهة المباشرة أفضل، وأنه لا يجب أن يُفاجئ أهلها به وبعائلته دون تمهيد.

كان يريد أن يضع النقاط على الحروف معها أولًا، وأن يفهم موقفها الحقيقي دون وسطاء.

فرفع الهاتف واتصل بوالدتها و بصوت هادئ وواثق:

مساء الخير، مع حضرتك صقر الهواري... فكراني؟ أنا اللي جيت طلبت إيد بنتك.


مديحة بترحيب: 

أهلا يا حبيبي، فكراك طبعًا. عامل إيه؟


صقر:بخير، الحمد لله.

بعد إذنك طبعًا... كنت حابب أقعد أتكلم مع بنت حضرتك قبل ما بابا وماما يزوروا حضرتكوا.


مديحة:تنور يا بني في أي وقت... تعالى.


_ طيب بعد إذنك، ينفع أجي النهاردة؟


_ تنور يا بني، مستنياك.


صقر: تمام هكلمك قبل ما أجي.


مديحة: حاضر يا بني.


عند مايا كانت  قد اتخذت قرارها. أرادت أن تخبر والدتها برغبتها في مغادرة المكان، والعودة إلى بيتهم في وسط البلد، فقد طالت الإقامة في بشالية أكثر مما ينبغي.


لكن قبل أن تصارحها، أحبت أن تنزل تتمشى قليلًا على البحر، وكأنها تودّع المكان، ثم تشتري بعض الحاجيات الناقصة من السوبر ماركت.


:  مامتي حبيبتي، أنا نازلة أجيب شوية حاجات من الماركت تحت وجاية.


مديحة: طيب انزلي وتعالي بسرعة، ما تتأخريش.


الأم لم تُرد أن تخبرها بقدوم صقر، كانت تخشى من رد فعلها، ومن أن ترفض مقابلته من الأساس.

ربما إن تحدثا وجهًا لوجه، يحدث نوع من القبول.


مايا مازحة:

حاضر يا ست الكل... انتي.


نزلت مايا، وبعد دقائق معدودة، اتصل صقر بمديحة وأخبرها أنه في الطريق، ثم أغلق المكالمة.


مديحة همست لنفسها بتضيق

"يعني لازم يعني تنزلي دلوقتي تجيبي حاجات ده وقته" 


عند بدأت تتمشى على البحر أدخلت السماعات في أذنيها، وشغّلت أغاني حزينة للغاية.

كانت مندمجة تمامًا مع الموسيقى، تحرك شفايفها بصوت خافت وكأنها تغني، حتى إن المارة قد يظنون أنها تتحدث مع شخص.


استمرت في المشي دون وعي، وكأنها تهرب من الواقع بخطواتها، حتى شعرت باهتزاز هاتفها، فوجدت والدتها تتصل بها.


مديحة بحدة:

كل ده انتي فين؟ اتأخرتي كده ليه؟


مايا بتعجب:

إيه يا ماما مالك؟ أنا أول مرة أنزل... بتمشى شوية وهجيب حاجات وأنا راجعة.


مديحة بغضب واضح: 

طيب يلا تعالي بسرعة، في ناس هنا مستنينك.

ثم أغلقت الهاتف قبل أن توضح من هؤلاء الأشخاص.


مايا استغربت المكالمة، وقالت لنفسها بدهشة:

ناس مين دول؟ 

ثم ضربت على رأسها بخفة بعدما نظرت حولها:

ياه! كل ده أنا مشيتو؟! أنا بعدت... هي الساعة كام دلوقتي أوبا! كل ده؟


#شروق مصطفى


عند صقر وصل إلى البيت، استقبلته مديحة ورحبت به بابتسامة.


مديحة بأحراج:  هي نزلت تجيب شوية حاجات من تحت، وراجعة على طول.


قدّمت له واجب الضيافة، وجلسا يتحدثان.

مع الوقت، بدأت تشعر بالراحة تجاهه، ووجدته شابًا هادئًا، لبقًا، ومتزنًا.

مرت نصف ساعة أخرى، وما زالت مايا لم تأتِ، وبدأ القلق يتسلل إلى قلب مديحة.


قامت من مكانها واتجهت إلى غرفة أخرى لتجري اتصالًا بها دون أن يسمع صقر.


مديحة منفعلة: 

كل ده! وبتقولي جايه؟

مايا: ...... 

مديحة: مش لازم فتح الله خلصي وتعالي. 

أغلقت الهاتف وعادت إلى الغرفة بخجل وحرج.


أما صقر، فكان جالسًا في مكانه، يحاول تمالك أعصابه.

أمسك هاتفه واتصل بـ"أسامة" الذي كلّفه بمراقبة تحركاتها عن بُعد.


أسامة: أيوه يا باشا؟

#شروق_مصطفى

صقر: قولي... بتعمل إيه دلوقتي؟


أسامة:

كانت ماشية على البحر وبتتكلم في التليفون... ومنفعلة أوي.


صقر بنبرة حادة لكن بصوت منخفض

أزاي يعني منفعلة؟


أسامة:

بتعيّط يا باشا... وبتتكلم في التليفون. بس هي وصلت الماركت وبتجيب حاجات من جوّه.


صقر

خلاص، يلا... سلام.


أغلق الهاتف بصمت، وكتم غضبه داخله.

كان يحاول السيطرة على أعصابه بصعوبة، واستعد تمامًا لمواجهتها فور دخولها.


مديحة عادت إلى الجلوس معه وقالت بهدوء:

خلاص يا بني، جاية دلوقتي.


صقر بابتسامة لم تصل الى عينيه: 

براحتها.


-بقلم شروق مصطفى

بعد قليل فتحت مايا الباب ودخلت تلقي الحقائب على الأرض، وقد بدا عليها التعب قائلة: أنا جيت يا ماما

 ولكن أنتبهت لصوت والدتها تتحدث بلطف.

تعالي يا حبيبتي، إحنا قاعدين هنا.


قامت مديحة من مكانها واتجهت نحو الباب لأدخالها عندما وجدتها لم تتحرك.


مايا بصوت منخفض:

ناس مين دول اللي عندنا؟


مديحة بهدوء:

ده صقر... اللي كلمتك عنه قبل كده. قولتلك إنه جاي يتقدملك، وجاي يتكلم معاكي دلوقتي.


همست الأخرى بغضب مكتوم:

هو أنا مش قايلالك لأ؟ وقفلنا على الموضوع ده؟ إيه اللي جابه دلوقتي؟ خليه يمشي، وقوليله كل شيء قسمة ونصيب! ولا انتي بتحطيني قدام الأمر الواقع؟


مديحة بانفعال هي الأخرى:

بقولك إيه... هتروحي تقعدي معاه وتتكلّموا. اتفضلي. ولينا كلامنا بعدين.


كل ذلك وصقر جالس، يتظاهر بالهدوء، لكنه سمع كل كلمة.


مديحة بصوت أعلى:

تعالي يا حبيبتي، لو عاوزين تقعدوا في الفراندة، قعدتها حلوة أوي. وأنا قاعدة جنبكم هنا... لو احتجتوا حاجة.


وتركت باب الغرفة مفتوحًا وهي تجلس على مقربة منهم.


وقفت مايا في مكانها تتنهّد، وكانت تنوي إخباره بأنها آسفة، و غير مستعدة لهذه الخطوة في الوقت الحالي لكنها تفاجأت، وصُدمت حين التقت عيناها بعينيه.


تجمّدت مكانها، ونظرت له بذهول:

إيه ده! هو إنت؟! إنت إيه جابك هنا؟ وبتعمل إيه؟!


ابتسم صقر ابتسامة صفراء، ونظر إليها بنظرة انتصار، ثم لمس خده بإشارة خبيثة، وقال بابتسامة ماكرة:

أهلاً بعروستي... اتفضلي جانبي! 


مايا بتوتر:

أيه!  عروستك واتفضّل كمان؟! لأ أنت اللي هتتفضل وتمشي إنت بتحلم شكلك إنت مجنون... صح إنت عرفت البيت هنا إزاي أصلًا؟ وعاوز مني إيه؟


صقر بهدوء شديد وثقة، وهو جالس وقد واضعا ساقًا فوق الأخرى وأشار بأصبعه:

أنا لو عاوز أعرف دبة النملة... هعرفه.

إنتِ ما تعرفينيش لسه. 


مايا بغضب: وأنا مش عاوزة أعرفك يا أخي هو عافية أنا داخلة أقولك: كل شيء قسمة ونصيب، وهقول لماما إنه مفيش قبول بينا... وخلصنا

اتفضل بقى... امشي من هنا، لو سمحت.


صقر يتمالك نفسه بصعوبة:

"ةإنتي بتحلمي... إني أمشي أنا مش همشي من هنا إلا وإنتي مراتي. 


ثم وقف ببطء أمامها، يحدّق في عينيها بنظرات خبيثة، وبدأ يقترب منها وووو


الفصل الرابع. 

صراع الحب والوهم

إنتي بتحلمي... إني أمشي أنا مش همشي من هنا إلا وإنتي مراتي وهعلمك الأدب كمان. 

حدقت به بعدم أستيعاب تهتف بعدم تصديق: 

لا، إنت مش طبيعي... ومجنون كمان. 


جلس مرة أخرى بأريحية واضعا رجل على أخرى محذرا لها: 

 طول اللسان مش بحب، وخدي بالك... مش بحب أكرر كلامي مرتين، فاهمة؟ 


كانت  لا تزال في حالة ذهول، لا تستوعب الموقف ولا تفهم ما يحدث حولها فهي فتاة منطوية، قلبها مغلق بإحكام، لم يكن من السهل على أحد اقتحام حياتها أو الاقتراب منها، لذا أصابها الذهول من هجومه الغريب وكلامه المبهم، فضلاً عن اقتحامه غير المبرر لخصوصيتها بصوت مشوش وتردد:

طب أنا عايزة أفهم... إنت مين؟ وعاوز مني إيه؟ وإيه الكلام الغريب اللي قلتهولي قبل كده؟ وبتهاجمني ليه أصلاً؟ أنا أعرفك أصلًا؟


 بابتسامة ساخرة:

مش لازم تعرفي كل حاجة دلوقتي، كل حاجة فوقتها أحسن... مستعجلة على إيه؟! 


استفزها أسلوبه وغموضه الزائد، ففقدت أعصابها هتفت بحدة:

وأنا مش عايزة أعرف حاجة أصلاً، لا دلوقتي ولا وقتها! إنت شكلك مجنون... أنا ماشية وهناديلك ماما أحسن!

بقلم شروق مصطفى همّت بالمغادرة، لكنه جذب يدها بعنف وجذبها نحوه بقوة، حتى أصبحت ملتصقة بصدره، ممسكًا بيديها بقسوة وبصوت تحذيري حاد وهو يشير بإصبعه:

تعالي هنا! رايحة فين؟! لما أكلّمك توقفي وتسمعي ومتمشيش... فاهمة؟

إنتي فاكرة نفسك مين؟ واحدة رخيصة أصلاً، متساويش!

أنا اللي هنضفك من القرف اللي عايشاه ده.

فاكرة لما تروحي تعيطي له؟ اللي بتكلميه ده؟ هيرجعلك؟ إنتي بتحلمي!

وآه، قلتلك مرخصة نفسك علشان تفوقي، بس مفيش فايدة...

وأنا اللي هفوقك من هنا ورايح.

مفيش نزول من البيت لوحدك تاني... فاهمة؟


ولو مش لاقية حد يلمك، أنا موجود...

ولا علشان ملكيش حد يحاسبك، وملكيش كبير،  تلفّي وتدوّري؟...أنا واخد بالي منك كويس أوي.


بصوت مخنوق وهي تحاول التحرر من قبضته:

إنت مالك أنا أعيط عليه ولا لأ! دي حياتي أنا مش حياتك!

وعلى فكرة بقى، إنت قليل الأدب، وأنا متربية غصب عنك! وإنت شخصية زبالة، وما يشرفنيش أرتبط بواحد زيك أصلاً!


رفعت يدها لتحاول صفعه، لكنه أمسك يدها ولوّاها خلف ظهرها بعنف: إنتي مابتفهميش ولا إيه؟ إنتي عايزة تتربي من أول وجديد؟

وإيديكي دي لو اتمدّت تاني مش هيحصل كويس... أقسم بالله!


كان يضغط على يدها بقوة حتى آلمها بشدة، فصرخت بألم ودموع رغماً عنها:

آه... آه... ابعد عني بقى... امشي!

ياماماااااه! حرام عليك بقى! سيبني

كان صوتها ضعيفًا، مرتجفًا، يملؤه القهر، دموعها انهمرت رغماً عنها، وهي التي لا تحب أن تبكي أمام أحد تركها أخيرًا وهو يهمس ببرود وهو يدير وجهه عنها:


ياريت كلامي يتسمع، الكلمة اللي بقولها مش بتتكرر مرتين!

ولسانك يتلم... فاهمة؟ أنا عاوزك في الحلال... وبس

بصوت مرتعش ودموع في عينيها:

إنت تعرفني منين؟ إنت عشان تقول عليا كده؟ وتحكم عليا ؟ وتقول عليا الكلام ده؟ طيب، أنا يا سيدي أخلاقي وحشة كده؟

ورخيصة أوي؟ ليه عاوز تتجوزني؟ ليه ترتبط بواحدة مش متربية ودايرة ولفة؟

ها؟ لييييييييييه؟!


بدأت تسأل نفسها في داخلها… طوال عمرها كانت في حالها، عمرها ما حد شك في أخلاقها، عمرها ما ظن فيها سوء...

فلماذا الآن؟ ولماذا منه هو تحديدًا؟


سقطت منهارة على الكرسي، تمسك بيديها وتفرك فيهما من الألم الذي سببه، والألم الأكبر: كلماته التي سكنت قلبها كالسم.

شعرت بالعجز والوحدة، تذكرت والدها الراحل وبكت بحرقة لو كان موجودًا، ما كان أحد ليتجرأ أن ينظر لها نظرة سيئة.


اقترب منها وأحاطها من الخلف بكرسي، ثم همس في أذنها كالفحيح وبهدوء مريب:

ليه بقى؟... دي بقت بتاعتي أنا.

وحاتعرفي بعدين يا قطة أنا كلمت أخوكي، ومامتك كمان وافقت، واتفقت معاهم على كل شيء وأخوكي حينزل الإجازة دي... وهنكتب الكتاب يا عروستي.


ثم وقف، مدّ يده على فمه وكأنه أرسل لها قبلة في الهواء، ونفخها بيده، وابتسم نصف ابتسامة

ثم خرج من الغرفة، وتوجه لوالدتها التي كانت بانتظاره في الخارج:

كله تمام يا حجة، الحمد لله...


رآها من بعيد، تجلس شاردة، ملامح الانهيار واضحة عليها، ومع ذلك تابع حديثه مع والدتها وهو يعلم تماما أنها تسمعه ويتعمد إيصال رسالته الأخيرة إليها:  وإن شاء الله أجيب أهلي خلال الأسبوع ده ونقرأ الفاتحة، ونتفق على كل حاجة، وننزل نجيب الدبل قبلها.

 

_ ربنا يقدّم اللي فيه الخير يا حبيبي، يارب...


صقر: ينفع بكرة أجي أتكلم معاها تاني؟ بعد إذنك طبعًا...

وعاوز رقم تليفونها بعد إذنك.


مديحة مبتسمة ومحرجة شوية من تصرفات بنتها:

طبعًا يا حبيبي، إنت بقيت ابني... تيجي في أي وقت رقمها أهو، استنى أطلعهولك من تليفوني...

خرج بعدها وهو يشعر وكأنه أتم الخطوة الأولى...لكنه لا يعلم لماذا هو منجذب لها إلى هذا الحد.

يشك في سلوكها، نعم، لكنه يشعر برغبة في تغييرها... بل هو مقتنع تمامًا بأنه سيغيّرها.


جلست مايا على الكرسي دون أن تتحرك، منهكة من التعب النفسي والمجهود والمواجهة التي حدثت. لم تكن قادرة على استيعاب ما جرى. وضعت يديها على وجهها وهمست بصوت مكسور:

– مين ده؟


وتحدثت مع نفسها بخفوت مرتعش:

– طالما أنا وحشة كده في نظره، ليه عاوزني ومتمسك بيا بالشكل ده؟ ده أنا لسه كنت حبدأ أفوق من الصدمة اللي كنت فيها... مين ده؟ مين اللي اقتحم حياتي فجأة؟ لا، وبيسيطر عليا! أنا مش حستحمل ضغط نفسي أكتر من كده...


ثم انهارت بالبكاء مرة أخرى، عندما سمعت صوته مع والدتها وهما يتحدثان ويتفقان على أمور تخص حياتها، دون الرجوع إليها. قالت في ألم:

 "طب، ورأيي أنا فين؟ لا يمكن أوافق أبداً!

دخلت مديحة عليها بعد أن غادر صقر، فوجدت مايا على حال لا يطمئن. ملامحها شاحبة، عيناها منتفختان من البكاء. 

قالت لها الأم بنبرة ضيق:

– هتفضلي طول عمرك كده يعني؟ حتى مش عاوزة تفرحي زي البنات! طيب اديله فرصة حتى. وبرده قابلتيه بمنظرك ده... بطفشيه يعني! بس طالع شاريكي برده، وقال إنه حيجيب أهله الأسبوع ده، وحيجي يقعد معاكي بكرة. شكله ما عرفش يقعد معاكي النهارده بمنظرك ده!


– يا ماما، اسمعيني بس... والله أنا مش مرتاحاله، ومش متقبلاء، افهميني بس! أنا مش عاوزاه يجي تاني! ده بيتكلم عليا كلام وحش قوي، ده بيقـ...


وقبل أن تكمل، قاطعتها مديحة بجفاف ومنعتها من إكمال حديثها:


– وهو يعني لو حد اتكلم عليكي نص كلمة، كان جا وصمم يتجوزك وشاريكي كده؟ ده شكله بيحبك! إنتي مش فاهمة حاجة... اديله فرصة واتكلمي معاه، مش كل حاجة تخديها بأعصابك كده! وبعدين أنا وأخوكي عطيناه كلمة، ومش عاوزة دلع بنات بقى.


ثم همّت بالخروج، لكنها التفتت إليها قبل أن تغادر، ونظرت لها بحدة:


– إياكي أشوف منظرك ده تاني قدامه، فاهمة؟ هو جايلك بكرة تاني... اتعدلي معاه، ماشي؟


كانت تلك اللحظة كالغصة في الحلق، لا تجد لها مخرجًا. لم يكن أحد يشعر بها أو بما يدور داخلها، الوحيد الذي كان يفهمها حقًا ويشعر بوجعها كان والدها... لكنه رحل. دخلت غرفتها متخبطة في خطواتها، لا تعرف ماذا تفعل أو كيف تتصرف. شعرت أنها وحيدة في هذا العالم، لا أحد مستعد ليسمعها أو حتى يمنحها فرصة للدفاع عن نفسها.


تذكرت والدها، ذلك الرجل الذي لم يكن يسمح لها أن تزعل. كان دائمًا موجودًا، يخرجها من حالتها مهما كانت، يسمعها، يحتضن كلماتها، ويمسح دموعها قبل أن تنزل.


حين كانت تغلق على نفسها باب غرفتها، كان يأتي ويطيب خاطرها، لا يتركها إلا وقد أضحكها وأعاد لها ابتسامتها، يأخذها من يدها ويُخرجها من ظلامها إلى نوره... لكن أين هو الآن؟ أين؟


سقطت دمعة حارّة على خدّها، تبعتها أخرى، وراحت تبكي في صمت موجع. لم تجد أحدًا يدافع عنها، حتى والدتها لم تشعر بها، ولم تمنحها حتى فرصة لتتكلم وتشرح.


شعرت أنها مظلومة... وحيدة... مكسورة.


نامت على هذا الحال، ودموعها لا تزال على خدها.


عند صقر عاد إلى بيته، وكان إلى حدٍّ ما يشعر بالرضا، وكأن اقتراب تحقيق هدفه بدأ يلوح في الأفق. أراد أن يكلّمها، أن يطمئن عليها ولو قليلا، لكنه قرر أن ينتظر حتى الصباح، ربما تهدأ وتستوعب ما حدث.


دخل غرفته بخطى ثابتة، ثم اتجه إلى الحمام، حيث اغتسل بماء بارد علّه يطفئ بعضًا من توتره المتراكم. وبعد أن انتهى، ارتدى ملابسه واستلقى على سريره، تاركًا جسده يسترخي على الوسادة، بينما عقله لم يعرف للسكينة طريقًا.


راح ذهنه يشرد، تتزاحم فيه الأفكار وتتقاطع، وكانت كلها تدور حولها. لم يكن قادرًا على تجاهل حضورها في عقله، رغم كل الغضب والتوتر الذي كان يشعر به. بدأ يخطط بهدوء لما ينوي فعله حين يلقاها، وقد همس لنفسه في داخله"يريد الحديث معها بهدوء، دون انفعال أو شد وجذب يريد أن يعرف كل ما يخص ذلك الشخص الذي كانت تتحدث إليه، ومن يكون، ولماذا كانت تتعامل معه بهذا القرب؟

يريد أن يُهذّب أسلوبها. 

ظلّ غارقًا في أفكاره، ينسج الاحتمالات، ويتخيل المواجهة القادمة، ويخطط لكل كلمة قد يقولها. وشيئًا فشيئًا، بدأ يشعر بشيء من الارتياح، كأن كل شيء بدأ يسير في الاتجاه الذي يريده. غلبه النعاس وهو على هذه الحالة، ونام أخيرًا، وعلى وجهه ارتسمت ملامح رضا هادئ.


عند مديحة كانت ترى أن مايا لا تملك أي مبرر مقنع لكل ما تفعله، ولا سبب حقيقي لتأجيل ارتباطها، سواء الآن أو لاحقًا. قالت في نفسها "أنا نفسي أفرح بيها وأنا لسه عايشة. الولد ده بصراحة ما يتعيبش، شكله بيحبها، وأخلاقه عالية، وكل الناس بتشكر فيه.

هي اللي اتعودت على الدلع ومش عارفة مصلحتها فين... لازم شدة شوية.


وقامت من مكانها، توضأت، وصلت ركعتين، ورفعت يديها تدعو ربها "يا رب، لو فيه الخير يسره، ولو فيه شر ابعده عننا... يا رب."


ثم دخلت غرفتها، ونامت.

في صباح اليوم التالي عند مايا

كانت طوال الليل غير قادرة على النوم. رأسها ممتلئة بالأسئلة، وقلبها مشوش، لا تعرف كيف تتصرف. تفكر: هل تستسلم وتوافق؟ أم تقاوم حتى يمل ويبتعد؟


قررت في النهاية أن تقاوم، وألا تسكت له. قالت لنفسها: أنا مش حسمح له يفرض نفسه عليا، ولا حستسلم. لازم أبقى قوية، وهو حيطفش لوحده.

يا رب، ابعده عن طريقي لو كان حيأذيني.


خرجت من غرفتها وتوجهت لوالدتها:

– صباح الخير يا ماما.


– صباح النور يا حبيبتي، عاملة إيه النهاردة؟


– الحمد لله، يا ماما.


– يا رب دايمًا.

يارب تكوني فكرتي كويس وعقلتي كده.


 شعرت أنه لا فائدة من النقاش معها، فتحدثت بهدوء:

– أيوه يا ماما، فكرت.

– طب كويس، الحمد لله.

قومي بقى ظبطي نفسك وافردي وشك شوية. النهاردة جاي يقعد معاكي.


تنهدت مايا وقالت:

– حاضر.


ثم عادت إلى غرفتها، وجلست تفكر في صمت. شعرت أنه لا جدوى من الجدال مع والدتها، ولا حاجة لإخبارها بما تنوي فعله.


تحدثت مع نفسها "أنا مستحيل أقعد أتكلم معاه تاني ده إنسان بارد ومستفز جدًا"

أعمل إيه بس يا رب؟ مش طايقة حتى أشوفه... يا رب.


رن هاتفها فجأة، برقم غريب. تجاهلته في البداية، فهي لم تعتد أن يتصل بها أحد، ولكن الهاتف لم يصمت، بل رن مرة أخرى.


تذكرت زميلتها في العمل، فنهضت وأجابت على المكالمة.

– ألو... مين؟


جاءها الصوت واضحًا، صوته الذي لم تكن تتوقع أن تسمعه عبر الهاتف.

– إيه ده؟ لسه مش عارفة صوتي؟ عموماً، بكرة هتحفظيه كويس أوي.


تجمدت مايا في مكانها، كأن روحها انسحبت منها فجأة. لم تكن تتوقع أن يكون هو، وصمتت لثوانٍ، تحاول استجماع قوتها، فهي كانت قد قررت أن تطرده من حياتها بأي طريقة.


– إنت جبت رقمي منين؟


– مش قلتلك، لو عاوز أعرف حاجة، هعرفها؟ وده مش موضوعنا دلوقتي. أنا كلامي واضح، عاوز أتكلم معاكي في شوية نقط كده قبل ما أهلي يزوروكم و...


لم يدرك أنه تجاوز الحد، ولم يلحظ نفورها الواضح، فقاطعته مايا، وهي تغلي من الداخل. لم تستطع الرد عليه حين كان في وجود والدتها لأنه لم يُتح لها المجال، لكنها الآن لن تسكت.


– هو إنت إيه يا أخي؟! ماعندكش دم؟ مش بتحس؟ أنا رافضاك، مش عاوزاك، وابعد عني بقى، وفضّ الموضوع ده أنا مش طايقة أشوفك، وياريت ماتجيش النهاردة، لأني مش هقابلك، ومش موجودة أصلاً. وياريت كمان ماتتصلش برقمي تاني.


أنهت المكالمة فورًا قبل أن تمنحه فرصة الرد، ثم رمت الهاتف بعيدًا عنها بحدة  قالت لنفسها، إن كان يملك ذرة من الكرامة، فلن يتصل مجددًا، ولن يأتي.


خرجت إلى الشرفة، تحاول تهدئة أعصابها، لكن قلبها لم يكف عن الخفقان، وهي تفكر في مدى تماديه.

عند صقر كان ممسكًا بهاتفه غير مصدق ما حدث. حدّق في الشاشة للحظات، ثم انفجر:


– إيه ده؟! ده ليا الكلام ده؟! دي مجنونة! ليلتها مش هتعدي النهاردة!


أعاد الاتصال بها مرة، فلم ترد، ثم أعاد المحاولة ثانية وثالثة، بلا جدوى.


اشتعل غضبه، فالتقط هاتفه واتصل بوالدتها، يحاول تمالك نفسه، لكن الغضب كان يفور في صدره.


– صباح الخير يا طنط، عاملة إيه؟


– أهلاً يا حبيبي، صباح النور، الحمد لله بخير.


– كنت بكلم مايا وتليفونها شكله فصل شحن، ممكن أكلمها من عندك؟

وأنا جاي النهاردة بعد المغرب إن شاء الله، موجودين؟


– تنوّر يا حبيبي، موجودين طبعًا، هنستناك.

ثواني، هاديها التليفون.


دخلت مديحة على مايا، وأعطتها الهاتف.


– خدي، كلمي.

ترددت مايا قليلًا، ثم أخذت الهاتف وقالت بتوجس:

– ألو... مين؟


جاءها صوته، هذه المرة كالعاصفة، لم يكن يصرخ فقط، بل كان على وشك أن يخترق سماعة الهاتف ويصل إليها.


– إنتي لسه ليكي عين تقولي مين كمان؟

إنتي بتقفلي في وشي أنا؟ السكة؟!

إنتي اتجننتي ولا إيه؟! إنتي ماتعرفيش أنا مين ولا إيه؟ لا... فوقي كده، واتعدلي، وشوفي بتكلمي مين! وحسابك معايا لما أشوفك، لأني قلت إني ما بحبش طول اللسان. وأقسم بالله، لو جيت وما لقتكيش، أو نزلتي لوحدك تاني... مش هقولك هعمل فيكي إيه. فاهمة؟!


ثم أغلق الخط في وجهها.


كانت  تسمع كلماته والنبرة القاسية التي خرج بها صوته، وكأنها صفعات متتالية تهز جسدها. عيناها امتلأتا بالدموع، وجسدها بدأ يرتجف، لم تحتمل أكثر، وضعت الهاتف جانبًا ودخلت إلى غرفتها.


راحت تتحرك في الغرفة ، لا تعرف ما تفعل، تشعر بالاختناق، ولم تعد تطيق وجوده في حياتها.

بقلم شروق مصطفى

همست لنفسها:

– لازم ألاقي طريقة... أنا مش عاوزة أشوفه... مش عاوزاه!


يتبع تفاعل يابنات لو عجبتك علق 5 تعليقات متتالية وياترى صقر هيقابلها ولا هتهرب منه



لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 



جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحصريه



اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحديثه



❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺




أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close