expr:class='data:blog.pageType'>

Header Ads Widget

رواية من أنا الفصل السادس عشر حتى الفصل العشرون بقلم الكاتبه حليمه عدادي حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات

رواية من أنا الفصل السادس عشر حتى الفصل العشرون بقلم الكاتبه حليمه عدادي حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات 



رواية من أنا الفصل السادس عشر حتى الفصل العشرون بقلم الكاتبه حليمه عدادي حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات 


جمع شتات نفسه وكتم مشاعر الغضب التي تفاعلت داخله، وحاول تنظيم أنفاسه المتسارعة، ثم نطق بنبرة تغلب عليها الخوف قائلاً:

-في حد اتصل عليا من الجيران يا بابا بقول إن في عربية أخدت "تقى" وسابت "مريم" واقعه على الأرض!


وقعت  تلك الكلمات على مسامعهم كالصاعقة، فلم يصدق أحد منهم ما قيل.

 إزدرد "أحمد" لعابه في حالة مطربة و صدمة، وبدأ يتحدث بسرعة قائلاً:


-بسرعة يا "يونس" يالا نروح البيت علشان نفهم حصل إيه مش وقت صدمه دلوقتي..


سادت حالة من الذعر والحزن بين الحاضرين، حيث لم يصدقوا ما حدث!

 دفع "يونس" كرسي شقيقه، وقلبه يكاد أن يغادر ضلوعه، يرفرف كأجنحة طائرة في أجواء باردة، وهو يدعو في قرارة نفسه أن تكون بخير!

 تمنى لو كانت له أجنحة؛ ليطير إليها على الفور وينقذها من أولئك الذين يرغبون في إيذائها. 

لكنه شعر بالعجز كأنه مقيد، شارك والده في حمل شقيقه ثم وضعه في الخلف بجانب والدته، لينتقل بعد ذلك إلى مقعده الأمامي وينطلق بسرعة جنونية، حتى تزايدت أنفاسه وأصبح صوته مسموعاً وكأنه في سباق للوصول إليها بسرعة. 

لم يتمكن من سماع نداء والده؛ إذ كان عقله وقلبه غائبين، بينما جسده متواجد بلا روح، ولسانه يردد الدعاء. 

«يا رب احفظها فإني لا أرى جمال الدنيا إلا في وجودها»


واصل القيادة في حالة من الذعر، مستعينا بالدعاء الذي يتردد على لسانه مع أنفاس متسارعة وقلب يرتجف. 


************                     

أفاقت وهي تعاني من ألم شديد يكاد يفتك برأسها، فتحت عينيها بصعوبة ورؤيتها كانت لا تزال مشوشة، مما منعها من تمييز المكان بوضوح!

 كانت نوبات الألم والدوران تغشى على رأسها وتثقل جفونها، فاستجمعت قواها وأغمضت عينيها محاولةً استعادة ما حدث! راودتها ذكريات اختطافها وبكاء شقيقتها، ثم لحظة فقدان الوعي عندما رش عليها سائل. 

انتفضت من مكانها وانفجرت دموعها كسيول جارفة؛ عندما أدركت أنها في خطر. 

حدقت بعينين متسعتين، محاولةً استيعاب مكان وجودها، نهضت من مكانها ودارَت دورةً كاملة، تحدق في أركان الغرفة، ولكنها لم ترَ شيئًا أو تسمع سوى صفير الرياح الذي يتسرب من النوافذ!

 رفعت نظرها، وعيناها تفيض بالدموع، و أصبح الكلام عالقًا في حلقها، فلا تقدر على الصراخ أو طلب المساعدة، لم يكن لديها سوى الدعاء، إذ أن الله يسمعها دون أن تتحدث. 

رفعت رأسها تناجي الله بالدعاء أن ينقذها مما هي فيه، وأن تعود إلى والدتها وشقيقتها سالمة، لم تكن تعلم لماذا، كلما توسلت، تجد نفسها تدعو أن يأتي "يونس" وينقذها من براثن هؤلاء الذئاب البشرية؟!

 كسر حصار هدنتها صوت أقدام تقترب من الباب، وفجأة تحرك مقبض الباب كأن هناك من يحاول الدخول! فارتدت للخلف، وجففت دموعها، تنتظر مصيرها المجهول خلف الباب!

 لم يمر سوى ثوانٍ قليلة حتى انفتح الباب، ودخل "وليد"، مبتسمًا ابتسامة ماكرة و قال:


-يا أهلا بنت الغالي، بنت أخويا وحشتيني و أخيرا اتقابلنا من جديد؟


تملّكها شعور بالقلق من ابتسامته التي تضمر الشر، ورغم وضوح ذلك، إلا أنها تماسكت وظهرت بمظهر الصامدة لتخفي خوفها.

 ثم انحنت لالتقاط حجر صغير كان بجانبها وسط الغبار الذي يغطي أرضية الغرفة، واستقامت مرة أخرى، محدقة به بنظرة تحد. وعندما شاهد وليد تصرفها، انفجر ضاحكًا، وقال بين ضحكاته: 


-إنتِ فاكره الحجرة دي هتحميك مني يا "حنين"؟! تبقي غلطانه ... تعرفي ليه أنت هنا؟


ضيقت "تقى" مقلتيها عندما لم تفهم مغزى حديثه، ثم هزت رأسها وكأنها تستفسر. 

في تلك اللحظة، اقترب "وليد" منها وبدأ يتحدث بشر قائلاً:

-إنتِ هنا علشان اقتلك و أخلص منك؛ علشان ما تبلغيش البوليس عن قتلي لأبوكي، و علشان كمان تجيبي ليا "يونس"!


لم تتذكر شيئًا عن والدها أو هويته، ولكن عندما أدركت أن هذا الشيطان هو قاتل والدها؛ انهمرت دموعها وتغيرت ملامح وجهها!

 عندها هزت رأسها بنفي وهي غارقة في حالة من اليأس والغضب، قبل أن يتمكن "وليد" من استيعاب ما يجري، اقتربت منه بسرعة وضربت عينه بقوة؛ مما جعله يصرخ ويتراجع للخلف، واضعًا يده على عينيه.

 أما هي فقد رفعت يدها المرتعشة، ونظرت إلى تلك الحجرة بعينيها المليئتين بالدموع. وعندما رأت بقع الدماء عليها، تسلل الحجر من يدها دون وعي وسقطت هي على الأرض جاثية على ركبتيها، تبكي بحرارة وتفرك يديها بالأرض، في كراهية واضحة للون الدماء. 

وفي تلك اللحظة، لم تكن منتبهة لما يحدث حولها أو كيف تم أخذ "وليد"!

 زحفت إلى ركنٍ بارد واحتضنت نفسها، بينما انهمرت دموعها، تردد في داخلها. 

«يونس، يونس انت فين تعال ارجوك خذني من هنا»

  فترة من الترقب المليء بالتوتر والقلق، وصل "حسام" أخيرًا إلى منزله، ترجل من السيارة متعبًا، وكأنه خاض سباقًا، ثم نطق قائلا:

-بابا... "شهيرة خدوا "حسام" جوا البيت و

 "مريم" اعده عند الجيران هروح أجيبها  اجي بسرعه.

أنهى كلماته ثم أسرع الخطى نحو منزل الجيران، وحين وصل إلى الباب، طرقه عدة مرات متتالية! انتظر لحظات حتى انفتح الباب، وخرج ابن الجيران الذي يُدعى "فارس"، ثم قال:

-أهلا يا  "يونس" اتفضل انسة "مريم" جوه، هي فاقت بس ما اتكلمتش.


-شكرا يا "فارس" هي فين عايز اخدها بسرعة؟


-تعالى هي جوه مع ماما بتحاول تكلمها و تخرجها من إللي هي فيه!


تقدم "فارس" و"يونس" خلفه نحو تلك الغرفة التي أشار إليها، وعندما دخلا، وقعت عيناه على شقيقته وهي منكمشة تبكي، وجسدها يرتعش، بينما كانت "إيلول" تجلس بجانبها ممسكة بها بقوة وخوف!

أحس "فارس" بألم شديد لرؤيتها بهذه الحالة، واعتصر قلبه القلق!

 اقترب من شقيقته، ثم جلس القرفصاء أمامها، لكنها لم تنتبه لوجوده حتى قال: 


-"مريم" حبيبتي أنا جيت.


ما إن سمعت صوته حتى عادت إليها روحها من جديد؛ رفعت رأسها بسرعة، والدموع تترقرق في عينيها، ثم استقامت واقفة، وهو كذلك، بعد ذلك ارتمت في حضنه بقوة، بينما كانت تشهق ببكاء مرير، وتردد بصوت حزين قائلة:

-ماقدرتش أحافظ عليها يا "يونس" هما أخدوا  "تقى" مني ما قدرتش أمنعهم!


ابتعد عنها، ومسح دموعها بأطراف أصابعه، أخذ نفسًا عميقًا، كأنه يكافح من أجل البقاء صامدًا ويتغلب على القلق الذي يتغلغل في داخله، ثم قال: 


-اطمني "تقى" هنلاقيها إن شاء الله، هي أكيد بخير يالا نروح البيت ... شكرا يا طنط شكراً يا "فارس".

أنهى حديثه، ثم تقدم نحو "إيلول"، حيث أمسك بيدها ووضع يده الأخرى تحت ذقنها، رافعًا رأسها المنحني، ثم تحدث قائلاً: 

-لولو ليه العياط طيب لو شافتك "تقى" هتزعل، هي قوية و أكيد هترجع لينا و مش تعيطي بقى  يالا امسحي دموعك.


-هي "تقى" قوية بس خايفه عليها هي بجد هترجع لينا يا عمو؟!.


رسم ابتسامة خفيفة على شفتيه؛ لتفادي شعورها بالحزن، ثم أردف قائلاً: 

-هترجع مفيش داعي للخوف يالا تعالي معايا بنوتي الحلوة.

تألقت الابتسامة على وجهها بمجرد سماعها كلمات "يونس"، وجففت دموعها بطرف يدها، وهتفت بفرحة وبراءة الأطفال، متناسيةً حزنها قائلةً:

-بجد أنا بنوتك يا عمو طيب ممكن أقولك بابا أنا كمان؟


تلك الكلمة أثرت في قلبه بشكل عميق، فقد طالما حلم بسماعها كجزء من روحه، ومع ذلك، كلما نظر إلى وجهه في المرآة، كان يعود إلى واقعه المؤلم، حيث أدرك أنه لن يكون له أطفال ما دام في هذا الحال، ولن يجد زوجة تقبل بشكله واختلافه.

 لكن عندما رأى "تقى"، عاد له الأمل من جديد، لقد منحته هذه الصغيرة فرصة سماع تلك الكلمة، فتقدم نحوها وعانقها، وقد ترقرقت الدموع في عينيه، ثم ابتعد قليلاً عنها قائلاً:

-أجمل كلمة سمعتها انهارده من بنوتي، بصي من  انهاردة ناديني بابا.

 أمسك بيدها، ومن جهة أخرى يد شقيقته، ثم خرج، بينما كان يشعر بفقدان جزء من نفسه، شعورٌ لا يمكن وصفه يفتك به ببطء.

 كان في حالة من الضياع، وعقله يكاد ينفجر من شدة التفكير، وقلبه يتمزق من شدة الخوف، لم يكن يدرك كيف دخول منزل، فقد كان جسده يتحرك بينما كان ذهنه غائبًا.

 حتى انتبه إلى حديث والده مع شقيقته، حيث كان يطمئن عليها، نظر إلى الأسفل إلى "إيلول"، فوجدها تنظر إليه وتحرك رأسها ببراءة، مع ابتسامة على شفتيها.

 بادلها الابتسامة، ثم قال وهو لا يزال ينظر إليها:


-ماما خدي "إيلول" خلي بالك منها وغيري لها الهدوم دي بأي حاجه من عند "مريم" لغاية ما أعرف اجيب لها حاجه جديدة.


أخذت "زينب" "إيلول" برفقة "مريم"، وسط حالة من الصمت والارتباك التي عمّت المكان، مما أظهر قلق الجميع، نظر "حسام" إلى شقيقه بتركيز، ليكتشف للمرة الأولى ذلك الحزن الذي يعكسه في عينيه، والقلق الواضح على ملامحه، تنهد بحزن وقال: 

-"يونس" دا مش وقت الحزن لازم نفكر إزاي نلاقي "تقى"؟.


قبل أن ينطق" يونس" بكلماته، حُشرت الكلمات في حلقه عندما سمعوا طرقات قوية على الباب كادت أن تكسره! 

هذا الأمر أثار القلق في نفوسهم، مما جعلهم يتحركون نحو الباب بخطى متسارعة، مفعمين باللهفة والأمل في عودة "تقى" أو ورود خبر عنها. 

فتح "يونس" الباب على عجل، لكن سرعان ما تبخر أمله؛ عندما لم يجد أحدًا فعاد إلى الداخل بقلق ينزف ولكن قبل أن يغلق الباب، لفت انتباهه علبة هدية صغيرة موضوعة أمام الباب، وقد وضع عليها ملصق.

 وعندما دقق في تفاصيلها، لمحت عيناه اسم "حنين" مكتوبًا عليها، وبدون تردد هرع نحو العلبة، حاملاً إياها إلى الداخل، وقد تملكه القلق وأهتز قلبه كأنه على حافة الانفجار!

 وضع العلبة أمامه على الطاولة وبدأ في فتحها بيدين مرتعشتين تحت نظر والده وشقيقته!

 وما أن فتحها حتى أطلق شهقة، وتجلت ملامح الصدمة على وجهه عندما اكتشف  بداخلها دمية رأسها مفصول عن جسدها، ودماء تغطيها، بالإضافة إلى ورقة مرفقة معها قام بفتح الورقة بسرعة ثم قرأ محتواها بصوتٍ واضح:

«اذا عايز تشوف الأموره "حنين" عايشه تعالى على العنوان(****) إذا فكرت تبلغ البوليس أو تخطأ هيوصلك راسها في علبة زي العروسة  دي...."وليد" »

عند الانتهاء من قراءة محتوى الرسالة، صرح قائلاً: 

-بابا خلي بالك على البنات، أنا هروح للعنوان علشان انقذ "تقى" منهم دول مش بشر و أكيد هيؤذوا "تقى" مش  هاستنى لغاية ما يحصل حاجة.


-"يونس" ابني مش لازم تتحرك في وقت غضبك هما أكيد مخططين لحاجة، لازم نبلغ البوليس علشان ما يغدروش بينا.

 أنهى حديثه وخرج، تاركًا والده خلفه يشعر بالقلق من ما قد يحدث، هرع "أحمد" إلى هاتفه ليبلغ الشرطة، بينما في الخارج، انطلق "يونس" بسيارته بسرعة جنونية نحو العنوان، غير آخذ بعين الاعتبار كلام أحد أو نصائح عقله.

 بل كان يتبع دافع قلبه فقط، أصبحت ساحة قلبه هي الميدان، وأغلق عقله حين تذكر ضغوطاتها أو تعرضها للتعذيب! و يعلم أنها تخشى الدماء، فحاول أن يأخذ نفسًا عميقًا ليعيد السيطرة على أنفاسه التي سُلبت منه. 

على الرغم من محاولاته للبقاء هادئاً، إلا أن تلك الجهود باءت بالفشل، كيف يمكن للقلب أن يجد الراحة بعد أن أعلن حربه، إذ أصبحت نبضاته تدق كطبول المعركة؟

 لا يدري ما هذا الشعور القاسي الذي يخنقه، كحبلٍ يلتف حول عنقه، حتى أن الهواء الذي ينفثه بات ثقيلاً. يتمنى لو كان بإمكانه الطيران والوصول إليها في الحال، ليضع حدًا لهذا العذاب.

*************                        

لم يكن الوقت مناسبًا للضعف أو البكاء، بل كان وقت القوة من أجل النجاة من كيد هؤلاء الوحوش!

 هذا ما كررته "تقى" في نفسها، ثم مسحت دموعها بعزيمة وحاولت السيطرة على قلقها.

 وقفت في مكانها محاولة تجميع أفكارها، وفجأة سمعت مجموعة من الأصوات في الخارج! لكنها لم تتمكن من فهم ما يحدث بسبب تداخل الأصوات.

 اقتربت من الباب لتستطلع الموقف، لكن قبل أن تضع أذنها عنده، انفتح الباب فجأة ودخل "وليد"، يرافقه مجموعة من الرجال، نظرت إليه بقلق عندما لاحظت الضمادة على عينه المصابة فتراجعت خطوة إلى الوراء في قلق تقدم نحوها، وكانت ابتسامة خبيثة تلوح على شفتيه، ثم أضاف قائلاً: 

-كان نفسي أقتلك دلوقتي، بس عندك حظ لأني لازم أمسك "يونس" الأول و بعدها هموته قدام عيونك، و بعدها ابعتك له.


اتسعت عينيها وازدردت لعابها بصعوبة، وكأنّها ابتلعت قطعة من زجاج! أصابتها قشعريرة، وحركت رأسها نافياً ما قاله.

 لم تصدق أن بإمكانهم الإمساك "بيونس"، وكانت تخشى أن ينفذ "وليد" تهديده ويقتل "يونس"!

 لم يستطع عقلها تحمل تلك الفكرة، فانقضت على "وليد" محاولة ضربه أو قتله لتتخلص منه وتضع حداً لهذا العذاب.

 لكنه كان أقوى منها؛ فدفعها بقوة حتى اصطدمت بالأرض، ثم غادر وتركها خلفه تبكي وتضرب الأرض بيديها. 

*************

 بعد فترة من الزمن، وصل إلى العنوان المذكور في الورقة، حيث نزل من السيارة، كان ينظر إلى المكان بتفحص، وقد انتابه شعور غريب من الهدوء المحيط بالمكان!

 امتدّت أمامه مباني مهجورة وحطام، وجمعٌ من النفايات التي جعلت المكان يبدو مهجورًا ومرعبًا. 

بدأ يتحرك بين الأنقاض، باحثًا عن منزل أو شخص ما، لكن لم يكن هناك سوى صوت الرياح، بينما هو يمشي وينظر حوله، شعر بشخص خلفه، فتوجه بسرعة ليرى من هو، ليتفاجأ بمجموعة من الرجال المسلحين تقف خلفه

وقبل أن يتمكن من النطق بكلمة، اقتربوا منه وأمسكوا به من ذراعيه، فحاول الابتعاد عنهم وصرخ قائلاً: 

-سيب ايدي فين "وليد"، فين "تقى" اتكلموا مين إللي باعتكم؟


بينما كان يتحرك بعشوائية محاولاً الفرار من قبضتهم، استغل أحدهم انشغاله ورش شيئاً على وجهه؛ مما أدى إلى سقوط "يونس" على الأرض فاقداً الوعي!

 ثم قاموا بسحبه إلى سيارتهم، وانطلقوا في اللحظة نفسها التي وصل فيها "أحمد" إلى المكان، ليشاهد السيارة وهي تبتعد.

 تَبِعَهَا برفقة الشرطة، لكن فجأة، سمعوا أصوات طلقات نارية تتردد من كل الاتجاهات!

 حاول سائق سيارة الشرطة تفادي الرصاص، لكنه لم يتمكن من السيطرة على السيارة، فاصطدم الحائط بقوة..


من أنا 


البارت 17


كانت سيارة "وليد" ورجاله تسير بسرعة على الطريق في محاولة للهروب من سيارة الشرطة. 

في تلك الأثناء، كان "يونس" بين وعيٍ وإغماء، يسمع أصواتًا من حوله لكنه لم يكن قادرًا على تمييزها. 

كانت آلام مبرحة تعتصر جسده كله، إلا أنه لم يكن يستطيع التحدث أو الحركة، وكأنه مقيد بحبال. تدور الأحداث في عقله، لكنه يشعر بأنه عاجز عن التحرك. 

حاول تحريك شفتيه ونطق بكلمات هامسة غير مسموعة قائلاً: 

-تقى.. تقى....

بدأ بإخراج بعض الكلمات بصوت منخفض، ثم حاول التركيز وإجماع قواه، ثم بدأ اتضاح الأصوات من حوله تدريجياً، بدأ ذاكرته تستعيد بعض الأحداث، وعاد إلى وعيه، لكن رؤيته ما زالت مشوشة. 

ومع ذلك، بات قادرًا على سماع الحديث الذي يجري بين "وليد" ورجاله، لكن جسده لم يستجب بعد فجأة، انتفض قلبه بفزع حين سمع أحدهم يقول:

-"وليد" بيه هنقتل البنت دلوقتي، و لا نعمل فيها إيه دي عرفت عنك كل حاجه.


ضحك "وليد" بعمق ثم قال وسط ضحكاته:

-البنت هتموت بس لما تشوف موت "يونس" قدام عيونها، عارف ده راح يموتها ألف مرة.


استمع "يونس" إلى كل ما قيل، مما سبب له انقباضًا في قلبه، واندلع القلق في كيانه. أصبح يسعى جاهدًا لإجماع قواه والتفكير في كيفية إنقاذها، حتى لو كلفه ذلك حياته، فهو لن يسمح للأذى بالاقتراب منها مهما حدث.

جلس في مكانه محاولًا وضع خطة ما، لكن ما كان يثير قلقه هو أن حركة جسده أصبحت بطيئة وثقيلة، مما أعاقه عن التفكير بوضوح.

 بينما كان غارقًا في تفكيره، شعر فجأة بشيء بارد يلامس جسده، وقبل أن يستوعب ما يحدث، انتفض بشدة وجحظت عيناه حين انسكب عليه ماء بارد؛ أعاده إلى وعيه وجعله يدرك محيطه. 

فتح عينيه ليجد "وليد" أمامه مباشرة، برفقة عدد قليل من الرجال، حاول التحرك لكنه اكتشف أن يديه مقيدتان بحبل قوي. 

زمجر بغضب، وامتلأ وجهه باللون الأحمر حتى أصبح مظهره مخيفًا، فيما برقت عيناه من مكانهما، ثم تحدث وهو يضغط على أسنانه قائلاً:


-أنت عايز مني إيه أنا زهقت منك، و من أعمالك الشيطانية مش كفايا إللي عملته في "تقى"، و دلوقتي خطفتها ليه عايز تعذبها مش دي بنت أخوك.


-دلوقتي هقولك أنا عايزك علشان تفتح لنا طريق كبير؛ هنبقى أغنياء بس أنت تموت، أما "حنين" بعد ما شافتني بقتل أبوها أكيد مصيرها الموت.


لم يدرك "يونس" مغزى كلمات "وليد"، ثم انفجر متسائلاً وعيناه تتألقان بغضب:

-تقصد إيه بطريق كبير؟ كلامك معايا و سيب "تقى" في حالها.

 تجاهل "وليد" كلمات "يونس" وعاد إلى مكانه، مما ترك "يونس" في حالة من القلق والغضب، جراء جبروت "وليد" وشره المتواصل، حاول "يونس" مراراً فك وثاق يده، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل. 

**************                       

توقفت سيارة الشرطة على الفور بعد اصطدامها بالحائط، وتزايد انبعاث الدخان منها بشكل كثيف متزامنًا مع توقف أصوات إطلاق الرصاص. 

نزل رجال الشرطة من السيارة بسرعة برفقة "أحمد"، وعندما بدأ الدخان يتصاعد، ابتعدوا عنها بسرعة خوفًا من احتمال حدوث انفجار.

 لكن "أحمد" كان في عالم آخر، حيث كاد عقله يتوقف من شدة التفكير والذعر؛ فقد اختطف ابنه أمام عينيه ولم يستطع فعل شيء! كيف يمكنه أن يخبر زوجته حين يعود؟ هل سيعود إليها خائباً من غير فلذة كبده؟ قطع تفكيره أحد رجال الشرطة حين قال:

-استاذ "أحمد" تقدر ترجع لبيتك و احنا هنحاول نلحق العربية بتاعة المجرمين و لما نوصل لحاجة هنبلغك و ان شاء الله يكون خير.

استجمع "أحمد" قواه وأخذ نفسًا عميقًا، كأنه يصارع من أجل البقاء صامدًا، ثم قال، والحزن يكسو ملامح وجهه:


-هنتظر منكم أي خبر، و لو احتاجتوني في حاجة أنا موجود، المهم يرجع ابني بسلام مش هتحمل يجرا له حاجة.


أنهى "أحمد" كلماته، ثم تحرك ببطء، يغمره الحزن الذي احتله بالكامل، فلقد أصبح عاجزًا عن معرفة ما يفعل، ولم يعد يدرك أين يتجه أو كيف يتصرف!

 كيف يمكنه العودة إلى منزله وقلبه يحترق؟ كانت خطواته كمن يسير على قطع زجاجية، تتمزق روحه مع كل خطوة. 

كان يشعر بصوت داخلي يطالبه بالعودة والبحث عن ابنه في كل زاوية وكل شبر، لكنه كان تائهًا؛ لا يعرف من أين يبدأ أو أين يقيم ذلك الشخص اللعين المدعو "وليد"، الذي دخل حياتهم كالكابوس، يلاحقهم أينما كانوا كظلٍ لا يفارقهم!

ومع ذلك، لا يخفف من قلقه سوى الدعاء من أجل سلامة ابنه وعودته سالماً إليهم مع ابنة صديقه.


جلست "زينب" برفقة الفتيات في حالة من القلق، ينتظرن أي خبر قد يبدد هواجسهن. لقد مضى الوقت دون أن يصل أي معلومة حول "أحمد" أو "يونس"، وكأن الزمن قد توقف، وكأن عقارب الساعة قد جمدت في مكانها! كسر ذلك الصمت المطبق صوت أنفاس  "حسام" المضطربة، الذي قال بقلق: 


-قلبي مقبوض مش قادر أصبر و استنى أكتر من كده؟


جاهدت "زينب" لبلع لعابها بصعوبة، إذ كان الحزن يعتصرها بشدة؛ وكأنها تتألم تحت وطأة نار تحرقها مع مرور كل ثانية تمر دون أي خبر!

 انزلقت دمعة خائنة من عينيها رغم محاولاتها لعدم السماح بذلك، ثم نظرت إلى الأفق وقالت: 


-مافيش في ايدنا حاجة نعملها غير اننا نستنى أي خبر منهم أو عنهم و ربنا يرجعهم بالسلامه.


شعر بالإحباط وهو يتأمل بحزن ذلك الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه، وقد تساقطت دموعه عاجزًا عن تحمل فكرة أي مكروه يصيب شقيقه..

 بينما هو في حالة من الضعف لا يمكنه من تقديم أي مساعدة، لقد بذل "يونس" الكثير من أجل شقيقه، أما الآن فهو يجلس بلا حيلة، مما مزق قلبه إربًا، كتم غصته في صدره، ثم تحدث قائلا ً:


-"يونس" عمل عشاني كتير و أنا دلوقتي قاعد هنا عاجز مش قادر اعمله حاجة، أنا بسبب عجزي مش قادر أعمل حاجة!.


عاد الصمت ليخيّم من جديد، ولم يتبقَ سوى صوت شهقات "إيلول ومريم" وأنفاس "حسام" المضطربة التي تكاد تغادر جسده. وكأن المكان تحول إلى كتلة من الحزن، حتى انشلّ الجميع من لحظة حزنهم عندما فتح الباب ودخل "أحمد"!

الذي كان يميل برأسه كناية عن خيبة الأمل. انتفض الجميع من أماكنهم بلهفة وتوجهوا إليه، بينما نطقت "زينب" وعيناها مثبتتان على الباب في انتظار دخول "يونس"!

 إلا أنها حين رأت حالة زوجها، أدركت أن الأخبار التي يحملها ليست مبشرة بالخير:

-فين "يونس" و "تقى" يا "أحمد" ليه ما رجعش حد معاك؟!.

لم يتمكن "أحمد" من إخراج الكلمات من بين شفتيه، بسبب شدة حزنه، وكأن الأشواك قد علقَت في حلقه! رفع رأسه، وكان الحزن واضحًا على ملامح وجهه، كغيوم داكنة تغطي السماء. 

تحرك من مكانه دون أن ينطق بكلمة، وجلس على أقرب مقعد إليه، مستنشقا نفسًا عميقًا كأنه يكافح ليبقى صامدًا، لكن صمته زاد من قلق من حوله، وبدأ الخوف يتسرب إلى قلوبهم، حتى انقطع "حسام" عن التفكير، قائلاً بقلق شديد: 

-بابا بالله عليك اتكلم كفاية الخوف إللي احنا فيه، بلاش تخوفنا أكتر.


تنهد "أحمد" وبدأ بسرد ما حدث، بينما كانت الكلمات تخرج من لسانه بصعوبة. كان قلبه يعاني عبئاً ثقيلاً، وعند انتهاء حديثه، عمّ الحزن أرجاء المنزل، ساد الصمت بين الجميع وكأن الكلمات فقدت جدواها، حيث استغرق كل فرد في التفكير فيما سيفعله وما ينتظره في المستقبل.


**************                     

وصلت سيارة "وليد" إلى وجهتها، بينما كان "يونس" ما زال يكافح لتحرير نفسه من قيوده بصعوبة بالغة! عند توقف السيارة، نزل "وليد" منها، وألقى نظرة على "يونس" بابتسامة تحمل بين طياتها الشر والخداع، ثم قال:


-وفر جهدك لبعدين لسه قدامك شغل كتير وبعدها تودع الحياة، هاتوه بسرعه جوه عند القطة قبل ما يوصل البيه.


بمجرد أن أنهى "وليد" كلماته، اقترب رجالُه من "يونس"، وأمسكوا به بقوة، لم يُظهر "يونس" أي ردة فعل، بل ظل هادئاً عندما أدرك أنه سيلتقي "بتقى"؛ مما سيمكنه من الاطمئنان عليها بعينيه، ولتُخفف عن قلبه بعض الشيء. 

وبعد ذلك، سيفكر في الطريقة المناسبة للهرب من هذا المكان، تقدموا به نحو منزل متهالك محاط بأشجار الغابة، حيث قام بتفحص المكان بدقة ليُحدد أسهل طرق الهرب الممكنة. 

وصلوا أمام باب حديدي، فتحه "وليد"، ثم تقدم أمامهم، بينما كان "يونس" يرافقه في الخلف، وحينما خطا إلى الداخل، بدأ يبحث عنها بشغف في قلبه قبل أن تتاح له الفرصة لرؤيتها بعينيه.


 حتى وقع نظره عليها وهي جالسة في زاوية منعزلة، تحتضن جسدها الصغير وكأنها تستمد القوة من ذاته!

كانت عيناها موجهتين نحو الأرض، تبدو شاردة الذهن، وهي في هيئتها تشبه طائرًا جريحًا، لم تلاحظ حتى وجودهم، مما زاد من ألمه وحزنه، وكأن قلبه تمزق إربًا جراء هذا المنظر المفجع!

 تمنى لو أنه تمكن من الإمساك "بوليد" بين يديه ليقتله بلا تردد، وعندما لاحظ صمتها، نطق بصوت حزين قائلاً:

-تقى.. تق...

بلع "يونس" كلماته في حلقه عندما دفعه "وليد" من خلفه بقوة، مما أدى إلى سقوطه على ركبتيه واصطدامه بالأرض!

 حيث أصدرت عظامه أصواتًا نتيجة الارتطام. عضّ على أسنانه بغضب، وتغير شكل نصف وجهه حتى أصبح يبدو مخيفًا! عندها انتبهت "تقى" لوجودهم، وبدت كأن صوت "يونس" بمثابة حبل نجاة أنشلها من دوامة أفكارها. 

عادت أنفاسها إلى طبيعتها، ودب الاطمئنان في قلبها، فقامت من مكانها وركضت بكل فرح حتى وصلت إليه، وجلست على ركبتيها أمامه، نظرت إليه محاولةً الكلام، لكن لسانها كان عاجزًا!

استشعر "يونس" ما يجول في خاطرها، إلا أن الهدوء الذي يكسو ملامحها؛ أضفى عليه شعورًا بالسعادة، كطفل وجد ملاذه.

لم يمنحهم "وليد" وقتًا كافيًا للتعبير عن فرحتهم بلقائهم، فأشار إلى رجاله بأن يحملوا "يونس" ليقف على قدميه!

 وبسرعة، نفذوا أوامره واقتربوا من يونس، حيث حملوه من ذراعيه حتى استقام واقفًا. في هذه الأثناء، نهضت "تقى" أيضًا، وقد بدأ القلق في عينيها، لاحظ "يونس" قلقها، فهتف ليطمئنها قائلاً:

-ماتخافيش يا "تقى" أنا جنبك مش هيحصل حاجة ليكِ.


بادرتُه بابتسامة وأومأت برأسها، مما أكّد له أنها لا تشعر بالخوف.

 فجأة، ساد الفوضى وركض رجال "وليد"، إلى الخارج و صدى صوت زئير سيارة قادمة! دخل رجل مسرعًا نحو "وليد" وقال:

-البية الكبير وصل لازم نستعد و يكون كل حاجة جاهزه.


عندما سمع "وليد" كلمات الرجل، اندفع مسرعًا، تاركًا القلق يتملكهم!

 بينما كان "يونس" ينظر إلى القيود التي في يده بعمق اليأس، أدرك أن الخطر بات قريبًا،  و لا مفر منه.

 لم يكن لديه خيار سوى الهرب، ولكن كانت أولويته هي حماية" تقى" من شرورهم قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه. 

نظر إليها فوجدها تراقبه بعينيها اللتين تتلألأ فيهما الدموع، وقد بدا وجهها شاحبًا مثل الأموات، بينما استحوذ عليها الخوف رغم شجاعتها المعتادة، وعندما سمعت أن هناك رجلًا قادمًا، أدركت أن "وليد" سيفعل ما قاله لها.

 أخذ نفسًا عميقًا، وهو يشعر بالحيرة إزاء كيفية مواساتها! كان خوفها يفتك به ببطء، لكنه لم يجد بديلًا عن تركها في هذه الحالة. بلع لعابه ثم قال: 


-"تقى" ليه كل الخوف ده؟ أنا مستحيل اسمح لحاجة تحصل لك حتى لو دفعت حياتي ثمن لأمانك وحمايتك.. طول ما أنا جنبك هكون درع ليكِ يحميك من كل خطر.


أحسنت كلماته إليها، لكن قلقًا يمزق قلبها، فهي لا تعتقد أنها تخشى على نفسها، بل تخشى عليه من المكروه!

 إن مجرد التفكير في ما قاله "وليد" ينزع من روحها السكينة، ويترك عقلها في حالة من التشتت.

 شعرت بدمعة تترقرق في عينيها كما أحست بروحها تبتعد عنها، حتى أصبح الهواء الذي تستنشقه ثقيلاً. بكت في صمت، تُناجي نفسها بقولها: 


-"يا ريت اقدر اتكلم أنا مش خايفه على نفسي طول ما انت معايا؛ اللي راعبني انه يحصلك حاجة مش هقدر اتحمل ده"


استفاقت من دوامة أفكارها عندما دخل "وليد"، يرافقه رجل شرير تظهر ملامحه بوضوح!

 ألقى نظرة عليهم دون أن يتفوه بكلمة، ثم أصدر أمراً "لوليد" بإخراج "يونس" و"تقى" إلى الخارج بسرعة.

 نفذوا الأمر على الفور، وأخذوهم إلى الخارج، حيث شعرت "تقى" بمرارة ابتلاع لعابها الذي امتزج بدموعها.

 أدركت أن ما كانت تخشاه قد بات قريباً. نظرت حولها، فرأتهم يتجهون نحو أعماق الغابة حتى وصلوا إلى مكان ينبعث منه دخان ورائحة احتراق، حيث  النيران المشتعلة على  شكل  دائرة مستديرة !

و وجود علامات ورموز غريبة مرسومة على الأحجار. كان هناك رجل مخيف الشكل يجلس على الأرض، وعندما وصلوا أمامه، رفع رأسه ووجه نظره إليهم، ثم قال بصوت عميق ومخيف:


- هو وصل  الشاب المطلوب علشان المهمة؟ عايز اطلع الحاجة دلوقتي منه 


نطق الرجل بصوت غليظ قائلاً:


-انت عايز إيه؟ وايه طلباتك علشان نبدأ بسرعة؟


أجابه قائلاً: 


-أنا عايز  دمه!


من أنا 


البارت 18


سقطت تلك الكلمة على مسامع "تقى" كالسهم الذي اخترق قلبها بلا رحمة؛ هزت رأسها غير مصدقة ما سمعت، ثم نظرت إلى "يونس" والدموع تتدفق من عينيها بشكل غير منتظم، وجسدها يرتعش حتى سقطت على ركبتيها عاجزة عن تحمل ثقل ما يجري!


 أما "يونس"، فلم يكن أقل صدمة منها حين طالب الكاهن دمه، مما يعني أنه مهدد بالخطر..

 لكن دموع "تقى" كانت بمثابة جرس إنذار أيقظه من ذهوله؛ فأدرك أن مصيره قد صار محتوماً، إلا أنه كان عليه أن ينقذ "تقى" قبل أن تؤول الأمور إلى ما لا يحمد عقباه. 

وقبل أن يتمكن الرجال من أخذه إلى الكاهن، التفت إلى "وليد" قائلاً:


-أنا مستعد دلوقتي أقدم كل إللي أنت عايزه  حتى  لو روحي مش دمي بس، لكن عندي آخر طلب سيب "تقى" تروح و أنا هبقى هنا؟ 


ألقى "وليد" نظرة ساخرة عليه، ثم اقترب منها، وتعابير وجهه لم تكن تحمل دلالات خيراً، وقال:


-ماكنتش عارف إنك بتحبها للدرجة دي؟ بس نعمل إيه هقتلك و آخذ إللي أنا عايزه، و بعدها أقتلها مفيش حل تاني و نقفل الحكاية هنا.


تتجلى مشاعر اليأس في دموعها وذعرها، مما يحرق قلبه، ويعكس عجزه أمام تلك الكائنات الشيطانية.. لا يملك القوة للوقوف في وجوههم، على الرغم من محاولاته المستميتة للهروب؛ إلا أن جهوده باءت بالفشل. 

وتمت الإطاحة به بالقوة أمام الكاهن، حيث أُسقط أرضًا وسط الدائرة الغامضة!

بدأ الكاهن يتلو طلاسم غامضة، مستخرجًا سكينًا كبيرة من إحدى الحقائب..

خارت قوى "تقى" بينما كانت تعاني في محاولة الفرار، لكن لم يعد بمقدورها التحمل، وفي لحظة غير متوقعة خرج صوتها، حادًا وقويًا؛ حين رفع الكاهن السكين عاليًا ليشرع في تنفيذ ما ينوي.

 صرخت بقوة، واستُلفت انتباه" يونس"، الذي نظر إليها بفرحة غامرة عندما سمع ندائها.

 كان صوتها مدويًا كالرعد، يخترق مسامعه وهو لا يزال يتأملها غير مصدق أن لسانها قد تحرر وأنها استطاعت أخيرًا الكلام!


لكن فرحته الممزوجة بالصدمة لم تدم طويلاً؛ إذ شعر فجأة بألم حاد في يده، فتغيرت ابتسامته إلى ملامح الألم، ونظر إلى يده التي كانت في قبضة قوية!


 لقد جرحه الكاهن في راحة يده، وبدأت الدماء تنزف بغزارة وبألم شديد..

 كان الكاهن يضغط على الجرح ليزيد من النزيف، بينما يقوم برسم علامات على الأرض بدمه!

 أما "تقى"، فقد كانت تصرخ حتى كادت أحبالها الصوتية تتمزق، غير مدركة أنها قد أطلقت صوتها، حيث كان كل ما يشغل بالها هو خوفها على "يونس"! 

لكن لم يهتم أي أحد من بينهم لصراخها سوى "يونس"، الذي ضعفت قواه وشعر برعشة في جسده ودوار في رأسه بعد أن فقد الكثير من الدم، حتى قال الكاهن: 

-خلصت أول خطوة بس علشان نحفر و نفتح مكان الكنز لازم بعد شوية  نقدم الشاب دا قربان للجن لازم يندبح  فوق المكان دا؟


لم تصدق "تقى" ما سمعت، و عينها متسعة، وكأنها تراقب الزمن يمر أمامها بسرعة جنونية، وكل لحظة تقترب أكثر من نهاية مرعبة.

 كان قلبها ينبض بشدة، يكاد يخرج من صدرها من شدة الرعب!


مشهد "يونس" الرجل الذي أحبته بكل كيانها، كان يُسحب أمامها إلى الحافة.

 يديه مشدودتان، وجهه مغطى بالألم، وعيونه تبحث عن مخرج لا وجود له.


الدموع كانت تغرق وجهها، لكنها لم تستطع حتى أن تلمسها، كأن يديها مشلولة، كان كل جزء في جسدها يرتجف، كل شبر في جسدها يناديه، يحاول أن يتشبث به بأي طريقة، لكن يده كانت بعيدة، بعيدة جدًا.


 شعرت وكأن الأرض تسحبها من تحت قدميها، وأصوات ضجيج المكان تغرق عقلها


حملوا "يونس" أمام عينيها، بينما كانت تراقبه بدموع مؤلمة، حتى اقترب منها "وليد" وقال: 


- جيت علشان انتقم منك على إللي عملتيه في عيني، و بعدها أقتلك بعد موته.


أطلقت نظرة معبّرة عن الغضب، كان الشرر يتطاير من عينيها، ثم بصقت على وجهه وخرجت كلماتها كالعواصف القوية، قائلة: 

-عارفه إنك جبان بتستقوى على الستات أو أي حد ضعيف متكتف ومربوط ما عندكش الشجاعة تواجه الرجالة.. زي الشيطان إللي وراك و بيحركك زي اللعبة في ايده.


وصل غضب "وليد" إلى ذروته، ولم يستطع تحمل تصرفاتها وكلماتها، اقترب منها بغضب، ثم رفع يده في الهواء وصفعها بقوة.

 وقبل أن تتمكن من استيعاب ما حدث، تلقّت صفعة أخرى، مما جعلها تسقط على الأرض. ثم التفت نحو الرجال الذين كانوا يمسكون بها وقال:


-إبعدوا عنها هتصرف أنا معها و هربيها من جديد هخليها تندم..


تسارعت دقات قلب "يونس" بشكلٍ قوي تكاد تخرج من قفص صدره، حيث استبد به غضب عارم استوطن أعماق روحه. 

وعلى الرغم من استنزاف قواه وافتقاره إلى القدرة على الوقوف، كان غضبه يدفعه نحو التحرر من قبضتهم وكسر يد الشخص الذي صفع "تقى". 

حاول "يونس" جاهدًا، لكن محاولته باءت بالفشل، وعندما أدرك ذلك، تفوه بغضب قائلاً:

-ايدك هكسرها لك يا "وليد" لو لمستها تاني، سيبها احسن لك أنا قدامك أعمل إللي إنت عايزه فيا هي لا لا.


 ضحك "وليد" بسخرية و هو يترقب ذعر "يونس"، بينما كان هو يستمتع بالمشهد. ثم اقترب من "تقى" التي كانت تحاول النهوض على قدميها. 

وعلى الرغم من الألم الذي شعرت به جراء الصفعة، إلا أنها أبت إلا أن تقاوم، حتى استقامت في وقفتها

وقالت:

-لو فاكر هخاف منك تبقى غلطان حتى لو مش فاكره حاجه بس شايفه إنك شيطان.


أنهت كلماتها، بينما تبادلا النظرات كصقر يتأهب للانقضاض على فريسته، دون أي شعور بالخوف، في حين كانت أنفاسها تتسارع وجسدها يرتعش.


 لم يتبق في المكان سوى صوت أنفاسها، الذي كان يشبه عواصف هائجة، حتى قطع اللحظة المليئة بالتوتر صوت السيد الكبير الذي أصدر أمره "لوليد" قائلا ً:

-"وليد" خلص عليها مفيش وقت ليها دلوقتي لازم نأخذ الكنز بسرعه، خدها من هنا لمكان بعيد علشان ما تعملش لنا جثتها مشكله.


تسارعت دقات قلب "تقى"، وأحست أنها وصلت إلى نهاية طريقها على يد هذا الشيطان، ولم يعد هناك مجال للهروب. فتدفقت دموعها حزناً شديداً، ثم نظرت إلى "يونس" نظرة وداع أخيرة و أجهشت في البكاء قائلة:


-يمكن دا آخر نفس ليا في الدنيا يا "يونس" هنا، سامحني إذا كنت أذيتك في يوم، ماما و أختي أمانة عندك خلي بالك عليهم يا "يونس".


- لا .. ماتقوليش كده يا "تقى" هنطلع من هنا مع بعض إن شاء الله و إنت هتخلي بالك على أهلك.


تبادلوا نظرات تحمل في طياتها معانٍ لم يدركها الجميع، وانفطر قلبها حزنًا حين رأت الدموع في عينيه.

 وقد قطعت تلك اللحظة حين سحبها "وليد" من يدها بعيدًا قليلاً، تحت صرخات "يونس" الذي كان كطائر جريح، لا يملك سوى أن يُعبر عن ألمه بالصراخ وهو ينادي باسمها، حتى اختفت عن أنظاره!


 في تلك اللحظة، لم يستطع "يونس" تحمل الموقف أكثر، فسقط على الأرض باكيًا، قلبه يمزقه الحزن، وحل صمت على المكان لا يكسره سوى صوت أنفاس "يونس". ثم قال ذلك الرجل:  

-يا كاهن ابدأ شغلك ما عندناش وقت خلص يالا.. الوقت بيمر بسرعه.


نظر الكاهن إلى الرجال الذين يمسكون "بيونس" وقال: 


-هاتوه فوق المكان دا علشان نقدمه قربان لهم و يفتح الكنز.


 سحب "يونس" إلى المكان الذي أشار إليه الكاهن دون أن يصدر عنه أي رد، إذ كان مستسلماً بين أيديهم بلا حراك، باستثناء صوت أنفاسه القوية ودموعه التي انهمرت رغماً عنه.


 وعندما وضعوه أمام الكاهن، جعلوه يستلقي على الأرض، وكان بإمكانه رؤية الكاهن وهو يقترب منه بسكينه لقتله، بينما كان يقرأ بعض الكلمات. 

لكن "يونس" كان جسداً بلا روح، استسلم لما يحدث حوله حتى فاجأه صراخ "وليد" الذي دوى في المكان. !

عندها توقف الكاهن وانتفض "يونس" من مكانه حين سمع صراخ "وليد"!

****************                       

جلس "أحمد" مع عائلته في جوٍّ من الحزن العميق الذي خيَّم على المكان.

 لم يعد لدي أيٍّ منهم القدرة على الكلام أو التفكير، حيث غابت كل الأفكار عنهم. كل فردٍ منهم كان شارد الذهن، منهمكًا في آلامه الداخلية، حتى كسر "حسام" صمتهم قائلاً:

-بابا أنا بقيت مش فاهم  حاجه، دايما أخويا "يونس" يهرب و الناس دي عايزه تخطفه من وهو عيل صغير؟  أنت مخبي عنا اية قول لينا بيحصل إيه؟


تنهد "أحمد" بعمق، كأن الهواء قد انحبس في صدره وثقله. ثم ألقى نظرة إلى زوجته، نظرة تحمل معنى لا يدركه سواهما، ثم قال: 


-هقول ليكم الحقيقة اللي بقالي سنين مخبيها علشان "يونس"!


تبادل الجميع النظرات مليئة بالتساؤلات والحيرة، ثم التفتوا بصمت نحو "أحمد" في انتظار ما سيقوله عن هذا السر الذي يخفيه.

 اعتدل "أحمد" في جلسته، ثم بدأ بالحديث قائلاً:

-قبل سنين كنت عايش أنا و والدتكم بس وهي كانت حامل و تعبانه و كان الدكتور مانعها تعمل أي شغل  أو حركة لغاية ما  يكتمل حملها ..


وساعتها جبت لها ست تساعدها و الست دي كان عندها طفل صغير بس كان شكلها مخبيه سر لغاية ما في يوم جت عندي...


«فلاش باك»

جلس "أحمد" مع "زينب"  يتبادلان الحديث حول موعد زيارتهم  للطبيب، حتى دخلت تلك السيدة وهي تلهث، ممسكة بابنها الذي كان يصرخ، ودموعها تبلل وجنتيها، حيث بدت علامات الذعر واضحة على ملامحها. نهض "أحمد" بسرعة ثم هتف قائلاً: 


-في اية مالك خايفه كده مش كنتي روحتي علشان تزوري حد من أهلك؟.


حاولت السيدة استعادة أنفاسها المفقودة، بينما كان جسدها يرتجف من الخوف. ثم نظرت إلى ابنها، الذي كانت تتجمع الدموع في عينيه، وقالت له: 


-لازم أقول لكم كل حاجه قبل ما أروح، أنا من ساعة ما خلفت ابني "يونس"  و هو كده بالشكل الغريب ده؛  شكل جلده زي جلد ثعبان نص وشه مخيف و في ناس كتير عايزه  تاخده مني علشان مصلحتهم الشيطانية، أنا عايزه أسيب ابني أمانه عندكم لحد ما أرجع.؟


أنهت كلماتها، ثم مدت يدها بابنها، الذي حمله "أحمد" بين ذراعيه.

 نظر "أحمد" إلى وجهه بدهشة وتعجب، ثم ألقى نظرة على يديه، وكانت كما وصفت والدته. 

في تلك الأثناء، كانت "زينب" تراقبه بحب، فاستقبلته من زوجها، ومسحت دموعه بيدها. وعندما جاءت لتتحدث، رفعت نظرها، لكنها لم تجد تلك السيدة التي بدت كأنها شبح، واختفت في غمضة عين.


 ثم نظرت إلى "أحمد"، الذي بدا مصدومًا كما هي، وسألته بتساؤل:

-"أحمد" دي إختفت فين من شوية كانت هنا؟!


-مش عارف يا "زينب" نعمل اية دلوقتي في العيل دا؟


أطلت "زينب" بنظرة مليئة بالحب نحو الطفل، وضمتْه إلى حضنها، بينما ارتسَمَت على شفتيها ابتسامة دافئة. اجتاحها شعور جميل يتناغم مع السعادة، وهي تعانقه، ثم قالت:


-"أحمد" سيبه يبقى معانا لحد ما ترجع أمه  بص شوف دا حلو إزاي... أنا فرحانه به أوي أوي.


لم يتمكن "أحمد" من رفض طلب زوجته عندما لاحظ مشاعرها اتجاه الصغير.

 وهكذا، استمر "يونس" في البقاء معهما يومًا بعد يوم، ينتظر عودة والدته التي لم تأتِ!

 ومع مرور الأيام ازداد حبهم "ليونس"، حتى أصبحوا لا يستطيعون الاستغناء عنه، رغم إنجابهم لأولادهم..

 على الرغم من المخاطر التي كانت تطارد "يونس"، إلا أن حبهم له كان عظيمًا، إذ أصبح نور عيني "زينب" وولدها العزيز. 


«باك»


أكمل "أحمد" رواية كل ما حدث، وسط صدمة الحاضرين الذين اتسعت أعينهم وعجزت عقولهم عن تصديق ما سمعوه. وكان أكثرهم تأثراً "حسام"، الذي حاول جاهدًا استيعاب ما قاله والده، لكن عقله كان يرفض تصديق ذلك بشدة. ثم قال: 

-بابا أنت بتقول أية يعني "يونس" مش ابنك؟


-"يونس" مش ابني بالدم بس هو ابني بالروح مهما حصل هيبقى ابني.

..............


من أنا 

البارت 19

عمَّت الأجواء حالة من الذعر إثر صرخة "وليد" المؤلمة التي ملأت المكان، مما فاقم التوتر وألهب الأعصاب. 

تمنَّى كبيرهم في سرِّه أن تتحسن الأمور، ثم تحرَّك مع عددٍ من الرجال صوب مصدر الصوت، تاركًا البقية مع "يونس"، الذي بدأ يستعيد روحه ويتنفَّس الصعداء.


تأكَّد أنَّ "تُقى" قد اتخذت خطوة لإنقاذ نفسها دون أن تستسلم، ونجحت في النجاة من الخطر. 

ولكن قلقًا جديدًا اندلع في قلب "يونس"، خوفًا من أن يعيدوا القبض عليها!

 حاول النهوض، إلا أنَّ دوارًا شديدًا أصابه، فسقط أرضًا عاجزًا، فيما كانت عيناه تتابعهم حتى اختفوا وراء الأشجار.


ظلَّ يراقب الأشجار، مترقِّبًا قدوم أي شخص يُطمئن قلبه على "تقى" أو يزوِّده بأي خبرٍ يبعث في نفسه الطمأنينة.

 زاد قلقه مع مرور الوقت، وتشتدُّ آلام يده التي تكاد تفتك به، لكنَّ ألم قلبه كان أشد وطأة!

 شعر كما لو أن الزمن قد توقَّف، وكأنَّ دقائق الانتظار تجثم على صدره.

 كاد يفقد الأمل، لكن فجأةً، اقتطع صوتها من بين الرياح الآتية عبر الأشجار، كأنَّها تستغيث به.


بقي ينتظر في حالةٍ من القلق والقهر، حينما تأكَّد أنَّها في أيديهم.

 لم يُخيِّب حدسه، إذ لمحهم يخرجون من خلف الأشجار، يساعدون "وليد" على المشي، بينما اثنان منهم يمسكان "بتقى"، التي كانت تكافح عكس تيارهم.


تدهورت حالته بصورةٍ ملحوظة، وراودته مخاوف عميقة وهو يتأمَّلهم حتى وصلوا إلى مكانه.

 كان وجه "وليد" ويداه مغطاةً بالدماء؟! ثم ألقوا به في السيارة، واستدار زعيمهم نحو "تقى"، رافعًا المسدس في وجهها.


شهق "يونس" من الذعر وهو يشاهد فوهة المسدس مصوَّبة نحو رأسها، حيث لم تكن في عيون ذلك الكائن البشري أي بادرةٍ للرحمة، بينما كانت يده لا تزال على الزناد. نظر إلى الكاهن وقال:

-خلص شغلك بسرعه و أنا هخلص عليها هنا قدام عنيه.

 

انتفض جسده وكأنه قد أصيب بصاعقة، وانقبض قلبه وهو ينبض بعنف يكاد يحطم قفص صدره. 

غلبت عليه حالة من الجزع والقلق، فتنفسه أصبح متسارعًا كأنه في سباق، يتوق لاحتضانها ليكون ذرعًا لحمايتها، تاركًا تلك الرصاصة تخترق جسده، إذ إن روحه من دونها تفتقد إلى المعنى!

 لكن أولئك الذين يمسكون به يشعرون كما لو أن شوكة قد اختلست في حلقه، تمنعه من الصراخ.


في تلك الأثناء، كانت "تقى" ترمقه بنظرات مليئة بالمعاني، وكأن عينيها تسرد له أنها فعلت المستحيل، لكن يبدو أن القدر قد حدد مصيرها هنا، ولا مهرب منه.

 أغلقت عينيها وانتظرت مصيرها، وقلبها يرتجف، بينما هطلت دموعها بلا انقطاع. انهمرت الدموع من عينيها بشدة، ليس خوفًا من الموت، وإنما حزنًا على معاناة "يونس" وأحبائها..

 فهي تدرك تمامًا مدى الألم الذي سيعانونه بعد رحيلها! ولكنها لم تجد وسيلة للتعبير عن ذلك سوى أن تستسلم لقدرها وتسلم أمرها إلى الله.


فجأة، كسر صمتهم، ارتفع صدى صوت سيارة الشرطة من بعيد، تقترب بسرعة ملحوظة.

 كانت صيحات صفاراتها تتردد في الأجواء، مما أثار حالة من الذعر والارتباك بين الحاضرين!

 ارتجف البعض في أماكنهم، بينما تسارع آخرون في خطواتهم بحثًا عن مكان للاختباء أو للفرار. 

لم يكن أحد يتوقع أن يقطع صوت السيارة هذا الهدوء، مما أضفى مزيدًا من التوتر على الموقف.


في خضم الفوضى، دفع الرجل "تقى" بقوة، فسقطت على الأرض واصطدم رأسها بصخرة؛ أطلقت صرخة مدوية ارتجت أصداؤها في المكان، ثم أغمضت عينيها دون حراك.

 أسرع الرجل نحو السيارة التي كان فيها "وليد"، واستقلها مُنفلتًا بسرعة جنونية، تاركًا "يونس" صريعًا على الأرض، بينما هرع الآخرون نحو الغابة.


زحف "يونس" على ركبتيه نحو "تقى"، وعيناه تذرفان الدموع، حتى وصل إليها. رفعها، وعندما وضع رأسها على فخذه، شعر بسخونة تلامس يده!

 فاجأته المفاجأة حين وجد يده ملطخة بالدماء، فانطلقت منه صرخة حزن مدوية قائلاً:

_ "تقى! لا .. ماتسيبينيش، أرجوكِ! لا .. مش هعرف أعيش بدونكِ!"


ظل "يونس" يهز جسدها في يأس، آملاً أن تعود إليه بأي شكل، لكن صوت صفارات الشرطة كان يزداد قربًا، وكأنه يعلن نهاية المأساة أو ربما بدايتها.

 كانت دموعه تفيض كشلال، تروي الأرض من حوله، بينما كان قلبه يتمزق ألمًا.


اقتربت سيارات الشرطة بسرعة وتوقفت، قفز رجال الأمن منها ليحيطوا بالمكان. صرخ أحدهم:

_ "ما تتحركش!"..

 لكن "يونس" لم يستجب. بقي متشبثًا بجسد "تقى"، كأن العالم قد توقف بالنسبة له عند تلك اللحظة.


اندفع أحد الضباط نحوه ووضع يده على كتفه قائلاً بحزم، لكنه برفق:

_  قلنا حصل إيه هنا؟!


رفع "يونس" رأسه ببطء، وعيناه تغرقان بالدموع، وأجاب بصوت متهدج:

_ دي مش مجرد ضحية ... دي حياتي كلها..  أخذوها مني!"


عم الصمت المكان للحظة، ثم بدأ رجال الشرطة بفحص المنطقة، بينما بقي "يونس" ممسكًا بـ"تقى"، كأن روحه تأبى فراقها.


-"تقى"،  "تقى" بالله ردي عليا لاماتعمليش كدة فيا ..انت سمعاني ردي عليا؟!


عندما شعر بالعجز للمرة الأولى، انهمرت الدموع من عينيه، و كانت " تقى" بين يديه جثة هامدة بلا حراك، ودماؤها تسيل على الأرض!


 في تلك اللحظات العصيبة، وصلت الشرطة بسرعة وعمت الفوضى. عند رؤيتهم لحالة "تقى"، قاموا بحملها على الفور، بينما ساعدوا "يونس" على النهوض.

 ثم استقلوا سيارة الشرطة متجهين نحو المستشفى، في حين توجه بعضهم لمتابعة "وليد" ورجاله. 

                          

بعدما أخبرهم "أحمد" بما حدث، تركهم في حالة من الصدمة؛ حيث كانوا يحاولون استيعاب ما يجري، أو بالأحرى ما قاله والدهم. 

كان كل واحد منهم مشغولاً بأفكاره الخاصة؛ "حسام" يحاول إقناع نفسه بأنه مجرد حلم، وربما سيستفيق منه، في حين كانت "مريم" في حالة من الذهول، لا تستطيع النطق بكلمة واحدة. كسر "أحمد" صمتهم المريب قائلاً: 


_ عايزكم تعرفوا أنه مهما حصل "يونس" هيبقى أخوكم، مش لازم يعرف حاجه من إللي قلته ليكم عليه، علشان ما يحسش أنه وحيد؟


جففت "زينب" دمعة انهمرت من عينيها، فهي تعيش في حالة من القلق المستمر منذ سنوات؛ تخشى فقدان "يونس".

 أصبح "يونس" جزءاً لا يتجزأ من روحها، وطفلها الأول، مهما جرى، تبقى صورته  في عينيها كما لو كان فلذة كبدها!

 لا ترغب في أن يتغير أي شيء في هذه الحقيقة. أخذت نفساً عميقاً وقالت: 

-"يونس" ابني ومفيش  حاجه هتتغير مهما حصل، و مش عايزه حد يقوله حاجه. و هيفضل ابني طول العمر.


-دا اللي بقوله، المهم دلوقتي هروح لغاية قسم البوليس يمكن يكونوا وصلوا لحاجه؟!


 انتهى "أحمد" من حديثه ثم غادر، بينما أخذت "زينب" "إيلول" لتستريح قبل أن تتجه إلى غرفتها.. تليها ذهبت "مريم".

 انتظر "حسام" صامتًا في مكانه، وكانت "شهيرة" أمامه! عمّ الصمت المكان حتى نطقت "شهيرة" بحزن معبرة عن حالة "حسام"، قائلةً: 


-أنت ليه حزين كده، "يونس" أخوك و هيفضل كده أدعي له بس يرجع بالسلامه.


تنهد بينما كان يشعر بضيق في صدره، قلقاً من ما قد يحمله المستقبل إن اكتشف "يونس" الحقيقة، ثم قال: 


_ خايف على "يونس" لما يعرف، هو ديما بيسأل نفسه ليه مختلف؟ ليه شكله كده و اذا عرف أنه مش أخويا الحقيقي هيحس إنه وحيد!


-ماتقولشي ليه حاجة، سيب الأمور كده متخبيه؛ علشان سعادته.


_ المهم يرجعوا  لينا بالسلامة هو و "تقى"، أنا خايف عليهم جداً.


حاولت تهدئته ببعض الكلمات، لكن القلق ما زال ينخر في أعماق قلبه. 

-اطمن إن شاء الله خير، و يرجعوا بالسلامه.


***********                         

وصل "أحمد" إلى قسم الشرطة، قلبه مليء بالقلق والخوف على ابنه. 

دخل القسم وهو يضغط على قلبه، متمنيًا أن تكون هناك أخبار طيبة. توجه إلى مكتب الضابط الجالس خلف الطاولة، حيث طلب منه الجلوس. 

جلس "أحمد" أمام الضابط، ولم يتوقف عن النظر في عينيه، كأنما يبحث عن أي بصيص أمل.


قال الضابط بصوت هادئ:


-في أخبار كويسة أوي لك يا أستاذ "أحمد" اطمن


هتف أحمد بصوت مرتجف: 

_ إيه ..انتم وصلتوا لحاجة ؟ هو في أخبار عن ابني ؟!


أجاب الضابط بهدوء قائلاً:


-إطمن وصلنا لمكان ابنك هو بخير، بس العصابة قدرت تهرب و أحنا وراهم بنتعقب  اثرهم من يوم الحادثة ، كنا ورا الآثار بتاعتهم  وسمعنا اطلاق الرصاص و عرفنا المكان.


 استعادت البهجة والحماس مكانهما في قلب "أحمد"، فنهض واقفًا، تعكس ملامحه سعادة غامرة، وهو يتفقد المكان بعينيه بحثًا عن ابنه قائلاً:

-فين ابني عايز اشوفه، طيب و "تقى" هي معاه خليني أشوفهم؟


-ابنك في المستشفى هو كويس عنده جرح بسيط، بس البنت لسه مش عارفين حالتها إيه، تقدر تروح تشوفهم هناك في مستشفى(*****).


عاد القلق ليتسلل إلى قلب "أحمد" ثم شكر، الضابط و هرع مسرعًا إلى المستشفى، خطواته تسابق نبض قلبه المفعم بالقلق.

 ولم يمضِ وقت طويل حتى وصل إلى هناك، فسأل عن الغرفة التي يتواجد فيها ابنه وركض إليها بشغف!

 وفور وصوله، وقبل أن يدخل، فُتِح الباب ليظهر "يونس" أمامه، مائل الرأس وخطواته غير متزنة. اقترب "أحمد" منه بسرعة، ونطق لسانه قائلًا:

-"يونس"،.. "يونس" حبيبي .

عندما سمع" يونس" صوت والده، رفع رأسه بسرعة، وتجلى على وجهه الحزن الشديد، مما جعل ملامحه تتسم بالشحوب!

 دون أن يتفوه بكلمة واحدة، ارتمى في حضن والده، معانقًا إياه بقوة كالغريق الذي يحتاج إلى طوق النجاة. 

لقد كان "أحمد" بمثابة المنقذ الذي انتشله من حالة اليأس، إذ كان "يونس" في أمس الحاجة إلى ذلك العناق الذي يلم شتات جروحه ويخفف ألمه.

 شعر "أحمد" بالقلق من صمت "يونس"، فتراجع قليلاً وأمسك بيده، ثم جلسا معاً على أحد المقاعد، بينما ظل "يونس" غارقاً في حزنه وصمته.

 أمسك "أحمد" بيده برفق، متحدثًا بنبرة أبوية حانية قائلاً:


-ابني أنت كويس في حاجه بتوجعك أنادي على دكتور؟!


 نظر "يونس" إلى والده، و يده على صدره كما لو كان يحاول تخفيف الألم الذي يشعر به في قلبه!

 قلبه ينبض بسرعة، والألم فيه كان أشبه بقبضة حديدية تضغط عليه بشدة.

 لم يكن الألم الجسدي هو ما يعذبه، بل القلق الشديد الذي كان يعتصره بشأن "تقى".

 كان يتخيلها في كل لحظة، يتساءل عن حالها، كيف هي الآن؟ هل هي بخير؟ 

شعر وكأن دقات قلبه تتناغم مع قلقه، وكلما فكر في "تقى"، زادت المخاوف في قلبه.

 كان يخشى فقدانها أكثر من أي شيء آخر. كان يعلم أن الحياة قد تكون قاسية أحياناً! تنهد و كأن أشواك عالقة في حلقه و قال بحزن شديد:


-مفيش حاجه بتوجعني غير قلبي يا بابا، "تقى" كل مرة تتأذي و مش قادر اعمل لها حاجة، مش هقدر أتحمل تحصل لها حاجه المرة دي؟! 


شعر" أحمد" بقلق متزايد حيال ابنة صديقه، وتألم في أعماقه لحزن ابنه؛ إلا أنه تمالك أعصابه وربت على كتف ابنه قائلاً: 


-ماتخافش "تقى" هتكون كويسه و مش هيحصل لها حاجة ادعي لها بس.


لم يرغب "أحمد" في أن يستفسر من ابنه عن ما حدث "لتقى"؛ حرصاً منه على عدم زيادة حزنه.

 وقد قُطع حوارهما بخروج الطبيب من غرفة "تقى"، حيث انتفضا من أماكنهما بلهفة واقتربوا منه بخطوات مسرعة، وهتف يونس في حالة من الذعر قائلاً: 

_ طمني يا دكتور "تقى" كويسه  هي بخير؟


من أنا 

البارت 20


تجلى على وجه الطبيب ابتسامة خفيفة، تعبيرًا عن الطمأنينة، ثم قال بهدوء:


_ اطمنوا، هي بخير حاليًا. بس الضرب كان شديد، وممكن يسبب لها فقدان ذاكرة... أو العكس، ما يحصلش أي حاجة.


"يونس"، الذي كان القلق يسيطر عليه، رد بسرعة وبنبرة متوترة:


_ بس يا دكتور... هي أصلًا كانت فاقدة الذاكرة، ومش فاكرة حاجة من الأول.


أنهى "يونس" جملته وهو ينظر للطبيب بترقب شديد، وكأن قلبه لا يحتمل مزيدًا من الانتظار. أخذ الطبيب نفسًا عميقًا، والبسمة لا تزال على شفتيه، ثم أجاب بجدية:


_ في الحالة دي، ممكن ترجع لها الذاكرة إن شاء الله. بتمنى كده يحصل. هي دلوقتي شويه وتفوق، وتقدروا تدخلوا تشوفوها.


تنفس" يونس" بعمق وكأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن صدره. جلس محاولًا استعادة هدوئه، بينما والده كان يراقبه بصمت، يتأمل تعابير وجهه المليئة بالقلق والحزن. فجأةً، قطع الصمت وسأله بنبرة جادة:


_ بتحبها يا "يونس"؟


وقع السؤال على أذن" يونس " كأنه صدمة، فتجمد في مكانه، ولم يعرف كيف يرد. كلمات والده كانت واضحة، لكنها أصابت قلبه مباشرة. تردد للحظات، ثم رفع رأسه ونظر إلى والده، وقال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:


_  لا، مش بحبها يا بابا..


والده لم يقتنع. اقترب منه، ثم سأله بهدوء:


_ أومال ليه كل الخوف ده عليها؟ ليه لمعة الحزن دي في عيونك؟ ليه كنت مرعوب لما عرفت إنها في خطر؟


نظر "يونس" إلى الأرض لثوانٍ، وكأن الكلمات تعاند لسانه. أخيرًا، رفع عينيه المليئتين بالشغف والحقيقة، وقال بابتسامة خفيفة:


_ كنت تايه... تايه أوي، وحاسس إن حياتي كلها عتمة، لحد ما ظهرت هي... زي نور في الضلمة، ونورت كل حاجة في حياتي. اللي بينا أكبر من كلمة "حب".


ابتسم والده بفخر وسعادة، داعيًا في سره أن يجمع الله بينهما في الحلال. ظل يراقب "يونس" الذي شرد مجددًا في أفكاره، ثم قرر أن يخفف عنه أجواء التوتر بمزحة، فقال ضاحكًا:


_ ما تشغلش بالك يا عريس، أول ما نخرج من هنا، هروح أطلبها لك!


انتبه "يونس" سريعًا وقال مستنكرًا:


_ عريس مين ده؟!


أثار "يونس" دهشة والده بسؤاله، بينما كان ينظر إليه بعينين تتلألآن كقطرات الندى!


ابتسم "أحمد" بحنان على حال ابنه، ثم نهض من مكانه قائلاً بين ضحكاته:


_ أنت العريس يا ابني يلا، قوم ندخل نطمن على "تقى"، ادخل أنت الأول وأنا هتصل بأمك أطمنها وأقول لها إني لقيتك هما قلقانين عليك هناك.

وهطلب منهم يجيبوا أم "تقى" على البيت علشان نتجمع.


أوماً "يونس" برأسه دون أن ينبس ببنت شفة. تقدم نحو الباب وقلبه يخفق بشدة وكأن دقاته أصبحت مسموعة في المكان.


وضع يده على مقبض الباب بتردد، لكنه سرعان ما تغلب عليه، طرق الباب عدة مرات قبل أن يفتحه ببطء ويدخل.


وجدها مستلقية على السرير، تنظر إلى السقف بشرود ودموعها تنساب بهدوء على وجنتيها! امتلأ قلبه جزعًا لرؤيتها بهذا الحال، فاندفع نحوها قائلاً بقلق:


_ "تقى"! "تقى"، مالك؟ راسك بتوجعك ؟ أنده للدكتور حالاً!


كانت كلماته ممتزجة بلهفة وقلق، وكأن قلبه يعتصر ألمًا خوفًا عليها، رفعت "تقى" رأسها قليلاً، وتنهدت بعمق تحاول استعادة هدوئها، ثم ردت بصوت يختلج بالبكاء:


-أنا كويسة... جسمي مش إللي بيوجعني قلبي إللي وجعني...


"يونس" عمي... هو السبب في دمار حياتي؛ قتل بابا... وعذبني بأبشع الطرق. حبس أمي وأختي كل ده مر عليا، وأنا ما كنتش فاكره حاجة!


صمت "يونس" للحظة، ممزوجا بين فرحته بعودة ذاكرتها وحزنه العميق لما مرت به، ثم قال برفق وهو يقترب أكثر:


_ اهدي، یا "تقى". دلوقتي أنت تعبانة بلاش تضغطي على نفسك، الجرح اللي في راسك كان قوي، محتاجة راحة.


هزت رأسها بحزن ومرارة، ثم نظرت إليه بعينين مليئتين بالدموع، وقالت بصوت مكسور


أنا بخير جسديًا، لكن نفسيا ... تعبانة أوي. بندم كل لحظة إني ما قتلتوش وسط الغابة. ليه استسلمت؟ ليه ما خلصتش حياتي من الكابوس ده؟


ظهرت الصدمة على وجه "يونس"، فمد يده ليمسك بيدها بلطف ، وقال بإصرار:


_ ما تقوليش كده تاني، يا "تقى"! حياتك أثمن بكتير من إنك تضيعيها بسببه، أنا هنا معاكِ، وهفضل جنبك لحد ما نعدي كل ده سوا. أنتِ أقوى من أي وجع، فاهمة؟


عقد "يونس" حاجبيه وهو يحدق بها، محاولا استكشاف ما جرى، ثم سألها بفضول:


_ حصل إيه وسط الغابة؟ عملتي إيه خلا "وليد" كده؟


جففت دموعها بأطراف أصابعها، وأخذت نفسًا عميقًا يملؤه التوتر، ثم غاصت في أعماق ذكرياتها حتى عادت إلى تلك اللحظة بوضوح، وبدأت تسرد ما حدث:

-لما وصلنا للغابة، وقعني على الأرض بقوة ووجه سلاحه ليا، وفجأة رن تليفونه في اللحظة دي، هو مسك التليفون وبص عليه، وأنا استنهزت الفرصة، مسكت حجر كان جنبي وقمت بسرعة، وأول ما رفع راسه ضربته بقوة في وشه.


_ طيب ليه ما هربتيش بعد ما ضربتيه وقتها؟


تحدثت بنبرة مشبعة بالغضب والكراهية كأنها تسترجع صورًا من الجحيم، وهي تتذكر ذلك الكائن الشيطاني البشري وقالت:


-لما ضربته، بدأ يصرخ ويطلق رصاص بغضب من غير ما يعرف الهدف. وقتها خفت ووقعت على الأرض. ولما وصلوا، لاقوني مرمية على الأرض.


تنفس "يونس" بعمق وهو يشعر براحة كمن خرج من كابوس ووجد نفسه في ملاذ آمن يشعر براحة غامرة كأن ثقل العالم زال عن قلبه، وما يبعث الاطمئنان

في قلبه أكثر هو أنها بخير. عندما نظر إليها، وجدها تحدق به وكأنها تنتظر فرصة للتحدث، لكنها بدت محجوبة خلف خجلها.


_ اتكلمي يا "تقى"، أنا هنا معاكِ مش لازم تخافي أو تحسي بالحرج، أنا بسمعك.


أُذهلت أنه كيف علم بأنها ترغب في الحديث؟! ثم خفضت بصرها خجلاً.

 كانت تريد أن تسأله عن سبب رؤيتها للدموع في عينيه حين حاولوا قتلها، لكنها ترددت وشعرت أن الوقت غير مناسب لهذا السؤال، ثم قالت:

-أنت كويس دلوقتي؟ هي إيدك لسه بتوجعك؟


تحدث دون أن يوجه نظره إليها، وكأن قلبه هو الذي يتحدث دون وعي منه:


_ أنا كويس طالما إنتِ كويسة، ونسيت كل وجعي لما شُفتك بخير.


اشتعلت وجنتيها خجلاً من كلماته، وانحنت برأسها، ففهم "يونس" ما صدر عنه دون وعي منه.

 بلع ريقه محاولاً التحدث لإخراجها من موقفه المحرج. وقبل أن يتمكن من الكلام، فتح الباب ودخل "أحمد" مثل المنقذ بالنسبة لهم، قائلاً:

_ الحمد لله على سلامة، طمّنيني عليكِ، بقيتي كويسة؟


أجابته بابتسامة وقالت:

- الحمد لله، كويسة يا عمي.


بعد مرور عدة أيام، طرأت العديد من التطورات، فقد غادرت "تقى" المستشفى بعدما تحسنت حالتها الصحية، وانتقلت للعيش مع والدتها وشقيقتها في منزل "أحمد الهلالي"، الذي أصر على استضافتهن.


 في هذه الأثناء، ركز "حسام" على تلقي العلاج، حيث بدأ يتمكن من المشي ببطء، فخطا خطواته الأولى، وأسهمت هذه الإنجازات في تحقيق تقدم ملحوظ بفضل دعمهم المستمر.

 زادت هذه اللحظات من فرحة الأسرة بشفاء ابنهم، وجمع شملهم بعد فترة طويلة من المعاناة. بينما كانوا يجلسون معًا في بهو المنزل، يتبادلون الأحاديث حول مختلف المواضيع، قاطع "أحمد" حديثهم قائلاً:


_ الحمد لله خلصنا من كل الحزن وجه الوقت نجمّع بين قلبين في الحلال!


نظر الجميع إليه بدهشة وحيرة مما يقصده، بينما كان "يونس" يراقب "تقى"، وكان قلبه يتمنى أن يكون والده يقصد لقاء قلوبهم بعد كل هذا الشقاء!

 وحين رأى خجلها من نظراته، أسرع في صرف بصره عنها، بينما كان نظر والديه متوجهاً نحوه! أكمل "أحمد" حديثه قائلاً:


_  أنا عارف إن "حسام" و"شهيرة" عدى عليهم مشاكل كتير في الفترة إللي فاتت، لكن دلوقتي جه الوقت إللي نفرح فيه بيهم ونجمّعهم مع بعض ونخليهم ينسوا كل إللي حصل ويركزوا في أزاي نفرح بقى.


نظر "حسام" إليه، ولشدة فرحته لم يصدق ما سمعه بأذنه، ففتح فمه بطريقة طريفة وقال:

_  "حسام" مين إللي تفرحوا بيه قصدكم أنا؟ صح أنا العريس؟!


ضحك الجميع بشدة عند رؤية "حسام" وهو يراقبهم بذهول، ففتح فمه في دهشة.

 وعندما لاحظ "يونس" ذلك، نكزه بلطف في كتفه قائلاً:

_ أنت العريس يا أهبل! ألف مبروك، وأخيرًا هنفرح بيك!


تجلت على وجه "حسام" سمات السعادة البالغة، وامتلأ قلبه بالفرح، فاجتاحت صرخته بألفاظ البهجة:


_  زغرطي يا ماما، أخيرًا النحس راح وهتجوز! أنا عجزت وأنا مستني اللحظة دي.


-  ألف مبروك يا ابني، ربنا يتمم لكم على خير.


هدأت حماستهم وسعادتهم، وصمتوا يستمعون إلى باقي كلام "أحمد" قائلاً:


_ الفرحة هتبقى فرحتين لو وافقوا اتنين غيركم؟  يا مدام "منة" أنا بطلب إيد بنتك "تقى" لابني "يونس" على سنة الله ورسوله، وطبعا بعد إذن وموافقة بنتي "تقى" ها أيه رأيك؟


أثارت كلمات "أحمد" صدمة لدى الجميع، فتباينت ردود أفعالهم؛ بين من غمرته سعادة غامرة ومن لا يزال عاجزًا عن استيعاب الموقف!

تبادل الحضور النظرات، في حين أن "يونس" نظر إليها بقلق، متخوفًا من إمكانية رفضها.

 كان يدرك أنها تمتلك الحق في اتخاذ القرار، لكنه تساءل:

« ما ذنب قلبه المسكين الذي يكاد ينفطر من شدة نبضاته؟»

 ولكن، كسر لحظة القلق صوت "منة" التي قالت:

-بصراحة، طلبك ده فاجأني، لكن مش هلاقي حد يهتم ببنتي ويحميها زي "يونس". في الآخر، الرأي ليها وهي إللي هتختار إللي قلبها عايزه؟


توجهت أنظار الجميع نحو "تقى"، التي كانت تفرك يديها من شدة التوتر، حيث بدت حمرة الخجل واضحة على ملامحها، مما جعلها غير قادرة على النطق. في تلك اللحظة، جاء "أحمد" 

لينقذها من الموقف قائلاً:

_ شوفي يا بنتي، إحنا مش هنستنى منك تقرري دلوقتي ، خذي وقتك عشان تفكري، وأياً كان قرارك، إحنا كلنا هنحترمه؟


أومأت "تقى" برأسها موافقة على كلمات "أحمد"، ثم استأذنت وذهبت مسرعة إلى غرفتها، يغمرها الخجل. 

بينما كان "يونس" يعيد في ذهنه تفاصيل الحوار الذي دار بينهما، فكر في أنها قد ترفض، وأنه يجب عليه تقبل الأمر. 

نهض هو الآخر متوجهًا إلى الخارج، بينما خرجت الفتيات إلى غرفة "تقى".


عند دخولها غرفتها، قفزت "تقى" بسعادة على سريرها، تدور حول نفسها كفراشة تحلق فرحًا، والابتسامة تضيء وجهها. وفجأة، سمعت صوتًا من خلفها يقول:


-  مش كنت عارفة إنك بتحبيه كده للدرجة دي؟!


توقفت فجأة وأدارت رأسها بسرعة، لتجد الفتيات خلفها، يستندون إلى باب الغرفة ويحدقون بها. خفَضت رأسها ونزلت عن السرير، ثم تحدثت بتلعثم:


-  مين قال بحبه؟ هو... هو، أنا لسه هفكر علشان أرد عليهم.!


اقتربت منها "شهيرة" وهي تضحك، ثم أضافت قائلة:


-مفيش داعي للتفكير بعد إللي شوفناه، الحب باين عليك، نقولك مبروك.؟


جلست "تقى" على حافة السرير، وشفتاها تزينها ابتسامة خفيفة، بينما كان بريق الحب يرقص في عينيها، ثم قالت:


-  يونس إنسان كويس، ومش هلاقي حد أحسن منه، بيخاف عليا وبيحميني.


واصلت الفتيات حديثهن مع بعضهن البعض، حيث تبادلن المزاح وتحدثن أحياناً عن زواجهن والحياة التي تنتظرهن، إضافةً إلى ما يعتزمن القيام به في المستقبل.


جلس وسط سكون الليل، مستغرقًا في تأمل القمر، كأنه يحدثه بما يجول في فكره وما يثير قلق قلبه. 

لم يستطع العثور على راحته، وعجز عن الاستسلام للهدوء، إذ كان يخشى أن يسمع رأيها. 

كانت فكرة رفضها تؤلمه بشدة؛ ففي حياته السابقة، لم يكن يعرف عن الحب سوى أنه سمع عنه، ولم يكن يكترث له !

أما الآن، فقد أصبح عشقها كأنها لعنة أصابته، ولا سبيل للخلاص منها إلا بالموت. تنهد بضيق يكاد يختنق، حتى شعر بيد على كتفه.

 التفت ببطء ليجد "حسام" خلفه، فنظر إليه باستغراب، وقال:


_ "حسام"، إنت لسه صاحي؟ ليه ما نمتش علشان ترتاح؟!


جلس "حسام" إلى جانب "يونس"، ووضع عكازه بجانبه بعدما أصبح يعتمد عليه في علاجه، ثم نظر إلى "يونس" وقال:


_ مبسوط؟ ومش جايلي نوم، قلت أخرج شوية شفتك هنا، أنت مالك مهموم كده؟ خير؟!


تنهد "يونس" بعمق وكأن هموم العالم كلها على كاهله، ثم تحدث بصوت منخفض قائلاً:


_ مش عارف يا "حسام"، مش عارف إيه اللي حصل ليَّ؟! بقيت على الحالة دي، مش قادر أنام، وخايف من رفضها. جوايا قلق كبير.!


ابتسم "حسام" وأخذ يربت على كتفه علامة على الاطمئنان، ثم قال:

_  اطمن، قوم نام وتفائل خير. "تقى" أكيد هتوافق، بلاش قلق. يلا قوم.


أومأ "يونس" برأسه، ثم قام من مكانه وساعد شقيقه على الدخول إلى الداخل، متأملين في غدٍ أفضل.


في مخبأ "وليد"، كان يرقد على سريره يعاني من الألم الذي تسببت فيه تصرفات "تقى"، متوعدًا إياها بعقابٍ قاسٍ. 

كان غضبه يشتعل في صدره كبركان هائج، يكاد يلتهم كل شيء حوله. إلى جانبه، كان كبيرهم غاضبًا بنفس القدر؛ فقد خسر كل ما كان يخطط له، وفلت "يونس" من بين يديه، مما جعل السيطرة عليه أمرًا صعبًا.

 كما أن الشرطة اكتشفت مكان الكنز، مما حال دون اقترابهم منه. نظر إلى "وليد" وقال:


_ أنا عندي شغل لازم أخلصه، وانت خلي بالك من  نفسك. ولما أرجع، نفكر في خطة.


_  تمام يا "رشاد" بيه، وما تتأخرش علشان صبري نفذ.


أومأ برأسه موافقًا على كلمات "وليد"، ثم خرج مسرعًا، تاركًا وراءه "وليد" الذي كان يتلوى من الألم.

****************                      

جلست أمام التلفاز كعادتها تُتابع أحد أفلام الرعب؛ وقد أطفأت الأنوار لتستمتع بأجواء الإثارة.

 لم تنسَ تناول الطعام، فقد كانت معتادة على ذلك أثناء مشاهدتها للتلفاز. 

بينما كانت مُركّزة تمامًا في الأحداث، سمعت فجأة صوت خطوات تتقدم ببطء، وكأنها تحاول أن تحدث أقل قدر ممكن من الضجيج. 

في البداية، تجاهلت الأمر، ولكن بعد لحظات من الهدوء، سمعت صوت باب الثلاجة يُفتح. ظنت أنه أحد أفراد العائلة، فاستعادت تركيزها وعادت لمتابعة الفيلم.

 إلا أن الصوت بدأ يشغل تفكيرها، فهتفت مُحَثِّةً نفسها قائلة:

- في إيه يا "مريم"؟ من إمتى وانتِ بتخافي؟ قومي نامي أحسن.


أغلقت التلفاز، وقامت متجهة نحو غرفتها. فور دخولها، أضاءت الضوء وبدأت ترتب سريرها.

 فجأة، تعثرت بشيء تحت السرير. انحنت لترى ما هذا الشيء، ولكنها صُدمت حين رأت قدمي رجل تحت السرير؟!

يتبع 


إرسال تعليق

0 تعليقات

close