رواية حبيب جوزه بقلم الكاتبه ياسمين المغربي حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
رواية حبيب جوزه بقلم الكاتبه ياسمين المغربي حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
ليلة شتوية ممطرة داخل مدينة الاسكندرية،كانت الساعة قد تخطت الحادية عشر مساءًا،تقود سيارتها بحذرٍ تام تنظر أمامها بترقبٍ شديد تتطلع على الطريق من بين مسّاحات المطر التي أدارتها لإزالة تجمع المياه عن زجاج السيارة الأمامي كي تستطيع رؤية الطريق بوضوح،ضلت على هذا الحال حتى وصلت تحت البناية التي تسكن بها لتصف سيارتها بمكانها المخصص لها،سحبت حقيبتها ومظلتها وترجلت لتفتح المظلة سريعًا وترفعها للاعلى كي تحتمي أسفلها من سقوط الأمطار الغزيرة، هرولت باتجاه مدخل البناية ليستقبلها حارس البناية متحدثًا:
-حمدالله على السلامة يا دكتورة
اجابته وهي تتجه صوب المصعد الكهربائي:
-الله يسلمك يا مجدي، من فضلك استدعي الأسانسير بسرعة
أسرع الحارس وقام باستدعاء المصعد لتصعد به سريعًا ضاغطة زر الصعود حيث الطابق الذي تقطن به،كان يجلس فوق الأريكة المتواجدة بوسط البهو يهز ساقية بطريقة حادة تنم عن مدى عصبيته ناهيك عن وجههُ المكفهر والذي ينم عن وصولهُ للمنتهى من الغضب، استمع لصوت المفتاح فعلم أن زوجته قد حضرت، دخلت لتغلق المظلة وتتركها جانبًا ثم خلعت نعلها وقامت بوضع عليقة المفاتيح بمكانها المخصص وتحركت سريعًا للداخل حيث زوجها الجالس بجوار المدفأة الكهربائية لتهتف بنبرة صوت تظهر شعورها بالصقيع:
-مساء الخير يا حبيبي،الجو برة تلج
لتستطرد بمداعبة:
-والله إنتَ ربنا بيحبك علشان قاعد في البيت جنب دفايتك
رمقها بنظراتٍ مشتعلة ليهتف بنبرة حادة تنم عن مدى غضبه:
-حمدالله على السلامة يا مدام
ابتلعت لعابها وعلمت من اكفهرار وجهه أن حبيبها غاضب:
-مالك يا كارم، فيه حاجة حصلت؟
هتف بحِدة:
-هيحصل إيه أكتر من اللي إحنا فيه ده، مراتي المحترمة راجعة بيتها بعد نص الليل وأنا قاعد متلقح على الكنبة من بعد أذان العصر مستني الهانم لما ترجع
ارتبكت من صوته الحاد وتحدثت بدفاع عن حالها:
-إهدى يا كارم وخد بالك كويس من كلامك،وياريت توطي صوتك علشان لو حد من الجيران سمعك وإنتَ بتقول راجعة بعد نص الليل يفتكر فيا إيه؟
صرخ بها لائمًا:
-هو ده كل اللي لفت نظرك من كلامي يا دكتورة؟
الجيران؟
واستطرد بعينين مشتعلتين:
-طب وأنا يا سيلا، مفكرتيش فيا وفي شكلي قدام الجيران اللي شاغلينك أوي دول لما يشوفوني كل يوم وأنا داخل بيتي الساعة خمسة العصر وقاعد مستني مراتي في البيت زي الولايا ويشوفوا الهانم وهي راجعة بعد نص الليل؟!
زفرت بقوة لتتحدث حانقة:
-موال كل يوم اللي مش بيخلص
لتستطرد عاتبة:
-هو أنتَ مبتزهقش من الكلام في الموضوع ده كل يوم يا كارم؟
هتف بحِنق:
- سيلا، إتكلمي كويس معايا
صاحت بحدة تجيبه:
-وإيه اللي مش كويس في كلامي يا سيادة المقدم؟
لتسترسل بعدما نفذ صبرها:
-مية مرة قولت لك إن ده مستقبلي ومش من حقك تمنعني ابنيه، إنتَ متجوزني وأنا دكتورة وعارف طبيعة شغلي كويس، وسبق واتفقت معاك من أول يوم جواز إن شغلي هيكون خط أحمر ممنوع الإقتراب منه وإنتَ وافقت، إيه بقى اللي جد خلاك تعترض؟!
أجابها بنبرة حادة:
-وأنا مقولتش إني ضد شغلك أو طلبت منك إنك تهمليه، بالعكس انا معاكِ وبشجعك، من حقك تبني نفسك وتكبري، بس كمان بيتك وجوزك ليهم حق عليكِ
سألته مستفسرة:
-وأنا قصرت معاك في إيه يا كارم، بيتك دايمًا نضيف والأكل بيوصل كل يوم في ميعاد الغدا حتى لو أنا مش موجودة، وإنتَ لما بتطلبني بكون معاك على طول وعمري ما قولت لك لا حتى لو راجعة تعبانة من الشغل وجسمي منهك،يبقى إيه بقى اللي ناقصك؟!
هتف بنبرة صارمة:
-ناقصني أحس إني راجل متجوز يا هانم، البيت النضيف اللي سيادتك مفرودة قوي وإنتِ بتتكلمي عنه لولا منال هانم هي اللي بتبعت البنات اللي شغالين في فيلا الباشا ينضفوه يوميًا كان زمانه بقى مزبلة
ليستطرد ساخرًا:
-واللي يسمعك وإنتِ بتقولي الأكل يفتكر إن إنتِ اللي بتطبخيه زي اي ست بيت مش بتحجزيه من المطاعم؟
شعرت بالخجل من حالها لصحة حديثه الذي أشعرها بالتقصير ليستكمل هو:
-نيجي بقى لحياتي الخاصة معاكِ، أنا مبقتش بشوفك غير وإنتِ راجعة من شغلك أخر الليل فاصلة، يادوب تاخدي شاور وتتغدى وتنامي علشان تقومي تاني يوم تكرري نفس اللي بتعمليه كل يوم
تحدثت بنبرة هادئة ارادت بها إستعادة هدوئه:
-يا حبيبي إفهمني، أنا عاوزة ابني إسم كبير وحلمي أبقى من أكبر جراحي العالم وده مش هيحصل غير بإني أبذل أقصى ما عندي من جهد
واسترسلت بإعلام:
-وبعدين هو أنتَ فاكرني مرتاحة بحياتي كدة يا كارم،أنا تعبانة جداً بس لازم أتحمل علشان أحقق حلمي
بنبرة تبدو هادئة ظاهريًا لكنها تحمل بين طياتها الكثير من المغزى:
-وأنا قولت لك قبل كدة إني مش مرتاح ومش مستعد أكمل حياتي بالشكل ده، واتكلمت معاكِ وقولت لك إن الحل الوحيد هو إنك تختاري ما بين المستشفى الاستثماري اللي إنتِ شغالة فيها بالنهار وما بين عيادتك الخاصة اللي بتكملي فيها بالليل
تحدثت باعتراضٍ هادىء:
-وانا قولت لك إن الإتنين بيكملوا بعض وبيرسموا كريري
اقتربت منه تتلمس صدره تنظر بعينيه تستجدي منهما المساندة لتتحدث باستعطاف:
-أرجوك يا كارم، أنا محتاجة مساندتك ودعمك علشان أقدر احقق ذاتي وأبني مستقبلي زي ما حلمت بيه
أغمض عينيه ولم يتحرك به إنش مما جعلها تصاب بالإحباط لتزفر بهدوء وتسحب يدها لتتحرك صوب غرفتها ولكن أوقفها صوتهُ الجاد:
-أيسل، فكرتي في الموضوع اللي اتكلمنا فيه من إسبوع؟
أغمضت عينيها بارهاق لتزفر وقد شعرت بفقدانها للقدرة على التحمل وبالأخص فيما هو أت، إستدارت لتواجههُ بعينين مرتبكتين:
-إديني شوية وقت كمان يا كارم، أنا مش مستعدة حاليًا إني أكون أم
تحدث بحدة:
-ليكي سنة ونص من يوم ما اتجوزنا وإنتِ مش مستعدة، وعمرك ما هتكوني مستعدة يا سيلا تعرفي ليه؟
ترقبت كلماته اللازعة ليستطرد بقوة:
-لأنك إنسانة أنانية ومبتعمليش حساب لأي مخلوق غير لنفسك وبس
ليسترسل باشمئزاز:
-إنتِ أكتر حد أناني أنا شفته في حياتي، عاوزة تاخدي من الدنيا كل حاجة، عاوزة شغلك ومستقبلك وحياتك تمشي زي ما رسمتي لها بالظبط، ومفيش مانع كمان الراجل اللي حبتيه يفضل معاكي، ومش مهم بقى الراجل ده عاوز إيه
أخذت نفسًا عميقًا لتتحدث شارحة بإبانة:
-كارم أنا بحبك، والله العظيم بحبك جداً وحقيقي نفسي يكون لي ولد منك
رفعت كتفيها لتسترسل مفسرة موقفها:
- بس ده لو حصل حاليًا هبقى غبية لأني هبقى بقضي على كل أحلامي
إرتسمت علامات الصدمة على وجهه جراء حديثها ليتحدث مشمئزًا:
-إنتِ إيه يا شيخة،مصنوعة من حجر،قلبك ده إيه،فاقد الإحساس والشعور
ليستطرد متألمًا:
-أنا هموت على حتة عيل منك وإنتِ معندكيش لا دم ولا إحساس، كل اللي في دماغك إزاي تبقي أعظم جراحة في العالم، مش مهم الراجل اللي المفروض بتحبيه ولا أهله اللي كل امالهم في الدنيا يشوفوا ولاده قبل ما يموتوا،إنتِ انانية قوي يا أيسل
هتفت بنبرة اظهرت كم التشتُت الساكن بداخلها:
-أنا لو أنانية بجد كنت سمعت كلامك وخلفت وجبت طفل ورميته يواجه الدنيا من غير أي إهتمام من أمه، وأظن إنك عارف إني ممكن بكل بساطة أخلف وهلاقي ألف حد هيمد إيده ويربي لي الولد، أولهم نانا منال اللي اقترحت عليا ده أصلاً ومليكة ومامتك نفسها، وممكن أجيب ناني تقعد بيه هنا، بس أنا مش عاوزة ده
واستطردت بصراخٍ معترض بعدما فقدت قدرتها على الإحتمال:
-أنا مش هسمح باللي حصل معايا أنا وحمزة يتكرر مع ولادي يا كارم، مش هخلف غير وأنا على كامل الإستعداد إني أستقبل إبني ويكون كل وقتي مخصص ليه
للحظة شعر بالإرتباك وكاد أن يتحرك ليجذبها ويحتويها داخل أحضانه ليشعرها بالأمان ويطمئن قلبها للحد من مخاوفها لكنه تراجع باللحظة الأخيرة لشدة غضبه منها ولشعورهُ أنها تمادت وأصبحت بالفعل لا تهتم سوى بحالها وما يرفع من قدرها وليذهب الجميع بعدها إلى الجحيم،اشتعل داخلهُ من جديد ليسألها بصرامة:
- إديني ميعاد محدد، والوقت حالاً
بعينين راجيتين توسلته:
-أرجوك يا كارم متضغطش عليا
هز رأسه وابتسامة ساخرة خرجت من جانب فمه لتيقنه مسبقًا من إجابتها الملتوية ليتحدث بحدة:
-كنت متأكد من ملاوعتك في الرد، زي كل مرة بنخرج من النقاش بدون أي إتفاق
ليهتف بنبرة صارمة:
-بس يكون في معلومك يا سيلا، دي أخر فرصة هديهالك وبعدها متلوميش غير نفسك، وإتحملي نتيجة أفعالك
تحرك صوب الباب وهتف بحدة وهو يلتقط معطفه من فوق المقعد:
-صبري عليكِ بدأ ينفذ
هتفت وهي تهرول عليه لتجذبهُ من رسغه:
-رايح فين يا حبيبي
حبيبك،متأكدة؟...نطقها بنظراتٍ لائمة قبل أن يجذب رسغه من خاصتها ليلتقط عليقة مفاتيحه الخاصة ويختفي خلف الباب بعد أن اغلقه بقوة زلزلت جدران المنزل على أثرها، هزت رأسها بأسى وتحركت إلى الداخل حتى وصلت للحمام،تحركت صوب حوض الإستحمام وفتحت صنبور المياة باتجاه المياه الساخنة لتصب داخل الحوض،أمسكت بزجاجة سائل الاستحمام لتفرغ منها داخل المياه،شرعت بنزع ثيابها عنها وعادت للحوض لتغمر جسدها داخلهُ وعلى حين غِرةً انسابت دموعها لتجري فوق وجنتيها، تائهةً هي لا تعلم ما الذي عليها فعله، إنها معضلةً حقًا،ماذا عليها أن تفعل الأن، أتنقذ زواجها وتفعل ما يريده زوجها وتتخلى عن حلمها، أم تتمسك به وتضرب بمطالب زوجها عرض الحائط ولكن عليها تحمل النتائج حينها، هي حريصة على بناء مستقبلها لكنها بالوقت ذاته تحب زوجها بل تهيمُ به عشقًا ولا تتخيل حياتها بدونه، إنها حقًا معضلة


تعليقات
إرسال تعليق