expr:class='data:blog.languageDirection' expr:data-id='data:blog.blogId'>

روايه لا تترك يداي بقلم هند رفاعي حصريه علي مدونه النجم المتوهج للرويات والمعلومات الفصل10|11

روايه لا تترك يداي بقلم هند رفاعي حصريه علي مدونه النجم المتوهج للرويات والمعلومات الفصل10|11



كانت الإستعدادات لزفاف خالد ومريم على قدم وساق في منزل إبراهيم. أستطاع إبراهيم بنفوذه ومعارفه إستخراج بطاقة شخصية لمريم بالرغم من صغر سنها. وسعاد كانت مشغولة بترتيبات الحنة لمريم. فقد حاولت أن تظهر أمام إبراهيم سعادتها الغامرة بهذه الزيجة.
+
أما مريم وخالد فكان يتملكهم شعور آخر غير السعادة. كل ما كان يتملكهم هو القلق والخوف. القلق من هذا القرار المصيري الذي أتخذاه في هذا السن المبكر. كيف سيؤثر هذا القرار على حياتهما. كيف ستكون حياتهما المستقبلية. هل سيندمان على هذه الخطوة. الكثير من الظنون والأفكار كانت تتملكهما. وكان مهربهما من هذه الظنون طريق واحد. اللجوء إلى الله والدعاء والصلاة والتضرع لله أن يلهمهما الخير وأن يعينهما على هذه الخطوة المصيرية في حياتهما.

دبر إبراهيم كل التجهيزات والإجراءات لإتمام الزواج. وقام صالح بكل الترتيبات للزفاف. أما هشام فأرتضى لنفسه بكرسي المشاهدة من بعيد دون التدخل في مجرايات الأمور. راقب بغيظ الفتاة التي رغبها وهي تتأهب للزواج من ابن عمه.

في الصباح السابق ليوم الزفاف، دخل إبراهيم غرفة هشام وقال له.

"عاوزك تاخد أمك ومريم النهاردة وتنزلوا وسط البلد. علشان أمك تشتري كل الحاجات اللي باقية لمريم. الفرح بكرة ومفيش وقت نضيعه."

"حاضر يا ابا. يجهزوا بس وأنا جاهز."

نادى إبراهيم على زوجته.

"سعاد يا سعاد."

دخلت سعاد غرفة هشام وأجابت زوجها.

"خير يا حاج، عاوز حاجة؟"

"أجهزي وأنزلي أنت وهشام أشتروا كل اللي مريم محتجاه. الفرح خلاص بكرة."

"حاضر يا حاج. بس مش كفاية اللي أشتريناه اليومين اللي فاتوا؟"

"لا مش كفاية؟ أنت جيبت لها طقمين خروج وجلابيتين مفيش غيرهم. خلي بالك أنها لما تسافر هناك هتبقى لحالها مش هتعرف تنزل تشتري حاجة. وخالد عمره ما أشترى حاجة لبنتة قبل كدة. فأشتري كل إحتاجاتها دلوقت."

"براحتك الفلوس فلوسك. لو عاوز نشتري السوق كله مش هاقولك لأ."

"لا مش فلوسي. ده فلوس خالد ما تخافيش. هو أصر أن كل حاجة تكون من فلوسه هو."

"ماشي يا حاج. أنا هأجهز دلوقت وأقول لها تجهز هي كمان علشان تيجي معي."

"خلاص أسيبكم أنا علشان أشوف الدبايح اللي هتدبح لبكرة."

خرج إبراهيم من الغرفة. سألت سعاد إبنها.

"مش ناوي تفرد وشك ده بقى؟ هتفضل على طول لاوي بوزك كدة."

"عاوزة مني أيه يا اما؟ مش عملت اللي في دماغك. سيبيني في حالي بقى."

"يا غبي أنا عملت ده كله لمصلحتك."
"مصلحتي؟ يعني هي كانت حرام علي وحلال على خالد. مش ده اللي كنت عمالة تقولي لي ما تفكرش فيها. أشمعنى فرحانة قوي وهي هتتجوز خالد؟"

"أقول أيه ما أنت ما بتفهمش. لو بتفهم كنت هتعرف ليه أنا فرحانة." +

"فطميني. معلش ما أنا فهمي على قدي."

أقتربت سعاد من أبنها وقالت له.

"أنا من وقت ما البت ده دخلت البيت وأنا كنت بخطط لجوازها من خالد. ولما أنت عملت عملتك المهببة. خليتك تقول لأبوك أن خالد هو اللي أتهجم عليها مش أنت. علشان أقنع أبوك بالجوازة ده."

"وليه بقى؟ أيه الفايدة اللي هتعم علينا من جوازها من خالد؟"

"يا ناصح. البت ده من الشارع. يعني النهاردة ولا بكرة هتحن لأصلها. وهترجع تاني للشارع. لما تهرب وتسيب جوزها ولا لما تعمل له فضيحة ساعتها هيقدر يرفع عينه فيك ولا في أبوك."

اتسعت حدقتي عين هشام وسأل بدهشة.

"نعم؟"

"خالد اللي أبوك مالهوش سيرة غيره. اللي على طول يقول ده الغالي ابن الغالي. البت ده هي اللي هتجيب رأسه في الطين. بنت مالهاش أصل من فصل. لا نعرف لها أهل ولا حد. مفيش حد رباها ولا حكمها. أكيد هتجيب له مصايب وأكيد هتعره في يوم من الايام. لما يجي اليوم ده لا هيقدر يرفع عينه قصادك ولا يحط رأسه براسك."

"يااااااه يا أما ده أنت دماغك داهية."

ضربته على رأسه مازحةً.

"فهمت بقى يا أبو دماغ تخينة أنا ليه جوزتها لخالد."

"أيوة فهمت يا ست الكل."

"وأنا كمان فهمت يا عقربة."

أنتفضت سعاد وهشام لسماع صوت الحاج إبراهيم الذي كان واقفا بجانب باب الغرفة وسمع حوارهما. 3

"أبو صالح."

"أيوة أبو صالح يا عقربة. بقى خططت لكل ده علشان تكسري ابن اخويا. أنت أيه تفكيرك ده سم كدة ليه. أنت حية وبتبخ سمها في كل اللي حواليها."

أقترب إبراهيم منها ومسكها من ذراعها بعنف ووبخها.

"آه يا أبو صالح. حاسب ذراعي هتكسره."

"حاسب يا ابا. بالراحة عليها." 2

حاول هشام أن يخلص ذراع أمه من قبضة أبيه الحديدية.

"بالراحة أيه. ده أنا لو كنت بصحتي زي زمان كنت كسرت رقبتها مش ذراعها وبس. بتستغفليني يا حرمة. بتضحكي علي. يبقى أبنك ديله نجس ويتهجم على البت الغلبانة وتقنعيني أنت وهو أن خالد هو اللي عمل كدة. الظاهر أنك اشتقتي لعلقة من علقات زمان."

ألتفت إبراهيم لإبنه وصاح فيه.

"هات العصاية يا ولد."

بكت سعاد وترجته أن يتركها.

"لا أبوس أيدك يا حاج. بلاش يا حاج أرحمني."

"سيبها يا أبا. أمي كبرت على أنها تضرب يا أبا. أمي مش هتستحمل ضربة واحدة بالعصاية."

"عندك حق. أحنا كبرنا على كدة. لا أنا في صحة أضربها ولا هي تستحمل زي زمان."

تركها إبراهيم وتنفست سعاد الصعداء.

"سامحني يا أبو صالح. ما عتش أعملها تاني." +

"لا أسامحك ولا تسامحيني. لمي خلجاتك وروحي على بيت أخوك."

"لا يا حاج. ما تطردنيش من بيتي."

"علشان تبقي تستغفليني وتكذبي علي تاني. وأبقي خدي معك إبنك الحيلة ده معك. أنا رايح أشوف البهايم اللي هنذبحها بكرة في الفرح لما أعاود مش عاوز أشوفكم هنا في الدار."

تركهم إبراهيم وخرج من الغرفة ومن المنزل بأكلمه.

* * *

في الليل، خالد كان جالساً في غرفة هشام وسمع طرق على الباب. فتح الباب ووجد عمه إبراهيم. فتنحى جانبا وأعطى المجال لعمه أن يدخل الغرفة.

"عمي! أتفضل يا عمي."

"أزيك يا خالد عامل أيه يا أبني؟"

جلس إبراهيم على السرير وخالد بجانبه.

"أنا بخير يا عمي. خير في حاجة؟"

"أنت مبسوط يا ابني؟ بكرة إن شاء الله فرحك."

"الحمد لله يا عمي. صح قول لي هو هشام فين؟ أنا ما شوفتهوش من الصبح."

"هشام مشي هو مرات عمك. راح عند خاله."

"خير في حاجة. أصل يعني غريبة أنهم يمشوا وفي فرح بكرة هنا في البيت."

"أنا طردتهم."

سأل خالد عمه بدهشة

"نعم! ليه حصل ايه؟"

"فاكر ليلة ما رجعنا من المستشفى ولاقيتك أنت وهشام بتتخانقوا؟"

"طبعا يا عمي فاكر."

"الليلة ده هشام قال لي أنك أتهجمت على مريم وحاولت تتقرب منها بالعافية. وأنه ضربك علشان ينقذها منك."

ارتسمت علامات الدهشة والصدمة على وجه خالد.

"نعم! لا طبعا يا عمي. مش ده اللي حصل. العكس هو اللي حصل. ولو عاوز ممكن أنادي على مريم وتحكي لك بالتفصيل كل اللي حصل ليلتها. أنا عمري ما أعمل كدة أبدا."

"عارف يا ابني. النهاردة سمعتهم وعرفت أنهم كذبوا علي."

"علشان كدة اشترطت علي أني أتجوز مريم لو هأخدها معي مصر؟"

"أيوة يا إبني. أنا خفت لا تضعف قدام شيطانك. ولما أنت صممت أنك تاخدها معك قولت لازم تتجوزها قبل ما تاخدها."
"أنا فهمت كل حاجة دلوقت. أنا كنت مستغرب لإصرارك على جوازي منها."

"سامحني يا ابني."

أنحنى خالد وأخذ يد عمه وقبلها. +

"ما تقولش كدة يا عمي. أنت الوحيد اللي بعد أبويا وأمي اللي تراعيني وتخاف علي وعلى مصلحتي. وأنا متأكد أنك عمرك ما تعمل أي حاجة ضدي."

"المهم دلوقت يا ابني أنت في حل من الشرط ده. لو مش عاوز تتجوز مريم بلاش. أنا مش عاوز أشيل ذنبك طول عمرك لو أتجوزت بالغصب أو تعبت في حياتك بسبب الجوازة ده."

"مع إحترامي لك يا عمي لكن أنت ما غصبتنيش على الجوازة ده. أنا وافقت عليها برغبتي. هو أه الجواز ما كانش في دماغي أبدا ولو ما كنتش حضرتك اشترطته أنا عمري ما كنت أفكر فيه. لكن أنا لاقيت أنه فعلا الحل لمشكلتي أنا كمان مش مشكلة مريم وبس. أنا مش عاوز أعيش لوحدي."

"خلاص يا ابني. لو عاوز تتجوز أنا هاشوف لك أحسن بنت من البلد هنا. بنت نعرفها ونعرف عيلتها وأصلها وفصلها. بنت تكون متربية قصادنا وتحت عنينا. نبقى عارفينها وتطمن وأنت مسلمها أسمك وشرفك. مش لازم مريم. بلاش مريم اللي ما نعرفش عنها أي حاجة. مهما حصل برضه هي بنت من الشارع."

"ومريم ينقصها أيه يا عمي. هي عاشت هنا بقالها ثلاث شهور دلوقت. ما شوفناش منها أي حاجة حشة. بنت غلبانة ومنكسرة وكل أملها في الدنيا أنها تلاقي مكان تعيش فيه. جوازي من مريم هيحل مشكلتنا أحنا الاتنين."

"لو عاوز يا خالد أجوزك أي بنت تانية كويسة وما تخافش على مريم. أنا عند وعدي لك هأخد بالي منها ومش هسيبها لغاية لما أسلمها لبيت جوزها. هأشوف لها أي حد هنا من البلد يتجوزها لكن مش أنت يا خالد. أنت عاوز واحدة من مقامك ومريم مش من مقامك."

"وانا أرتحت لمريم مش لأي واحدة تاني يا عمي. وكمان يرضيك يعني بعد ما هي وافقت على جوازها مني وخلاص بكرة فرحها أجي وأقول لها أسف مش هأتجوزك علشان أنت مش من مقامي وهنجوزك أي واحد تاني من مقامك."

"يا ابني زي ما قولت لك قبل كدة. كويس أنك تساعد الناس لكن مش تضر نفسك يا ولدي."

"يا عمي مش أنا أستخرت وهي كمان أستخارت خلاص بقى سيبها على ربنا واللي أختاره ربنا لنا احنا الاتنين أكيد الخير كله. أكيد القرار ده مش ضرر لي وإلا كان ربنا منعني منه. أنا أستخرت وراضي باللي يختاره ربنا لي."

"ونعم بالله. خلاص يا ابني براحتك. أنا حبيت أقولك وأخيرك. اللي فيه الخير يعمله ربنا."

"بس يا عمي كل اللي محتاجه هو دعواتك."

"أسيبك بقى تنام بكرة يوم طويل علينا كلنا. تصبح على خير."

"وأنت من أهل الخير."

نهض إبراهيم وتوجه للباب ولكنه توقف عندما سمع ابن أخيه يناديه.

"عمي."

أستدار إبراهيم والتفت لخالد.

"أيوة يا خالد."

وقف خالد واقترب من عمه خطوتين.

"ممكن أطلب منك طلب؟"

"خير يا ابني. أؤمر ده بكرة فرحك وكل طلباتك لازم تنفذ."

ابتسم خالد وتشجع وطلب من عمه.

"ممكن مرات عمي وهشام يحضروا الفرح؟"

تجهم وجه إبراهيم. فاقترب منه خالد وحاول إقناعه.

"يا عمي بكرة الفرح وكل أكابر المركز هيكونوا موجودين. هيبقى شكلها مش حلو لو مرات عمي مش موجودة هي وهشام. الناس هتسأل والكلام هيكتر. أرجوك يا عمي. لو حضرتك مش عاوز تجيبهم بنفسك أسمحي لي أروح أنا اجيبهم من هناك." 2

أبتسم إبراهيم لطيبة قلب ابن أخيه وربت على رأسه.

"حاضر يا خالد. أنا هأتصل بأم صالح وأقول لها ترجع بكرة. ربنا يكملك بعقلك يا ولدي."

"شكرا خالص يا عمي."

"روح نام بقى دلوقت. تصبح على خير."

"وأنت من أهل الخير"
الفصل الحادي عشر
كان منزل إبراهيم مثل خلية النحل. فاليوم زفاف خالد ومريم. توافد أهل البلد ليساعدوا في الوليمة للفرح. عادت سعاد وهشام من منزل أخيها وأشرفت بنفسها على أعمال الطبخ والتحضيرات للزفاف. حضرت بعض فتايات القرية وقاموا بتزيين العروس الجديدة. حتى هشام ساعد خالد التجهيز للفرح ولف العمة. فخالد لم يرتدي عمة من قبل ولم يتعلم لفها. +

في الليل توافد أعيان المركز المأمور وطبيب الصحة وعمد القرى المجاورة ليشاركوا إبراهيم في فرحته بإبن أخيه. حضر شيخ الجامع وكتب الكتاب وأتفق على تأجيل تسجيل الزفاف لعامين حتى يبلغ خالد ومريم السن القانونية.

كانت مريم كالأميرة في فستان الزفاف. ظهرت أكبر من سنها وكأمرأة صغيرة بفضل الزينة. جلست وسط فتايات وسيدات القرية في المكان المخصص للحريم على سطح المنزل. تشاهد رقص الفتايات وتصفق لهم بفرحة غامرة أنستها كل قلقها السابق.

فهي الفتاة التي عاشت في الشوارع ليس لها مكان ولا عائلة الآن تتزوج وأصبح لها منزل وزوج تنتمي إليه. هناك إنسان في هذه الدنيا هي مسئولة منه. شخص يعوضها عما رأت من قسوة الحياة في سنوات عمرها القليلة.

فرحت جدا بزفافها وشاركت الفتايات الرقص والغناء وحاولت تتمايل مثلهن وتتعلم منهن حركات الرقص. تعالت الضحكات والزغاريط وأمتلأ قلبها بالسعادة. لاحظت بعض الفتايات تجري لسور سطح المنزل ليشاهدن شيئا بالاسفل. فأقتربت هي أيضا معهم تشاهد إلى ما ينظرن. وجدت ساحة كبيرة أمام المنزل أفترشت بصوان كبير ويجلس فيه رجال أهل البلد. ورأت هشام وخالد يرقصان بالعصاة على المسرح. كانت أول مرة لها ترى خالد باللبس الصعيدي. لأول مرة لفت إنتباهها وسامته وهيبته بالجلباب الصعيدي البني. جسمه الممشوق الطويل وإبتسامته الساحرة، شعره الأسود الناعم كسبائك الليل المتحرر تحت عمته البيضاء التي تزين رأسه وتحاوط جبته الخمرية. عيناه السوداوين التي ترقص من السعادة ونظرت لها نظرة غامضة لم تفهمها مريم عندما وقعت عليها. أنفه المستقيم الشامخ الحاد الذي يظهر ملامحه المصرية الصارمة.

تعجبت مريم من نفسها فهي رأت خالد كثيرا ويعيشون في نفس المنزل لثلاثة شهور الآن ولكنها لأول مرة تلاحظ ملامحه وتنتبه لوسامته. تسائلت هل زواجها من خالد غير نظرتها له. وهل نظرته لها تغيرت أيضا مثلها. ولماذا بدأت تشعر بشيء خفي تولد في قلبها له. ما هذه المشاعر وما هذا الإرتباك فهي لم تشعر به من قبل.

أقتربت منها أحدى الفتايات وتعالت ضحكاتها. نظرت لها مريم متعجبة من تصرفها وتسائلت باقي الفتايات. فسألتها مريم.

"في أيه؟ بتضحكي قوي كدة ليه؟"
ضحكت الفتاة وأجابتها

"وشك بقى أحمر قوي. أنت بتتكسفي من خالد ولا أيه."

نظرت مريم للأسفل بخجل.

"لا طبعا أتكسف من أيه. ده بس المكياج."

ردت أمرأة جالسة بجوار مريم.

"مكياج أيه اللي أنت فيه أكتر من أي مكياج."

تعالت الضحكات وخجلت مريم أكثر وأكثر وجرت جلست على كرسيها وابتعدت عن السور.

في الأسفل كانت تُفرَش الموائد للطعام وكاسات العصائر والشربات تلف على المعازيم. خالد كان في قمة فرحته يتنقل بين المعازيم ليحيهم ويرحب بهم مع عمه. دعاه هشام لمبارة تحطيب وبالرغم من أنها كانت أول مرة يشارك فيها إلا إنه وافق وتفوق فيها بفضل جسده الرياضي وحركته الخفيفة وأيضا كان يلاحظ هذه الرياضة في الأفراح السابقة التي حضرها في البلد. صد برشاقته ومهارته كل هجمات ابن عمه وأيضا بدأ يستعرض ببعض الحركات الراقصة بالعصاة. وهو يتلفت بعينيه ويتحرك بخفة على المسرح وقعت عينيه على عروسه تراقبه من فوق سطح منزل عمه. غمز لها بعينيه وابتسم قلبه عندما رآها.

فهي كانت مختلفة تماما عما اعتاد عليه منها. زينة وجهها تظهرها أكبر من سنها بقليل. ظهرت كأنسة عروس متهيئة لعريسها. فهو لم يرى الفتاة الصغيرة الضعيفة التي رآها من قبل. فأول مرة رآها عندما كان يصطحب أمه للمستشفى لم يلتفت لملامحها. كانت طفلة من أطفال الشارع مثل أي طفلة يقابلها في الشارع. ملامحها مخفية تحت طبقات من الأتربة والأوساخ وشعرها ثائر هائج متمرد على ظروف حياتها. علامات الحزن والهم تعتلي وجهها. عينيها مطفية من قسوة الدنيا عليها. لم يرى فيها جمال أو أي شيء مميز فهي كانت وجه مبهم بلا ملامح من مئات الوجوه التي نقابلها في الطريق ولا نلقي لها بالا.

حتى بعدما جائت معه لمنزل عمه ولبست ملابس نظيفة وزال عنها أثار الشارع ظهرت ملامح طفلة بريئة صغيرة قاست هموم تفوق عمرها أضعافا مضاعفة. وجهها الذي ترتسم عليه علامات الحزن والذل والقهر عينيها الزرقاوتان الدامعتان أغلب الوقت. فمها الصغير الصامت الكاتم لأسرارها ولألامها. أنفها الصغير الذي يتوسط وجهها الدائري البريء. أما شعرها فكان مستتر دائما بإسدال الصلاة الذي أهداه لها وحرصت أن ترتديه تقريبا كل الوقت تستر به جسدها الهزيل الضعيف الصغير.

أما الآن من يراها أمامه جالسة في الغرفة معه بعدما غادر الجميع هي أنسة. ظهرت على وجهها معالم الأنوثة المبكرة. حتى جسدها ظهرت منه أشياء لم يلحظها من قبل. نظر لها خالد نظرة مطولة متفحصة متعجبا لحالها ولعينيه التي تراها لأول مرة بصورة مختلفة. لاحظت مريم نظراته وسألته بتعجب.
"في حاجة يا خالد؟"

فك خالد ذراعيه المعقودين أمام صدره وأعتدل في وقفته بعدما كان مستندا على حرف باب غرفة الضيوف. أقترب خطوة داخل الغرفة وقال لها. +

"لا مفيش. بس حاسس أنك متغيرة."

وقفت مريم وسألته.

"متغيرة أزاي؟"

نظرت مريم لفستانها ولجسدها وقالت له.

"مفيش حاجة أنا زي ما أنا."

خطى خالد خطوة أخرى داخل الغرفة وأغلق الباب وقال لها.

"مش عارف شكلك غريب."

"يمكن قصدك علشان المكياج. لو مش عاجبك أنا هأدخل أغسله أصلا دلوقت."

"مش حكاية عاجبني. ومش المكياج وبس. أنت حتى جسمك أتغير."

نظرت مريم لخالد ولاحظت عينيه تحملق في صدرها. فعقدت ذراعيها على صدرها مسرعة وقالت له وهي مرتبكة.

"أنا هاروح أغير هدومي. هم اللي خلوني ألبس الحاجات ده. أنا عمري ما لبستها أصلا."

أخذت مريم لبسها وإسدال الصلاة وجرت على الحمام لتبدل ملابسها. ضحك خالد على خجلها وبرائتها وأخرج من حقيبته بنطال جينز وتيشيرت بدل ملابسه. بعد عدة دقائق، عادت مريم مرتدية إسدال الصلاة ودخلت الغرفة.

"أيوة كدة مريم اللي أعرفك. الحاجات التانية ده مش بتاعتك خالص."

خجلت مريم ونظرت للأرض وقالت بصوت منخفض.

"والله أنا ما أعرفش بقى. هم اللي لبسوني. أنا ماليش دعوة."

"خلاص أنسي. تعالي علشان نصلي ركعتين الزواج."

"يعني أيه هو فيه صلاة للزواج؟."

"ده يا ستي ركعتين بعض السلف صلوها وقت الزواج. لتزيد الألفة بين الزوجين."

"حاضر."

أخذت مريم سجادة الصلاة الموضوعة في ركن من الغرفة وفرشتها أمام خالد. صلى ركعتين وهي خلفه. بعدما أنهى صلاته وضع يده على رأسها وقال دعاء الزواج. نظرت له مريم للأعلى وسألته.
"دلوقت نعمل أيه؟"

"ولا حاجة ننام بقى علشان بكرة إن شاء الله هنسافر بدري."

نهضت مريم وسألت خالد وهي تطوي سجادة الصلاة. +

"حاضر. إن شاء الله هنمشي أمتى؟"

"بإذن الله أرجع من صلاة الفجر أخدك ونتكل على الله. يا دوب نسافر بكرة الجمعة ونريح السبت وأروح المدرسة يوم الحد." 3

"بإذن الله."

نظرت مريم لخالد وابتسمت فسألها خالد.

"في أيه؟"

"مفيش."

"لا قولي في ايه؟"

"أنت شكلك حلو قوي في اللبس الصعيدي."

"بجد يعني عجبتك بالجلابية والعمة."

"قوي. أنت كنت قمر."

"خلاص يبقى هالبس على طول صعيدي."

فرحت مريم وسألته.

"بجد!"

ضحك عليها خالد وقال لها.

"لا طبعا. أنا مش بعرف أتحرك بالجلابية خالص. أنا ما صدقت الفرح خلص وقلعتها. قال ألبس صعيدي قال."

عبس وجه مريم منه وضحكه على سذاجتها فقال لها خالد.

"زعلت ليه؟"

"لا ما زعلتش ولا حاجة."

"خلاص يا ستي ولا تزعلي. هأبقى أخد الجلابية ده معي في مصر. مع أني كنت ناوي أسيبها هنا علشان مش طايقها. أبقى ألبسها لك يوم كدة كل فترة ولا تزعلي."

"لا أبدا مفيش أي زعل. أنت خليك على اللي يريحك."

"عادي يا ستي مافيهاش حاجة. خدي الجلابية اهه حطيها بنفسك في الشنطة."

أخذت منه مريم الجلباب وطوته بحرص ووضعته في حقيبة السفر.

"تعالي بقى نامي علشان نلحق نخطف لنا ساعتين قبل السفر." +

"حاضر نام أنت على السرير وأنا هأفرش على الأرض وأنام."

"نعم؟ تفرشي على الأرض ليه؟"

"مش عاوزة أضايقك على السرير. أنت متعود تنام لوحدك"

"يا ستي هي ليلة ولا أكتر. لما نسافر يبقى يحلها الحلال. دلوقت تعالي نامي هنا على السرير."

"حاضر."

فسح خالد ليترك لها فراغ على السرير ورقد هو وتدثر بالغطاء. صعدت مريم على السرير وأعطت ظهرها لخالد واضجعت. قبل أن ترقد تماما على السرير سمعت صوت زوجها.

"هو أنت هتنامي بالإسدال؟"

اعتدلت مريم في جلستها على السرير والتفتت له وسألته.

"أمال هنام أزاي؟"

"نعم؟ أخلعي الطرحة ده لا تلف عليك وأنت نايمة تخنقك."

"حاضر."

نزلت مريم من على السرير وخلعت الإسدال. كانت ترتدي جلباب تحته. اضجع خالد واستند على كوعه ونظر لها. رأي ضفيرتها الشقراء الواصلة لخصرها. غمز لها وقال.

"كدة أحلى بكتير. تعالي نامي بقى."

نظرت مريم للأسفل وقالت له بصوت منخفض.

"حاضر."

في الفجر، طرق إبراهيم باب غرفة الضيوف بخفة وخرج له خالد.

"جاهر للفجر يا خالد؟"

"أيوة يا عمي."

خرج خالد من غرفته واستدار ليغلق الباب وقال لزوجته.

"أجهزي عقبال لما أصلي علشان لما أرجع أخدك ونمشي على طول."

"حاضر."

أغلق خالد الباب وتوجه لباب المنزل مع عمه للخروج.

مش كنت قعدت يومين ولا أسبوع معنا تاني يا خالد؟" +

"يا عمي ما ينفعش. أنت عارف أني كنت ناوي على السفر من أسبوعين. موضوع الفرح ده بس اللي أخرني. المدرسة هتبدأ من يوم الحد. وانا مش بحب الغياب وأنت عارف."

"ربنا يوفقك يا ابني يا رب. خد بالك يا خالد. مريم مراتك شرعا لكن مش قانونا. جوازكم ما اتسجلش علشان أنتم الأتنين أصغر من 18 سنة. يعني بلاش ناس كتير تعرف أنك متجوز منعا للمشاكل. إن شاء الله لما تتم ال 18 الشيخ محمد هيسجل القسايم."

"ربنا يسترها يا عمي. أنا مش ناوي أصلا أقول لحد هناك أني أتجوزت. ده تعمل لي مشكلة في المدرسة وممكن يفصلوني. الإشهار شرط الجواز عملناه هنا وعملنا فرح كبير الكل حضره لكن في مصر مش لازم حد يعرف أني متجوز دلوقت منعا للمشاكل زي ما بتقول." 2

"ربنا ييسر لكم الحال يا ابني ويبارك لكم."

"يا رب يا عمي."

بعد الصلاة عاد خالد وإبراهيم للمنزل وجد زوجته مستعدة للسفر. سلم خالد و مريم على أهل المنزل. وخرج معهم إبراهيم ليوصلهم لمحطة القطار.

"خليك أنت يا عمي كفاية صالح معنا هيوصلنا. بلاش تتعب نفسك أنت."

"أنا مش هأطمن إلا لما أشوفك بنفسي ركبت القطر. لو كان ينفع أسيب الأرض دلوقت كنت جيت معكم لغاية مصر. بالكتير أسبوع وهأجي ازوركم وأجيب لكم معي زيارة معتبرة."

"مش كفاية اللي بعته معنا يا سيدي الحاج. ده أحنا هنقعد ناكل فيه شهر بحاله."

"بألف هنا وشفا على قلبك وقلب جوزك يا حبيبتي. وبعدين خلاص بقى تقولي لي يا عمي زي خالد بلاش سيدي الحاج ده."

"حاضر يا عمي."

"أشوف وشك بخير يا مرات عمي."

"تروح وترجع بالسلامة يا خالد."

"مع السلامة يا ستي الحاجة."

"سلام."

دخل صالح بعدما رص الحقائب في حقيبة السيارة وقال لهم.

"اشهلوا يا جماعة الطريق لسة طويل عقبال لما نوصل للمحطة. مش عاوزين نفوت القطر."

"خلاص أهه يا صالح. يا خالد هات مراتك وتعالى بسرعة."

ركبوا جميعا السيارة. صالح يقود السيارة وإبراهيم بجواره ومريم وزوجها بالخلف. أستمرت الرحلة في صمت حتى وصلوا لمحطة قطار أسيوط واطمئن إبراهيم عليهم وهم في القطار وودعهم وراقب القطار وهو يبتعد بهم.

بدأت رحلة خالد ومريم لحياة مشتركة مجهولة لا يعلم مداها ولا منزلها إلا الله. يتلوى بهم القطار في طرقات الحياة وإلتفاتها و وترجرجهم العقبات والصعوبات.


يتبع
تعليقات



CLOSE ADS
CLOSE ADS
close