( 65 )
_ كانت هنا ! _
كان يجلس بقاعة الانتظار الملآى بالمسافريين على أهبة الاستعداد، التوتر يتلاعب باعصابه، الضيق يجثم فوق كاهله... إنتباهه كله مُركزًا مع مكبرات الصوت و الشخص الذي يدلي بقائمة ترتيب الرحلات
قدمه اليسرى لم تتوقف عن الاهتزاز لحظة في حركاتٍ تنم عن عصبيته الدفينة، كذلك "هالة" التي جلست إلى جواره تراقبه ثانيةً بثانية.. واظبت على تهدئته بأن أخذت تربت على كتفه بلطفٍ بين الفينة و الأخرى.. لكنه بدا غير شاعرًا أو آبهًا بها ...
حتى علا نداء الرحلة المتجهة إلى "القاهرة".. هب "فادي" قائمًا و هو يهتف باقتضابٍ مخاطبًا زوجته... أو طليقته :
-يلا !
نهضت "هالة" بدورها مسندة أسفل بطنها بكفها و مصدرة آهة مكتومة.. تبعت "فادي" مهرولة إلى أن وصلا عند بوابة الطائرة، سلما بطاقات السفر و دخلا على الفور ...
إستقرا كلاهما بالمقاعد الخاصة بهما.. كانت "هالة" تحل بجوار النافذة... لم تكد تلتقط أنفاسها إثر الركض وراءه و المجهود البسيط الذي بذلته، حتى باشرها "فادي" بسؤاله الخشن :
-إنتي كنتي عارفة كل إللي حصل ده من الأول ؟ أول ما جيتي هنا كنتي عارفة المشاكل إللي بينهم و ماقولتليش !!!
لم يكن ينظر إليها مباشرةً، إنما أدار وجهه قليلًا و رظقها بجانب عينه ...
تنهدت "هالة" بثقلٍ قبل أن تقول بتلعثمٍ خفيف :
-أنا طبعًا كنت هاقولك. كنت ناوية أقولك حاجات كتير و أتكلم معاك.. بس آ ا ...
-بس إيه ؟؟؟ .. قاطعها بحدة شديدة
ثم استدار كليًا ناحيتها و أردف بغضبٍ :
-إزاي تبقي عارفة إن أختي في المشاكل دي كلها. أن جوزها عمل فيها كل ده. إنه إتجوز عليها و مسوّد عيشتها.. و ماتقوليليش ؟؟!!!
-ده على أساس إنك إدتني فرصة لأي حاجة !!!!
إنطلق ذلك الصياح من فم "هالة" بعد إنقطاع صوته تمامًا، لم يتغيّر تعبير وجهه قيد شعرة.. بينما تستطرد و قد تملكها الغضب هي الأخرى :
-من ساعة ما جتلك و إنت حاطط حدود بيني و بينك. كل ما أحاول أقرب منك تصدني و مفهمني من الأول إنك مش عايزني و مقعدني جمبك بس عشان إللي في بطني. إستحملتك و قلت حقه يزعل و يطلع إللي جواه مني. قلت شوية و يهدا و يرجع فادي إللي أعرفه. إستحملت و لحد إنهاردة كنت مستحملة. لكن خلااااص. فاض بيا. كل حاجة هاتحملني مسؤوليتها حتى أختك و مشاكلها.. لحد هنا و Stop بجد.. أنا كتر خيري أساسًا لحد كده. لما نرجع إبقى شوف إنت هاتعمل إيه و خلينا نخلص بجد من موضوعنا ده عشان أنا تعبت. تعــبـت !
لم تنتبه "هالة" حتى رأته يتلفت حوله، ألقت نظرة سريعة حيث ينظر.. لتجد بأن جميع الركاب نظراتهم مصوّبة ناحيتهما ...
أجفلت باضطرابٍ طفيف، لكن لم تتراجع عن كلمة واحدة مِمّ قالت.. و أشاحت بوجهها للجهة الأخرى و بقيت تحدق فقط في اللاشيء عبر النافذة البيضاوية
و بعد قليل أقلعت الطائرة، و لم يحاول أيّ منهما تبادل حرفًا آخر.. و بيّد أن الأمور ستبقى هكذا حتى يصلا إلى أراضي الوطن ...
______________
لم يكن ليتخيّل بيومٍ من الأيام بأنه سوف يأتي الوقت الذي يحتاج فيه إلى تلك النسخة الاحتياطية من مفتاح منزلها !
و لكن.. ها هو ذلك الوقت قد أتى... و ها هو "عثمان البحيري" ينسل خلسةً في الليل من قصره المنيف، و يذهب بقدميه إلى بيت زوجته المتواضع
يفتح باب الشقة ببطءٍ، ثم يلج و يغلقه بهدوءٍ كي لا يحدث أيّ جلبة... يشعل الضوء بالمدخل و يقف متأملًا لهنيهة حال المكان و الفوضى التي تعمه.. منذ رحيل شقيق زوجته و البيت لا يزال متضررًا هكذا.. حيث قطع الأثاث المحطمة مبعثرةً في كل مكان.. و شظايا الزجاج تفترش الأرض، و التحف الرخيصة، و المزهريات و كل شيء ليس بمكانه
سحب "عثمان" نفسًا عميقًا و تجاهل كل هذا.. توجه رأسًا صوب غرفتها... في كل خطوة يخطوها يرفرف قلبه بين أضلاعه.. يأمل و لو كذبًا بأنه إن فتح ذلك الباب فسيجدها بالداخل
لكن مع الأسف... لم تكن هناك.. و لم يكن لها أيّ أثر
الخواء.. و الخواء وحده الذي يحيط به !
أشعل "عثمان" الضوء و تقدم متجولًا بأنحاء الغرفة.. هائمًا على وجهه... كأنما يطارد شبحًا.. أخذها طولًا و عرضًا على غير هدى... حتى توقف أمام خزانتها المواربة
مد يده و فتحها عنها آخرها... لم يجد بها سوى غرضًا أو اثنين من أغراضها الخاصة.. إنما من بينهم إلتقطت عيناه ذاك القميص الأبيض الخفيف.. قميصه !
حنى جزعه للأمام و أتى بالقميص.. أمسك به بيديه و رفعه امام ناظريه... في تلك اللحظات لم يسعه سوى استحضار ذلك الوقت الذي جمعه بها.. يومًا.. بل أيام معها.. من أجمل أيام حياته كلها ...
Flash Back ...
كان الوقت ظهرًا و الشمس ساطعة في صدر السماء الصافية، فوق صخورٍ ملساء على الحواف الجبلية للجزيرة البيضاء الساحرة.. "سانتوريني" ...
جلس "عثمان" مختارًا بقعةٍ تبعد عن الأنظار كيما يتسنى لزوجته خلع الحجاب و السترة، لتجلس بين ذراعيه، فوق حضنه، بذاك الفستان الربيعي المكشوف، و شعرها متوسط الطول يداعب صفحة وجهه و عنقه، و عبيره المنعش يدغدغ حواسه و يزيده قربًا منها
و في لحظاتٍ من الصفاء و الألفة الدافئة بينهما، ظلا ينظران معًا و يتمتعان بأجمل الاطلالات على البحر الفيروزي الثائر مباشرةً، و مشاهدة القوارب الزرقاء و البيضاء تمر بعيدًا و الطيور تحلق فوقها
كان كل شيء ساحرًا وجميلًا و مكتملًا بوجودهما برفقة بعضهما البعض بعد فترةٍ طويلة من الفراق و آلام الهجران و الحرمان.. ما أجمل الوصال بعد كل هذا.. و الاطمئنان بين أحضان الحبيب الذي لم لن يفقه القلب غير حبه.. إذ تعلم الغرام على يديه و أجاد فنونه.. بفضله.. كل شيء بفضله هو ...
-مبسوطة يا سمر ؟
أخذ سؤاله المطروح بنعومةٍ و حنانٍ منقطع النظير وقته، حتى تمكنت "سمر" من إدراكه جيدًا في غمرة السعادة التي أثملتها ...
رفعت وجهها لتقابل نظراته الجذّابة المتيّمة بها، و قالت برقةٍ تليق بها تمامًا :
-أنا عمري ما حسيت بطعم الحياة بجد إلا معاك. عمري ما عرفتها إلا معاك أصلًا. إنت أول كل حاجة حلوة حسيت بيها. و كفاية عليا إنك جمبي.. طبعًا مبسوطة. و إنت لوحدك تكفيني !
ابتسم لها بحب و أمسك بيدها، رفعها لفمه و لثم كفها بقبلة عميقة، ثم حنى رأسه ليطبع أخرى فوق جبهتها و يهمس قرب أذنها برومانسية :
-و أنا ماحبتش غيرك يا سمر.. كلمتي الأولى و الأخيرة. بحبك و مش هاحب غيرك ...
إلتمعت عيناها و هي تسأله بجدية :
-بجد بتحبني يا عثمان ؟!
فرد على الفور :
-مش شايف غيرك.. أقولك الحقيقة ؟ حاولت أشوف بعد ماسبتيني و أخترتي أخوكي. مقدرتش. إنتي جميلة. و في أجمل منك. بس عيني مش شايفة الأجمل. شايفاكي إنتي بس. انتي مش طالعة من البيئة اللي طلعت أنا منها. في غيرك زيي و أنسب.. بس قلبي مش شايف الأنسب.. هو ده الحب يا سمر. عيونه مش بتشوف نواقص و لا ثغرات. و أنا بحبك كلك على بعضك. بشكلك. بقلبك. بروحك. بضعفك و عنادك و حنيتك.. بكل حاجة فيكي ...
كانت تحدق فيه خلال حديثه و كأنها مسحورة... حتى فرغ و بقى يتأمل وجهها الجميل و تعابيرها الذاهلة لبرهةٍ.. ثم سألها بدوره :
-و إنتي يا سمر.. بتحبيني بجد ؟!
أجفلت في هذه اللحظة و ارتبكت قليلًا.. ثم أجابت بعد مدة قصيرة :
-أقولك الحقيقة بس ماتضحكش عليا !
إتسعت ابتسامته أكثر الآن، فتأففت قائلة :
-إنت بتضحك من دلوقتي.. خلاص مش هقول
قهقه "عثمان" بخفةٍ و سرعان ما سيطر على نفسه و قال و هو يمسك بيديها بحزمٍ :
-خلاص. خلاص يا سمر Sorry.. أوعدك مش هضحك تاني. يلا قولي. عشان خاطري !
و منحها تلك النظرة التي ورثها من أمه.. تلك النظرة التي لا تستكيع أن ترفض بعدها أيّ قد يطلبه كليهما منها ...
أطلقت "سمر" تنهيدة حارة، ثم قالت مواصلة النظر إلي عينيه :
-أنا طبعًا قبل ما أعرفك عمري ما فكرت في إرتباط أو أي حاجة من دي.. عمري ما تخيلت نفسي مع حد أصلًا زي بقيت البنات و عمري ما كان عندي فارس أحلام بقى و كده و لا أي مواصفات. كنت واقعية و أحلامي على أدي. و دايمًا بحط مصلحة إللي مني قبل ما مصلحتي و بفكر فيهم قبل تفكيري في نفسي.. بس لما قابلتك. و حبيتك رغم الظروف إللي مرينا بيها. مابقتش قادرة أشوف حد زيك.. قصدي. كراجل. إنت الراجل الوحيد. و الأول و الأخير في حياتي. أي راجل غيرك في نظري مش راجل فاهمني ؟!
لم يتحمل "عثمان" إمساك نفسه عند سماع عبارتها الأخيرة فقط... لينفجر ضاحكًا بقوة و جسمه يهتز بشدة ...
عبست "سمر" غاضبة و سحبت يديها من قبضتيه في الحال مغمغمة بغيظٍ :
-مش قولتلك هاتضحك عليا ؟ أنا غلطانة.. إوعى كده !
و أخذت تقاوم يديه و هو يحاول الامساك بها مجددًا، لكن إحد محاولاته نجحت و أسرها بين ذراعيه مرةً أخرى و هو يقول و لا زال يضحك :
-خلاص.. خلاص بقى يا سمر. مش قصدي و الله.. خلاص يا حبيبتي. أنا آسف بجد !
أتت مجهوداته في مراضاتها ثمارها و لانت له بالفعل، استرخت ثانيةً بين أحضانه و تركته يلاطفها و يذيبها كيفما يشاء ...
لكنه بتمرس مدروس يعرف إلى أيّ حد يتوقف، و بدون أن تشعر بانفصاله عنها حتى.. قام واقفًا و سحبها معه بخفةٍ مطوقًا خصرها بذراعيه بشدة
شهقت "سمر" من المفاجأة و فتحت عيناها على وسعهما ...
-إيه ده في إيه ! .. تمتمت مذهولة
عثمان مبتسمًا : تعالي ننزل البحر
لهثت "سمر" من تخيّل قوله و ردت بتوتر :
-إنت عارف إني مابعرفش أعوم و بدوخ لو قربت منه أوي !
طمأنها ماسحًا على شعرها و جانب وجهها بحنو :
-ماتخافيش.. أنا معاكي. و لا مش واثقة فيا ؟ و بعدين ما أنا جبتك مرة من تحت الموج ب2 متر و الدنيا كانت بتشتي و عتمة كحل.. مش فاكرة و لا إيه !
و غمز لها ...
-ليلة ما هربتي مني و نطيتي من اليخت !!
تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل و هي تتذكر ذلك.. لتخفض رأسها و تخبئ وجهها في صدره... فيبتسم مقبلًا رأسها و يغمغم لها :
-بالمناسبة.. ليلتها عرفت إني بحبك لأول مرة. ماتردتش لحظة و أنا بنط وراكي في البحر. و كان عندي إستعداد أضيع. أموت. بس ماطلعش منغيرك !
ارتدت للخلف لتنظر إليه من جديد... كل هذه الاعترافات.. كل المشاعر... الافصاح عنها دفعة واحدة يدهشها حقًا..و يسعدها أكثر بكثير ...
-يلا بقى ! .. هتف بها مشجعًا
ثم شبك أصابعه باصابعها و شدها خلفه، ركضا تجاه المنحدر وصولًا إلى الشاطئ... تركها لحظاتٍ ليخلع قميصه و يلقيه بعيدًا عن المويجات و الرمال الرطبة.. أمسك بيدها ثانيةً و غافلها لجزء من الثانية، لتفاجأ به يحملها بين ذراعيه.. صرخت بحماسٍ و مرح و هو يركض بها حتى غمرتهما المياه
تعلٌقت به طوال الوقت، لم تفك ذراعيها من حوله أبدًا بينما يسبح و يغطس بها.. يبث فيها الشجاعة و روح المغامرة و حب البحر و الاستسلام له
فلا مأمن منه سوى بمطاوعنه و الخضوع لسلطانه و تحمّل تقلباته... و هكذا بقيت "سمر" لمدة من الزمن أسيرة البحر و أسيرة أحكام و رغبات زوجها الحبيب
إلى أن أصدر قرار خروجهما.. ليعودا إلى الشاطئ مجددًا.. كلاهما ينفض قطرات الماء عن جسديهما و رأسيهما
سبقها "عثمان" مهرولًا ليحضر قميصه الجاف من فوق الرمال، ثم عاد إليها مادًا يده به ...
-خدي إلبسي ده ! .. قالها "عثمان" لاهثًا بقوة
نظرت "سمر" بغرابة إلى يده، ثم نظرت إليه قائلة بلهاثٍ هي الأخرى :
-ألبس قميصك ؟ و إنت تلبس إيه.. عاوز تمشي كده في الهوا و تاخد برد. لأ طبعًا ماينفعش
عثمان باصرارٍ : بقولك خدي يا سمر. إنتي عارفة مابحبش أعيد كلامي مرتين.. هاتلبسي القميص زي ما قولتلك. يلا
-يا حبيبي ما أنا معايا تونيك. هاطلع أجيبه و أجيب الإيشارب في إيه بقى !
عثمان بصرامة : التونيك ده قصير يا هانم و فستانك مبلول و لازق على جسمك. قميصي كبير و واسع عليكي. يلا خدي.. إلبسي
رفعت "سمر" حاجبيها مدركة قصده، و بدون أن تجادله أكثر أذعنت له و أخذت القميص، إرتدته ...
-أنا خايفة عليك لا تبرد طيب ! .. تمتمت "سمر" بقلقٍ و هي تنظر إلى جزعه العاري
ابتسم "عثمان" قائلًا :
-لأ ماتخافيش.. أنا أجمد من كده !
و غمز لها ثانيةً ...
ضحكت من قلبها و أقبلت عليه، تأبطت ذراعه و غمغمت بدلال :
-خلاص يبقى تنسى القميص ده.. أنا صادرته و مش هاديهولك تاني. بقى بتاعي !
مال "عثمان" صوبها قليلًا و همس أمام وجهها :
-إذا كنت أنا شخصيًا بتاعك.. براحتك. صادري قمصاني و هدومي كلها يا بيبي مايهمكيش !
و ضحكا معًا ...
Back ...
أفاق "عثمان" من الذكرى الغالية و هو يشعر بقطراتٍ ساخنة تنهمر فوق خديه ..
أجفل و رفع يده متلمسًا وجهه، ليكتشف بأنها لم تكن سوى دموعه !
لم يحاول كفكفتها حتى... إنما مشى نحو سريرها.. إتخذ منه مجلسًا.. ثم تمدد فوقه برفقٍ... وضع رأسه فوق وسادتها و دفن وجهه بها مستنشقًا بعمقٍ رائحتها و آريجها العالق هناك.. بيننا يتدفق سيل دموعه أكثر و لكن من غير بكاء
يبدو حقًا أن الأمور هذه المرة قد تجاوزت قدرته على التحمّل.. ليست ككل مرة... أصبح هذا جليًا الآن.. بعد أن كانت هنا.. صار هو وحيدًا تمامًا.. بدونها ! .................................................................................................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبع ...
( 66 )
_ أحجية ! _
قد يسعها الانكار قليلًا بأن الحنين إلى وطنها و مسقط رأسها لم يكن قوي الوطأة على فؤادها... و لكن قطعًا لا يسعها أن تنكر حجم شوقها و توقها لرؤية أفراد عائلتها فردًا فردًا
في تمام الرابعة و النصف فجرًا وصلا كلًا من "فادي" و "هالة" إلى أراضي الأسكندرية سالمان.. إستقلا سيارة أجرة، و في غضون نصف ساعة من المطار إلى طريق شمال المدينة كانا أمام قصر عائلة "البحيري" ...
ترجلت أولًا دون إنتظار و ركضت تحت خيوط البزوغ الوردية التي تجلل السماء العاصفة بهواءٍ خفيف.. فتحت البوابة ببطاقة مفعَّلة إلكترونيًا خاصة بأصحاب المنزل فقط، بينما كان "فادي" يدفع للسائق.. أنزل الحقائب و ساعده الأخير بنقلهم إلى الباحة الداخلية ثم رحل
ليلحق "فادي" فورًا بزوجته... أو طليقته !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تخيّلت "هالة" بأنها ستلج لتجد السكون و الهدوء يسود الأجواء بالداخل، و لكن اتضح بأنها كانت مخطئة.. إذ لم يكن الجميع نيامًا كما ظنّت، فها هي ترى وسط الظلمة الطفيفة جسمًا هلاميًا لم تتمكن من تبيّن ماهيته، أهو رجلًا أو امرأة
إتجهت نحو أقرب لوحة مفاتيح لتضيئ قسمًا من مصابيح قاعة البهو
لحظة إنتشار الضؤ، تنظر "هالة" بصورة جيدة الآن، فتكتشف بأن ذاك الجسم المعتم لم يكن سوى زوجة عمها السيدة "فريال" !
في نفس الوفت.. يرتفع رأس "فريال".. و تحدق بعيناها الجميلتان ذات النظرات الملأى بالبؤس ...
-هالة ! .. برز صوت "فريال" الذاهل كتعابير وجهها في هذه اللحظة
بدت عليها المفاجأة لرؤيتها الآن، قامت من مكانها بتباطؤ، بينما تقبل "هالة" عليها بخطوات مهرولة و هي تهتف بتلهفٍ :
-أنطي فريال ! يا حبيبتي يا أنطي. وحشتيني أوووي ..
و لم تمهلها حتى لترد عليها، إرتمت من فورها بين أحضانها و عانقتها بقوة.. بادلتها "فريال" العناق بدورها مفرغة عليها دفقات من حنانها الأمومي الذي حُرمت منه المسكينة في سن مبكرة للغاية، و قد أضحت الآن يتيمة الأم و الأب ...
أخذت تربت عليها و تمسح على شعرها متمتمة برقتها المعهودة :
-حمدلله على السلامة. نورتي بيتك.. طمنيني عليكي يا هالة. و إللي في بطنك يا حبيبتي إن شاالله يكون بخير !
ترتد "هالة" للخلف قليلًا كي ما تتمكن من النظر إليها، و ترد بلهجة تفيض امتنانًا :
-أنا كويسة و البيبي كويس الحمدلله. إطمني عليا خالص ..
ثم إستحال صوتها متوترًا بطرفة عين و هي تستطرد :
-المهم طمنيني أنا.. إيه الكلام إللي سمعته منك على التليفون ده. إزاي عثمان يطلق سمر ؟ إزاي يعني ده حصل ؟!!!
طفا الحزن بكثافةٍ أكبر على وجه "فريال" عند تطرق "هالة" لهذا الحديث.. لكنها و قبل أن تمنحها جوابًا.. لمحت ظهور "فادي" من ورائها ...
-أخواتي فين يا فريال هانم ؟؟؟
علا صوت "فادي" ذي النبرات الحادة و هو يقلص المسافات وصولًا إلى والدة صهره، توقف على بعد قدمين منها و أردف و هو يرمقها شزرًا :
-سمر و ملك خرجوا من بيتكوا للمرة التانية و سيبتوهم.. راحو فـــيـن رددددي علــــيا !!!
-إنت ماتعليش صوتك ده عليها !!!!!
إنطلقت تلك الصيحة الزاجرة من فم "هالة" إثر عبارته الهجومية مباشرةً ...
وقفت بوجهه و رفعت ذقنها مصدرة إلى عينيه نظراتٍ متحدّية، ثم قالت بغضبٍ بيّن :
-إياك.. سامعني. إيااااك تتكلم معاها بالطريقة دي. إلزم حدودك يا فادي. دي بالذات مش أنا. و لا زي أي حد تقدر توجهله كلمة واحدة قبل ما تفكر تنطقها. أنا أول واحدة أقفلك
و بالفعل.. إلتزم "فادي" الصمت محدقًا بها بنظراتٍ غامضة.. لكنها لم تكن هيّنة أبدًا ...
-خلاص يا هالة ! .. قالتها "فريال" و هي تسارع للحؤول بينهما قبل تفاقم المشكلة
شدتها من ذراعها لتتراجع عن الشاب الغضوب الآن، و حلت محلها قائلة بتهذيبٍ رفيع :
-شوف يا فادي. أظن إنت ماتعرفش الحقيقة كلها.. بس أنا ممكن أقولك باختصار. لا أنا و لا إبني جينا على خاطر سمر أو ملك من يوم ما دخلوا البيت ده. و أنا شخصيًا و ده كلام يشهد عليا ربنا و أنا بقوله مابطلتش أخد صف سمر حتى ضد إبني. في كل مرة حتى لو بتكون غلطانة. لكن آخر مرة يا فادي أختك غلطت غلطة إستحالة تلاقيني فيها واقفة جمبها.. لو كنت إنت مكان عثمان و أنا أمك. و مراتك قدمت فيك بلاغ عشان شوية مشاكل بينكو و دخلتك القسم. تفتكر ممكن أدافع عن مين فيكو ؟!
أصغى "فادي" لكل كلمة تفوّهت بها "فريال"... حتى قاطعت كلامها و ظل ينظر إليها عاقدًا حاجبيه.. حائرّا.. عاجزًا عن التفكير و استيعاب المعلومات الحديدة... لتكمل "فريال" ضامة يديها أمامها :
-سمر هربت للمرة التانية و أخدت ملك معاها. بدل ما تروح تقعد في بيتها معززة مكرمة و توصلها نفقتها لحد عندها فضلت تهرب.. حتى لما قولتلها باب البيت ده هايفضل مفتوحلك تيجي و تشوفي إبنك وقت ما تحبي. رفضت تسمعني و سابته تاني. سمر هي إللي إختارت يا فادي.. ده إختيار أختك من البداية و لحد اللحظة دي !
تشتد عضلات فكيه مع كل حرف يسمعه، و تتصاعد الدماء مسبغة حمرتها القانية على بشرته، يضيق صدره و يواجه صعوبة في التنفس، يشعر بطنين يضرب بأذنيه
بلا أدنى مبالغة.. لم يكن هذا الذي سمعه و عرفه بالقليل عليه... بغض الطرف عن التفاصيل.. أن تختفي شقيقته مرةً أخرى.. بل الإثنتين معًا
كيف عساه يجدهما ؟ أين يبحث ؟ أما و قد فعل من قبل.. و لكن لم يطلع شيئًا بيده !
و مجددًا.. بعد أن ظن بأنه ذاك الشعور.. شعوره بالعجز قد تلاشى و لو بنسبة معقولة.. عاد يغمره بصورة كلية و بلا رحمة الآن ...
______________
نفخات متأففة تصفق وجهها.. غمغمات مستاءة غير مفهومة تسللت إلى مسامعها.. هزات صغيرة تدفع بكتفها... لم يستغرق كل هذا المجهود البسيط وقتًا طويلًا و استيقظت "سمر" في الحال
فتحت عينيها على وسعهما، و قامت مفزوعة و هي تهتف بذعرٍ :
-إيه. في إيه.. يحيى. ملك !!!
و أدارت وجهها لتقع عينها على شقيقتها الصغيرة ...
في تلك الغرفة المتوسطة المترفة إلى حدٍ ما، وقفت "ملك" بجوار السرير الكبير، جمدت و هي تنظر لأختها باستغرابٍ.. بينما احتاجت "سمر" لدقيقة حتى تمكنت من استحضار أحداث اليوم من الماضي من أعماق ذاكرتها المشوشة
بداية من مرافقة والد إبنها إلى مخفر الشرطة.. مغادرتها منزله بالملابس التي ترتديها فقط.. بيعها قلادة أمها.. ذهابها للبحث عن عملٍ بمكتب للعمالة المنزلية... و أخيرًا وصولها هنا.. أبعد نقطة.. على الأقل بالنسبة إليها
بمنزلٍ.. بل قصرًا بقرية يطل على ساحل البحر.. مع سيدة جميلة... من المقرر أن تعيلها لفترة ريثما تقضي عطلتها الصيفية مع طفلتيها التوأمتان
ارتجف الهواء فوق شفاة "سمر" و هي تتذكر كيف كان شعورها ليلة أمس.. لم تكن مطمئنة و هي تستقل السيارة الفارهة مع السيدة رائعة الجمال و تضم شقيقتها بكلتا ذراعيها... و حتى وصلت معها إلى هنا.. اطمأنت فقط حين تأكدت من كلامها بأن المكان آمن و لا يسكنه رجال
ارتاح قلبها و إلتجأت بالغرفة التي قدمتها لها المعيلة الكريمة.. وضعت شقيقتها التي نامت بالفعل على كتفها بالفراش... ثم إرتمت إلى جوارها و غفت فورًا بحذائها ...
-هو إحنا فين يا سمر ؟!
أفاقت "سمر" من أفكارها على صوت شقيقتها ..
نظرت لها لتجد وجهها الطفولي البهي عابسًا بشدة، تنهدت بثقلٍ و ردت عليها و هي تفرك عينها بقبضتها :
-إيه يا لوكا.. مافيش صباح الخير الأول يعني ؟ و بعدين من إمتى بتسأليني بنروح فين.. مش المهم إننا مع بعض و خلاص !
تتلفت "ملك" حولها موزعة نظراتها المقيّمة بكل إتجاه، ثم تقول بعدم رضا :
-أنا كنت فاكرة إن عثمان جه يصالحنا. لما صحيت افتكرت إن ده بيته.. بس لما خرجت من الأوضة شوفت واحدة غريبة.. مين دي يا سمر ؟؟
و نظرت لها ثانيةً بنفس التعبير المنزعج ...
أصدرت "سمر" شهقة حين أشارت "ملك" إلى عامل الوقت، في البادئ ظنّت بأن الوقت لا يزال باكرًا.. و لكن ظهر إخفاق ظنها... لقد أفاقت السيدة و هي نائمة حتى الآن !!!!
أجفلت "ملك" عندما رأت أختها تقفز من السرير فجأة ...
راقبتها و هي تركض تجاه المرحاض الملحق بالغرفة، ذهبت ورائها و كررت سؤالها، إلا إن الأخيرة بقيت صامتة و تجاهلت إلحاحها باستمرارٍ
غسلت وجهها و فرشت أسنانها بقوة، وضعت الحجاب فوق رأسها و هندمت ثيابها المجعدة بشكل معقول، ثم توجهت من فورها نحو باب الغرفة... و لكنها قبل أن تمد يدها إلى المقبض إلتفتت إلى الصغيرة
إجتذبتها من مرفقها بلطفٍ و انحنت قليلًا لتردد على مسامعها تحذيرٍ :
-ملك.. عاوزاكي تفضلي قاعدة هنا في الأوضة. ماتخرجيش أبدًا فاهمة.. لحد ما أجيلك أنا. شوية و هاجبلك تفطري. إوعي ألمحك برا في أي مكان. إتفقنا ؟
وافقتها الصغيرة على مضضٍ :
-ماشي !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°
خرجت "سمر" مهرولة إلى غرفة المعيشة.. كانت الشرفة المطلة على الحديقة مباشرةً مفتوحة فأضأت هناك المكان كله
و كان المطبخ مفتوحًا امامها و استطاعت أن ترى السيدة الأنيقة في أبهى إطلالة بيضاء، تجلس في المقعد المعدني، تختال بحركاتها الأنثوية داخل عباءتها الهفهافة الثمينة.. كانت تقلب قهوتها الصباحية بنفسها و بدت مسترخية إلى أقصى حد
و لوهلة اعتقدت "سمر" بأنها لم تنتبه لوجودها، و لكن كأن الأخيرة سمعت أفكارها.. علا صوتها الرقيق في هذه اللحظة مناديًا دون أن تلتفت إليها :
-تعالي يا سمر.. تعالي ماتتكسفيش. أنا حضرت فطار بسيط. تعالي إفطري معايا !
إزدردت "سمر" ريقها بتوترٍ.. لكنها أذعنت بالأخير و مشت نحوها ...
-أنا آسفة جدًا ! .. قالتها "سمر" معتذرة و هي تمثل أمامها داخل المطبخ
رفعت "يارا شهدي" وجهها أخيرًا و تطلعت إليها ...
-بتعتذري على إيه ؟ .. تساءلت بدهشة حقيقية
سمر بخجلٍ متزايد :
-حضرتك صحيتي قبلي. و كمان حضرتي لنفسك فطار.. دي بداية مش مبشرة ليا. و أكيد شغلي كده مش هايعجب حضرتك !
تبسمت "يارا" بجاذبيةٍ و قالت باسلوب لطيف :
-إنتي جميلة أوي يا سمر.. عنيكي كلها طيابة مش طبيعية. و بنظرتي إللي ماتيخبش أقدر أقولك إنها أول مرة ليكي
سمر عاقدة حاجبيها :
-أول مرة ليا في إيه بالظبط ؟!
-في الشغل في البيوت.. إنتي عمرك ما جربتي تشتغلي الشغلانة دي. صح ؟
مرت لحظة من الصمت... ثم أومأت "سمر" مؤيدة ملاحظتها الثاقبة
إتسعت إبتسامة "يارا" أكثر و قالت بتنهيدة :
-يبقى أنا صح.. و معناها بردو إن وراكي حكاية كبيرة. أنا على فكرة ماختارتكيش إمبارح بالصدفة
شحبت "سمر" عند سماع ذلك و رمقتها بقلقٍ، لتستطرد "يارا" و هي تضحك بخفة :
-ماتتخضيش أوي كده.. أنا هافهمك. أنا أصلًا صحافية. و متخصصة في القضايا و الألغاز و التحقيقات و الحاجات دي.. أول ما بصيت في وشك عرفت إن فيكي حاجة. و منغير ما تسألي.. حتى لو الحاجة دي خطيرة. مش قلقانة. عندي فضول بس.. و كده كده مافيش أخطر و لا أفظع من إللي عيشته في السنتين إللي فاتوا. حاجات علمتني إللي ماعرفتوش في عمري كله !
-أفندم !! .. تمتمت "سمر" ببلاهةٍ
غيّرت "يارا" مجرى الحديث فورًا :
-ماتاخديش في بالك.. دي حدوتة كده و راحت لحالها. المهم.. حضري لأختك فطار و شوفي شربيها لبن أو عصير عندك التلاجة إتصرفي على راحتك. و لما تخلصي هاتي فطارك و قهوتك و حصليني على برا. عاوزة أدردش معاكي شوية
-طيب و بنوتات حضرتك.. مش هايفطروا ؟
-لأ يا حبيبتي مش بيصحوا دلوقتي. إنتوا إمبارح جيتوا نمتوا علطول و بناتي مش بينيموني قبل الفجر.. شوية كده هانسمع صوتهم. ماتقلقيش !
و قامت "يارا" آخذة بيدها فنجان القهوة الكبير، مشت ناحية الشرفة الفتوحة بخطوات متهادية و هي تحتسي منه قليلًا ...
بالخلف "سمر" تحدق في إثرها بغرابةٍ.. لكنها سرعان ما بدأت بالحركة داخل تلك المساحة المحدودة.. حضرت بعد السندويشات لأجل شقيقتها... صبت كأسًا من الحليب.. و حملت كل هذا فوق صينية
عادت إلى الغرفة لتجد "ملك" تجلس فوق الكرسي الهزاز و تشاهد الرسوم المتحركة على شاشة التلفاز متوسطة الحجم.. وضعت أمامها الطعام و أمرتها بانهاؤه كله، ثم عادت أدراجها إلى الخارج
لم تشعر بشهية كبيرة للطعام، فاكتفت بكوبٍ من الشاي الأخضر بنكهة النعناع.. عساه يعمل على تهدئة أعصابها نوعًا ما ...
-تعالي يا سمر ! .. قالتها "يارا" داعية إياها للانضمام إليها
تحت آشعة الشمس الساطعة، كانت تجلس فوق الأرجوحة الكبيرة، فاختارت "سمر" أن تجلس قبالتها.. لكنها احتجت في الحال :
-لأ.. تعالي جمبي هنا. في مكان ! .. و ضحكت
تنفست "سمر" بعمقٍ و إنصاعت لها ...
-هه بقى.. مش هاتقوليلي إيه حكايتك ؟!
و بدأت تهز الأرجوحة بقدميها.. أسدلت فوق عينيها النظارة الشمسية و أدرات رأسها لتنظر لها و تحثها على الحديث ...
تلعثم لسان "سمر" بالبداية.. حتى استطاعت تكوين جملة مفيدة :
-كان نفسي دايمًا أعمل كده !
يارا باستغرابٍ : كان نفسك تعملي إيه ؟!
صمت قصير... ثم قالت "سمر" بشرودٍ :
-كان نفسي أقابل حد. أي حد ماعرفوش.. أقعد قصاده و أحكي كل حاجة. و بعديها أقوم أمشي.. و مانشوفش بعض تاني. بس.. أبقى قلت كل حاجة. أبقى أتكلمت و طلعت صوتي و كل إللي جوايا !
يارا رافعة حاجبيها :
-إمممم.. طيب إنتي مش شايفة إن دي فرصتك ؟ أنا قدامك أهو.. ماتعرفنيش. بس ماوعدكيش إنك مش هاتشوفيني تاني. أنا حبيتك جدًا.. المهم. يلا يلا. إحكي.. أنا سمعاكي !
و رفعت ساقيها عن الأرض الخضراء، ربعتهما من تحتها و راحت ترتشف من قهوتها و هي تولي مستخدمتها جلّ تركيزها ...
في المقابل.. احتارت "سمر" من أين تبدأ... هطلت دموعها خلال ذلك فلم تحب "يارا" أن تضغط عليها.. تركتها قرابة الخمس دقائق لتستجمع نفسها
حتى وجدتها تنطق دون تفكير أو مقدمات :
-جوزي إتجوز عليا !
ران الصمت بعدها لنصف دقيقة ...
ألقت "سمر" نظرة على "يارا".. رأتها واجمة للحظة، ثم ارتعدت حين إنطلق الضحك من فمها بقوة أدهشتها و أربكتها في آن
عبست "سمر" مجفلة و هي تستمع لهذا الضحك الهستيري، لم يعجبها أن ترى بعينيها إستخافًا و سخرية بمشاعرها المجروحة ...
قررت أن تنهي الحوار إلى ذلك الحد.. و لكن معيلتها الجميلة تكفّ قليلًا عن الضحك و هي تقول بمرحٍ غريب :
-مش معقول.. كل المناحة دي عشان جوزك إتجوز عليكي بس ؟ .. آااااااه. كان لازم تيجي تشوفي البغل إللي كنت متجوزاه. يا حبيبتي أنا كنت متجوزة نمرود.. بني آدم مايقدرش عليه إلا ربنا.. و إنتي جاية تقوليلي جوزي إتجوز عليا !!!
و إنفجرت ضاحكة من جديد ...
شعرت "سمر" باستفزاز شديد لمشاعرها، كانت ستنهض الآن.. لكن "يارا" خمنت ذلك، فتوقفت تمامًا عن المرح
لا تدري "سمر" كيف فعلت ذلك.. بينما تأخذ "يارا" تعابير الجدية و تعاود سؤالها بتفهمٍ أكبر :
-تمام يا سمر.. آسفة. كملي.. و بعدين !
______________
قبيل رحيله إدَّعى بالمكتوب الذي تركه لشقيقته الكبرى بأنه صار يمقت ذلك البيت.. و لا يتوق للعودة إليه طوال ما بقي من عمره
و لكن شيء غريب جدًا !
أن يشعر بكل هذا الحنين و الدفء لحظة وصوله الحي الذي كبر و نشأ فيه، تلقّى الترحيب من الجميع، الكل أظهر شوق و محبة له
إلا إن تركيزه كان أضعف من أن يجعله في أتم الانسجام معهم... سرعان ما صعد إلى بيته.. ولج إلى شقته
وجدها على الحال الذي تركها عليه
دمار يحيط بها، تخريب، ضرر شامل ...
صدره لا يزال ضائقًا عليه.. حاول أن يسحب بعض النسمات إلى رئتيه.. لكنه جمد فجأة... حين رأى من حيث يقف.. باب غرفة شقيقته مواربًا و الضوء ينعكس من الداخل
أسرع راكضًا نحوها ظنًا منه بأنه سيجدها هناك ...
و لكن خاب ظنه.. في الواقع صدم بشدة، عندما شاهد هناك زوج شقيقته يستلقي فوق سريرها محتضنًا وسادتها
و من جديد اشتعل الغضب بداخله و تكوّرت قبضة يده السليمة و هو يواصل النظر إلى ذاك النائم بحالة مزرية لا تليق به بتاتًا ! .......................................................................... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبع ...


0 تعليقات