expr:class='data:blog.pageType'>

Header Ads Widget

رواية سل الغرام بارت 63 و 64 علي النجم المتوهج للكاتبه مريم غريب



 ( 63 )


_ سيئات ! _


كان الوقت غروبًا.. و قد قلّ الازدحام بين الطرقات نوعًا ما... و لكن قبل أن تتوّغل سيارة الأجرة بالأحياء الشعبية بقلب المدينة 


هتفت "سمر" تستوقف السائق بصوتها الغائم : 


-على جنب هنا لو سمحت ! 


إنصاع لها الأخير و توقف على جانب الطريق، لتلتفت إلى شقيقتها الصغيرة التي كانت متكوّرة بحضنها و تغفو خلال الطريق ... 


-ملك ! .. تمتمت "سمر" بخفوتٍ و هي تمسد على رأس الصغيرة بحنو توقظها 


-لوكا.. إصحي يا لوكا. إصحي حبيبتي يلا 


تتململ "ملك" ساحبة نفسًا عميقًا قبل أن ترفع وجهها لتنظر إلى أختها الكبيرة و تسألها بصوتٍ ناعس : 


-نعم يا سمر.. هو إحنا وصلنا خلاص ؟ 


تبتسم لها "سمر" قائلة : 


-لأ لسا يا قلبي.. بس لازم ننزل هنا الأول. عشان نجيب فلوس ! 


و حانت منها إلتفاتة عبر النافذة بجوارها إلى عارضة الذهب و المجوهرات هناك ... 


-هانجيب فلوس منين ؟! 


عاودت النظر لها من جديد.. لمست بطرف أناملها تلك القلادة التي تطوّق عنقها الناعم الصغير ... 


-هاننزل و هاقولك ! .. غمغمت "سمر" محاولة إخفاء نبرة القهر بصوتها 


ثم توجهت إلى السائق بلهجة مسموعة : 


-معلش ياسطى هاتستنانا خمس دقايق بس. هانسيب الشنط هنا و مش هانطول عليك ماتقلقش 


رد السائق الأربعيني و هو ينظر لها بالمرآة الأمامية : 


-خدي راحتك يا مدام. إتفضلي أنا قاعد مستني ! 


شكرته "سمر" و أمسكت بيد شقيقتها و ترجلت من السيارة ... 


سارت بها نحو متجر المجوهرات الفخم ذائع الصيت بالضاحية البحرية الساحرة.. لكنها توقفت على بُعد خطواتٍ و أمسكت بكتفيّ "ملك" لتجعلها تنظر إليها و هي تقول : 


-ملك.. إنتي عارفة إن إحنا سيبنا القصر. مش كده ؟ 


أومأت لها الصغيرة قائلة و علائم الحزن تغزو محياها الجميل : 


-آه عارفة.. إنتي قولتيلي من شوية. و قولتي إننا لازم نرجع بيتنا تاني ! 


أجفلت "سمر" عندما أحرقتها بوادر دموعٍ بعينيها، سرعان ما كبحت مشاعرها و سيطرت على نفسها و هي ترد عليها بصوتٍ مهزوز إنفعالًا : 


-إحنا مشينا. بس مش راجعين بيتنا.. هانعيش في مكان تاني لوحدنا. بس لازم يبقى معانا فلوس عشان نقدر ناخد المكان ده و نعرف ناكل و نشرب.. صح ؟ 


وافقتها الصغيرة على الفور بلا تفكيرٍ : 


-صح يا سمر ! 


أطبقت "سمر" جفونها بشدة مطلقة نهدة حارة من أعماقها، ثم فتحتهما ثانيةً و رفعت يديها إلى عنقها ممسكة بطرف القلادة، و قالت : 


-السلسلة دي أنا لبستهالك السنة إللي فاتت في عيد ميلادك.. و يومها قولتلك إنها بتاعة ماما. و قولتلك تحافظي عليها كويس عشان هي ذكرى منها... بس يا لوكا. أنا مضطرة أخدها منك دلوقتي و أبيعها. مضطرة.. عشان مش معايا فلوس في جيبي خالص. و مش هقدر أعشيكي و لا أنيمك في حتة. إذا مابعتهاش !! 


من تلقاء نفسها، رفعت "ملك" يديها و قامت بانتزاع القلادة و قدمتها لأختها قائلة : 


-خديها يا سمر.. لو كان عندي سلسلة تانية كنت إديتهالك ! 


لم تستطع "سمر" إمساك الدموع أكثر من ذلك، و إنهمرت من عينيها كالشلالات، فضمتها إلى صدرها بقوة و هي تكتم نحيبها المتقطع قدر استطاعتها ... 


دام الأمر لحظاتٍ.. ثم دفعت "سمر" بكل هذه المشاعر بأعمق نقطة داخلها و ابتعدت عن شقيقتها و هي تكفكف دموعها في كم كنزتهت قبل أن تراها 


تابعت سيرها مجددًا تجاه المتجر و هي تخاطبها واعدة بصوتٍ صارم : 


-هاجبلك أحسن منها يا ملك.. هاجبلك كل إللي نفسك فيه ! 


______________


تأخر كثيرًا حتى إهتدى عقله أخيرًا للتفكير في هذا الأمر ... 


كيف له أن يتغافل عن شيء كهذا أساسًا ؟ 


شيء بهذه الأهمية... أجل.. التعرَّف إلى هوية الشخص الذي إلتقط ذلك المقطع المخزي بينه و بين الزوجة الثانية.. كيف لم يرد إلى ذهنه هذا لحظة وقوع تلك الأحداث ؟ 


كيف !!!!! 


-عثمان ! 


ارتعد جسمه بخفةٍ لدى سماعه لنداء أمه الخافت، ثم شعر بيدها تحط فوف كتفه من الخلف ... 


أدار وجهه فقط و رمقها بجانب عينه قائلًا بفتورٍ : 


-أفندم يا فريال هانم ! 


فريال برقة : يلا يا حبيبي. العشا جهز.. أنا قاعدة مستنياك بقالي شوية 


-طيب يا ماما.. إتفضلي إنتي. أنا هاخد مكالمة بس و هاحصلك بسرعة 


ندت عنها نهدة يائسة و قالت : 


-ما تتأخرش.. مش هاكل إلا لما تيجي ! 


و إنسحبت عائدة إلى حجرة الطعام ... 


لم يمر الكثير.. إلا و قد علا رنين هاتفه بصخبٍ... إلتقطه من أمامه فوق سور الشرفة الأرضية 


و دون أن ينظر إلى اسم المتصل، رد بصوته الجاف الصلد : 


-وصلت من إمتى ؟ 


أتى صوت الطرف الآخر مرتابًا : 


-عثمان باشا.. سمر هانم مارجعتش على البيت خالص. أنا واقف تحت من الصبح. من ساعة ما حضرتك كلمتني 


كانت تعابير وجهه المرتخية ببلادةٍ قد إستحالت إلى العبوس المخيف الآن، كذلك لهجته و هو يصيح به بعلظةٍ كبيرة : 


-إنت بتقول إيه ؟ يعني إيه الكلام ده ؟ يعني مارجعتش ؟ أومال راحت فين ؟؟؟!!!! 


المتصل : و الله ماعرفش حضرتك. أنا عملت إللي أمرت بيه.. فضلت قاعد من العصر لحد العشا أهو و محدش جه. ده حتى الشباك مضلم و مقفول.. مافيش حد هاوب هنا و الله 


تسارعت أنفاسه العنيفة و هو غير منتبهًا أو مكترثًا، فقط يجمع جلّ تركيزه حولها.. أين ذهبت ؟ هل هناك مأوى يمكن أن تلجأ إليه غيره ثم بيتها ؟ ... إلى أين يمكن أن تذهب ؟؟!!!!! 


-إوعى تتنقل من مكانك ! .. هتف "عثمان" بحدة شديدة 


-أول ما تيجي تكلمني فورًا. إياك تتوارب لحظة.. سامعني ؟؟؟ 


رد عليه الأخير منصاعًا... لكن صافرة الانتظار ضربت بأذنه فأبعده قليلًا و ألقى بنظرة على الرقم.. لم يجد مسجلًا 


فأغلق الخط بوجه محدثه في الحال و أجاب الاتصال الآخر : 


-آلو ! 


-أيوة. أستاذ عثمان البحيري معايا ؟! .. كان هذا صوت شابًا 


عثمان باسراعٍ نزق : 


-أيوة أنا. مين ؟؟؟ 


-مع حضرتك مكتب إدارة مصحة ( ...... ) للعلاج النفسي و إعادة التأهيل ! 


بُهت "عثمان" في هذه اللحظة و توقع عمَّن يمكن أن يخطره الأخير ... 


-سامعك ! .. قالها "عثمان" ببرودٍ مريب 


ليجيب الشاب بلهجته الرسمية : 


-أستاذ عثمان الإدارة كلفتني أبلغك إن مدام نانسي حرمك هربت من المصحة إنهاردة.. اعتدت على طاقم الممرضين و سرقت طبنجة الأمن و خرجت. إحنا محتاجين حضرتك بكرة عندنا في المصحة عشان نقفل محضر رسمي ! 


تسمّر "عثمان" بمكانه غير قادرًا على الرد من شدة وطأة الأخبار التي يتلقّاها و المواقف الصعبة التي يتنقل إليها موقفًا تلو الآخر ... 


عجبًا ! 


متى يتنهي عقابه يا ترى ؟ ألا تنتهي سيئاته أبدًا 


______________ 


تعرّق بشدة أثناء نومه، ثم جاءت خاتمة تلك الرؤية بانضمام والدته إلى أبيه... لينهض مفزوعًا من فراشه 


كان لهاثه مسموعًا، بينما تمتد يده لتشعل المصباح بجواره... رآى إبريق المياه أيضًا، فصب كأسًا و شربه كله 


ثم قام من السرير على الفور مرتديًا خفيه ... 


لم ينتظر لحظة و لم يتردد، أمسك بهاتفه و حمله إلى النافذة، فتحه و بحث عن رقم أخته و أجرى الاتصال 


وضع الهاتف فوق أذنه و انتظر الرد ... 


لكن صوت تلك السيدة برز بدلًا من صوت أخته لتؤكد على عدم إتاحة الخط المطلوب.. غير متاحٍ... و لكن لماذا ؟!!! 


ساوره القلق أكثر و أكثر الآن... أعاد المحاولة.. و لكن نفس الشيء تكرر 


أخذ يفرك بمكانه و ينظر بساعة الحائط من خلفه .. 


الوقت متأخر.. الثانية بعد منتصف الليل... لابد بأنها قد نامت.. لا يستطيع أن يقلقها في هذا التوقيت 


و لكن... هل بامكانه الانتظار حتى الصباح ؟ بالطبع لا... لن يتحمل 


سحب "فادي" نفسًا عميقًا و توجه خارجًا من غرفته قاصدًا غرفة زوجته ! ......................................................................... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...


 #البارت التالي بحضره من دلوقتي ممكن ينزل بكرة أو بعده بالكتير إن شاء الله ♥️

( 64 )


_ أبطال في القلوب ! _


أول ما تسلل إلى وعيها رائحته ... 


أجل.. فلكلٌ منَّا رائحته المميزة... و هو.. كانت رائحته خشنة.. قاسية.. مثل الشوكولاه الداكنة.. ثقيلة المذاق... لكنها لذيذة جدًا ! 


ثاني شيء شعرت به و الذي عمل على أفاقتها في الحال... كانت لمسته.. من أعماق أحلام معتمة، متداخلة، مجهولة المعالم.. أوقظتها ... 


-فادي ! .. غمغمت "هالة" بصوتٍ ناعس 


رأت وجهه المائل صوبها محمرًا مثيرًا على ضوء المصابيح الخافتة.. رفعت قبضتها و أخذت تفرك عينيها و هي ترتكز إلى مرفقها الآخر لترتفع بجزعها قليلًا و تسند ظهرها إلى الوسادة ... 


-في إيه يا فادي ؟ إنت كويس ؟! .. بدأ صوتها يعود إلى طبيعيته 


بدا عليها القلق عندما تبيّنت عبوس ملامحه الشديد، انتفضت مصدرة آنة متألمة حين شعرت بخفقة قوية أسفل معدتها.. رفعت كفها بنفس اللحظة و بسطته فوق بطنها ذات الخمسة أشهر 


اختلج محيا "فادي" للحظة عندما لاحظ هذا عليها، مد يده السليمة و لامس كتفها العاري بلطفٍ و هو يقول بصوتٍ أكثر خشونة : 


-إنتي كويسة ؟!! 


أومأت له و أمسكت بيده على الفور قائلة و هي تضغط بأناملها حول كفه : 


-أنا كويسة. إنت مالك.. إيه مصحيك الساعة دي. فيك حاجة ؟؟ 


هز رأسه للجانبين و هو يرد عليها بتباطؤٍ بسيط : 


-لأ.. مافياش حاجة. أنا.. أنا كنت عايز بس تتصلي بأي حد عندكو في القصر ! 


-أتصل بحد عندنا في القصر !! .. كررت "هالة" بغرابةٍ، و أكملت بقلق : 


-ليه يا فادي ؟ حد حصله حاجة ؟!! 


تنهد بثقلٍ و لم يرد عليها، بل أشاح بوجهه عنها و حنى رأسه شاعرًا بضيقٍ عظيم يشدد على صدره ... 


تحاملت "هالة" على نفسها و تقربت منه مزحزحة جسمها ناحيته... و لأول مرة منذ أشهر طوال يسمح لها بهذا القرب الشديد.. تحط بكفيها فوق كتفيه، و تكاد تلتصق به تقريبًا و هي تقول بصوت أقرب إلى الهمس : 


-مالك يا فادي ؟ في إيه صارحني.. بليز ! 


استمر الصمت بينهما للحظاتٍ، قبل أن يقرر "فادي" البوح لها أخيرًا.. فقال بزفراتٍ مغمومة : 


-الليلة دي.. شوفت أبويا و أمي ! 


هالة رافعة حاجبيها : 


-شوفتهم إزاي يا فادي ؟! 


-شوفتهم في الحلم.. شوفت أبويا الأول. كان واقف قدامي هنا في البيت ده. في أوضتي. زي ما يكون زارني حقيقي. ماتكلمش معايا. مانطقش خالص.. بقى يبصلي و غضبان بس. غضبان أوي.. شوية و لاقيت أمي دخلت جمبه. بس كانت بتعيط و ماسكة في إيدها شعرها.. شعرها كان بيقع جامد و كل مادا بكاها يزيد... صحيت فجأة و كل إللي جه في بالي سمر و ملك !!! 


و أدار وجهه لها ناظرًا بعيناها بقوةٍ ... 


أجفلت "هالة" و شحبت لسماع تفاصيل رؤيته، إذ أصابتها قشعريرة حقيقية من الوصف الذي شرحه.. ثم قالت بتلعثمٍ : 


-آ طيب.. إ إهدى بس الأول. ان شاء الله مافيش حاجة.. إنت جربت تكلم سمر و لا لسا متخاصمين ؟! 


فادي بعصبيةٍ طفيفة : 


-خصام إيه دلوقتي ؟ أنا عاوز أطمن على إخواتي. دول إخواااتي.. حاولت أتصل بسمر. بس تليفونها غير متاح. إنتي مش متخيلة أنا عامل إزاي دلوقتي من جوايا. أنا.. أنا ... 


و إنعقد لسانه عاجزًا عن الشرح، فوضعت "هالة" اصبعها فوق شفاهه قائلة تهدئه : 


-أوكي أوكي.. أنا فاهمة. خلاص ماتقلقش. أنا هاكلم فريال هانم دلوقتي.. هاتطمن عليهم يا فادي ماتقلقش ! 


______________


مكتب الروضة للعمالة المنزلية ... 


كان هذا المكان هو وجهة "سمر" و شقيقتها بعد خروجهما من متجر المجوهرات بالمبلغ الزهيد الذي حصلتا عليه لقاء بيع قلادة والدتهما المرحومة 


فكرت "سمر" كثيرًا قبل أن تقدم على بيعها، و بعد أن باعتها ندمت و حزنت حزنًا جمًّا، لقد فرطت بأكثر شيء ثمين تملكه.. بذكرى غالية ورثتها عن والدتها و تعهدت بالحفاظ عليها... لكنها في الوقت ذاته أدركت بأن كل شيء عزيزٍ و غالٍ قد سّلب منها سلبًا.. حتى طفلها... خسرته.. فماذا من بعده تظنه غاليًا أو تتشبث به.. غير شقيقتها !


كانت قاعة إستقبال كبيرة.. ملأى بالسيدات ذوات الأعمار المتفاوتة.. و لكن أكثرهن شابات يافعات.. كنَّ ينتظرن أدوراهن.. و تلك خاصتنا... لم تكن تولي ما يدور حولها إنتباهًا كبيرًا.. فقط تجلس في مقعدها... تضع شقيقتها في حضنها و تبقي حقيبة ملابسها أسفل قدماها 


إلى أن سمعت هتافًا باسمها، ردت عليه في المرة الثالثة و هي تنهض مسرعة : 


-أفندم ! 


و أوقفت "ملك" فوق الأرض، سحبتها في يدها و هي تسير بها تجاه مكت الاستقبال ... 


-أنا سمر حفظي. أفندم ! 


تلك الفتاة التي وقفت خلف المكتب، لا تبدو أكبر من أواسط العشرينات.. عبست قليلًا بوجه "سمر" و هي تقول متفحصة الأوراق التي ملأتها ببياناتها : 


-مدام سمر حفظي الطلب الوظيفي بتاع حضرتك يناسب خدمات متعددة عندنا.. ممكن تقبلي عرض عمل من الليلة لو تحبي. لو مايناسبش معاكي الليلة ممكن تيجي بعد يومين أو ممكن نتصل بيكي لما يتوافر عندنا تاني 


سمر باندفاعٍ متوسلٍ : 


-لأ لأ يناسب من الليلة دي يا أنسة. أنا فاضية مش ورايا أي حاجة.. و بصراحة ماعنديش سكن و زي ما إنتي شايفة معايا طفلة ! 


أومأت الفتاة بتفهمٍ و قالت : 


-تمام.. طيب حضرتك هاتنتظري في الأوضة دي مع ال3 آنسات دول ! .. و أشارت خلفها نحو مجموعة من الفتيات اليافعات 


توجست "سمر" قليلًا و تساءلت بغير ثقة : 


-أوضة إيه دي معلش ؟! 


ردت الفتاة بصوت أكثر حزمٍ : 


-دي أوضة مكتب يا مدام ماتقلقيش.. في عملاء مميزين بيجوا يتعاملوا معانا. إحنا بنصفي الطلبات بتاعتنا و بنعرض عليهم.. ببساطة شديدة يعني هو طابور. هاتقفي فيه دقايق. و بس. لو وقع الاختيار عليكي هاتستلمي شغلك من الليلة 


إزدردت "سمر" ريقها بتوترٍ و قالت بصوت أبح : 


-طيب أنا آسفة سؤال أخير.. العملاء دول ستات و لا رجالة ؟! 


أجابت الفتاة بلهجة أقل حدة الآن تطمأنها : 


-ستات يا مدام.. ماتقلقيش. ستات ! 


______________


أوقفت السيارة بجراج المنزل.. أعطت حقيبتها و أغراضها الصغيرة لشقيقة زوجها الصغرى... ثم ترجلت أولًا و هي تزفر و ترفع النقاب لتلقط أنفاسها ! 


-أنا حاسة بصدمتك و الله.. معلش تعيشي و تاخدي غيرها يا سلاف !! 


كانت هذه "عائشة" التي تشاكسها بعبارة مواسية مبطنة


لتنظر لها "سلاف" و تزجرها قائلة : 


-أعيش و أخد غيرها ؟ ده إن عشت أصلًا يا عائشة. هو طول ما ورايا أخوكي ده هايقطع نفسي. آه و الله نهايتي معاه 


عائشة بخبثٍ : بعد الشر عليكي يا سوسو. إنتي مكيرة المواضيع أوي كده ليه ؟ ده بدل ما تفرحي.. خبر الحمل بقى أكيد و المرة دي توأم بردو حاجة ما شاء الله يعني 


ارتعشت "سلاف" مقشعرَّة عندما كررت "عائشة" الخبر على مسامعها مجددًا، و قالت : 


-أشهد أن لا إله إلا الله.. ماتفكرنيش يابنتي الله يكرمك. أنا بحاول أنسى العلقة الجديدة إللي هاخدها ! 


قهقهت "عائشة" بمرحٍ و استدارت حول السيارة لتصل إليها و تسندها حتى يعبر بوابة المنزل ... 


-بصراحة أنا ماجربتش حوار التوائم دي و فريدة بنتي ماتعبتش فيها أوي يعني. بس مش ناسية تجربتك.. الله يكون في عونك يا مرات أخويا ! 


و ضحكت من جديد ... 


سلاف بتعبٍ واضح : 


-و الله يسامحك يا أدهم.. الله يسامحك ! 


و ظلت تردد هذا حتى استقلا المصعد و وصلتا إلى شقة عمتها "أمينة" ... 


-حمدلله على السلامة يا قلبي ! .. هكذا استقبلتها "أمينة" بالأحضان و القبلات 


-ألف مبروك يا سوفا. ألف ألف مبروك.. أيوة كده أمليلنا البيت ولاد. أملي حياتنا كلها بهحة و فرح. يا غالية يا بنت الغالي.. تعالي. تعالي أقعدي استريحي 


و ساندتها حتى أجلستها فوق أقرب مقعد بغرفة المعيشة ... 


-نناه نامت و لا إيه يا عمتو ؟! .. تساءلت "سلاف" و هي تفك الحجاب تمامًا و تتنفس الصعداء 


أمينة بابتسامة كبيرة : 


-أيوة يا حبيبتي يدوب أخدت الدوا و نامت. بس إنتي عارفة نومها قليل إزاي.. دلوقتي تصحى. هي كانت قاعدة مستنياكي على نار أصلًا و عاوزة تطمن عليكي و تشوفك بعنيها 


سلاف و هي تبحث بعينيها : 


-أومال فين أدهم.. لما كلمته قال إنه وصل البيت ! 


-أنا هنا يا سلاف ! 


تصاعد هتاف "أدهم عمران" من خلف "عائشة" التي وقفت عند عتبة الغرفة... مرّ بجوارها فداعب رأس صغيرتها "فريدة" و طبع فوق جبهتها قبلة عابرة 


و الآن صار أمام "سلاف" مباشرةً ... 


-مبروك يا بابا ! .. قالتها "سلاف" و هي ترمقه بنظرة ذات مغزى 


-هاتعدهم على كف إيدك.. مبسوط يا أدهم ؟ 


أدهم باقتضابٍ مريب : 


-الحمد و الشكر لله يا سلاف.. كل إللي يجيبه ربنا حلو 


عقدت "سلاف" حاجبيها قائلة بدهشة : 


-هو أنا ليه حساك دلوقتي مش فرحان !! 


تململ "أدهم" في وقفته مطلقًا زفرة خانقة و تمتم : 


-أستغفر الله العظيم.. سيبي بس الموضوع ده على جنب شوية. أنا عاوز أسألك سؤال يا سلاف و تجاوبي بصراحة. بصراحة سامعاني ؟ 


تسرب القلق بأعماقها و هي تقول بفمٍ مفغر : 


-اسأل.. في إيه ؟؟ 


أدهم بنظرته الثاقبة : 


-مدام سمر.. كلمتك اليومين دول. تعرفي عنها أي حاجة ؟ 


-سمر مين ؟! .. غمغمت "سلاف" بالتباسٍ بادئ الأمر، ثم صاحت : 


-آاااه سمر.. لأ ماكلمتنيش. ليه بتسأل. في حاجة و لا إيه ؟! 


-سلاف !! .. قالها "أدهم" بلهجة شك إتهامية 


لتثور "سلاف" من فورها بطريقةٍ أذهلت الجميع : 


-أقسم بالله ما كلمتها و لا أعرف عنها حاجة من يوم ما كانت هنا.. في إيه. للدرجة دي مابقتش واثق فيا ؟ سل عليك تتهمني و تكلمني باللهجة دي ؟؟؟ 


لم يتراجع "أدهم" عن موقفه حتى الآن و هو يسألها مرةً أخرى : 


-يعني إنتي ماتعرفيش عنها أي حاجة يا سلاف ؟ 


تهب "سلاف" قائمة بعنفٍ و متجاهلة الألم الناجم عن حركتها تلك، تشهق "أمينة" خاشية عليها : 


-على مهلك يابنتي ! 


بينما تقترب "سلاف" من زوجها و تضع عينيها بعينيه، ثم تقول دون أن يرف لها جفن : 


-أنا مش هادخل معاك في النقاش ده تاني.. و عمري ما هحاول أجادل معاك. عايز تصدق صدق. مش عايز براحتك. بس من اللحظة دي يا أدهم. في اسلوب تاني لحياتنا ! 


و أولته ظهرها متجهة نحو باب الشقة صائحة : 


-تصبحي على خير يا عمتو.. إبقى بوسيلي نناه و قوليلها إني هانزل أفطرها بإيدي الصبح !


______________


-تاني ؟! .. تمتم "عثمان" لنفسه و هو يجلس فوق آريكة الصالون واضعًا رأسه بين كفيه 


-ضاعت تاني !!! 


كانت أمه تطوف حوله ممسكة بهاتفها، تحاول الاتصال بجميع من يعرفوهم.. تحاول الوصول إلى أم حفيدها 


و لكنها كما قال إبنها.. فعلتها مجددًا، و ذابت كقطعة ملحٍ بالماء ... 


-ماتقلقش يا حبيبي. إن شاء الله الله هانوصلها ! 


هكذا حاولت "فريال" أن تهوّن على إبنها و تطمئنه، لكنه ابتسم بسخريةٍ مريرة و قال : 


-كنت عرفت أوصلها أول مرة لوحدي.. سمر مش هاتخليني أوصلها المرة دي. سمر بتتعلم كويس يا فريال هانم 


إنفعلت "فريال" هاتفة بوهنٍ : 


-هاتكون راحت فين يعني !!! 


و لكن أصاب سؤالها الجماد... لم تكن لدى "عثمان" إجابةٍ... فقام من جلسته بتمهلٍ قائلًا بوجوم : 


-كلمي أخوها.. كلميه و قوليله الحقيقة. خليه هو ينزل و يشوف أخته راحت فين. أنا مافيش في إيدي حاجة أعملها دلوقتي.. مابقتش تخصني خلاص ! 


و بدون أن يضيف كلمة أخرى، إنسحب متوجهً للأعلى ... 


°°°°°°°°°°°°°° 


كان يراقب تعابير وجهها التي أخذت تزداد هلعًا، كان قلبه كذلك.. ينقبض بمرور الدقائق و الثواني 


حتى أنهت المكالمة ... 


-قالتلك حاجة على سمر ؟! .. هتف "فادي" متسائلًا بنزقٍ 


وضعت "هالة" الهاتف جانبًا و تطلعت إليه متمتمة : 


-فادي.. ممكن بس تهدى شوية. إهدى و أنا ها آ ... 


-ماتقوليش إهدى دي !!! .. قاطعها "فادي" صائحًا بضراوةٍ 


-أنا مش هادي ياستي. إنطقي و قوليلي. سمر و ملك جرالهم حاجة ؟؟؟؟ 


ردت "هالة" دون إخفائها القلق عليه : 


-لأ و الله. فريال هانم ماقلتش إن حصلهم حاجة.. إطمن 


فادي بعصبية : أومال فيهم إيه ؟ مش عايزة تقوليلي مالهم ليه ؟ إنطقي بقى.. إخواتي مالهم ؟؟!!! 


ضمت "هالة" شفاهها بشدة غير قادرة على الإدلاء بهذا، رغم أن خبرًا كهذا كان من شأنه أن يسعدها و يدخل السرور على قلبها.. و لكن ذلك قبل أن تعرفه، قبل أن تقع بحبه هو ... 


-سمر و عثمان ! .. تمتمت "هالة" و قد حسمت قرارها 


سألها "فادي" بإلحاحٍ : 


-مالهم ؟؟؟ 


تنهدت "هالة".. و قالت : 


-إطلقوا يا فادي ! 


______________


سيدة... بل هانم.. مثل اللاتي رأتهن خلال المدة التي عاشتها كواحدة من الوسط الاجتماعي الرفيع.. تلك الطبقة المخملية التي أنجبت صفوة المجتمع 


لم تعمر معهم طويلًا... إذ سرعان ما نبذوها.. تمامًا كما توقعت ! 


وقفت "سمر" بطابور العرض تنظر إلى دخول تلك السيدة.. بل الهانم... الأنيقة النظيفة.. كانت سوادء الشعر.. طويلة ممتلئة القد بتناسبٍ منقطع النظير... كانت كالخيل الأصيل بمنظور الرجال و قانونهم.. وجهها مليحًا.. بهيًا و وسيمًا.. رائحة عطرها الناعمة النفاذة قد سبقتها.. و الحلي كان يتلألأ بريقه بساعدبها و يديها و عنقها 


باختصارٍ... كانت مثالية في كل شيء.. ليس بها خطأً !!! 


لم تطيل "سمر" النظر إليها... و سرعان ما غضَّت بصرها.. بينما الأخيرة قد استغرقت عدة دقائق و هي تمر بعرض الحجرة جيئة و ذهابًا 


إلى أن توقفت أمام "سمر" فجأة ... 


ارتعدت حين شعرت بملمس أصابعها الطريّة و هي تمسك بذقنها و ترفع رأسها، لتحدق "سمر" بوجهها الجميل عن كثب و ترى نظراتها الحادة قبل أن تسمع صوتها الموسيقي يهتف باللحظة التالية : 


-هي دي ! 


لم تفهم "سمر" فورًا ماذا عنت... لكن المسؤولة عن المكتب تقدمت صوبهما قائلة بابتسامة لطيفة : 


-يسعدنا إن لتاني سنة على التوالي مدام يارا شُهدي بنفسها تتعامل مع مكتبنا المتواضع.. مِس سمر تحت أمر حضرتك من دلوقتي. و نتمنالك إجازة سعيدة يا هانم ! ........................................................................... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...

إرسال تعليق

0 تعليقات

close