( 61 )
_ غشى على القلب ! _
كان الصغير "يحيى" مستيقظًا عندما عادت أمه من الخارج ...
وجدته وقد تدلّى بالمقلوب من فوق السرير _ حيث قدميه بالأعلى و رأسه بالأسفل _ و ينشد بصوته العذب الطفولي غنوة غربية حفظها من جدته لكثرة ترديدها عليه يوميًا خاصةً بأوقات النوم
ندت عن "سمر" شهقة ملتاعة و هي تصيح راكضة صوب طفلها بسرعة فائقة :
-يحيى ! إيه إللي بتعمله ده يابني.. بتعمل إيه بس ؟؟؟
و أمسكت به و عدلته فورًا و هي تتفحصه عن كثب و تتأكد بأنه بخير ...
تنفست الصعداء و هي تضمه بحنانٍ إلى صدرها و تمسح على شعره البُني الأملس هامسة :
-دي عمايل تعملها يا يحيى ؟ هه.. أسيبك لوحدك شوية على أساس نايم أرجع ألاقيك كده مشقلب. إيه التهور ده بس. شروع في قتل !
أضحكتها عبارتها الأخيرة، فاحتضنته أكثر، ثم أبعدته بعد برهة لتنظر في وجهه البهي الجميل، و قالت بحبورٍ :
-أبوك مش كده.. أبوك حنين أوي. هو عصبي شويتين اليومين دول و يمكن بقى غبي حبة صغيرين.. بس طيب جدًا. يمكن طيبته و حنيته دول إللي نفسي تاخدهم منه .. دول بس يا يحيى !
كان الصغير ينظر إليها ببلاهةٍ مفغرًا فاهه، حتى فرغت فأخذ يُتأتئ و يختخت بلغته غير المفهومة
ضحكت "سمر" بانطلاقٍ و للحال إنهالت عليه ضمًا و تقبيلًا ...
برزت نغمة صاخبة من هاتفها باللحظة التالية، التفتت لتلتقطه من فوق الكومود.. فتحت النمط.. لتجد بأنها رسالة... ما كادت تفتحها لترى اسم زوجها يقفز مرفقًا بصورته بالشاشة الساطعة
اضطرب قلبها فورًا و تسارعت خفقاته ...
ظلّت للحظاتٍ عاجزة عن التفكير.. هل تجيب إتصاله أم لا !!!
فجأة و لا إراديًا وجدت نفسها تضغط زر الإجابة قبل أن ينقطع الرنين بلحظة ...
-آلو !
جاء صوته أولًا، بينما ألجم التوتر لسانها.. ليتابع بعد برهةٍ قصيرة بصوته الهادئ المتزن :
-سمر.. سمر إنتي معايا ؟ .. طيب طالما فتحتي المكالمة ردي عليا. من فضلك !
لم تستغرق وقت طويل خاصةً بعد سماع إستجدائه لها.. ردت بالأخير بصوتٍ جاف :
-عاوز إيه يا عثمان ؟ بتكلمني ليه.. مافيش كلام بينا !
-طيب رديتي ليه لو إنت شايفة إن ده صح ؟!
عاودت الصمت من جديد ...
لتسمع نهدته تاليًا أعقبها صوته ذي النبرة الحنون المخضعة :
-سمر.. مش كفاية بقى ؟ أوكي. إنتي كسبتي المرة دي. و أنا عرفت قيمتك كويس أوي.. عملتي إللي إنتي عايزاه و كسرتي عنادي. و أديني بعترفلك. أنا مش قادر أعيش كده.. مراتي و حبيبتي جمبي و مش طايلها. طيب أيام ما كنتي عايشة مع أخوكي كان أهون عليا عشان مش شايفك قدامي. لكن أنا عارف.. عارف إن عينك عليا في الروحة و الجاية.. بشوفك و بحس بيكي. سمر إنتي ليه مش قادرة تصدقي إني فعلًا بحبك. بحبك أوووي. لازم أقولك عشان تتأكدي ؟ أنا مابعملش أي حاجة تحسسك إني بحبك بجد ؟ ماشوفتيش مني أي إثبات ؟ .. ردي يا سمر !
في خضم حديثه الذي أربكها كليًا و عبث بمشاعرها بشدة.. لم تستطع إلا أن تقول بلسانٍ ثقيلٍ :
-إ.. إنت. إنت طلقتني !
جاء رده فورًا :
-إنتي إللي طلبتي و أنا عملت كده عشان أريحك
علّقت بسخريةٍ : و تخيلت إني هارتاح فعلًا ؟!
تجاهل "عثمان" تعليقها و استطرد بحزمٍ :
-و كمان عشان أعرفك إن محدش فينا يقدر يبعد عن التاني.. زي ما أنا بحبك إنتي بتحبيني يا سمر. تنكري ؟؟؟
ضغطت على شفاهها محاولة العبور من مأزق السؤال بأيّ طريقة، فقالت بنزقٍ دون تفكيرٍ :
-إنت عملت فيا كتير.. كتير لدرجة مش قادرة أغفرلك أخطاءك الأخيرة. أيوة شفت منك حاجات حلوة و جمايل عمري ما أقدر أردها. لكن إنت آذيت مشاعري.. حبك في قلبي بـ آ ا ..
-طيب بس ماتكمليش ! .. هكذا قاطعها قبل لن تتم جملتها التي توقع مدى سؤها، ثم قال بهدوءٍ :
-بصي.. مش هاينفع نتكلم في التليفون كده. أنا راجع إنهاردة بدري. ساعتين بالكتير و هاكون عندك.. هانتكلم يا سمر. مهما حصل و هايحصل بينا لازم مرجعنا يبقى لبعض. تتكلمي و أتكلم و كل شيء يتحل.. لكن أنا عمري ما هقبل إنك تبعدي عني تاني و لو يوم واحد. سامعاني ؟
كم أحبت هذا الدفء الذي يغمر صوته و كلماته الموّجهة كلها إليها.. كم إشتاقت لسماع عبارته المطمئنة... لطالما أدركت بأنها لا شيء بدونه.. لكن كبريائها المكتسب مؤخرًا أبى إلا أن يثبتها على موقف الهجران
إنما الآن... لقد صارت موقنة مئة بالمئة بأنها حتى لو أرادت هجره فإن قلبها و كل ذرة فيها سترفض ذلك.. و بالنهاية سيسقط عقلها صريعًا و القلب الأبله سيفوز مجددًا !
-أنا هقفل دلوقتي عشان عندي إجتماع
أفاقت على صوته، ليكمل بلهجته القوية :
-هاخلصه و هاجيلك علطول.. و ياريت يكون أفضل لو جهزتي نفسك عشان نخرج نقعد في مكان بدل البيت. شوفي إللي يريحك و أنا هاعمله.. يلا باي يا بيبي !
و أغلق معها ..
لتبقى مأخوذة بمكالمته و شاردة بصوته حتى إنتبهت على صراخ صغيرها المباغت.. رمت الهاتف من يدها و أولته جام إنتباهها ...
-إيه يا حبيبي مالك ؟ مالك بتعيط ليه ؟ إنت جعان صح !
لم تنتظر لحظة أخرى و قامت حاملة إياه على ذراعها، ذهبت إلى غرفة شقيقتها "ملك".. كان الوقت لا يزال باكرًا لتستيقظ... و لكن المربية التي عيّنها "عثمان" لتهتم بها و بالصغير "يحيى" بعض الأحيان كان مستيقظة بالفعل
رأتها "سمر" تجلس قرب الشرفة نصف المفتوحة، تحتسي القهوة و تقرأ الجريدة الإنجليزية في سكينة و هدوء.. إلى أن اقتحمت "سمر" خلوتها
نهضت و هي تحني رأسها احترامًا للسيدة، و بدورها "سمر" سلّمتها الصغير موصية إياها برعايته و تقديم وجبة الفطور له، ثم إرساله إلى جدته بعد ساعة من الآن.. ستكون قد أفاقت من نومها هي أيضًا ...
هرولت مجددًا إلى غرفتها، أقفلت الباب و أسندت ظهرها إليه.. تشعر بالأدرنالين يندفع بشرايينها، الأفكار تتدفق بعقلها.. ماذا يجب أن تفعل الآن ؟
هل تطيعه و تذهب إلى حجرة الملابس و تنتقي أفضل الثياب و تتحضر لموعدها معه ؟ أم تتجاهل وصيته و تتشبث بالقساوة لآخر لحظة ...
و كعادة اللامبدأ الذي تسير عليه منذ أول يوم عرفته اختارت أن تنفذ كلامه بالطبع ..
لكنها و قبل أن تتخذ خطوة نحو حجرة الملابس، سمعت أولًا نغمة الرسائل تعلو بصخبٍ من جديد، تنهدت بثقلٍ و مضت نحو السرير و أمسكت بهاتفها ثانيةً
فتحته، ثم فتحت صندوق الوارد لتجد رقم "نبيل الألفي" يتصدر اللائحة... مرةً أخرى عاودها الغضب بالأخص حين لاحت أمام عينيها ذكرى الموقف الصباحي
حيث تعرضه لها قبل قليل و التفوّه بما هو غير لائق لاسيما مع امرأة متزوجة.. أو امرأة تعيش تحت سقف رجلها و زالد إبنها... ذاك الدنيئ الذي لم يرتاح قلبها ناحيته منذ الوهلة الأولى.. ماذا يريد منها ؟!!!
فتحت الرسالة دون تردد لترى بغيته و آخره ...
لكنها جمدت فجأة
جمدت.. و شخصت عيناها... و صعقت
لقد غشى على قلبها بالفعل !
_____________
إنتهى الاجتماع الطارئ خلال وقتٍ وجيز ...
خرج الموظفون أولًا، ثم لحق بهم الرئيس و هو يضع سترته فوق كتفيه تأهبًا للمغادرة.. لولا صوت الشريك البغيض الذي استوقفه بغتة :
-عثمان !
تأفف "عثمان" بسأمٍ لدى هتاف غريمه ذي الصوت الكريه، إستدار له على مضضٍ قائلًا من بين أسنانه :
-أفندم يا بيلي !
أقبل عليه "نبيل" بمحياه الباسم البارد و هو يقول بمرونةٍ :
-أنا قلت لازم ألحقك و أهنيك على الSpeech الهايل بتاعك. لأ بصراحة Good Job.. إنت طلعت Leader ممتاز. و ماكنتش أعرف إن الموظفين بيحبوك أوي كده
ابتسم "عثمان" و هو يرد عليه باستخفافٍ بيّن :
-الموظفين إللي كانوا جوا دول نصهم راسهم شايبة يا بيلي. يعني قضوا حياتهم المهنية كلها هنا في الشركة مع أبويا. و أنا كنت دراع أبويا اليمين. يدوب تميت 19 سنة و نزلت أشتغل معاه. عارف كل موظف هنا من الصغير للكبير.. أبويا علمني إن الولاء و الاحترام أهم حاجة في الشغل. عشان كده تلاقيهم زي ما قلت.. بيحبوني أوي. ف صعب عليك تبقى زيي بالنسبة لهم محبوب و محل احترام. طالما شايفين مني العكس. عمرهم ما هايخلفوني.. ده ردي لو كنت جاي تسأل عن الوصفة السحرية لحب الموظفين ليك يا بيلي ..
و غمز له ...
ضحك "نبيل" قائلًا :
-الله يجازيك يا عث.. وصفة سحرية مرة واحدة. ماشي يا سيدي. و لو إني مش محتاجها و لا كنت جاي أسألك عنها أصلًا.. بس مقبولة منك. عشان دمك الخفيف بس
عثمان بابتسامة تنم عن قرف :
-مش هايكون أخف من دمك و الله يا بيلي.. عن إذنك بقى عشان ورايا حاجة مهمة !
-إتفضل طبعًا.. في أمان الله يا حبيبي
و تابعه بناظريه و هو يوليه ظهره و يبتعد متجهًا إلى بوابات الخروج، بينما يتمتم و هو يستلّ هاتفهه من جيب سترته و يلوّح به أمام وجهه :
-بتتكلم و فخور أوي بالولاء و الاحترام.. هانشوف دلوقتي مين هايبصلك بصة زي دي تاني يابن البحيري !
_____________
نفس الحالة من الصدمة و الذهول التي إنتابت "سمر" قبل ساعةٍ من الآن... ها هي نفسها.. تنتقل إلى "فريال" بعد أن وضعت "سمر" الهاتف بيدها و أرتها اللقطة المخزية لإبنها
و التي كانت ببساطة شديدة... "نانسي" عارية كما ولدتها أمها بين أحضانه.. و أين؟ .. بحديقة المنزل الخلفية.. ثم منها إلى مخزن المؤونة !!!
-شوفتي بعينك يا فريال هانم ؟؟؟؟
دوى صياح "سمر" الجنوني فملأ قاعة البهو الفسيحة و تردد صداه حتى إلى الخارج.. أردفت بخشونةٍ و هي تمشي أمام "ريال" جيئة و ذهابًا كسائرة على جمرٍ :
-إبنك.. إبنك المحترم. خدعني.. لأول مرة في حياته كدب عليا فعلًا.. و أنا زي الهبلة كنت فاكرة الصدق الفضيلة الوحيدة في حياته. لكن لأ.. عثمان البحيري من أو** الناس إللي عرفتهم في حياتي. سامعة يا فريال هانم ؟ إبنك و** و هايفضل طول عمره و** !!!
-إنت قولتي إيه دلوقتي ؟!
سكن كل شيء لحظة بزوغ صوته الغاضب بشدة على حين غرَّة ...
من شدة الصدمة، لم تستطع "فريال" إزاحة بصرها عن شاشة الهاتف، لكن "سمر" ما لبثت أن التفتت نحوه بكل غضبها و نارها و غيرتها
كانت عيناه تقدحان شرارات خطيرة مدمرة بانتظار حسم تصرفاته التالية بتأكيد ما سمعه و أو نفيه.. إلا إن زوجته كان بها من الشجاعة و التهور ما دفعها للاقتراب بضع خطوات ناحيته، ثم الصياح بوجهه بجماع نفسها :
-قلت ! هو أنا لسا قلت حاجة يا خاين يا كداب. مش مكفيك كل إللي عملته فيا زمان و سامحتك عليه و رضيت أكمل حياتي معاك.. بتخدعني ؟ بتستهزأ بيا للدرجة دي.. أنا عملتلك إيه.. رددددد عليا عملتلك إيه أستاهل عليه غدر في غدر من يوم ما عرفتك و أخرتها خيانة و كدب. عملت إيه ؟؟!!!!
لوهلة ارتبك أمام تصريحاتها، لكنه سرعان ما تحوّل إلى شخصه الغضوب و هو يهدر بعنفٍ مهدد :
-إنتي لما تقفي قدامي تتكلمي عدل. إنتي فاهمة ؟ ماتنسيش نفسك يا سمر.. كلمة تانية مش تمام أو قلة أدب أسمعها منك ردي هايكون أسوأ حاجة تشوفيها في حياتك
رفعت جاجبيها مدهوشة و صرخت به ؛
-كمان ليك عين تبجح فيا و تهددني ؟ يا جبروتك.. بس مااااشي. هاحطها في عينك. عشان لما أقل منك بجد ماتقدرش ترفع راسك و تبص في وشي أصلًا ..
لم يكد يرد له الصاع صاعين على قلة أدبها في الحديث معه و مناطحته بهذا الاسلوب المهين، تحركت من أمامه بلحظةٍ تجاه أمه، خطفت الهاتف من يدها و عادت إليه مثبتة إياه أمام ناظريه هاتفة :
-هاااااااه.. إيه رأيك ؟ شوفت دلوقتي ؟ دليل خيانتك و كدبك عليا ..
حملق "عثمان" مصدومًا هو الآخر بشاشة الهاتف، كانت المفاجأة عنيفة جدًا عليه.. بينما تستطرد "سمر" و قد تداعى تماسكها و بدأت تبكي و تصرخ بالفعل :
-أنا بقيت أكره نفسي.. دلوقتي نفسي بجد أجيب خنجر مسموم و أطعن بيه قلبي إللي في يوم من الأيام حبك. حبك ليه و على إيه ؟!!
ماعرفش.. ذلتني. كسرتني. عملت فيا كل حاجة وحشة و دمرت حياتي. حبيتك إزاي أنا ؟ كان لازم أعرف إن عمرك ما هاتتغير و لا هاتحبني بجد. كان لازم أعرف إنك كداب. و إنك هاتفضل طول عمرك و** و حيوان. مافيش فرق بينك و بين الحيوان فعلًا. واحد مافيش حاجة تهمه في الدنيا غير الهلس و السفالة. كنت ضحيتك زمان. لكن دلوقتي مجرمة. مجرمة عشان وافقت أكمل معاك و أصدقك.. ياخي ملعون أبو الحب. ملعون أبو القلب ده إللي كان متعلق بيك و رافض حد يدخله بعدك. ده حتى جسمي.. عمري ما فكرت إزاي يكون لحد غيرك... منك لله. بحق كسرتي و قهرتي. و كل يوم نمت فيه بضحك أو ببكي بسببك. في الحالتين كنت بتخدعني. منك لله !
و اختنق صوتها بغصة مريرة ...
قفزت للخلف فجأة حين رأته يتأهب للاقتراب منها، أشهرت ذراعها بوجهه و هي تمسح دموعها بساعدها الآخر، ثم قالت و هي تحدق فيه بقوة :
-أنا هامشي.. المرة دي هامشي. هاسيبك المرة دي. و مافيش رجعة !!
أجفل "عثمان" محاولًا الظهور بمظهر الصارم و هو يرد عليها بصلابةٍ :
-سمر.. إنتي مش في حالتك الطبيعية. إنتي فاهمة غلط أصلًا. أنا ماكدبتش عليكي و لا آ ا ...
-إخرس بقى !!!! .. صرخت بضرواةٍ و هي تصك أذنيها بكفيها و تضرب بقدمها الأرض كما الأطفال ...
-مش عايزة أسمع منك كلمة زيادة.. شبعت كلام. شبعت كدب. بس إستحالة أعدي الخيانة. إستحالة.. أنا هامشي. هاخد إبني و هامشي !
و ولّت مدبرة، بل راكضة بأسرع ما لديها تجاه الأعلى بينما يلاحقها صوت "عثمان" الجهوري :
-إبقي وريني هاتمشي إزاي يا سمر.. لا إنت و لا يحيى خارجين من البيت ده. على جثتي. ساااامعة.. على جثتي !
وصلت إلى غرفتها تتردد بأذنيها كلماته، و ترددها بلسانها عبر اللهاث المفرط الملتهب كمحياها :
-مش هامشي.. مش هاخرج من البيت ده.. طيب يا عثمان البحيري... و حياة إبني لاوريك.. هاوريك سمر بتاعة زمان. و بتاعة دلوقتي !!!
_____________
يجلس أمام أمه... قرابة الساعة لم ينبس كلاهما ببنت شفة
"فريال" تسيل دموعها بلا كلامٍ، و "عثمان" يضع رأسه بين كفيه و يصيق قلبه كلما دوت بأذنيه كلماتها الأخيرة
عقله يحترق و ذاكرته تدنو من الهذيان... ليرفع رأسه بهذه اللحظة كما لو أنه غاطسًا أسفل سطح الماء
يسحب شهيقًا عميقًا و هو ينظر لأمه ساهمة النظرات، خالية التعابير سواء عينيها أو وجهها، يخرج صوته تاليًا ملؤه العذاب :
-ماما ! صدقيني أنا ماعملتش حاجة. وحياتك عندي. و رحمة أبويا ماحصلش.. أنا ماقربتش من نانسي أصلًا !
تنظر إليه "فريال" هنا... ترد عليه بنبرات مجروحة كقلبها :
-إنت قولتلي جواز على ورق.. قولتلي إنك بتحب سمر و يحيى !
أومأ رأسه قائلًا :
-أيوة قلت كده.. و ماكدبتش و الله. نانسي عملت إللي إنتي شوفتيه ده فعلًا. لكن أنا ماجتش جمبها. إللي خصل بعد كده إنتوا مش فاهمينه و محدش فيكوا مديني فرصة أشرح أي حاجة
بدت "فريال" و كأنها بم تسمع ما قاله، فتمتمت ببكاءٍ :
-سمر هاتاخد يحيى و هاتمشي !
طمأنها "عثمان" قائلًا بثقة و تأكيد :
-مش هاتاخده يا فريال هانم.. مش هاتاخده و مش هاتمشي إطمني. أنا هاتصرف
يدق جرس المنزل في هذه اللحظة، فيصمتا مؤقتًا.. حتى ظهرتالخادمة و هي تهتف مقبلة عليهما بشحوبٍ :
-عثمان بيه.. في عسكري عايز حضرتك برا
قطب "عثمان" وجهه معلقًا :
-عسكري عايزني أنا ؟ لبه ؟!
هزت الفتاة كتفيها مغمغمة :
-ماعرفش يا بيه ماقالش.. قال عاوزك بس !
نهض "عثمان" قبل أن تتم جملتها، توجه إلى خارج البهو تتبعه أمه.. وصل عند باب المنزل ليرى عسكري يقف بانتظاره فعلًا ...
-عثمان البحيري فين ؟ .. قالها العسكري الشاب بهتافٍ مقتضب
ليتقدم "عثمان" عدة خطوات على الفور قائلًا :
-أنا عثمان البحيري.. خير ؟!
نظر العسكري له، ثم قال و هو يضم يداه أمامه و يشير برأسه جهة الخارج :
-معايا أمر ضبط و إحضار لحضرتك. ممكن تتفضل معايا لو سمحت !
صدرت عن "فريال" شهقة رعب الآن، ليسارع "عثمان" بامساك يدها و تهدئتها بلمساته الحازمة الحانية، بينما يمضي موجهًا سؤاله الرسمي للعسكري :
-عشان إيه الضبط و الإحضار ؟
العسكري بثباتٍ لا يخلو من الفتور :
-زوجة حضرتك إتصلت تطلب إستغاثة و مقدمة فيك بلاغ. و على فكرة هي كمان مطلوبة.. فين مدام سمر حفظي ؟
يتبع ...
( 62 )
_ بلا ندم ! _
بأسوأ سيناريوهات مشاجراتهم على مر أربعة سنوات منذ تعارفا، و حتى استباقًا للأحداث بمستقبلهما معًا ...
لم يكن ليتخيّل.. أو يخطر على باله مجرد خاطرٍ عابر الوضع الذي فرضته عليه الآن.. مهما صار بينهما من مشاحنات و تبادل إهانات للمشاعر يبرأ اللسان عن ذكرها
لقد خاب أمله تمامًا.. لا... لقد صعق مصدومًا لحظة سماعه خبر البلاغ الذي قدمته فيه زوجته.. لا لا... بل حين صرَّح العسكري بأمر الضبط و الإحضار
رباه !
ماذا فعلت "سمر".. و كيف طاوعتها نفسها ؟!
ذلك الموقف لن ينساه أبدًا.. أبدًا ...
رغم الصدمة الشديدة التي تلقَّاها "عثمان" و أمه معه، إلا أنه أصر ألا تذهب زوجته إلى المخفر في عربة الشرطة، طلب إلى العسكري باسلوبٍ مهذب بأن يسمح له أن يقلها معه بسيارته مع عدم تعرضه لها بالقول أو الفعل ريثما يصلا و يمثلا أمام الضابط
و ها هما الآن... بمكتب الضابط.. و جيشًا من المحاميين حضروا جميعًا بمكالمة هاتفية واحدة من "عثمان" ...
الضابط يجلس خلف مكتبه الضخم رامقًا إياهم بنظراتٍ مذهولة، غرفة المكتب مزدحمة بشكل لا يُصدق.. في جهة تجلس المدعية في كرسي وحيدة.. و في الجهة الأخرى يجلس المدعى عليه متقدمًا على وكلائه رجال القانون ذائعي الصيت بالاسكندرية و خارجها
لم يشأ "عثمان" الاطالة في هذا الأمر أيًّا كان، كان يريد الخروج من هذا المكان بأسرع وقت و كل ما شغله بالمقام الأول أن يخرج أمه و زوجته أولًا.. فهو حتى في هذه الظروف.. لا يزال يعبأ لأمرها ...
بدون مقدمات و عندما لم يرى "عثمان" بادرة للحديث الموجز في نية الضابط، تحفز في جلسته موليًا إليه كامل إنتباهه و هو يمضي قائلًا بصوته العميق الهادئ :
-أفندم يا حضرة الظابط.. جالنا ضبط و إحضار أنا مراتي. خير يا ترى ؟!
يستعيد الضابط محياه ذي التعبيرات الجادة الآن و هو يمد جسمه للأمام قليلًا و يقول بلهجة استجوابية محايدة :
-سيادتك عثمان البحيري ؟
أومأ "عثمان" مرة واحدة :
-أيوة أنا
-ممكن بطاقتك ؟
يمد "عثمان" يده داخل جيب سترته، يخرج جزدانه الثمين و يفتحه، يسحب بطاقته و يناولها للضابط على الفور ...
يأخذها الأخير و يقلبها بين أصابعه و هو يلقي عليها نظرة فاحصة سريعة.. يرميها أمامه فوق المكتب، ثم ينظر تاليًا نحو الزوجة و يكرر نفس الطلب :
-مدام سمر حفظي.. ممكن البطاقة ؟
بدون أن تتزعزع ملامح وجهها المشدودة قيد شعرة، أخرجت "سمر" بطاقتها من حقيبة يدها الصغيرة و ناولته إياها في صمتٍ ...
راح الضابط يكشف على بطاقتها كما فعل ببطاقة زوجها ..
على الطرف الآخر.. لم يحاول "عثمان" إلقاء نظرةٍ واحدة صوبها، لكنها هي فعلت.. لجزء من الثانية... حتى عاود الضابط النظر إليها من جديد قائلًا :
-مدام سمر حفظي حضرتك طلبتي النجدة من حوالي ساعتين و قولتي إنك في خطر و حياتك مهددة.. صحيح ؟
-صحيح ! .. هكذا جاء جوابها صلدٍ قوي و من غير ذرة ترددٍ
ينظر لها "عثمان" بنفس اللحظة.. يحملق فيها مدهوشًا.. مستنكر النظرات... ليستطرد الضابط بقية أسئلته :
-إيه بالظبط إللي هددك.. و إيه علاقة زوجك بالموضوع. ليه ذكرتي إسمه في البلاغ ؟
مرت لحظات قليلة... ثم أدارت "سمر" رأسها و تطلعت بوجه زوجها أخيرًا و قالت و هي تنظر بعينيه مباشرةً :
-أولًا ده مش زوجي.. ده طلقني من شهرين. و حابسني في بيته. بسيئ معاملتي و بيمد إيده عليا.. و إنهاردة في وجود والدته طلبت أخرج من البيت. منعني و هددني لو خرجت هاياخد مني إبني. حضرتك تقدر تجيب والدته و تسألها بنفسك هي واقفة برا !
ينقل الضابط نظراته نحو "عثمان" متسائلًا :
-صحيح الكلام ده يا أستاذ ؟
و لكن "عثمان" لم يرد.. لم يحيد بناظريه عنها للحظة... و كانت عينيه لا زالتا ملؤهما الصدمة و الاستنكار
بينما يعيد الضابط السؤال مرة ثانية، و ثالثة.. و لكن الأخير لا يجيب.. يسمع و لا يفتح فمه، فقط يستمر بالنظر إليها على نفس النحو، و كأنه يراها لأول مرة و بشكلٍ يفوق توقعاته و خياله !!!!
-أستاذ عثمان ! .. هتف الضابط مناديًا بصوتٍ عالٍ هذه المرة
ينظر "عثمان" له الآن.. لكنه لا يتفوّه بكلمة، فيصدر الأخير نهدة نزقة و يعرض عن استجوابه صائحًا بالعسكر الواقف عند باب المكتب :
-إندهلي يابني والدة الأستاذ من برا ..
-لأ ! .. برز صوت "عثمان" هنا بشدة و خشونة
جمد الجميع عند نطقه بالاعتراض، استقطب النظرات كلها و بقى الضابط ينظر إليه بترقبٍ.. إلى أن نطق "عثمان" مجددًا بلهجة أشد قسوة :
-كل ده حصل يا باشا.. أيوة أنا حبستها و هددتها. و طلقتها من شهرين.. و هي قدمت فيا بلاغ. إيه المطلوب دلوقتي بعيدًا عن شهادة والدتي ؟!
رمقه الضابط بغرابةٍ، لكنه أشار ناحية "سمر" و قال :
-في الحالة دي إستنادًا لاعترافك باتهامات مدام سمر حضرتك هاتمضي تعهّد بعدم التعرض ليها لحين إتمام الطلاق الرسمي و بعده كمان طالما هي مش عايزة أي احتكاك بينها و بينك ..
و نظر الضابط إلى "سمر" مستفهمًا :
-مش كده بردو يا مدام ؟
أومأت "سمر" قائلة بثباتٍ :
-مظبوط يافندم
-تسمح طيب ! .. تمتم "عثمان" باقتضابٍ و هو يمد يده ليسحب ورقة بيضاء من فوق المكتب
إلتقط قلمًا و بدأ بكتابة الإقرار.. لم يستغرق منه دقيقة، ثم وضع إمضائه أسفل الورقة و وضعها أمام الضابط ...
-تمام كده ؟
نظر له الضابط بدهشة أكبر... كان شعوره بالغرابة من هؤلاء القوم يتزايد بمضي اللحظات و الثوانٍ... لكنه رد عليه في الأخير :
-تمام !
عثمان بجمودٍ : أقدر أمشي ؟
الضابط ببلاهةٍ : إتفضل !
ينهض "عثمان" بلحظةٍ، بسنما يعلو صوت "سمر" بعدائيةٍ :
-يتفضل فين و إبني !!
نظر "عثمان" إليها باستخفافٍ و قال مبتسمًا بسخرية :
-إبقي خديه من المحكمة بقى. ده لو عرفتي تاخديه.. بالسلامة يا سمر ..
و إستدار داعيًا طاقم المحامين :
-يلا يا أساتذة !
-إيه إللي بيحصل ده ؟!!! .. صاحت "سمر" بانفعالٍ و هي تراقب رحيل زوجها
بل طليقها !
و جماعته ...
نظرت إلى الضابط مستطردة :
-حضرتك هاتسيبه يمشي عادي كده إزاي ؟؟؟
الضابط ببرودة أعصاب :
-الراجل مضى على التعهّد و ده إللي حضرتك طلبتيه. محدش له حاجة تاني عنده يبقى يقعد ليه ؟
-ليا عنده إبني !!! .. هتفت "سمر" بحدة أقرب للعصبية
عبس الضابط ضاربًا قبضته فوق سطح المكتب و هو يقول محذرًا :
-لو سمحتي يا مدام تتكلمي بهدوء. أنا مش جوزك إللي لسا ماشي ده. طلبتي حاجة و نفذناها. إبنك ده مش إختصاصي. روحي محكمة الأسرة و طالبي بيه و عيشي حياتك هناك.. إنما هنا مالناش في الكلام ده. شوفيلك محامي يمسك أمورك أحسن.. يلا مع السلامة بقى !
ضمّت "سمر" حاجبيها بشدة غير مستوعبة ما تسمعه و تعيشه... الأمور تعقدت بالآواخر هكذا.. و تلك المستجدات لم تحسب لها حسابًا
و لكنها اختارت... و لا زالت مصرة على اختيارها.. لذا ستعافر حتى النهاية..و ستتحمل النتائج مهما كانت صعبة و مجحفة بلا ندمٍ... هذه المرة هي لها ! ................................................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبع ...
( 62 ) ج2
_ إنسحاب ! _
ربما وصل أمره إلى حد الهوس... أو أكثر بقليل من هذا... فما المُسمى الذي يمكن أن يُطلق على تلك التصرفات ؟
أن يمسك بهاتفه الآن و يشاهد على الطرف الآخر في بث مباشر تحركاتهم خطوة بخطوة !!!
كانت ابتسامة كبيرة.. مرضية، تجلل وجهه و هو يتبيّن غريمه يخرج من مخفر الشرطة، يكاد لا يرى أمامه من فرط الغضب الذي بدا عليه بصورة جلية... كان يسحب أمه في يده حتى أصعدها إلى السيارة.. ثم صعد هو الآخر و تفرق جيش المحاميين تابعيه... ذهب أولًا، فذهبوا هم أيضًا
لم تمر دقيقة إلا و خرجت زوجته بدورها... بل طليقته.. استرعت جلّ إنتباهه على الفور.. إستحالت تعابيره المتهللة بلحظة إلى الوجوم، عندما رآها تعبر بوابة المخفر مطأطأة الرأس هكذا.. شيء ما بداخله وخزه
بدت حزينة.. و كأن صدرها يضيق بها... كانت ملؤها كآبة تكفي الناس و تفيض.. بمعنى أصح.. كانت منطفأة... كليًا !
ضيّق عينيه و هو يتابع بتركيزٍ شديد سكناتها و حركاتها... مضى بعض الوقت و هي لا تزال تقف بلا رغبة في التقدم أو التحرك خطوة واحدة.. لكنها فعلت في الأخير.. عندما أدركت بأنها حقًا صارت وحيدة... كأنما إنفصلت عن العالم بأسره
انتفض جسمها نفضة خفيفة قبل أن تهرع هاتفة و مشيرة لسيارة أجرة... إستقلّت بها في الحال.. و فور تأكده من رحيلها، تكلم بصوتٍ حاد و مسموع :
-خلاص كده.. دورك إنتهى !
ثوانٍ و تغيّر المشهد ليبرز وجه شخصٍ ما، رجلٌ ربما يعمل تحت يده.. رد عليه بلهجة مهذبة :
-لو تحب أطلع وراها يا باشا ..
-لأ ! .. صاح بصرامةٍ
-إمشي إنت دلوقتي.. لو عوزتك تاني هاكلمك
و أنهى المكالمة معه ..
ترك الهاتف من يده، استرخى فوق كرسي مكتبه الضخم.. و تلقائيًا استعرض عقله أمام عينيه أحداث تلك الليلة ...
Flash Back ..
-إيه يا هالة مال آ ا ! .. بتر عبارته عندما تتبع نظراتها و وقف عند المشهد الصادم
لكنه أشاح بوجهه قبل وقوع اللقطة الفاضحة ...
-يا نهار إسود. إيه إللي بيحصل ده ؟؟!!!
راقبت "هالة" تطور الوضع بين "عثمان" و "نانسي"... و كيف عمد "عثمان" إلى مهاجمتها لتكف عمّا تفعله.. لكنها قاتلته بشراسةٍ حتى تمكنت من تعرية جسمها بالكامل.. ليحملها هو بين ذراعيه و يندفع داخل غرفة المؤونة و يختفيا هما الإثنان ...
كانت "هالة" قد غفلت أثناء تلك اللحظات إلى ما توجه "نبيل" بفعله.. إذ بدون أن يلفت إنتباهها و لو بأقل جهد.. إستلّ هاتفه بخفة يد، و فتح الكاميرا الأمامية مسرعًا ليلتقط مقطعًا قصيرًا، لكنه كافيًا جدًا لقضاء حاجته.. في الواقع... كان هذا أكثر مِمّا تمنى !!!
أدارت "هالة" رأسها إليه.. فكان قد أعاد الهاتف بمكانه و عاود الالتفات متظاهرًا بالصدمة و الحياء ...
-خالو.. لو سمحت. بليز إلحق سمر !
عبس "نبيل" مرددًا :
-سمر !
بيّد أنه لم يفهمها جيدًا، فأوضحت على الفور :
-سمر جاية دلوقتي.. رايحة عندهم. إلحقها و عطلها بأي شكل بليز !!
اكتسى وجهه بتعبيرٍ غريب.. لكنه فهمها الآن... فرفع ذقنه قليلًا و هو يقول باقتضابٍ :
-متأكدة ؟ .. ده إللي إنتي عاوزاه ؟!
أجابت "هالة" بلا تردد :
-أيوة.. عشان خاطري روح بسرعة. عشان خاطري يا خالو !
رماها بنظرة متجهمة أخيرة.. ثم إستدار مهرولًا تجاه المنزل
لتطلق "هالة" عنان ساقيها و تعدو راكضة بأقصى سرعة لديها ...
Back ...
يفيق "نبيل" من الذكرى مصدرًا نهدة حارة من صدره... يقوم واقفًا عن الكرسي.. عند شعوره بالاختناق هو الآخر
قرر إنهاء الدوام الآن.. لا عمل اليوم... و سيذهب إلى أيّ مكان يستطيع فيه أن يفكر و يخطط جيدًا للخطوة التالية !
______________
اقتحم البيت كاعصارٍ ...
فور أن وطأت قدماه بالداخل، لم يقابله جمادٍ سواء رديئًا أو ثمينًا و إلا نال من بطشه و غضبه.. إنه حرفيًا قد إنهال على كل شيء تكسيرًا بركلاته و قبضاته العنيفة
لولا أمه التي أدركته بسرعة و وقفت أمامه ممسكة بذراعه صائحة :
-عـثمـــــان ! بس يا عثمان.. كفاية. بقولك كـفـــــايـة !!!
-بــــس إنـتـــــي يـا مامـــا !!!! .. استدار "عثمان" صارخًا بوجهها بضراوةٍ
تصاعدت الدماء إلى رأسه و برزت أوردته كلها، فخافت "فريال" و هي تنظر إليه.. لم تخاف منه، بل خافت عليه، أيقنت بأن حالته هذه المرة ليست ككل مرة
ربما تفقده، رباه !
كما فقدت أباه... لا.. لا يمكن أن يحدث هذا... لا يمكن !!!
-إوعي تقوليلي بس و لا كفاية ! .. قالها "عثمان" بصوتٍ كالفحيح و قد تشنج جسمه بالكامل من قمة الغضب و صار يهتز إنفعالًا
-مش عايز أسمع و لا كلمة. مش هاتيجي معايا سكة خالص. وفري كلامك كله.. سمعاني ؟؟؟
ازدردت ريقها بتوتر و هي تومئ برأسها قائلة :
-فهماك يا حبيبي.. فهماك. صدقني أنا مش هاتكلم معاك في حاجة. كل إللي أنا طالباه منك إنك تهدا بس
عثمان بسخرية : أهدا ؟ إنتي مش حاسة باللي جوايا !!
مدت "فريال" يديها قابضة على كفه، و قالت بلطفٍ لا يخلو من الاستجداء و التوسل :
-حاسة.. و الله حاسة بيك. أنا محدش في الدنيا ممكن يحبك أو يحس بيك أدي.. عشان خاطري. عشان خاطر أمك.. إهدا. أنا مش هاستحمل أشوف فيك حاجة. لو وقعت تاني المرة دي مش هقوم يا عثمان !
كتمت شهقة نزقة بحلقها، حين رأت تجمع دموع الغضب و اليأس بعيني إبنها.. إنه ينصاع لها الآن... و إلا لما سمح للمشاعر بأن تتملك منه بهذا الشكل و خاصةً أمامها
لكنه لا يهدأ، بل يكبت الثورة كلها بداخله، فقط تلبيةً لرجاء أمه ...
-حقك عليا أنا يا حبيبي ! .. غمغمت "فريال" بصوتٍ باكي
-تعالى. حقك عليا أنا ..
و طوّقت عنقه مجتذبة إياه ليستفر داخل أحضانها الدافئة ...
بقى "عثمان" ساكنًا متخشبًا تمامًا بين ذراعيها، فقط أخذ يدفس وجهه عميقًا بتجويف كتفها و هو يهمهم قائلًا بصوت أجش :
-لأ.. مش عليكي إنتي. مش عليكي يا فريال هانم !
فريال بوهنٍ : طيب.. إللي تشوفه. بس عشان خاطري.. إسمع كلامي. كفاية عليا خضتي عليك. أنا رجليا شايلاني بالعافية يا عثمان
ما إن سمع كلماتها الأخيرة حتى تبدّل حاله بطرفة عين، ليفك ذراعيها من حوله بلحظة و أمسكها بمرفقها بيد، و لف ذراعه الأخرى حول خصرها و مشى و هو يسندها وصولًا إلى صالون البهو الفسيح
أجلسها هناك و ركع امامها ممسكًا بيديها و هو يقول بلهجة أقل حدة :
-ماما. المواضيع دي ماتخصكيش.. ماتفكريش. ماتشغليش نفسك لو سمحتي. كل ده خارج عنك
فريال باستنكارٍ : خارج عني إزاي ؟ إنت إبني. و في مشاكل كبيرة. أنا حاسة إني هموت من كل إللي بيحصل ده
-لأ.. لأ ماتقوليش كده. بصي. طز في أي حاجة و كل حاجة. طز فيا أنا شخصيًا.. سبيني بس شوية و هاحل كل ده. خليكي واثقة فيا. أنا إللي مش حمل حاجة تحصلك أو تمسَّك بس يا ماما !
تكوّنت ابتسامة مهزوزة على ثغرها، رفعت يدها و أخذت تمسح على شعره الأملس الثائر بحنو قائلة :
-مش عايز حاجة تحصلي.. يبقى تسمع كلامي. و ماتعملش حاجة تاني من ورايا. قبل ما تاخد أي خطوة تقولي الأول يا عثمان
أطبق فكيه بشدة محاولًا الإلمام باعصابه قدر استطاعته من أجلها... و لأجلها فقط نطق بهذا الهدوء :
-حاضر.. أوامرك. أوامرك يا فريال هانم !
و نهض فجأة موليًا ظهره إليها ...
لكنه قبل أن يبتعد خطوة واحدة، استوقفته بقلقٍ واضح :
-رايح فين ؟!!
أدار وجهه فقط نحوها و قال بصوتٍ لطيف :
-هاطلع أقول لمس كاتيا تجهز شنطة ملك عشان أبعتها على بيتها.. عن إذنك !
أرادت "فريال" أن تعترض على هذا القرار، لكنها خشت النتائج.. فأطبقت فمها و لم تزيد حرفًا ...
-أعمل إيه بس يا ربي ؟!!! .. تمتمت لنفسها بحزن و ضيق شديدين
و لم تكد تلتقط أنفاسها بعد ...
لتجد إحدى المستخدمات تظهر أمامها من العدم، فتشهق بذعرٍ متمتمة :
-بسم الله الرحمن الرحيم.. إيه ده يا سمية إنتي كمان. طلعالي كده ليه مش تكحي حتى يابنتي !!
بدت الفتاة بشحوب وجهها و ارتباكها هذا للسيدة بأنها على دراية بالحرب الدائرة بين آل البيت.. لكنها لم تجادل كثيرًا، بل أفرغت جعبتها مرة واحدة بقولها :
-فريال هانم.. سمر هانم واقفة على الباب. عاوزة حضرتك !
و لم تنتظر الفتاة ثانية أخرى و ولّت مدبرة من حيث جاءت ...
بينما يتجهم وجه "فريال" و ترتفع رأسها لا إراديًا لتنظر نحو الدرج.. ثم ما لبثت أن قفزت من مكانها فورًا، انطلقت راكضة صوب باب المنزل و هي تتلفت حولها مطمئنة لعدم تواجد إبنها بالقرب منها
و أخيرًا... وصلت.. و اصطدمت برؤية "سمر" مباشرةً !!!
-فريال هانم ! .. قالتها "سمر" مستهلّة حديثها بشجاعةٍ واهية
سرعان ما تداعت تمامًا لحظة بزوغ نظرة لم تألفها أبدًا من عيني تلك السيدة الرقيقة.. نظرة عجزت عن إيجاد وصف ملائم لها لشدة غرابتها عليها... لكن ما تأكدت منه بأن التي تقف امامها الآن.. ليست السيدة "فريال" التي عرفتها.. لا.. ليست هي ...
-عاوزة إيه يا سمر ؟ .. إنبعث صوت "فريال" صلدًا جافًا
إبتلعت "سمر" غصة، لتقول بصوتٍ أبح :
-عاوزة إبني.. عاوزة أختي !
تنهدت "فريال" بثقلٍ، و قالت و هي تعقد ذراعيها أمام صدرها :
-أختك ماشي.. لكن يحيى لأ يا سمر
ضمّت "سمر" حاجبيها مغمغمة بخشونةٍ :
-حضرتك أكيد مش قاصدة تكلميني كده و لا تقوليلي الكلام ده.. أكيد مش هاتآيدي إبنك. مش هاتخليه يحرمني من إبني
فريال بهدوء : مين قال إنك هاتتحرمي منه ؟ أنا لا يمكن أسمح بحاجة زي دي
سمر بعصبية : أومال بتقوليلي لأ مش هاخده ليه ؟؟!!
عاودت "فريال" نفس النظرة الغريبة و اللهجة الجافة الحادة و هي ترد عليها :
-عشان ده بيته و بيت أبوه. هايتربى هنا و هايكبر هنا زيه.. ده ماخرجش قبل كده لما خرجتي و بعدتي عنه أكتر من سنة. تفتكري ممكن يخرج دلوقتي و إنتي هاتبعدي علطول ؟!
تصريحها الأخير كان بمثابة طعنةٍ نجلاء أخترقت صدرها، التأكيد على أنها قد خسرت حياتها.. إستقرارها وحبها ..
أعتصرت جفنيها بشدة، ثم باعدت بينهما بعد برهةٍ لتنظر إليها من جديد.. و تقول بصوتٍ جريح :
-أنا مش مصدقة إنك إنتي دي إللي واقفة قدامي.. يا طنط. يا ماما فريال !
فريال بجمودٍ : كان لازم تفكري فيا قبل ما كنتي تتصرفي كده. قبل ما يطاوعك قلبك و تجرجري إبني في الأقسام.. إنتي عارفة. عثمان رغم كل إللي عمله في حساته من لعب و شغب. عمره ما عتَّب قسم و لا عرف طريقه. منتظرة مني إيه ؟ أصقفلك و أخدك في حضني و أطبطب عليكي ؟ لأ.. ده كان زمان. حضني ده أولى بيه دلوقتي إبني و حفيدي. إللي هانوا عليكي. لكن عمرهم ما يهونوا عليا أنا و لا أسمح لحد يقرب منهم بسوء ...
و لأول مرة تشاهد "سمر" محياها الأرستقراطي الجميل يقسو تمامًا و هي تعلن بصرامةٍ :
-و هي دي الحقيقة يا سمر.. إنتي مهما بلغت غلاوتك. مش هاتكوني أغلى من إبني !
أغرورقت عيناها بدموع العجز مرةً أخرى،كالبلهاء تمامًا.. لم تستطع السيطرة على نفسها مجددًا و هي تحاول معها للمرة الأخيرة :
-طيب أنا كمان أم زيك. و إبني غالي عليا.. أنا عارفة إن عثمان يقدر ياخده مني. بس إنتي ممكن تـ آ ..
-إنتي تبقي غلطانة لو فاكرة إني ممكن أقف في صفك ضد إبني ! .. هكذا قاطعتها "فريال" بتقريعٍ أطفر مزيدًا من الدموع بعينيها
و رغم ذلك لم يرق قلب الأخيرة لها، بل أكملت عليها :
-خلاص يا سمر.. إنتي بإيدك نهيتي كل حاجة و اختارتي. و عثمان إنسحب من حياتك زي ما طلبتي. دورك تنسحبي إنني كمان. لو هاتسببوا آذية لبعض. يبقى بناقص أي علاقة تربط بينكوا غير إبنكوا.. إمشي يا سمر. و لما تعوزي تشوفي يحيى الباب ده هايفضل مفتوحلك. و أنا هاعرف أهدي عثمان من ناحيتك. و أخلي ينسى إللي حصل و ينساكي واحدة واحدة
إنهمرت دموعها في هذه اللحظة... و وصلت شقيقتها الصغيرة بنفس الوقت تمسك بيد مربيتها.. كانت تتطلع حولها واجمة.. و كأنها تستشعر المكاره التي حلّت على حياتها و حيوة الجميع ...
سارعت "سمر" بكفكفة دموعها في كم كنزتها لكي لا تراها "ملك".. ثم قالت بصوتٍ مكتوم و هي تمد لها يدها الأخرى :
-يلا يا لوكا.. يلا يا حبيبتي !
مرت "ملك" من جانب "فريال".. أودعت راحتهاالصغيرة بكف أختها في صمتٍ... بينما تمضي "فريال" قائلة باقتضابٍ قبل أن تلتفت لتعود أدراجها إلى الداخل :
-كاتيا وصلي شنطة ملك للتاكسي إللي هناك لو سمحتي !
إنصاعت لها المربية السويدية و واكبت الشقيقتان حاملة في يدها حقيبة الملابس المتوسطة ...
كان سيرهن بطيئ.. ينم عن هزيمة و خضوع مخزٍ... و لكن بالرغممن هذا.. لم يشعره هذا بتحسن
"عثمان"... من حيثكام يقف بالشرفة العلوية مراقبًا رحيل طليقته و أختها الصغيرة.. لم يسعه إلا الوقوف كما هو، و إشباع ناظريه من رؤيتها
فمن ذا يدري... متى يراها و ينظر لها هكذا كما يحب و يرضى دون أن يمنعه كبرياؤه، أو يعتصره غروره و يشله، فيعرض عنها.. لا يصدق.. بأنه فعل و قد صار هذا حقًا.. لقد تسرّبت من بين يديه... كالزئبق ! ........................................................ !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبع ...


0 تعليقات