expr:class='data:blog.pageType'>

Header Ads Widget

رواية سل الغرام بارت 57 و 58 للكاتبه مريم غريب علي النجم ابمتوهج



 ( 57 )


_ ثأر ! _


خلع زوجيّ حذاؤه مع الجوربين و وضعهم جانبًا بجوار باب المرحاض.. شمر عن ساعديه و هو يعاود الوقوف منحنيًا أمام الحوض البيضوي... فتح صنبور المياه و بدأ مسميًا بالله في سره.. ثم أخذ يسير على خطوات الوضوء الصحيح تمامًا 


لم يستغرقه الأمر دقيقة.. سرعان ما انتهى.. ليخرج من المرحاض إلى غرفة مكتبه بمؤسسة العائلة التجارية... ارتدى جوربيه، و مشى و الماء يقطر من شعره و وجهه ليلتقط سجادة الصلاة من خزانة صغيرة بركنٍ قصي، يتجه إلى القِبلة مباشرةً و يبسط السجادة أسفل قدميه.. يقف مستقيمًا عند مقدمة حافتها، يستحضر قلبه مخلصًا لله بخشوعٍ، ثمّ يكبّر رافعًا يديه بمحاذاة منكبيه، ثمّ يبدأ بآداء فريضة الظهر ...


خمس دقائق بالتمام و كان قد فرغ و ختم صلاته بالتسبيح كما إعتاد.. يذكر بأنه كان يؤدي الصلاة في طفولته و حداثة سنه لِمامًا.. لم يكن من المواظبين عليها


حتى جاءت هي و عقدت معه عهدًا في ليلة زفاف شقيقته، منذ تلك اللحظة و هو لم ينقض بالعهد بينهما أبدًا، لم يفوّت يومًا دون صلاة.. حتى و هي لا تراه... لقد أمسى محافظًا على هذه الطاعة مستمسكًا بخيطٍ يصل بينه و بين خالقه، لعله بها يدرأ عنه السوء في نفسه و أهله.. أيّ سوء قد يحيق بهم... و هو أقترف الكثير من المعاص و المحرمات.. إنه فاسقٍ تائب إن صح القول ! 


و الآن يجلس "عثمان" مسترخيًا فوق كرسي المكتب، يضغط زر الديكتافون الموصول بينه و بين سكيرتيرته الخاصة هاتفًا بصوته القوي : 


-رانيا.. من فضلك أطلبيلي نبيل الألفي 


جاء صوت السكرتيرة الرقيق مستوضحًا : 


-أحوّل مكالمة على مكتب حضرتك ؟ 


عثمان بحزمٍ : لأ.. أطلبي مكتبه. و قوليله يجيلي هنا فورًا 


-تحت أمرك يافندم ! 


مر وقت ليس بقليلٍ على الإطلاق عقب أن أملى "عثمان" أوامره على السكرتيرة.. بالتأكيد أنها أوصلت الرسالة إلى السيد المبجل "نبيل الألفي" على الفور...و لكن الأكثر تأكيدًا بأن الأخير قد عمد إلى تجاهل تلك الأوامر لأطول وقت ممكن 


في فترة سابقة ربما كان "عثمان" ليغضب من هذه التصرفات... لكنه تعلم بالآونة الأخيرة _ خاصةً بعد إنفصاله عن زوجته _ كيف يسيطر على مشاعره..كيف يروّض تلك النزعة الحساسة بداخله فلا يكون لأحدٍ سلطانٍ عليه، لا أحد يستخدم غضبه ضده.. فقد بات واثقًا منذ مدة بأن الغضب وحده هو الذي بامكانه أن يسيطر على سجيته أحيانًا كثيرة... و بما أن ذاك الـ"نبيل" يهدف إلى ذلك، فالبطبع هو قادر على تطويع نفسه و لن يحقق له هدفه 


أخيرًا.. يسمع "عثمان" نقرة واحدة على باب مكتبه، لم يتكبّد عناء الاجابة على الطارق حتى.. تركه يفتح الباب باللحظة التالية من تلقاء نفسه.. ثم يلج مغلقًا الباب بنفسه أيضًا و يقبل عليه بتلك الابتسامة السمجة التي لطالما جللت محياه الأراستقراطي الوسيم ... 


-صباح الخير يا عثمان ! .. حيّاه بصوته الرخيم السهل 


تطلع إليه "عثمان" بنظراته الباردة، ثم ردّ تحيته بعد برهةٍ بصوته الهادئ : 


-صباح الخير يا بيلي.. أتفضل أقعد واقف ليه ؟ 


و أشار له ليجلس أمامه ... 


لا يزال "نبيل" محتفظًا بقناعه الوديع المتقن و هو يقول : 


-في الحقيقة أنا كان بودي أقعد معاك و الله. بس أنا مشغول جدًا. رغم كده أول ما الـAssistant بتاعتك كلمتني قلت لازم أجيلك حتى لو هاصبّح عليك و أرجع تاني.. أصلك الصراحة واحشني أوي يا عث. مش باين بقالك فترة ! 


عثمان بابتسامة تهكمية : 


-طيب يا بيلي.. طالما وحشتك أوي كده. أقعد خمسة.. أنا عاوزك في كلمتين مهمين ! 


رفع "نبيل" ساعده الأيسر و ألقى نظرة على ساعة يده الباهظة، ثم نظر إلى "عثمان" و قال موافقًا : 


-أوكي يا عثمان.. 10 دقايق مش 5 بس ! 


و جلس أمامه موليًا إليه كل الاهتمام ... 


-أتفضل ! .. قالها "عثمان" مادًا إليه علبة السيجار الفاخر 


أبى "نبيل" باشارة متحفظة من يده : 


-متشكر مابدخنش 


يرفع "عثمان" حاجبه معلقًا باستهجانٍ : 


-لا و الله ! من إمتى بطلت يا بيلي ؟ 


نبيل بابتسامة رائقة : 


-يعني من مدة كده.. الحمدلله 


عثمان و هو يسدد إليه نظراته الخبيثة الساخرة : 


-و يا ترى بطلت تدخنين بس ؟ و لا ... 


-الحمدلله يا عث.. فاهم قصدك. خلاص زمن الشقاوة ولَّى. على الأقل بالنسبة لي. إنما بالنسبة لك إنت ماعرفش الصراحة ! 


و ضحك ... 


شاركه "عثمان" الضحك و أعاد العلبة منتزعًا بأسنانه سيجارًا رفيعًا منها، أشعله بعود ثقاب، ثم قال و هو يدخنه و يصنع أمام وجه سحابة رمادية شفافة : 


-أنا كده كده تايب.. من يوم ما قابلت أم يحيى. توبت على إيديها من كل حاجة 


إتفق "نبيل" قائلًا بتبجيلٍ و احترام : 


-آه طبعًا مدام سمر ست رائعة جدًا ! .. ثم قال بلؤمٍ : 


-أقولك الحق إنت خسرت جوهرة يا عثمان. حتة ألماظ نادرة .. 


و قام بفرك إصبعيه بحركةٍ مسرحية ... 


-مالكش حق و الله ! 


أهذا الغضب الذي أقسم "عثمان" على ألا يتجلّى بأبسط تصرفاته ؟ ... إنه الآن يطل من عينيه المحملقتين بغريمه بنظراتٍ فتّاكة.. لولا أنه تمالك نفسه باللحظة الأخيرة لكان أطلق نفسه عليه بعد أن سمعه يتحدث عن حبيبته و أم إبنه بهذه الطريقة الرعناء 


سحب "عثمان" نفسًا عميقًا و عمد إلى تهدئة البقية الثائرة من مشاعره الرجولية المحتدمة... قام من مكانه فجأة.. ثم دار حول المكتب بخطواتٍ وئيدة... جلس في كرسي مقابله تفصل بينهما طاولة صغيرة.. إبتسم مكشرًا عن أسنانه الناصعة المتناسقة و قال بنعومةٍ تحمل بين طياتها تهديدٍ مبطن : 


-نبيل يا ألفي ! 


ردّ "نبيل" منتهجًا نفس الاسلوب : 


-أفندم يابن البحيري ؟! 


-إنت أكيد عارف.. إن أنا عارف إنت جاي في إيه من الأول 


-فعلًا يا عثمان ؟! 


أومأ "عثمان" مستطردًا بلهجة أكثر قتامة : 


-و مش هاسمحلك تمس كياني أو كيان عيلتي و لو بأقل جهد فيك.. ما تقول إنت عايز إيه. أو عايز كام من الآخر و تكتبلي تنازل عن نصيب هالة في البيت و بقية التركة. و خلينا حبايب أحسن.. إيه رأيك ؟ 


إبتسم "نبيل" نصف ابتسامة و قال بسخرية : 


-حبايب ! إسمحلي أستخدم Technique جمتلك السابقة.. إنت أكيد عارف.. زي ما أنا عارف. إننا عمرنا ما هانبقى حبايب ! 


رفع "عثمان" حاجبيه مبتسمًا و هو يضع بفمه السيجار الذي إحترق نصفه بين إصبعيه، إمتص عبق الدخان بقوة، ثم نفثه متعمدًا بوجه "نبيل" الذي سرعان ما إستحال من البرود و اللامبالاة إل الحنق و الغضب الشديد ... 


-أيوة كده نلعب على المكشوف أحسن ! .. قالها "عثمان" بلهجته المستفزة و هو يطفئ السيجار بالمنفضة أمامه 


-و بما إن القايمة بينا ممكن تكون طويلة.. فكرني كده. تارك مع مين ؟ معايا ؟ و لا مع حد تاني في عيلة البحيري.. أبويا و عمي الله يرحمهم. مش معقول صالح 


-تاري معاك إنت يا عثمان ! .. نطق "نبيل" بثباتٍ و دون أن يرف له جفن، و تابع مبتسمًا بوداعة : 


-عمرك شوفت صراحة أكتر من كده ؟ 


أصدر "عثمان" ضحكة قصيرة جدًا، ثم قال و هو يحك طرف ذقنه دون داعٍ : 


-بصراحة مش عارف أقولك إيه.. زمان. قبل ما أجوز و أبقى أب. تصريح زي ده كان ممكن يحسسني بنوع من الفخر الذاتي.. إنت عارف طبعًا أنا كنت شاب مغامر و بحب أدخل في منازلات زي دي.. بس أنا قولتلك في بداية كلامنا. أنا توبت.. شوف نقدر نحل إللي بينا إزاي و نصفيه بهدوء. رغم إني مش عارف تحديدًا إيه إللي مزعلك.. و يخص الشغل و البيزنس و لا إ آ ... 


-لأ إنت عارف كويس إيه إللي بينا يا عثمان ! .. قاطعه "نبيل" محتدًا، و أعلن بعد لحظة واحدة : 


-شاهيناز النجار ! 


إنبثقت صورتها فورًا بعقل "عثمان"... منذ ما يقارب العشر سنوات.. تلك الفتاة العشرينية.. سمراء البشرة... زرقاء العينين.. إبنة أحد رجال الأعمال المشاهير بالبلاد.. و أجمل من أنجبت مدينة الأسكندرية بوقتها.. لقد وقع بحبها بالفعل.. لكنه ما لبث أن أفاق.. مكتشفًا بأنها لم تكن سوى نزوة... مغامرة من مغامراته النسائية المتعددة.. واعدها فترة كما واعد غيرها... لكن الذنب الوحيد الذي أقترفه بعلمٍ و قصد.. هو أنه كان يعلم بأنها لا تخصه و أنه ما حرى به الاقتراب منها... إلا أنه رغم ذلك فعل !!! 


-إنت لسا فاكر شاهيناز النجار يا بيلي ؟ .. تمتم "عثمان" بوجهٍ مكفهر 


-دي متجوزة دلوقتي و مخلفة دستة عيال. لا دلوقتي إيه.. دي تاني إسبوع ما سيبتها !


نبيل رامقًا إياه بازدراءٍ : 


-طبعًا.. ما زيها زي جيجي. زي نانسي.. زي كل واحدة عرفتها يا عثمان. كل إللي تقرب منك. لازم تتوب عن الصنف كله بسببك. و ترضى بأي حاجة بعدها. عشان الحياة تستمر مش أكتر.. شاهيناز طول عمرها كانت بتحلم. بتحلم تلف العالم. تمضي مع أكبر توكيل أزياء. ترقص بليه على مسارح الأوبرا. دي كانت بتغني و تعزف كمان.. كانت كلها حياة. كانت هي الحياة في حد ذاتها.. مين يصدق دلوقتي إنها قاعدة في البيت بتربي دستة عيال على قولتك ؟! 


لا يعرف "عثمان" لماذا إنتابه الضيق في هذه اللحظة، هل هذا راجع لتأثير كلمات الأخير أم لتصديق ما تفوّه به في قرارة نفسه... لكنه وجد نفسه ينطق بقوة مبررًا لنفسه بالمقام الأول : 


-شاهيناز جاتلي بمزاجها.. أنا عمري ما أجبرت واحدة عشان تقرب مني. شاهيناز ماكنتش مضطرة تقرب مني أصلًا.. هي إللي جت بمزاجها يا نبيل. عملت كل حاجة بمزاجها. و إنت عارفني.. أنا ماكنتش أحب أكسف حد. خاصة لو بنت جميلة و أمنية أي راجل زي شاهيناز 


-دي كانت خطيبتي يا عثمان !!! .. غمغم "نبيل" بشراسةٍ من بين أسنانه 


-سابتك الأول عشان تجيلي ! .. رد "عثمان" بنديّة لا تخلو من التحدي، و أردف بفظاظةٍ : 


-و بعدين مش ذنبي. إذا كنت مابتعرفش تنقي حريمك ! 


و هنا برزت إبتسامة شيطانية على ثغر "نبيل".. ليقول بعدها بنبرةٍ ذات مغزى : 


-أوعدك.. المرة دي هاعرف أنقي كويس. و هاتشوف بعنيك. حُرمة زي ما قال الكتاب ... 


و دنى برأسه قليلًا صوبه، ليهمس بصوتٍ مسموع : 


-هاترضيني.. حتى لو كانت فرز تاني يا عث ! 


علا صوت تنفس "عثمان"... بينما تندفع الدماء من قلبه إلى شرايينه بعنفٍ سبغ على بشرته كلها حمرةٍ جعلته يبدو خطيرًا... ربما مجرمًا !!!! 


رفع "عثمان" ناظريه ليشتبكا بنظرات "نبيل" الضاحكة بشماتةٍ ... 


ضغط على فكيه بشدةٍ و هو يضم قبضتيه مطرقعًا أصابعه تحضرًا للضرب و اللكم.. إلا إن "نبيل" سرعان ما قام من مكانه هاتفًا و قد عاد لاسلوب المرح من جديد : 


-ياااه.. ده احنا دردشنا سوا أكتر من نص ساعة. بس و الله كنت واحشني يا عث. معلش بقى مضطر أسيبك دلوقتي ورايا شغل متلتل. بس أكيد هاشوفك بالليل في البيت.. يلا باي يا حبيبي ! 


و ولّى مدبرًا إلى مكتبه ... 


بينما يجلس "عثمان" بمكانه يراقب رحيله مستشعرًا صداعًا قويًا يمسك برأسه.. ضغط دماؤه يرتفع.. يرتفع... و هو لا يقوَ ألا على التفكير و تكرار ما قاله ذاك الرجل الخسيس بعقله ! ............................................................... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...

( 58 )


_ إن عدنا ! _


لولا الأمر الصادر من سيدة القصر الأولى.. "فريال" هانم... لما إستجاب لها الحارس ضخم الجثة المسؤول عن البوابة الرئيسية للمنزل و هرول ليفتحها على مصراعيها بضغطة زر 


كان كل فرد من الحراسة قد تلقّى أمرًا صارمًا من السيد "عثمان البحيري".. ألا ينبغي لزوجته المصون أن تتخذ خطوة واحدة خارج تلك البوابة بمفردها، أو بمعنى أصح بدونه 


لكنها الآن تخرج أمام أعينه برفقة السيدة الأم ! 


لا يستطيع أن يقف بوجهها و يمنعها في وجود "فريال".. رغم تخبّطه و حيرته.. إلا أنه أذعن و تنحى جانبًا كي ما تتمكن "فريال" هانم من عبور بوابة القصر بسيارتها الفارهة ... 


-أنا متشكرة أوي بجد ! .. تمتمت "سمر" بصوتٍ يفيض امتنانًا و هي تجلس بجوار "فريال" و تتطلع عبر نافذة السيارة إلى الطريق و سماء النهار


ترد "فريال" بلطفها المعهود دون أن تسهو عن القيادة :


-على إيه يا حبيبتي بس.. أنا لسا ماعملتش ليكي أي حاجة يا سمر. إنتي تستاهلي كل الحلو إللي في الدنيا دي


ابتسمت "سمر" بخفةٍ و أدارت رأسها نحو السيدة النبيلة، ثم قالت بصدقٍ : 


-ربنا يعلم وجودك في حياتي الفترة إللي فاتت و لحد دلوقتي فارق معايا إزاي يا طنط. لولاكي كنت أنهرت فعلًا.. تعرفي إني شايلة هم فراقك إنتي أكتر حد. إنتي و يحيى ! 


إنقبض قلب "فريال" لدى سماع تصريح زوجة إبنها الأخير، لتقول تاليًا بلهجة ملؤها التوتر و القلق : 


-ربنا ما يجيب فراق يا سمر. ليه بتقولي كده ؟ و بعدين إنتي مش كنتي قولتي حتى لو إنفصلتي هاتفضلي قاعدة مع إبنك في بيته ؟ ليه الكلام ده بقى ؟! 


سمر و قد إستحالت لهجتها إلى الجمود : 


-هو السبب.. أبو إبني هو السبب يا طنط 


فريال بوهنٍ : عملك إيه عثمان بس يا سمر ؟ ما بقاله شهرين بعيد عنك زي ما طلبتي. نفذلك كل إللي قولتي عليه. عمل إيه ماتظلميش بقى 


تضم "سمر" حاجبيها بشدة مغمغمة باستنكارٍ : 


-أظلم ! مين إللي ظلم و بيظلم مين يا طنط ؟ أوكي أنا عارفة إنه إبنك و هاتفضلي تدافعي عنه.. لكن أرجوكي خليكي صريحة معايا على الأقل. أنا مش بتهمه كدب و لا بقول حاجة مش فيه 


تنهدت "فريال" بيأسٍ و قالت بصوت أكثر هدوءً : 


-طيب يا سمر.. عملك إيه عثمان خلاكي تفكري تسيبي البيت ؟ و عشان خاطري أنا ماتحطنيش في الموقف ده. أنا مش مخرجاكي معايا عشان تشوفيها فرصة و تمشي فعلًا 


-أهو هو ده بالظبط إللي أقصده ! .. علّقت "سمر" فورًا 


أصغت إليها "فريال" باهتمامٍ و هي تستطرد بلهجةٍ تكنف مرارة مبطنة : 


-حتى بعد ما أجبرته عشان يطلقني. لما حصل فعلًا و قلت خلاص هايحس إني ضيعت من إيده. ممكن يندم. ممكن يعتذر.. لأ. لسا زي ما هو. لسا عايز يكسرني. و فاكر إنه يقدر يعمل كده.. حابسني في البيت. محدد إقامتي. بس أنا بقى ساكتة. ساكتة و مستنية شهور العدة تخلص. و هاوريه أنا هامشي إزاي و مش هايقدر ساعتها يمسكني و يقولي مافيش خروج.. إطمني يا طنط. أنا مش هاحطك في الموقف ده.. مش هاهرب المرة دي أصلًا. أنا هاعمل كل حاجة قدام عنيه. لازم يشوف بعنيه سمر. سمر إللي ماشفهاش قبل كده 


اضطربت قبضتيّ "فريال" حول عجلة القيادة، فتذبذبت حركة السير قليلًا.. مِمّ أجبر "سمر" على التراجع عن موقفها كليًا و اسلوبها الحاد في الحديث و لو مؤقتًا من أجل تلك السيدة المسكينة ... 


-إنتي كويسة يا طنط ؟! .. قالتها "سمر" بقلقٍ و هي تمد يدها و تحط على ذراع حماتها بلطفٍ 


استجمعت الأخيرة نفسها و تمالكت أعصابها جيدًا قبل أن ترد عليها بصوتٍ طبيعي : 


-آه يا حبيبتي أنا تمام.. ماتقلقيش. أنا كويسة خالص. يعني مهما كان. المفروض أكون إتعودت على إسلوب حياتك إنتي و عثمان. بصراحة بقيت إتوقع منكوا إنتوا الاتنين أي حاجة 


سحبت "سمر" يدها و هي ترد عليها بخفوتٍ لا يخلو من الإباء : 


-أنا آسفة يا طنط.. بس ده قراري و دي حياتي. أنا عارفة إنك فهماني. عشان كده إتكلمت معاكي براحتي و فتحت قلبي 


فريال بحزنٍ بَيّن : 


-فهماكي يا سمر.. فهماكي ! 


زمت "سمر" فمها محاولة أن تتهرب من هذا النقاش برمته، فقالت باندفاعٍ أول شيء خطر على بالها : 


-آه صحيح أومال إحنا رايحين فين كده ؟! 


تمتمت "فريال" بلهجة مستكينة : 


-أنا عاملالك مفاجأة. يارب تعجبك.. مافضلش كتير. دقايق و هانوصل إن شاء الله ! 


______________


غثيان الصباح ! 


كان هذا عبارة عن كابوس يومي يداهمها لحظة أن تفتح عينيها مستقبلة نهارًا جديد، لقد كبرت بطنها الآن و أتم جنينها شهره الخامس منذ بضعة أيامٍ، لتصير هي أكثر عرضة لتقلّبات فترة الحمل الشائعة 


كانت تتحمل، لا خيار أمامها غير أن تتحمل، فهي و إن كانت معه.. إن عادت إليه... لا تزال تشعر بأنها في غربة.. و الوحدة الشعور الوحيد الذي يجثم على قلبها و يؤثر فيها أكثر من أيّ شيء.. و ما الوحدة بالنسبة لها سوى بعده عنها و جفاؤه ناحيتها حتى الآن !!! 


كانت "هالة" قد قفزت من الفراش ضاربة الأغطية بساقها، وضعت يد أسفل بطنها، و الأخرى خلف ظهرها و هرولت متجهة صوب الحمام الملحق بغرفتها ... 


دفعت الباب بقوة و دلفت جاثية أمام المرحاض، رفعت شعرها عن وجهها و بدأت تتقيأ مفرغة محتويات بطنها الفارغة أصلًا.. كان هذا عذابًا... بالرغم من أن الطبيب الذي تتابع معه رحلة حملها قال بأن أغلب المشاعر التي تنتابها خلال تلك الفترة ربما تكون كلها وهمية بنسبة مئة بالمئة، و حريًا بها ألا تطاوع أوهامها كثيرًا كي لا يزداد التعب عليها 


لكنها لا زالت غير مقتنعة بكلامه.. و كأنها تستعذب المعاناة ! 


-إنتي كويسة !!


توقف قلبها عن الخفقان لثانية.. حين آتاها صوته من الخلف... لم يكن جلفًا، لم يكن صلدًا.. بل في الواقع كان حنونًا ! 


إلتفتت "هالة" بجسمها و تطلعت إليه، حيث كان يقف عند عتبة الحمام بملابس البيت المؤلفة من بيجاما صيفية دمجت بين لونيّ الأزرق و الرمادي ..


كان منهدمًا رغم ذلك، و صدق حدسها أيضًا و هي تنظر بعينيه لترى نظرات القلق تطل منهما.. ربما لأنه يراها هكذا لأول مرة، إذ أنه حرص منذ جاءت إلى هنا على ألا يقضي معها أي وقت، كان يتذرع بأيّ شيء يبقيه بعيدًا عنها، و لم يتغيّب يومًا واحدًا عن العمل و لا إتخذ عطلة ليلةٍ أو نهارٍ أو ساعةٍ 


لكنه اليوم لدهشتها، و في ساعة الظهيرة هذه.. يقف أمامها بالبيجامة.. ذلك إن دل.. فأنه يدل على شيئًا واحد فقط، أخيرًا قرر أن يقضي عطلة و لو يوم، يقضيها بالبيت، في وجودها، معها !!! 


-أنا كويسة ! .. قالتها "هالة" هامسة باعياءٍ واضح 


عبس "فادي" غير مقتنعًا إلا بما يراه بعينيه، حسم أمره و خطى داخل الحمام ماشيًا ناحيتها، مد لها كفه و هو يقول باقتضابٍ : 


-و أنا معدي برا سمعت هبد و رزع. دخلت أطمن.. فيكي حاجة نروح للدكتور ؟ 


نظرت "هالة" مطولًا إلى يده الممدودة، ثم نظرت له.. تنفست بعمقٍ و قبلت مساعدته، حيث أودعت يدها الصغيرة بكفه و تركتها يشدها بمعرفته حتى أوقفها على قدميها و تأكد بأنها صارت متوازنة و متمالكة لنفسها ... 


-مافيش داعي للدكتور ! .. غمغمت "هالة" و هي تسحب يدها من يده و تستدير نحو حوض المياه 


أردفت و هي تمد يديها لتفتح الصنبور لتغسل وجهها : 


-ده مجرد Morning Sickness بيحصل لأي ست حامل.. ماتقلقش. إبنك كويس ! 


و أغلقت الصنبور مجتذبة منشفة الوجه الصغيرة من فوق الحامل الرخامي أمامها.. أخذت تجفف وجهها، بينما يفكر "فادي" بجملتها الأخيرة 


إذن فهي ترمي إلى حقيقة مشاعره تجاهها مؤخرًا، تفترض فعليًا بأنه صار يكرهها، و أنها لم تعد تعني له شيء.. حياة طفله أهم من حياتها بالنسبة إليه... على كلٌ هل هذا خطأ ؟ .. ربما لا.. و ربما ... 


-إنت متأخر على شغلك و لا إيه. الساعة كام ؟ 


تبعها "فادي" إلى داخل الغرفة من جديد و هو يرد على سؤالها بفتورٍ :


-الساعة واحدة و ربع الضهر. أكيد مش بروح شغلي الساعة دي. 8 بالدقيقة لازم أكون في السيكشن.. أو على مكتبي


صدرت عنها نهدة حارة و هي تستدير في مواجهته قائلة بنفس الفتور : 


-طيب هاتخرج إنهاردة. و لا قاعد ؟ 


فادي بجفافٍ : ليه.. عايزة تخرجي ؟ 


هزت "هالة" كتفيها و قالت بلا مبالاة : 


-لأ مش عايزة أخرج.. بس كنت عايزة أعرف لو هاتقعد تحب تتغدى أكل بيتي أنا هاعمله و لا هاتطلب لنفسك من برا.. أعمل حسابك معايا على الغدا يعني و لا لأ ؟ 


توقعت إجابة بالرفض... لكنه فاجأها مرةً أخرى بعد لحظة واحدة : 


-لأ مش خارج. و مش هاطلب أكل من برا.. ممكن تعملي حسابي معاكي. إذا مش هاتتعبي !


أجفلت "هالة" قائلة بجدية : 


-لأ ماغيش تعب و لا حاجة.. أنا بتسلّى. تحب تاكل صنف معيّن ؟! 


فادي بحزم : لأ.. إللي تعمليه هاكله. و ياريت ماتجهديش نفسك في المطبخ 


تغلّبت بصعوبةٍ "هالة" على ابتسامة ما برحت تحارب لتنبلج على محياها، و قالت بثباتٍ : 


-أوكي.. أنا هافطر بسرعة و بعدين ابدأ في الغدا ! 


______________


-أدخلي يا سمر ! .. هتفت "فريال" داعية زوجة إبنها للدخول بعد أن أشعلت الأضاءة بالمكان كله 


كان صرحًا كبيرًا، ذاك الذي أفتتحته "فريال" للتو برفقة كنتها.. كان كل شيء يغطيه التراب، بدءً من البوابة الحديدية العملاقة بالخارج، وصولًا إلى هذه البوابة الداخلية 


حتى عندما مدت "سمر" ساقها لتدخل ملبيّة دعوة والدة زوجها ... 


كان كل شيء باللون الذهبي، الأرض، الجدران، إطارات اللوحات... و كأنها قاعة سحرية.. لكنه بالحقيقة لم يكن سوى آتيليه ! 


نعم 


هكذا تبلغ عنه الملصقات و الديكورات أسفل طبقات الغبار السميكة ... 


-إيه المكان ده يا طنط ؟! .. تساءلت "سمر" و هي تلتفت على الفور رامقة السيدة الجميلة بفضولٍ ما لبث أن تحوّل إلى صدمة


حين رأت دموعها تسيل فوق خديها بلا بكاءٍ، عقد لسانها و لم تستطع نطقًا بعد ذلك.. لتبتسم "فريال" و هي تسحب منديلًا ورقيًا من حقيبتها


بدأت تكفكف به الدموع برفقٍ و هي ترد على "سمر" بصوتٍ أبح : 


-زي ما إنتي شايفة يا حبيبتي.. ده آتيليه. يحيى الله يرحمه كان مسلمّني مفتاحه قبل ما يتوفى بفترة قصيرة جدًا 


تبدلت ملامح "سمر" إلى التعاطف فورًا عندظا فهمت الأمر، حاولت أن تصرف شيئًا من الحزن عن الأخيرة، فقالت و هي ترمق المكان بنظرة شمولية : 


-جميل أوي يا طنط.. بجد. ناقصه الروح بس. و الحركة و هايبقى هايل 


فريال بابتسامتها الرقيقة : 


-الآتيليه ده كان في يوم من الأيام حلمي.. دلوقتي بقى ليكي إنتي يا سمر ! 


فغرت "سمر" فاها بذهولٍ و هي تعاود النظر إلى "فريال".. و قبل أن تتفوّه بكلمة أقتربت "فريال" خطوة منها و قالت و هي تقبض على يديها بشدة : 


-مش هاسمحلك ترفضي إللي بقدمه ليكي ده يا سمر.. قبل ما تقولي كلمة واحدة. أنا خلاص كتبته باسمك. مش ناقص غير امضتك بس 


تهز "سمر" رأسها للجانبين بقوةٍ و هي تقول : 


-لأ. لأ طبعًا يا طنط فريال. أنا إستحالة أقبل حاجة زي دي.. حضرتك فاهمة إنتي بتعرضي عليا إيه ؟ دي مش ساعة و لا فستان هدية. دي ذكرى غالية من عمو يحيى.. من جوزك. من حبيبك. ثم أنا مش فاهمة بتقدميها ليا ليه ؟ أنا ماليش علاقة بالشغل ده و مش بفهم فيه. و الأهم من ده كله مش عايزاه 


-سمر إسمعيني بس من فضلك.. زي ما بحترم رغباتك و قراراتك أتمنى تعملي معايا نفس الشيء. أنا مش صغيرة عشان أتصرف بدون عقل لو ده إللي إنتي شايفاه 


-أستغفر الله. أنا ماقولتش كده و لا أقدر أقول كده على حضرتك بس آ ا .. 


-مابسش بقى ! .. قاطعتها "فريال" بضيقٍ 


-بصي.. أنا عارفة إنك بتحبي الرسم و التصميم. جايز الموضوع هايكون غريب عليكي. بس أنا هاعلمك. صدقيني هاتمشي في الموضوع ده و هاتبقي أحسن مني 


واصلت "سمر" تمسكها بالرفض و هي تقول : 


-يا طنط بالله عليكي أفهميني. أنا عندي إستعداد أقف جمبك و أساعدك في أي حاجة تطلبيها مني.. بس منغير مقابل. منغير ما أقبل حاجة زي دي. أنا مستحقهاش بأي شكل من الأشكال. و الله موافقة أتعلم منك و كل حاجة. بس حكاية الآتيليه ده يبقى بتاعي أنا مش هايحصل. وحياة إبني ما هايحصل 


-كده يا سمر ؟! .. تمتمت "فريال" بتخاذلٍ و هي تترك يدي الأخيرة و تبتعد الخطوة عينها 


أصرت "سمر" على موقفها قائلة بأقصى ما تستطيع من لطف : 


-أنا آسفة. بس و الله صعب.. مستحيل. مش ممكن أقبل أخد منك أو منغيرك حاجة زي دي .. 


و أردفت مبتسمة : 


-بس ممكن أتعلم منك. و أساعدك نرجع للمكان ده روحه.. و تشوفي حلمك بيتحقق قدام عنيكي يا فريال هانم ! ................................................ !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ... 


في جزء تاني #للبارت بكرة إن شاء الله ♥️

إرسال تعليق

0 تعليقات

close