expr:class='data:blog.pageType'>

Header Ads Widget

رواية سل الغرام بارت 55و 56 للكاتبه مريم غريب علي النجم المتوهج

 


( 55 )


_ سيرتنا الأولى ! 


وشاح رأسها الداكن يرفرف متأثرًا بالهجمات الهوائية المندفعة تجاهها عبر نافذة السيارة الفارهة ... 


تضايقت "هالة" كثيرًا خاصةً مع تعزيز ذلك الهواء لتجمع دموعها التي لا تحتاج إلى مثيرات أساسًا، فبدون ترددٍ استدارت قليلًا و ضغطت بسبابتها على زر الاغلاق.. ثوانٍ و سدت منفذ الهواء تمامًا 


تنهدت براحة و اعتدلت في جلستها مجددًا، فإذا بمرافقها الشاب يلقي من جانبها كلماته الملطفة : 


-أنا آسف و الله لو حضرتك مضايقة ! 


تلتفت "هالة" نحوه فورًا مرددة ببلاهةٍ : 


-نعم ! مضايقة من إيه ؟! 


يرد الشاب موزعًا نظراته بينها و بين الطريق : 


-أنا بسوق بحضرتك بقالي فترة. أكيد القاعدة دي كلها أزعجتك.. بس خلاص هانت. دقايق و هانوصل. إنما لو حابة أقف في أي مكان 


تهز "هالة" رأسها رفضًا و هي تقول بصوتٍ مختلج : 


-لا لأ. مافيش داعي نقف.. و أنا مش مضايقة. يمكن بس متوترة شوية ! 


يتحلّى الشاب الآن ببعض الشجاعة و هو يحكي معها : 


-أنكل نبيل صاحب بابا أوي. قبل ما يروح يقعد في إيطاليا كان عايش معانا في بيتنا هنا في دبي.. بصراحة حاليًا أنا أقربله من بابا. لدرجة إن هو إللي خطبلي البنت إللي بحبها .. 


و رفع يده اليمنى ليريها خاتم الخطبة اللامع ببنصره، و أكمل : 


-لولاه ماكنتش إتشجعت و لا أخدت خطوة واحدة في الموضوع ده.. أنا أصلي خيبة أوي و Old School ( قديم الطراز ) ! 


تمهل لحزة ليسحب نفسًا عميقًا، ثم أردف بأريحية أكثر حين رآها تبتسم له و تستمع : 


-منغير حساسيات يا مدام هالة أو تدخل مني.. و بردو عشان ماتزعليش من أنكل نبيل. هو حكالي باختصار وضعك مع البشمهندس فادي جوزك لما كلفني بجمع معلومات عنه.. و آسف ده مش تطفل مني دلوقتي. بس أنا حابب أقدملك نصيحة متواضعة جدًا إذا سمحتي. بس لو مضايقة من كلامي قوليلي أسكت علطول و لا يهمك .. 


-لا أبدًا مش مضايقة ! .. قالتها "هالة" بجدية 


-قول كل إللي إنت عايزه بليز !! 


إبتسم الشاب لمرآى مشاعر الشجن الحماسية تتقافز من عينيها، ثم قال : 


-بصي يا مدام هالة.. أنا عايز أقولك حاجة واحدة بس. دايمًا صدقي قلبك. العقل في حياتنا مهم و له دور قوي و سلطة على مشاعرنا.. بس الحياة ماينفعش نعيشها علطول بعقولنا. و إلا هانكون زي الآلات بالظبط. و المشاعر إللي جوانا دي تدريجيًا هاتموت.. و إحنا أصلًا عايشين ليه ؟ منغير مشاعرنا دي مانقدرش نستحمل قسوة الأيام. أنا عارف إنك بتحبي البشمهندس. و كمان واثق إنه بيحبك.. رغم المشكلة إللي حكالي عنها أنكل نبيل. لو ماكنش بيحبك ماكنش هرب. ماكنتيش هاتفرقي معاه أصلًا .. 


أجفلت "هالة" و هي تتلعثم قائلة : 


-آ ا قصدك.. تقول .. إ إنه ... 


-أكيد هايسامحك ! .. هكذا عثر لها على المعنى الذي صعب عليها نطقه 


حبست أنفاسها، بينما يستطرد الشاب مبتسمًا : 


-هايسامحك طبعًا.. محدش يقدر يصمد قدام عنين بنت مليانة دموع و حب كده.. صدقيني. أنا واثق من كلامي 


سالت دموعها بالفعل في هذه اللحظة، فأدارت رأسها مسرعة و هي تسحب منديلًا من حقيبتها و لتكفكف به خديها الرطبين ... 


على الطرف الآخر يتنهد الشاب مصوّبًا ناظريه إلى الواجهة الرئيسية لذاك الصرح الشامخ على بُعد بضعة أمتار، و يتمتم قارئًا لافتة عملاقة : 


-الأكاديمية الدولية لهندسة البترول و التعدين... حمدلله على السلامة يا مدام. هالة. وصلنا. دلوقتي بينك و بين البشمهندس مجرد خطوات !


______________ 


لم تستطع منع قلبها ألا يبتهج لرؤية هذا الكمّ من المرح و اللطافة.. حتى ابتسامتها لم تستطع محوها من فوق وجهها... إذ لأول مرة تراه يعزز آواصر علاقته كأب بطفله بهذا الشكل 


شقيقتها الصغيرة أيضًا تنال حظًا وافرًا من حنانه و لين قلبه الذي لطالما سكَّن من روعها هي شخصيًا.. رباه... هذه الصورة التي تراها الآن.. تسعدها و تعذبها في آن ! 


هذا "عثمان"... زوجها.. على مرآى و مسمع منها و من والدته الجالسة بجوارها أسفل مظلّة الأرجوحة الكبيرة، لم ينفك يداعب طفله و صغيرته الملاك كما يحلو له مناداتها.. كان اللهو و اللعب بين ثلاثتهم على أشدّه... هناك داخل حوض السباحة الكبير.. حيث الأب الفعلي بالنسبة للطفل، و الأب الروحي بالنسبة للفتاة الصغيرة، عاري الجزع و مبلل بالكامل مثل الصغيرين، يحمل كليهما على ذراعيه و يسبح بهما برشاقةٍ تارة، و يتركهما لحالهما تارة.. "ملك" فوق اللوح الهوائي على شكل سريرٍ صغير، و "يحيى" محاطًا بطوقٍ على شكل أوّزة.. كان يحاول تعليمهما مبادئ السباحة أيضًا، و في نفس الوقت يستمتع معهما 


ضحكوا كثيرًا، و لعبوا كثيرًا.. حتى إنتاب "عثمان" التعب أخيرًا، فسبح تجاه حافة الحوض دافعًا بكليهما بيديه، حيث كانت هناك المربية التي تعتني بـ"ملك" أغلب الوقت و أحيانًا بالصغير "يحيى" ... 


سلّمها "ملك" أولًا.. ثم صعد بنفسه و هو يحمل طفله على ذراعه بعد أن خلّصه من الطوق بسهولة، تناول من المربية المنشفة الكبيرة، لكنه لفّ بها إبنه و مشى هو تجاه أمه و زوجته و الماء يقطر منه كليًا، فقط إكتفى بأن نفض رأسه للجانبين بقوة ... 


-إلبس حاجة بسرعة يا عثمان. كده تبرد يا حبيبي ! 


هكذا عبّرت "فريال" بلجهتها المتلهفة عن خوفها على سلامة إبنها .. 


تجاوز "عثمان" نصيحة أمه و شد كرسي بالقرب منها، وضع طفله فوق قدمه، و طفق يفرك له جسمه الصغير ليجففه جيدًا و هو يقول : 


-ماتخافيش عليا يا فريال هانم. لا يفل الحديد إلا الحديد.. الجو برد آه. بس مش عايز أقولك مرة في عز طوبة و في ليلة تلج و زعابيب. نطيت من اليخت في عرض البحر و طلعت ماحصليش حاجة 


شهقت "فريال" مصدومة و قالت : 


-يا خبر ! إنت إزاي تعمل كده ؟ و ليه عملت كده أصلًا ؟!! 


ينقل "عثمان" ناظريه نحو زوجته التي تصنعت عدم الاكتراث لتلميحات كلماته الأخيرة، ثم قال بنبرة ذات مغزى : 


-حاجة غالية كده.. وقعت مني. ف منغير ما أفكر لاقيت نفسي بنط وراها عشان أجيبها ! 


لا زالت غير متأثرة بحديثه المبطن، بينما "فريال" لم تلاحظ قصده، فقالت موبخة إياه بشدة : 


-حاجة غالية إيه إنت إتجننت يابني ؟ مافيش في الدنيا أغلى منك. عارف يا عثمان لو عملت حاجة زي دي تاني مرة ما هسامحك إنت سامعني ؟؟؟ 


قهقه "عثمان" ضاحكًا و هو يهدئ من روع أمه قائلًا : 


-طيب خلاص. Relax يا فريال هانم. الكلام ده بقاله كام سنة.. و أنا قدامك أهو زي الفل


فريال بغضب حقيقي : 


-أنا ماليش دعوة.. ماتقوليش كده و تعصبني أكتر. إنت تسمع كلامي و بس فاهم ؟؟؟ 


تلاشى مرح "عثمان" في هذه اللحظة و هو يرد عليها بهدوءٍ : 


-حاضر يا ماما.. حاضر. خلاص فاهم. بس هدي نفسك مافيش داعي للعصبية دي كلها ! 


و هنا تقوم "سمر" متجهة ناحيته، لتقول و هي تمد يديها مطالبة بطفلها : 


-هات الولد لو سمحت. خليني أطلع ألبسه أحسن ما يبرد ! 


تطلع إليها مستخفًا بتلك النظرة الجوفاء التي تعتلي وجهها، ثم قال بفتورٍ محتفظًا بهدوئه : 


-لأ إنتي هاتقعدي.. مش على أساس سيادتك إللي طالبة القاعدة دي و في وجود أمي ؟ عايزة تهربي ليه دلوقتي ؟! 


احتدمت نظراتها الآن و هي ترد عليه بغلظةٍ : 


-أنا مابهربش.. بقولك هاخد إبني ألبسه هدوم ناشفة و تقيلة. عايزني أسيبه كده و يبرد عادي يعني !! 


-آنيتااا ! .. هتف "عثمان" من مكانه دون أن يحيد بنظراته عن زوجته 


كانت المربية الفلبينية تقف على مقربة منهم تهتم بالصغيرة "ملك" و تحكم إغلاق الروب المجفف حول جسمها .. 


ما إن سمعت نداء السيد، تركت الصغيرة بعد أن أدت الغرض معها على أكمل وجه، هرولت تجاه "عثمان" و هي تصيح بالانجليزية : 


-Yes sir ! 


عثمان : Take Yahya up, change his clothes and then take him back to his mother ! 


قالت المربية مع انحناءة بسيطة : 


-at your service ! 


و تناولت منه الطفل.. أخذته ماشية ناحية المنزل، بينما يحمر وجه "سمر" و هي تقول بحدة ناظرةً بعيني زوجها بقوة : 


-أنا مابحبش كده. و قولتلك 100 مرة 


عثمان رافعًا حاجبه : 


-مابتحبيش إيه بالظبط مش فاهم !! 


-مابحبش حد يشاركني في إبني أو أختي بالشكل ده.. أنا مش حابة المربية دي أصلًا و سبق و قولتلك أخرها تاخد بالها منهم قدام عيني. مش أكتر من كده 


عثمان بدهشة : و هي هاتعمل إيه يعني ؟ هاتكلهم ؟ ده شغلها ! 


-سمر بتتكلم صح يا عثمان ! .. علّقت "فريال" مؤيدة كنتها بجديةٍ 


نظر لها "عثمان" فأردفت : 


-ده المفروض كان يحصل من الأول. ماينفعش نآمن أي حد من مننا على الولاد.. لو كنت سمعت الكلام ده من الأول كنت عملت بيه فعلًا. دي أخر مرة يحيى أو ملك حد فيهم يتحط تحت تصرف المربية دي. أخرها معاهم زي ما قالت سمر. تاخد بالها منهم تحت عنينا 


كان يفكر بهذا الكلام أثناء استماعه لأمه، حتى فرغت.. جزء منه كره أن يعترف بصحة تلك الافتراضات، لكنه ترك الكبرياء جانبًا الآن و قال عاقدًا حاجبيه : 


-طيب.. هو كلامكوا مش غلط أبدًا. ف أنا هابلغ آنيتا بالتعليمات الجديدة.. أي آوامر تانية ؟ 


و نظر لكلتاهما... فلما أطالتا الصمت قال مشيرًا لزوجته بالجلوس و هو يسترخي فوق الكرسي واضعًا ساق فوق الأخرى : 


-إتفضلي يا سمر أقعدي.. أقعدي و سمعيني أخر قراراتك ! 


زمت "سمر" فمها و هي تعاود الجلوس بمكانها.. أشاحت بوجهها بعيدًا عنه قائلة بجفافٍ : 


-قراراتي إنت عارفها كويس.. مش محتاجة أعيدها عليك تاني 


عثمان ببرودٍ : إممم.. يعني إنتي طلبتي إننا نقعد القاعدة دي عشان تسمعي ردي بس ؟ يعني معقول أسمعك الرد في وجود أمي و أصدمها كده ببساطة ؟ مش منطق ده.. طب ليه طلبتي تكون موجودة ما كنت سمعتك الرد في غيابها أحسن 


-إنتوا بتقولوا إيه !! .. قالتها "فريال" بتوجسٍ 


-إيه إللي بيحصل بالظبط ؟ قرار إيه ده و رد إيه ما تفهموني !!! 


لاحت على ثغره ابتسامة تهكمية و هو ينظر إلى زوجته و يقول : 


-تقوليلها إنتي و لا أقولها أنا ؟ .. 


لم ينتظر ردها و استطرد فورًا : 


-لا أقولها أنا أحسن .. 


و حول بصره نحو "فريال" مصرحًا : 


-الهانم عايزة تطلق يا ماما.. شوفتي ! 


جحظت عينا "فريال" بصدمة فعلية، نظرت إلى "سمر" في الحال و صاحت باستنكارٍ شديد : 


-إيه إللي سمعته ده يا سمر ؟ الكلام ده حقيقي ؟ رددددي عليااا !!! 


-أيوة يا طنط حقيقي ! .. جاء ردها أسرع من المتوقع 


ألجمت الصدمة لسان "فريال" في هذه اللحظة، لتستطرد "سمر" بارادة قوية : 


-كل إنسان و له طاقة تحمل.. و أنا طاقتي خلصت مع إبنك. خلينا ننفصل بالمعروف زي ما ربنا قال. كده هايبقى أحسن كتير صدقيني. أنا صممت تكوني موجودة و إحنا بنطلق عشان تسانديني و تدعمي قراري و تفهميني .. 


-أفهم إيه ! .. رددت "فريال" و هي لا تزال تحت تأثير الصدمة 


-و أدعمك كمان ؟ لما تبقي عايزة تطلقي.. عايزة تخربي بيتك يا سمر. مافكرتيش في إبنك ؟!!! 


سمر منفعلة : أنا عشان فكرت في إبني أخدت القرار ده.. إبني مش هايستحمل يكبر و يلاقي أمه بتكره أبوه. مش هايبقى بنى آدم طبيعي. و أنا لو استمريت مع إبنك بالشكل ده مية في المية مشاعري كلها ناحيته هاتتحول لكره 


فريال و هي تهز رأسها غير مصدقة : 


-ليه ؟ عمل إيه عثمان لكل ده !!!! 


-مش مرتاحة !! .. هتفت "سمر" بصوتٍ مخنوق 


تخضّب وجهها بحمرةٍ ملتهبة و هي تضيف بلهجةٍ معذّبة : 


-مابقتش مرتاحة معاه. أنا تعبت من الحياة دي و الله.. نفسي أرتاح يا طنط أرجوكي إنتي أكتر واحدة بتفهميني ! 


رفرفت "فريال" بأهدابها و هي تحاول اثنائها عن هذا القرار بشتّى الطرق : 


-بس يا سمر ده تفكير مش سليم. يا حبيبتي إنتي لازم تعيدي حساباتك أكتر من مرة.. و بعدين ماتنسيش الحب إللي بينك و بين عثمان. إوعي تنكريه 


بدت "سمر" و كأنها تضغط على نفسها كثيرًا و هي ترد على السيدة النبيلة بصعوبةٍ : 


-مش بنكر.. بس صدقيني. صدقيني لو فضلت كل ده هايروح. أنا مش مرتاحة ! 


تضاعف خوف "فريال" مع تصميم كنتها، لتنظر نحو إبنها الآن و تقول بصوتٍ مرتجفٍ : 


-عثمان.. عثمان إنت ساكت ليه ؟ ما تتكلم.. قولها إنها غلطانة و إن حبك ليها يشفع لأي غلطة أو ذلة في حقها 


و هنا يرد "عثمان" بصوتٍ محتدٍ : 


-الكلام ده لو هي عندها استعداد تسمع مني. لكن واضح إنها مصممة .. 


-يعني إيه د آ ا ... 


أسكت أمه بإشارة من يده، ثم توجه بالقول إلى زوجته مضفيًا على لهجته الحادة بعض الحزم : 


-يعني إنتي هاتستريحي فعلًا لو طلقتك ؟ 


ردت "سمر" دون أن تتردد للحظةٍ : 


-أيوة هاستريح ! 


فلم يكد يرتد لها طرفها حتى إلا و جاء إعلانه صارمًا ساخرًا بها و منها : 


-طيب إنتي طالق يا سمر.. ارتاحتي ؟! 


هبطت الكلمة على "فريال" أولًا أشدّ وطأةٍ بكثر عن "سمر"... إذ جمدتها بمكانها و كأنها قطعةٍ من صخر ..


بينما يمضي "عثمان" مكملًا و هو يعتدل مادًا جسمه للأمام و مشيرًا بسبابته محذرًا : 


-بس خليكي فاكرة إن الطلاق ده له شروط و خطوط مش مسموحلك تعديها.. أولهم الخروج من البيت ده تحت أي ظرف. لو سمعت إنك خرجتي يا سمر دي هايبقى فيها كلام تاني هايزعلك أكتر واحدة 


استنكرت "سمر" تعليماته المجحفة بشدة : 


-و ده يبقى أسمه طلاق إزاي ؟ فين حريتي !! 


عثمان بلا مبالاةٍ : 


-مش مشكلتي حريتك دي. حريتك بالنسبة لي هي إني نفذتلك طلبك و طلقتك.. عايزة تبعدي عني ؟ تمام. إبعدي. زي ما تحبي.. بس يوم ما هاترجعي و أنا واثق إن اليوم ده مش بعيد. كبيرك اسبوع أو أقل كمان. عتابنا مش هايكون سهل. و خلي بالك.. أنا بقول عتاب. لأن في ظروف تانية و مع أسباب غير إللي خلتك تطلبي حاجة زي دي منها جوازي عليكي و الكام غلطة إللي غلطهم معاكي بعدها.. كان هايبقي حساب يا سمر. بس ماتفكريش إن عتابي هايكون سهل بردو.. واضح ؟ 


و مرّت دقيقة و هو يواصل تحديقه القوي بها مسيطرًا على سكناتها قبل حركاتها، ثم قام من مكانه متناولًا روبه القصير من على ظهر الكرسي 


ارتداه و هو ينطق آخر كلماته ببرود أعصاب كبير : 


-أظن الحوار ماطولش أوي. و اليوم لسا في أوله.. أنا أطلع أغير هدومي بقى و أطلع على الشغل أحسن. فرصة أستغل وقتي الفترة دي في التركيز مع مشاغلنا. كفاية أوي إللي ضاع.. يلا عن إذنكو ! 


و ولّى متجهًا نحو المنزل بخطواتٍ متهادية رشيقة، و كأنه لم يقترف الشنائع و لم يتفوّه بالعبارات السامٍة للتو ...


______________


"قسم الهندسة الچيولوچيه والچيوفيزيائية" ... 


كانت القاعة التي تضم القسم ذات زاجهة زجاجية عملاقة.. إذ تمكنت "هالة" من حيث كانت تقف بمكانها على رأس الدرج الكبير و تستند إلى السور الرخامي العريض.. تمكنت بسهولة نت رؤيته ! 


بعد كل هذه المدة.. ربما ليست بقصيرة... لكنها مرّت عليها مرور الدهور و القرون دون أدنى مبالغة.. الآن فقط.. تلتقط أنفاسها أخيرًا.. فهو بخير.. هو على أحسن ما يرام 


نظيف، مبجل... سعيد و مفعمٌ بالحيوية و النشاط !!! 


هذا نموذج منه تراه لأول مرة، الرجل الذي تحب.. "فادي".. ها هو ذا هناك خلف الحائل الزجاجي.. يرتدي أفخم الثياب الرسمية.. لحيته تكاثفت قليلًا.. لكنها أضفت عليه هيبة و وقار ينتسب وضعه الحالي.. شعره مقصوصًا و ممشطًا بعناية.. وجهه الحبيب.. لامعّ و نضر ليس كوجهها هي.. ليس كحالها منذ تركها و تكالبت عليها مصائب الدهر كلها ! 


كانت تراقبه بنظراتٍ نهمه، يشرح كأستاذٍ مخضرمٍ للطلبة، يخطط بيده السليمة على لوحٍ كبير.. الجميع ينتبه إليه، الجميع يخضع و يتفاعل وفق ارادته هو، لطالما كانت شيمته.. السيطرة و خلق جوًا من الانضباط و الاحترام 


رباه ! 


كم تشتاق إليه، كم تود لو تجتاز كل هذه الحواجز لتصل إليه.. "فادي".. ها هو أخيرًا ... 


لعلها لم تشعر بالوقت، كما لم تشعر بالتعب الذي زحف على ظهرها تأثرًا بوقوفها كالصنم بمكانها لأكثر من ساعةٍ و نصف حتى الآن.. و لم تتحرك إلا حين رأته يجمع أشياؤه في حقيبةٍ جلدية علقها على ذراعه السليمة، ثم يشق طريقه أولًا خارج القاعة، و من بعده الطلبة أفواجًا أفواجًا 


بدون ترددٍ وجدت نفسها تنطلق مستديرة حول سور الدرج، تبعته بخطواتٍ راكضة عبر رواقٍ طويل يفضي إلى مصعدٍ كهربائي.. و لكنه قبل أن يصل إليه تمامًا، قبل أن تحط أنامله على زر الاستدعاء ... 


إنبعث صوتها هاتفًا باسمه من الخلف محملًا بكل شوقها و لهفتها و لوعتها : 


-فـــادي ! ................................................................................ !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...

( 56 )


_ ليس الحبيب ! _


تبعته بخطواتٍ راكضة عبر رواقٍ طويلٍ يفضي إلى مصعدٍ كهربائي.. و لكنه قبل أن يصل إليه تمامًا، قبل أن تحط أنامله على زر الاستدعاء ... 


إنبعث صوتها هاتفًا باسمه من الخلف محملًا بكل شوقها و لهفتها و لوعتها : 


-فادي ! 


جمدت أصابع "فادي" فوق زر المصعد لحظة سماع صوتها ... 


لم يتحرك من مكانه على الفور.. لكنه لم يمكث طويلًا على تلك الوضعية... سرعان ما استدار بطامل هيئته المهيبة ذات التغييرات الطفيفة التي أعطته مظهر الثقة و الجلال 


علقت أنفاس "هالة" بحلقها، عندما تلاقت عينيها بعينيه الخضراوين اللامعتين كعانقيد الزيتون الناضجة النضرة 


"فادي"... أخيرًا "فادي".. حبيبها الذي ظنّت بأنها لن تراه قبل وقتٍ طويلٍ جدًا... ها هو.. بشحمه و لحمه يقف أمامها.. هو فقط... إنما الآخر.. الحبيب... لم يكن هنا أبدًا ! 


••••••••••• 


-إيه إللي جابك و عرفتي مكاني إزاي ؟! 


تسمّرت "هالة" محلها... هناك عند عتبة حجرة المكتب المخصص لزوجها.. أو طليقها ! 


لم تتخيّل أن تكون هذه أولى كلماته لها بعد كل هذه المدة، صحيح لنها تخيّلت الأسوأ.. لكن إتضح بأن هذه النبرة وحدها الأكثر سوءً كما شعرت الآن !!! 


تمكنت "هالة" من إبتلاع الجفاء الناضح منه و من نظراته و كلماته.. تغاضت عن كل شيء و ولجت مغلقة باب المكتب وراءها .. 


كان يقف على مقربةٍ منها، بمنتصف الحجرة الصغيرة المرتبة و الباهرة في آنٍ.. تقدمت منه، لتقف تاركة مسافة قصيرة بينها و بينه ... 


-إزيك يا فادي ! .. مرة ثانية يخرج صوتها في وجوده 


تحلّت ببعض الثبات، بينما يرد عليها بفتورٍ مُلقيًا الحقيبة من يده السليمة فوق أحد المكتب القريب منه : 


-الحمدلله.. كويس. جاوبي على سؤالي بقى من فضلك. إيه إالي جابك و عرفتي مكاني إزاي ؟ 


إزدردت ريقها بقدرٍ من التوتر و قالت بصوتٍ أبح : 


-أنا ماكنتش متصورة بصراحة تقابلني المقابلة دي.. آه ممكن أكون عملت حسابي أسمع كلمتين قاسيين على شوية عصبية منك ...


-لالالالا ! .. قاطعها "فادي" بلهجةٍ مستخفة 


-مافيش الكلام ده أكيد. أنا بيني و بينك إيه عشان أتصرف بالشكل ده معاكي ؟ كان زمان يا هالة هانم.. إنتي دلوقتي ماتخصنيش لا من قريب و لا من بعيد. و لا تهميني أساسًا 


كانت عبارته من الأول للأخر بمثابة طعنةٍ مسمومة رشقت بقلبها مباشرةً، لم تعطها التأثير الفعلي.. لكنها أطفرت الدموع من عينيها، الدموع التي لم تهزه قيد أنملة، بل زادته تكبرًا و قساوةً عليها و هو يرى تدفق مدامعها و يستمع إلى صوتها المُمزق بالنشبج المكبوت : 


-هدوءك.. قسوتك. طريقتك دي كلها بتموتني يا فادي ! 


-بعد الشر عليكي ! .. قالها مبتسمًا بتهكمٍ


-ماتخافيش يا هالة هانم.. مش هاتموتي. إللي يبقى عنده إرادة زيك و هدف مصمم على تحقيقه مهما حصل.. الحياة مش ممكن تغلبه أو تكسره


-إنت كسرتني ! .. تمتمت بصعوبةٍ 


فادي رافعًا حاجبيه : 


-لا و الله !! 


أردفت "هالة" غير عابئة بسخريته منها : 


-بُعدك عني.. كسرني. إنت سبتني منغير ما تسمع. منغير ماتفهم.. مادتليش فرصة. أقولك إني بـ آ ا ... 


-أسكتي !!! .. صاح "فادي" مقاطعًا للمرةً الثانية، و أكمل بحدة شديدة : 


-إياكي تنطقيها.. إنتي سامعة ؟ إياكي !!! 


هالة بتحدٍ عنيد : 


-لأ هانطقها.. بحبك. بحبك يا فادي.. ياما قولتها. يمكن في البداية ماكنتش أقصدها.. بس كنت بتصدقني. ليه. دلوقتي و أنا قصداها بجد مش عايز تسمع و لا تصدق ؟؟؟ 


-عشان أنا مش لعبة في إيدك يا ست هانم ! .. هتف بعصبيةٍ جمّة و هو يخطو خجوة واسعة تجاهها 


كان وجهه عبارة عن جمرة كبيرة مشتلعة، بدا العنف حبيسًا في عمق عينيه و هو يحدق فيها بنظراتٍ مباشرة مستطردًا بغلظةٍ : 


-إنتي فكراني إيه ؟ إنتي و أهلك.. لعلمك كلكوا على بعض كده ماتسووش في نظري حاجة. قبل ما أعرفك و تربطني بيكي أي علاقة كنت بكره عيلتك و على راسهم إبن عمك الواطي. رغم إنه صلح غلطته مع أختي و عمل كام لقطة حلوة معانا.. عمري ما صفيت من ناحيته. و الحقيقة إن عمري ما هاصفى.. كان في أمل إنك تكوني مختلفة بالنسبة لي و أفتح معاكي صفحة جديدة.. لكن دلوقتي بقى بقيتي زيه. زي عيلتك كلها. ماتسويش في نظري أقل حاجة يا هالة هانم. بكل جاهك و جمالك.. و لا تفرقي معايا خلاص. ده آخر كلامي.. و ياريت ترجعي مكان ما جيتي بسرعة. إنتي مالكيش حد هنا تستني عشانه ! 


و إلتفت ليلتقط حقيبته مرةً أخرى، ثم جاء ليمر من جانبها معتزمً الرحيل.. فإذا بها تنفجر مُعلنة : 


-أنا حامل ! 


صعقته الكلمة فجأة صلبته بأرضه، د ةستغرقه الأمر دقيقةٍ كاملة حتى استوعبها جيدًا... ليستدير في مواجهتها ثانيةً 


كانت على وجهه أكبر علامة إستفهام، بينما هددت ساقي "هالة" على حين غرة بالسقوط.. فسارعت بالجلوس فوق أقرب كرسي و هي تلهث من شدة الأعياء .... 


______________


"إذا كنتَ محبطًا، حزينًا، ترى العالم بنظراتٍ سوداوية.. أحضر ورقة، و دوّن بها كل ما يُثقلك، ثم أحرقها، بعدها ربما تهدأ قليلًا .. ! " ... 


لأول مرة بحياتها تسير "سمر" خلف تلك الترهات المروّجة عبر متصفح (Google).. نفذت بالحرف الواحد النصيحة و دوّنت كل ما يضيق صدرها و يؤرقها ليلًا و نهارًا 


و خاصةً ذلك الموقف الذي لا ينفك يراودها منذ حدوثه، في أحلامها و حنى في صحوتها.. حين باح لها بكل شيء و لم يتردد للحظة... تتساءل كيف واتته هذه القوة كلها.. كيف صارحها ؟ .. 


و هي.. كيف تساهلت بدورها.. كيف لم تثور مثل كل مرة ؟ أهذا فتور ؟ فتور أصاب علاقتها به ؟ أم أن خيبة أملها فيه كانت كبيرة بحيث أعجزتها عن إتخاذ ردة فعل حازمة ؟ 


في الحقيقة لا تدري بالضبط أيّ من هذا الأصح تعبيرًا.. لكن الشيء الوحيد الذي تثق منه هو أنها لم تعد كالسابق.. حتى لو كان لا يزال قادرًا على إخضاعها و السيطرة عليها ... 


Flash Back .. 


بعد هزيمتها المخزية أمامه مجددًا.. لم تسمح للعواطف بأن تتغلّب عليها هذه المرة... فسحبت نفسها من بين أحضانه و قامت متدثرة بروبٍ وجدته ملقى أسفل مشجب ملابسها الداخلية 


جلست فوق الآريكة الصغيرة الحمراء ذات الغُرز جمالية الشكل.. نكست رأسها غير قابلة النظر إليه.. إلا أنه لم يكترث لتصرفها و شد كرسي بالجوار ليجلس أمامها ... 


-جاهزة تسمعيني و تستوعبي كلامي كويس ؟! .. هكذا ألقى "عثمان" سؤاله الثاقب على زوجته باسلوب لا يخلو من الشِدّة 


أومأت "سمر" رأسها دون أن تتطلع إليه.. هذه المرة أرادت بأن تعرف حقًا... كل شيء أرادت أن تحيط به علمًا... عسى أن ينتهى كل هذا.. عسى الأمر يستحق كل هذا العناء ! 


يتنحنح "عثمان" متحفزًا في جلسته، ثم يسحب نفسًا عميقًا و يمصي قائلًا بصوته القوي الواثق : 


-إنتي فاكرة لما قولتلك إن جوازي من نانسي كان مجرد خطوة مضطر أخدها.. و أكيد كمان فاكرة لما قلت إن ده هايحصل بسبب حاجة لو ماكنتش حصلت عمري ما كنت هافكر أتجوز عليكي.. و بعدها قولتلك لو عندك ثقة فيا هاتقفي جمبي و تسانديني لحد ما نعدي المحنة.. طبعًا إنتي ماعملتيش كده خالص ...


و هنا ترفع "سمر" وجهها لتنظر إليه ..


ثبت ببرودٍ أمام نظرتها الملتهبة، بينما تقول بصوتٍ أثقلته نيران الغيرة : 


-لا بجد ! طيب و إنت عملت إيه ؟ لأ قلت إيه من الأول ؟ .. لما جيتلي ليلة ما كتبت عليها.. مش قولتلي إن عمرك ما تفكر فيها ؟ عمرك ما تحب تقرب منها أو تلمسها ؟ عمرك ما تتخيل واحدة غيري في حضنك ؟ مش إنت قلت كل ده جوا و أنا نايمة في حضنك ؟؟؟ 


علا صوتها قليلًا بأخر العبارة و قد بدا عليها الانفعال و هي تشيح بذقنها مشيرة تجاه غرفة النوم ... 


أجفل "عثمان" لأول مرة الآن، لكنه ما لبث أن استعاد رباطة جأشه و رد عليها بهدوء : 


-مظبوط.. و أنا ما عاملتهاش عكس كده 


-كدااااااب !!! .. صرخت "سمر" بوجهه بجماع نفسها 


-أنا من ساعة بالظبط شوفتك.. شوفتك تحت في المكتب و إنت. و إنت ... 


اختنق صوتها بالدموع فجأة و لم تقوَ على إكمال الجملة، رفعت كفيها و غطت وجهها مجهشة ببكاءٍ مكتوم.. لينهض "عثمان" متجاهلًا قرون استشعارها التي أحست باقترابه و دفعتها للابتعاد عنه 


لكنه أبقاها مكانها، و ركع أمامها فوق الأرض ممسكًا بكفيها، و مباعدًا إياهما عن وجهها ليرى جيدًا و هو يقول محاولًا تهدئتها : 


-سمر.. إللي شوفتيه مش حقيقي.. و الله ما حقيقي. صدقيني.. أنا إنهاردة نهيت علاقتي بنانسي. أي حاجة حاولت تربط بيها بيني و بينها خلاص راحت. ماعادش في مجال لأي غلط ممكن أقع فيه معاها. و إوعي تقارني نفسك بيها.. إنتي أنقى و أحلى حاجة امتلكتها في حياتي. إنتي حبيبتي يا سمر. أنا ماحبتش غيرك. أنا بحبك ! 


صدر أنينها مكتومًا من بين شفاهها المطبقة، بينما تغمغم بمرارةٍ : 


-بتحبني.. تقوم تتجوز عليا. مهما كانت أسبابك.. أنا عمري ما هاقتنع بيها ... 


إتسمت نظراته بقتامة قاسية في هذه اللحظة، ثم قال بجمودٍ و كأنه ينتزع السر من قاع الجحيم : 


-سمعتي و سمعة عيلتي.. شرفنا كلنا و مستقبل إبنك. دي كلها أسباب ماتتهمكيش و لا تقنعك يا سمر ؟! 


توقف نشيجها الخافت لبرهةٍ، ثم إنقطع.. و هي تحدق فيه عاقدة حاجبيها بشدة .. 


ليتنهد تاركًا يديها، و يقوم ماشيًا نتحية باب الحجرة المربعة.. يستند بكتفه إلى إطار الباب المزدوج، يعقد ساعديه أمام صدره العاري، ثم يبدأ برواية القصة كلها عليها ... 


-قبلت تتجوز واحدة كانت مع عمك ؟؟؟ 


كان هذا السؤال هو تعليق "سمر" الوحيد بعد سماع تصريحات زوجها ...


ليرد الأخير مستنكرًا : 


-هو ده كل إللي شاغلك في الحكاية كلها ؟ ده إللي خرجتي بيه من كلامي كله ؟!! 


هبت "سمر" واقفة بلحظة هاتفة : 


-إنت سامع نفسك فعلًا ؟ و لا إنت مش مدرك الوضع إللي إنت فيه ؟ .. إنت حبيت تصلح غلطة. بكارثة ! 


و إنفعلت بغتةً : 


-ده إنت في يوم من الأيام قولتلي ماليش في الجواز الرسمي و خلتني أمضي معاك عقد عرفي.. ماكنتش عايز تتجوزني أصلًا لولا إصراري. و دلوقتي تقع في المصيدة دي ؟ صحيح.. ما يقع إلا الشاطر يا عثمان باشا. شوف ربنا عمل فيك إيه !! 


-سمر !!! .. صاح محذرًا بغضبٍ شديد 


و لكنها لم تتراجع عن موقفها، و لم تتبدل نظرتها إليه طرفة عين .. 


ساد الصمت لثوانٍ بدت ثقيلة جدًا، حتى قررت "سمر" أن تتجاوزه خارجة من حجرة الملابس لتقصد دورة المياه ... 


Back 


خرجت "سمر" من الذكرى الأشدّ وطأة بعقلها مُعبئة شهيقًا عميقًا إلى رئتيها.. زفرته ببطءٍ، ثم هبطت بناظريها لترى الورقة التي أخذت تدوّن فيها ما بداخلها 


اكتشفت بأنها قد ملأتها بالفعل.. لكن ما من شيء وقعت عليه عيناها مفهوم... كلها عبارات قالتها أو قالها زوجها من مختلف المواقف التي جمعت بينهما في السراء و الضراء... و حتى واقعة الطلاق صبيحة اليوم !


تأففت "سمر" بضيقٍ شديد، و مجددًا سحبت و الورقة و أشعلت فيها النار بالقدّاحة، ثم ألقتها بسلة النفايات أسفل قدمها.. لترجع و تعيد الكرّة مرةً أخرى على أمل أن تجد بداخلها ذلك الشيء الذي يغير صدرها بالحزن و المرارة فتبوح به، ثم تحرقه و تتخلص منه.. هكذا بمنتهى البساطة ... 


___________ 


فتح باب الشقة عن آخره داعيًا إياها للدخول بلهجةٍ جافة : 


-إتفضلي ! 


إستجابت "هالة" لدعوته و خطت بقدمها اليُمني للداخل ... 


الشقة بناطحة سحاب، و بطابقٍ شاهق تستطيع أن ترى من خلال وجهاتها الزجاجية السُحب و البنايات المجاورة في قلب المدينة الاستثمارية الضخمة و الأشهر حول العالم.. بالاضافة إلى رُقي المكان و ذوق الديكور العصري الجذاب المبهج للنظر 


ليس هناك أفضل من ذلك بالطبع ... 


ارتعدت "هالة" فجأة حين سمعت باب الشقة يُقفل، إستدارت من فورها ناظرة نحوه.. كان يحمل حقيبتها العملية الصغيرة في يده السليمة، رأته يضعها عند المدخل، ثم يمشي ناحيتها بتوأدة و هو يقول بصلابةٍ : 


-شايف في عينك أسئلة كتير.. بس خلينا متفقين إن مش من حقك تسأليني أي سؤال. إنتي هنا في البيت ده ضيفة. لحد ما أشوف أقرب فرصة أنزل بيكي مصر. ممكن قرب الولادة. عشان المصاريف و تسجيل الطفل و الحاجات إللي إنتي عارفاها 


-مصاريف إيه مش فاهمة ؟! .. تساءلت "هالة" ببلاهةٍ 


فادي بصرامة : مصاريف إبني أو إبنتي.. أيًّا كان إللي في بطنك. هو ملزوم مني. مني أنا بس.. و من لحظة ما عرفت بوجوده محدش هايصرف عليه جنية غيري.. أنا ماقبلش جمايل و لا معروف من حد 


رمقته بعدم تصديق.. هل هذا وقت الحديث عن تلك التعقيدات ؟ بحق الله ... 


إنه لن يتغير أبدًا !!! 


-يعني إنت مش هاتردني ؟! .. استوضحته "هالة" بجديةٍ 


أجابها بحسمٍ : لأ.. مش هاردك. الموضوع منتهي بالنسبة لي.. و مش هايز أفتحه مرة تانية. إنتي هاتقعدي هنا ضيفة. معززة مكرمة. مالكيش عندي أكتر من كده لحد ما نرجع مصر.. حتى الكلام بينا لازم يبقى بحساب. فاهماني كويس ؟ الجواب على أد السؤال 


رفرفت بأهدابها عاجزة على الرد، كيف تراها ترد و بِمَ.. إنه لا يحدد إقامتها فحسب، إنما يقرر مساحات أبسط حقوقها الأنسانية.. الكلام و التحاور... يريدها أن تحيا بالوحشة و الوحدة في وجوده 


ما هذا العقاب !!!! 


-أنا خارج دلوقتي ! .. قالها بصوته العميق 


-ماظنش في حاجة في البيت ناقصة. بس لو احتاجتي حاجة كلميني على الرقم إللي سجلته عندك من شوية.. دلوقتي مش عايزة أي حاجة ؟ 


إلتمعت نظراتها بألق الشوق و هي ترنو إليه الآن، فتجرأت و قالت بصراحةٍ مطلقة : 


-عايزاك. عايزاك إنت يا فادي.. أنا لسا بحبك ! 


أطبق جفونه بقوة و هو يستمع إليها، عادت القساوة تجلل قسمات وجهه كلها.. لم ينتظر ثانية أخرى أمامها و أولاها ظهره بنية الرحيل ... 


لكنها مدت يدها بسرعة البرق.. فقبضت على كفه بشدة، و قالت بنظراتٍ صاغرة و لهجةٍ منكسرة : 


-بقولك لسا بحبك... و إنت ؟!! 


لم يختلج محياه مثقال شعرة حتى و هي لا تراه، و مرةً أخرى شد يده من يدها بحزمٍ، ثم تركها متجهًا للخارج ! ............................................................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...


صباحكم عطور و رياحين ⚘.. #البارت جاهز من الفجر، بس قلت الوقت ده أنسب و كلنا فايقين ♥️

البارت القادم مش هايتأخر عليكو و هحاول أنشره مساءً

شكرًا ليكو 💌

إرسال تعليق

0 تعليقات

close