القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

رواية سل الغرام للكاتبه مريم غريب كامله عندنا وبس من بارت 16 حتي بارت 20

 


( 16 )


_ الجزيرة البيضاء ! _


و كأنها غفت لألف عام ...


هكذا أفاقت "هالة" من نومها و تلك الفكرة تداهمها بشدة.. إذ الثقل الذي ألم برأسها، و الخدر الذي سرى بأوصالها، و أجفانها التي باعدت بينهم بصعوبة كبيرة، كل هذا إنتابها بوطأة شديدة


كان شعرها البني الغامق يغطي وجهها و جزءًا من الوسادة، و كانت ترى بإختلال بادئ الأمر.. و إستغرقها الأمر بضعة لحظات، أخذت خلالهم تغمض و تفتح عينيها، تعتصرهما بقوة.. حتى إتضحت الرؤية إلى حد كبير ...


رفعت يدها لتزيح الشعر عن عينيها، و في برهة قصيرة شاهدت أثاث فاخر لغرفة بمساحة قاعة الحمام الملحق بغرفتها التي خلفتها البارحة في قصر عائلتها !!!


لم تع واقعها بعد من شدة سيل الذكريات الذي إندفع مرة واحدة بقوة و تداخل كل شيء ببعضه، و مضت ثانية أخرى.. فطنت بعدها إلى ما هي عليه


لتقفز جالسة فوق السرير و هي تسحب الغطاء لتستر جسمها ...


كانت تحدق بذعر عبر الغرفة الصغيرة المضاءة بآشعة الشمس، تبحث عنه في كل مكان.. لكنه من حسن حظها ليس هنا، كما ترى !


تنفست "هالة" الصعداء و قامت فورًا متجهة نحو المشجب الخشبي لتجلب روب قميصها القصير و المصنوع من الستان الأبيض، تركت الغطاء يسقط و إرتدت القميص بينما يعمل عقلها مكافحًا بضراوة آثار السبات ...


لقد كانت ليلة مروّعة.. تلك التي عاشتها بالأمس معه... كانت مرتعبة، و قد كان وحشًا بمعنى الكلمة، إنه حتى لم يمهلها العشر دقائق لتتجهز من أجله كما قال


بل أنه إقتحم الغرفة قبل أن تمر الدقيقة الثانية و جهزها بنفسه بالطريقة التي إرتأها مناسبة ..


كم كان همجيًا بربريًا في التعامل معها، و كم كانت محظوظة لأنها لم تكن تجربتها الأولى بعكسه، لكانت النتائج وخيمة لو كانت كذلك... لعل هذا ما جعله يتصرف هكذا، أو.. لعله ظنها تراه ناقصًا بسبب إعاقته و أنه لن يبلي حسنًا بالإختبار الأول الذي سيحدد إنطباعها الدائم عنه


لكن رغم كل شيء... لا تستطيع أن تنكر.. بأنه كان رائعًا !


و أنها كانت مبهورة و مشدوهة، أن يعاملها رجلًا بهذه الطريقة التي مزجت العنفوان بالشغف و الحميمية... لأول مرة تشعر بكينونتها الأنثوية، لأول مرة تكتشف كنوزها التي نقب عنها زوجها البارحة و إستخرجها كلها


لقد كانت زوجة لرجل قبله، لكن ذلك الرجل لم يريها نصف ما رأته أو شعرت به مع "فادي" ...


-مع فادي !!! .. تمتمت "هالة" لنفسها مصدومة من أفكارها


ألقت نظرة على الفراش الكبير المبعثر، تضاعفت صدمتها حين رأت اللوح العريض بمقدمة السرير مكسورًا و مائلًا لليمين، و إحدى الرافعات قد تركت مكانها ليظهر هبوط ملحوظ بالمنتصف !!!


رباه ...


كيف حدث كل هذا و لم تشعر ؟؟؟


تسللت إلى أنفها رائحة طهي شهية، حتى قبل أن تفتح باب الغرفة و تخرج بخطوات مترددة ...


وجدت نفسها تقف بالصالة مباشرةً التي هي مفترق طرق إلى الغرف و دورة المياه و المطبخ، حيث كان المكان الأول الذي طارت نظراتها ناحيته


سمعت جلبة ناجمة عن أدوات الطبخ، و صوت المقلاة كان واضحًا أيضًا.. و في هذه اللحظة أصدرت معدتها زئير الجوع، عندما تغلغلت رائحة تلك البهارات العحيبة إلى داخلها أكثر


و بدافع الفضول فقط لمعرفة ماهية ذلك الشيء الذي يطبخه زوجها بنفسه، سارت متبعة عبق الطعام حتى أوصلها عنده ...


-آااي ! .. تآوهت "هالة" متألمة حين إصطدمت بمادة صلبة جدًا لدى دخولها ساحة المطبخ الصغيرة


لحسن حظها كان هناك الجدار ورائها تمامًا، أسندها عندما إرتد جسمها بعنف.. أطلقت آهة أشد و هي تضع يدها خلف ظهرها، الموضع الذي يؤلمها


لم تمر ثانية أخرى و شعرت بذراع "فادي" تحاوط خصرها و تجتذبها نحوه فورًا ...


-إيه مالك حصلك إيه ؟!! .. قالها "فادي" بصوت بم يخفي نبرة القلق فيه


رفعت "هالة" وجهها إليه، حبست أنفاسها لبرهة و هي ترنو إلى عينيه الخضراوتين الشبيهتين بعيني أخته ...


تأتأت قليلًا و هي ترد عليه :


-كـ كنت داخلة.. ماعرفش إنك واقف بالشكل ده.. إتخبط فيك. بس مافيش حاجة !


إسترخت تعابير "فادي" المتقلصة الآن، و أخرج تنهيدة حارة من صدره و هو يبتعد عنها خطوة، فإستندت إلى الجدار مرةً ثانية.. بينما تسمعه يقول بصوته البارد ذي البحة المثيرة :


-عمومًا كويس إنك صحيتي. أنا كنت جايلك عشان أصحيكي بنفسي.. لما لاقيتك إتأخرتي أوي كده في النوم


و عاد إلى عمله من جديد


كانت تراقبه و هو يعمل أمام الموقد بحرفية رغم أنه يستخدم يد واحدة و قليلًا ما يستخدم الإصطناعية ...


رفعت حاجبها بإستغراب و هي تسأله :


-ليه هي الساعة كام دلوقتي ؟!


فادي بإقتضاب : العصر لسا مآذن من شوية. تقريبًا 3 و نص


سمع شهقتها المذهولة، لكنه لم يعيرها إهتمام، لتقول تاليًا بعدم تصديق :


-أنا نمت كل ده ؟ دي عمرها ما حصلت !!


هز "فادي" كتفيه و قال بهدوء :


-أهي حصلت إنهاردة ! .. ثم إلتفت إليها مكملًا :


-أنا طبعًا صحيت بدري زي ما متعود دايمًا و فطرت حاجة خفيفة كده. و لما لاقيتك مطولة في النوم قلت أسلي نفسي و أحضر الغدا. بس دي حركة جدعنة مني عشان كان شكلك مرهق أوي و إنتي نايمة ماحبتش أتقل عليكي في أول يوم ليكي معايا. المهم ماتاخديش على كده.. لأني من بكرة لازم آكل من إيديكي


إنزعجت "هالة" من لهجة الأمر التي يتحدث إليها بها، لكنها ردت في الأخير :


-بس أنا مابعرفش أطبخ. أخري الـFast Food !


فادي بفتور : التلاجة قدامك مليانة و فيها كل حاجة ممكن تعوزيها. و باقة النت لسا دافعها من يومين يعني تقدري تفتحي الـYouTube و تعيشي حياتك. ملايين الفيديوهات تعلمك إزاي تطبخي أكلة معينة. مالكيش حجة أهو و أنا معاكي لغاية ما تتعلمي الطبخ و نفسي طويل.. ماتقلقيش هاكل إللي هاتعمليه حتى لو عكيتي 100 مرة. المهم آكل من إيد مراتي


أجفلت "هالة" عدة مرات و هي تزفر عاجزة عن رد كلماته، لم تشأ الإنخراط معه في هذا الحديث أكثر.. فمضت تجاه الموقد و نظرات الفضول تتقافز من عينيها


لترى أخيرًا ما كان يعده.. القدر المصنوع من الجرانيت الأزرق حوى بداخله قطعة المعكرونة المحشوة بالجين و المغطاة بالصلصة البيضاء، و بجانبها صينية من البلور متخمة بالصوص الأبيض الممتزج بالزبدة.. لم تعرف "هالة" ماهية هذا الشيء فإلتفتت إليه عاقدة حاجبيها


و قبل أن تسأله حزر و أجابها :


-دي كوسة بالباشميل.. كنت طالبها من سمر بقالي كام يوم بس شكلها نسيت. قلت أعملها بالمرة طالما واقف في المطبخ. أصل نفسي فيها أوي


إلتقطت "هالة" ملعقة صغيرة و دستها بالصينية، ثم إلتقمت قطعة ساخنة ألهبت لسانها.. لكنها أبتلعتها و هي تستطعم نكهتها بتلذذ ...


نظرت إليه من جديد، رمقته بنظرة متعجبة، فإبتسم ببساطة... و فجأة إنبثق من فمها سؤال كان تائهًا عنها منذ أن إستيقظت و رأته :


-بقولك صحيح.. السرير إللي جوا ده آا ا ..


-أيوة أيوة عارف ! .. قاطعها و هي يومئ برأسه مرة واحدة


و شملها بنظرة جريئة بغتة، لترتبك من فورها، بينما يقول بلهجة ذات مغزى :


-شوفته.. أخدت بالي منه أول ما وقع. ماتقلقيش هايتصلح و هايرجع أحسن ما كان. في نجار تحت البيت بعد ما نتغدا هاطلعه يشوفه


أشاحت "هالة" بوجهها عنه متمتمة بصوت متوتر :


-مش عارفة ده إتكسر كده إزاي ؟ نوع الخشب بتاعه Original و متين !!


شعرت به يكبت ضحكة، فإنتفضت مغمغمة بإحتدام :


-أنا داخلة آخد شاور !


-ياريت ما تتأخريش عشان الأكل مابيردش


تنهدت "هالة" بنزق، ثم مرت من جانبه مسرعة و هي تجتنب النظر إليه حتى لا تثور أعصابها أكثر، فقد عبث معها بما فيه الكفاية خلال ذلك الوقت القصير برفقة بعضهما.. فماذا سيكون الحال في القابل من الأيام !!!!


__________________


كانت ثيابها التي حضرتها للصباح مؤلفة من قميص أبيض قصير، و تنورة زهرية مزركشة، و قد وضعت وشاح رأسها بلون الخف البني الرقيق الذي تنتعله بقدماها، و إعتمرت قبعة من القش مزينة بالزهور الصغيرة، ذلك إعمالًا بنصيحة زوجها لتقيها حرارة الشمس الحارقة على الجزيرة


الجزيرة البيضاء.. المعروفة بإسم "جزيرة سانتوريني" حيث روعة المعمار الإغريقي و الجمال الذي تغنى به الشعراء من عهد أفلاطون حتى يومنا هذا ...


كان هواء البحر يبعثر شعره متوسط الطول، بينما كان منكبًا فوق طاولة الفطور التركي يلتهم الطعام اللذيذ تحت أنظار زوجته المتأملة


كان الفطور عبارة عن كرواسون بحشو الشوفان و الجبن، أومليت بالطماطم و الخضروات المتنوعة، بعض من المعجنات المحشوة بالسجق و الموزاريلا، خبز محمص، و جرة زيتون أخضر مع كأسين من الحليب البارد كامل الدسم، و قطعتي بان كيك و فطائر محلاة .. و رغم كل هذا لم تكن لدى "سمر" أيّ شهية


لاحظ "عثمان" سكون زوجته و أنها لم تمد يدها أبدًا إلى الطعام، فرفع بصره إليها و قال و هو يبتلع ما بفمه :


-إيه يا بيبي.. مابتكليش ليه ؟ الفطار مش عاجبك أطلبلك حاجة تانية ؟ الطباخ إللي جبته معانا ممكن يعملك إللي تحبيه في أي وقت بس تقولي


شملته "سمر" بنظرة فاحصة أخرى.. كان جميلًا هذا الصباح، و وجه يشع جاذبية و نضارة، و ذلك الطقم الأبيض المصنوع الكتَّان و المكون من سروال و قميص خفيفين.. لائمه تمامًا


شتت ذهنها صدره البارز من خلف قمصيه المفتوح و المخضب بحمرة دافئة مثيرة، فأشاحت بوجهها ناحية البحر الذي يحاصرهم من كل إتجاه و قالت :


-أول مرة أطلع معاك على اليخت ده و معانا ناس !


عبس "عثمان" قائلًا :


-عشان دي أول مرة نطلع رحلة سفر بيه. كان لازم يبقى معانا كابتن و الطاقم بتاعه و أكيد مش هاخليكي تشوفي طلباتهم ف جبت طباخ يهتم بينا و بيهم.. إيه المشكلة بقى و إيه إللي مضايقك ؟


هزت "سمر" رأسها سلبًا و قالت :


-لأ أنا مش مضايقة خالص.. أنا كنت بسأل بس


-أنا بعرف أعمل Sailing باليخت على فكرة و أخدت دورات قبل ما أحط رجلي فيه و كنت أقدر أطلع بالرحلة لوحدي. بس أنا وعدتك إني مش هاسيبك لحظة طول الفترة دي إللي هانقضيها لوحدنا بعيد عن كل المشاكل و الضغوطات


إبتسمت "سمر" له و قالت بحب :


-أنا فاهمة كل ده.. و بشكرك على كل حاجة. إنت دايمًا بتاخد بالك عليا و مهتم بيا في أوقات بكون مش شايفة نفسي أصلًا


مد "عثمان" يده عبر الطاولة ليمسك بيدها بقوة، ثم قال بلطف :


-حببتي أنا عارف إن بالك مشغول على إخواتك. و خصوصًا فادي.. بس خلاص بقى. هو إتجوز دلوقتي و آن الأوان ترمي مسؤليته إللي شايلاها فوق كتافك. إنتي من حقك تستريحي و تعيشي حياتك شوية. سمر أنا نفسي تفضيلي دماغك من كل حاجة اليومين دول. عايزك تركزي معايا أنا و بس.. ممكن تعملي كده ؟


بدون تردد أومأت له "سمر" موافقة، فإبتسم قائلًا :


-حلو. كلي بقى. لسا قدامنا حاجات كتير هانعملها .. ثم أشار لها بذقنه للأمام :


-شايفة النقط البيضا إللي هناك دي !


أدارت "سمر" رأسها لتنظر حيث أشار، و بالفعل عندما دققت النظر إستطاعت أن ترى بشيء من الوضوح، تلك الجزيرة التي تقف على سلسلةٍ من الصخور العالية جدًا بحيث تحميها من أمواج البحر الثائرة هناك ...


-دي سانتوريني.. الجزيرة البيضا !


نظرت "سمر" له من جديد، فأضاف و هو يلقي نظرة بساعة يده :


-كمان نص ساعة بالظبط و هانكون هناك


سمر بحماسة : ياريت بجد عشان البحر خلاص دوخني أوي


عثمان بإبتسامته الجذابة :


-أنا حاجز في فندق مشهور أوي على حافة جبل بيطل على البحر علطول.. معلش بقى لسا هادوخي تاني يا بيبي


سمر بدلال : مش مهم. طالما معاك مش مهم أدوخ عادي.. أنا من يوم ما شوفتك و أنا مش متزنة أصلًا


و ضحكا الإثنان معا ...


___________________


في قصر "البحيري" ...


يستقبل "رفعت" رسالة نصية من تلك الصبية الساحرة التي تناوشه منذ فترة، كان يشارك العائلة على مائدة الفطور.. لكنه إنسحب فجأة ليرى الرسالة التي كان فحواها أن يحضر فورًا بذلك العنوان، لربما تتخذ تلك العلاقة المبهمة شكلًا جديدًا


لم يفكر كثيرًا و صعد إلى غرفته، حيث تأنق بأفخم ثيابه و نثر من ذلك العطر الذي يذكره بمرحلة شبابه، و كم هو تواق لإستعادة تلك المرحلة.. بأي ثمن ...


نزل "رفعت" من غرفته و هو يدندن غنوة قديمة كان معتادًا على الإستماع إليها بالأيام الخوالي.. يقابل زوجة أخيه بمنتصف الدرج


لتستوقفه صائحة بإستغراب :


-رايح فين يا رفعت ؟!


إلتفت "رفعت" إليها و قال متظاهرًا بالحيادية :


-خارج أقابل ناس صحابي ماشفتهمش بقالي سنين يا فريال


رمقته "فريال" بتفحص و قالت بتشكك :


-بس إيه الشياكة دي كلها ؟ كل ده لأصحابك ؟!!


قهقه "رفعت" بمرح قائلًا :


-قصدك إنها راحت عليا يعني ؟ لعلمك أقل واحد فيهم بيعمل في نفسه أكتر من كده. و بعدين أنا ماكبرتش أوي. دول هما يدوب 60 سنة


فريال برقتها المعهودة :


-ربنا يديم عليك الصحة و العافية يا رفعت و يخليك لينا


إبتسم "رفعت" و هو يخصها الآن بتلك النظرة التي تحمل كل مشاعره النبيلة تجاهها و قال بتقدير بالغ :


-ربنا يخليكي إنتي فوق راسي يا فريال. خلاص ماعادش ليا غيرك فاضلي من ريحة الحبايب


ردت له الإبتسامة و لم تضف كلمة أخرى، ليلوح لها مودعًا و هو يقول :


-يلا سلام دلوقتي.. عاوزة حاجة ؟


لوحت له قائلة :


-سلامتك يا رفعت !


و تبعته بناظريها و هو يعدو إلى الخارج حتى إختفى تمامًا.. أطلقت نهدة مطولة، ثم إستأنفت صعودها قاصدة غرفة الصغير "يحيى" ...


__________________


إنتهى عامل النجارة الذي إستقدمه "فادي" من أسفل البيت من رد قطع السرير إلى مواضعها، تأكد بأن كل شيء قد عاد إلى ما كان عليه، ثم جمع أدواته و هو يخاطب "فادي" ...


-خلاص يا بشمهندز. كله بقى آلايسطا ( تمام ) ! .. ثم قال بدهشة :


-بس أنا مش مستوعب لسا إزاي سرير شديد كده يجيب درفه على الأرض و هو لسا بالسوليفانة بتاعته


سحب "فادي" بضعة أوراق نقدية من جيبه و أعطاهم للرجل و هو يقول بلهجته الفاترة :


-أهو إللي حصل يا ريس عبده. بتحصل.. مش كده و لا إيه ؟


رفع المدعو "عبده" حاجبيه و هو يرمقه بنظرة مشدوهة، و خاصةً موضع إعاقته و قال :


-أيوة و الله ساعات كتير بتحصل. ليه لأ ! .. و إبتسم مضيفًا بلهجة موحية :


-ألف مبروك يا عريس. إن شاالله تتهنى يارب


و غادر ...


ليصيح "فادي" مناديًا زوجته التي أمرها بالتواري بالغرفة الأخرى طوال مدة مكوث الرجل الغريب ..


خرجت "هالة" إليه، كانت ترتدي ثوب أصفر قصير يصل إلى منتصف الفخذ، بلا أكمام و له حزام جلدي يطوق الخصر بإحكام.. و قد كان شعرها المصفف بعناية مرفوعًا على شكل ذيل حصان، فأبرز جمالها و نعومتها أكثر بشكل لا يمكن تجاهله


لكنه فعلها الآن.. لم يبالي بها أبدًا و مضى نحو غرفة المعيشة ليجلس أمام التلفاز و يشاهد إحدى قنوات الرياضة ...


قلبت "هالة" عينيها عندما رأته يتصرف بهذا البرود، إذ و كأنه يقلب الطاولة عليها.. على الأقل لم يكن هكذا بالأمس غير مكترثًا حتى لوجودها


زفرت "هالة" بقوة و لحقت به، جلست في كرسي محاذي له و تناولت طبق ملآن بالمكسرات، وضعته في حجرها و بدأت تأكل منه و هي تضع ساقًا فوق ساق


مرت اللحظات و هم على نفس الصمت و الهدوء.. حتى ضاقت "هالة" ذرعًا و هتفت بسأم :


-طيب أنا هقوم أعمل نيسكافيه.. ممكن أعملك معايا لو عايز !


لم يرد "فادي" على الفور.. مما أضرم فيها نار الغيظ، لكنها هبطت فجأة حين صوب نظراته الحادة إليها و قال بصوت جمد الدماء بعروقها رغم هدوئه و بساطته :


-هو طليقك كان يقصد إيه صحيح.. لما قال إن إنتي و إبن عمك كنتوا لايقين على بعض و إنك كنتي هاتموتي عليه ؟ .................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...

( 17 )


_ خطأ ! _


جف حلقها بعد سماع سؤاله.. لم ترد فورًا، رغم أنها توقعت أن يسأل منذ البارحة، بعد وصولهما إلى هذا البيت...كانت مستعدة لأيّ ما سيقوله و كانت تنتظر حتى ظنت بأنه لن يتكلم في هذا أبدًا


لكنه يفعل الآن.. الآن بالذات، كانت الإجابة معها، إنما فقدتها... في هذه اللحظة لم يعد شيئًا حاضرًا على خاطرها، أهو مسؤولًا عن ذلك بطريقةً ما !!!


-مش فاهمة تقصد إيه ؟! .. تمتمت "هالة" مجفلة و هي تحاول إخفاء إرتباكها قدر إستطاعتها


رفع "فادي" حاجبيه و هو يقول متعجبًا :


-ليه هو أنا بتكلم ياباني ؟ سؤالي كان واضح جدًا.. تحبي أكرره يمكن ماسمعتيش كويس ؟


و إرتعش فكها السفلي لثانية عندما رأته يزجرها بعينيه الحادتين قبل أن يستطرد بلهجة جلفة :


-طليقك كان يقصد إيه.. لما قال إنك كنتي هاتموتي على إبن عمك ؟ محدش جابلي سيرة إنك كنتي على علاقة بالباشا بتاعكوا. لو كنت أعرف ..


-عمر ما كان في بينا حاجة ! .. هكذا قاطعته "هالة" بشجاعة جهلت مصدرها


و أكملت بنفس الإسلوب :


-أنا و عثمان مش أكتر من ولاد عم و طبيعي بحكم اننا إتربينا في بيت واحد كانت علاقتنا قوية و زي الأخوات. مراد بقى من ساعة ما إرتبط بيا و هو إنسان غيور أوي.. و غيرته دي صورتله حاجات مش صح. و أنا في النهاية ماستحملتش.. أومال إنت فاكرني إطلقت منه ليه و إتجوزتك ؟


و رمقته بنظرة متحدية ما هي إلا قشرة تخفي وجهها الحقيقي المرتعب من ردة فعله ...


كان "فادي" هادئًا و هو ينظر إليها و يستمع إلى كلامها، حتى فرغت.. لم يدوم صمته طويلًا ، فقال مصوّبًا نظراته المكهربة إلى عينيها مباشرةً :


-ده على إعتبار إني هاسيبلك الحبل على الغارب يعني !


لم تستطع "هالة" كبح إبتسامة ملتوية إعتلت ثغرها بعد سماع تلك الكلمات منه... رفعت ذقنها و نظرت له بكِبر و هي تقول :


-و أنا كمان أعتبر إنك بتغير زيه ؟ أنا لسا قايلالك أنا مش بستحمل الشغل ده


تصلبت تعابير وجهها في هذه اللحظة و تقلصت، عندما شاهدته يحدق فيها بتلك الطريقة الخطرة، حيث إختفى أيّ أثر للفكاهة أو حتى سِعة النقاش ...


-قومي ! .. هتف "فادي" آمرًا فجأة


عبست "هالة" بذهول مرددة :


-نعم ؟!


فادي بصرامة : قلت قومي.. في ماتش جاي دلوقتي و أنا مابعرفش أتفرج على ماتشات و جمبي حريم. قومي أقعدي في الأوضة و لا شوفيلك أي حاجة أعمليها لحد ما يخلص !


و أدار رأسه نحو شاشة التلفاز الكبيرة من جديد ...


لا زالت "هالة" مشدوهة من طريقته، لكنها أطاعت أمره بالنهاية و قامت متجهة صوب غرفة النوم.. التي تشاطره إياها منذ ليلة أمس


أغلقت الباب ورائها و مضت تجاه السرير الذي عاد لوضعه الصحيح بعد إصلاح الكسر، بل و أفضل كما قال لها.. إرتمت فوقه و هي تسحب هاتفها من أسفل الوسادة


و بدون تفكير أجرت الإتصال بوالدها.. كانت تشعر بغربة شديدة و وحشة، كان قلبها منقبضًا كلما فكرت بأنهم قد نسوها بهذه السرعة و لم يتكلفوا عناء الإتصال بها و الإطمئنان عليها.. أقلها في زواجها الأول كان أبيها يهاتفها مرة يوميًا كل صباح، لكنه لم يفعل هذه المرة ...


-آلو ! .. آتى صوت "رفعت" وسط جلبة إزدحام مرور شديدة


عقدت "هالة" حاجبيها و هي ترد عليه بلهجة مسموعة :


-آلو.. بابي. أنا هالة. سامعني ؟!


-أيوة يا هالة سامعك. معلش يا حبيبتي لسا طالع من الإشارة ! .. ثم قال بتوجس :


-خير يا حبيبتي إنتي كويسة ؟!!


إبتلعت "هالة" الآسى الذي يفيض منها الآن و طمأنت أبيها :


- I'm fine.. بس كنت مستنياك تتصل تطمن عليا. إنت أو صالح !


رفعت معتذرًا : معلش يا حبيبتي حقك عليا. أنا كنت هاتصل كده كده. بس قلت كمان شوية أحسن تكوني مشغولة مع جوزك و يضايق مني. ماتنسيش إنه عريس لأول مرة لازم مانحسسوش بإختلاف


تنهدت "هالة" و قالت :


-أوك. مش هانحسسه ! .. ثم قالت بإهتمام :


-أومال إنت فين كده يا بابي ؟


-أنا خارج أقابل جماعة صحابي يا حبيبتي. لما أرجع بالليل هاكلمك أطمن عليكي


-أووك ! .. قالتها "هالة" بشيء من الإمتعاض


-لو عوزتي حاجة كلميني في أي وقت.. يلا باي يا روحي !


و أغلق الخط أولًا ...


قلبت "هالة" فمها و هي ترمق شاشة الهاتف بسأم، ثم أطلقت زفيرًا قويًا و إنقبلت على وجهها واضعة الوسادة فوق رأسها.. حيث بدت و كأنها تريد الهرب من هذا الواقع الغريب و المخيف الذي سقطت فيه


لا شفقة على حالها.. بل إستنكارًا من أسبابها و أفعالها التي أفضت بها إلى ذلك البيت، تحت سقف واحد و في غرفة واحدة مع رجل أمسى زوجها فعلًا، لطالما حاربت ليكون "عثمان" من نصيبها و قامرت على كل ما إمتلكته يداها


لكن ها هي الآن.. سجينة تهورها الجنوني، و على ما يبدو أنها لن تتحرر من هذا السجن بسهولة !


________________


كانت تلك أول زيارة للبر الثاني لمدينة الأسكندرية بالنسبة لـ"سمر".. بل أول زيارة لأرضٍ خارج يابستها و مسقط رأسها


و قد وعدها زوجها بقضاء رحلة خيالية، لن تنساها طوال حياتها، و بالفعل أصدق وعده لها، و كانت الأيام الثلاثة الأولى أشبه بالحلم الجميل.. على ظهر تلك الجزيرة بشكلها المستدير الذي كان قريب من شكل الهلال


تقع غالبيّة الفنادق في الجزيرة على الحواف الجبليّة، للتمتع بإطلالات رائعة على البحر مباشرةً، ومن أهمها وأجملها فندق ( جريز سانتوريني ) الذي قام "عثمان" بحجز جناح فاخر و ساحر به.. حيث النوافذ الممتدة من الأرض للسقف و المطلة على الجزيرة كلها، و الجدارن المغطاة بورق حائط أزرق مقلم بخطوط بيضاء


كانت "سمر" مبهورة و سعيدة حقًا لأول مرة بحياتها، و سعادتها الفعلية تكمن بوجوده إلى جوارها، كل هذا بدونه ما كان ليعني لها شيء.. و بدوره لم يقصر بأيّ شيء


في أول يوم لهما على الجزيرة أخذها للتنزه بالمزارات السياحية و أماكن التسوق و المنحدرات الخلابة


و اليوم التالي إصطحبها إلى متحفٍ أثري يضم العديد من المقتنيات التي تعود معظمها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، و إنتشت "سمر" بروعة هذه القطع الأثريّة و العديد من الأواني و التماثيل الإغريقية و المخطوطات و غيرها من آثار تحمل الطابعين الروماني و الهيليني


أما ليلة اليوم الثالث.. فقد حرص "عثمان" على أن تكون كليًا مفاجأة لها، حتى الثوب القرمزي المنسوج من الحرير الخالص، ذهلت عندما رأته ملقى فوق السرير بعد خروجها من دورة المياه مرتدية بُرنس الإستحمام


جمدت للحظات أمام تلك القطعة الرائعة، هذا الثوب أبدت إعجابها به قبل يوم واحد أثناء مرورها أمام متجر يعرض أشهر تصميمات بيوت الأزياء العالمية.. لقد إشتراه لها


بالطبع يفعلها.. ماذا كانت تتوقع منه ؟ ذاك "عثمان البحيري"... لا يترك أمانيها معلقة أبدًا !!!


صرخت "سمر" بإبتهاج كبير و هي تستدير مهرولة إلى دورة المياه ثانيةً.. دفعت الباب لتجد زوجها يقف أمام المرآة العريضة، بمنشفة بيضاء تحيط خصره، يقوم بتسوية لحيته بالميكنة الكهربائية


كان هادئًا و كأنه كان يتوقع ردة فعلها هذه و تلك الإبتسامة المدوخة رأت "سمر" إنعاكسها بالمرآة ...


و بدون مقدمات إندفعت نحوه و قفزت فوق ظهره دافسة وجهها في عنقه و هي تغمغم مقبلة إياه بكتفه :


-إنت مش ممكن تكون إنسان زينا.. إنت معجزة. عارف يعني إيه معجزة ؟ إنت حبيبي.. إنت عارف إن أنا بحبك و لا لأ ؟!!!


إرتفعت ضحكات "عثمان" المرحة، فترك المكينة من يده و أمسك بها من الوراء، لفها لتصبح في مواجهته دون أن تمس قدمهاها الأرض.. تعلقت به أكثر بينما يضعها فوق مسند الحوض الرخامي ...


-عجبك الفستان يا حبيبتي ؟ يارب يكون مقاسك بس ! ..قالها "عثمان" بنعومةٍ و هو يطوق خصرها بقوة


إزدادت "سمر" إلتصاقًا به و هي تقول بسعادة لا تخلو من الإمتنان :


-بجد أحلى مفاجأة منك. ربنا يخليك ليا يا حبيبي


طبع "عثمان" قبلة فوق أرنبة أنفها و هو يقول بخفوت :


-أصلي أول مرة أشوف حاجة تبهرك بالشكل ده من يوم ما عرفتك.. كنت مهما أعمل عشانك بحس إنه مش كفاية. أو مش هو ده إللي إنتي عايزاه. كنت فاقد الأمل إني ممكن أعمل حاجة تأثر فيكي كده.. و تقدري تقولي ما صدقت شوفتك نفسك في حاجة


إبتسمت له بحب و قالت برقة :


-إنت كل حاجة أنا نفسي فيها.. عشان كده ماتفكرش كتير. إنت كفاية عليا أوووي !


و رفعت وجهها لتقبله، لكنها أطلقت صرخة ملتاعة فجأة و هي تتمسك بكتفيه ...


ضحك "عثمان" بقوة على شكلها و هو يهدئها قائلًا :


-ماتخافيش يا بيبي ماتخافيش. ده الـAir freshener !


و أشار بيده إلى تلك العبوة المثبة بالحائط خلف زوجته، والتي لم تكن سوى بخاخ معطر چل ...


زفرت "سمر" بضيق شديد، فهذه ليست المرة الأولى التي تهلع من ذلك الشيء.. نظرت إلى زوجها الذي لا يزال يضحك عليها و قالت بغيظ :


-قولتلك عشرين مرة خلي حد يشيل البتاعة دي من هنا.. قلبي هايقف منها


-سلامة قلبك يا قلبي ! .. تمتم "عثمان" بإبتسامة صغيرة


و بهدوء طبع قبلة متأنية على جانب فمها قائلًا بصوت هامس :


-أنا أشتريتلك الفستان ده عشان تلبسيه الليلة. كنت عاملك مفاجأة تانية. بس شكلي هاغير رآيي و هأجلها لبكرة


إجتاحتها قشعريرة إضطراب لذيذة، مع تردد أنفاسه الساخنة على بشرتها.. إزدردت ريقها بتوتر و قالت :


-و هتأجلها لبكرة ليه ؟!


عثمان بغمزة : تعالي ندخل أوضتنا و إسأليني تاني السؤال ده جوا !


و رفعها بين ذراعيها، لتكتم شهقتها ثم تضحك و هي تضرب الهواء بقدميها، بينما يسير بها إلى داخل الجناح متنويًا إستئناف أهم محطات شهر العسل خاصتهما و الذي تأخر كثيرًا ...


__________________


هل وزنها نقص ؟ أم أن عينيها مريضتان من كثرة البكاء ليلًا ؟!!


كانت هذه تساؤلات "هالة" و هي تقف أمام طاولة الزينة خاصتها، ترمق نفسها بالمرآة و تقيّم حالها.. لم يمر على زواجها سوى بضعة أيام قليلة... و لكن بالنسبة لما تراه أمامها فقد مرت أشهر، أو ربما سنوات !


لأول مرة تظهر حول عينيها هالات زرقاء.. عملت على إخفائها بمساحيق التجميل، حتى شعرها الطويل الكثيف الذي لطالما سمعت عنه عبارات حسد صريحة من صديقاتها و معارفها، كان صحيًا و متماسكًا، منذ ذلك الزواج و هو آخذًا بالتساقط


لا تعلم أهذا من تأثير حزنها.. أم بسبب أمرًا آخر ؟


و لكن لماذا هي حزينة !


بسبب الزواج ؟ .. لا، كانت تعلم بأنه سوف يتم و أعدت نفسها لتقبل ذلك... فلما إذن ؟!!


أيعقل أن يكون كل هذا الضيق الذي تشعر به من فعله هو ؟ بسببه.. بسبب جفائه غير المبرر ؟؟؟


إنه لم يقترب منها منذ ليلة الزفاف.. ينام إلى جوارها بفراشٍ واحد، لكنه يتجاهلها، إنه يتصرف عكس ما عهدته عليه لأول وهلة... البرود التام، البرود وحده هو ما يتخذه مذهبًا معها في كل شيء خلال الأيام الماضية


و لا تعرف إلى متى يظل هكذا، يعاملها كالنفاية !


كان السوق مزدحمًا.. عندما نزلت "هالة" لإستقضاء بعض لوازم مطبخها من الخضروات و الفاكهة الطازجة، و أيضًا كانت الشمس حارقة، رغم أنه الخريف !!!


تقريبًا تجولت بالسوق كله لتتعرف على كل شيء بالحي الذي تقطن فيه، و كانت تضع علامات حتى لا تضيع بالزحام.. لكنها لم تفطن حتى رأت فجأة و هي تلتفت لتدفع ثمن الطماطم بأن هناك تجمهر من الشباب متوسطي العمر و ما فوق يسيرون خلفها تمامًا


إنقبض قلبها لمرآى منظر كهذا، و بسرعة أخرجت النقود من جزدانها و رمتهم بوجه البائع المسن الذي كان يرمقها بنظرات ملؤها الإستنكار


لم تآبه لإسترداد الفكة و مشت مهرولة بين الناس و هي تلهث من شدة الخوف ...


-الله الله يا وتكة إيه الجمال الأصلي ده كله !


-ياما نفسي يبقى ليا حبيب يا مسكرة زي الزبيب إنتي !


-لو الحلوة إسمها هند أنا نفسي أبقى جوز هند !


-ما تخليكي وطنية يا أطعم من المهلبية !


كانت تستمع لكل هذه المضايقات و التلوثات السمعية و إنتابها غثيان قوي، ربما لأنها تركض تقريبًا أسفل حرارة الشمس و قد نزلت دون أن تضع لقمة بفمها، منذ أفاقت بالصباح الباكر لتحضر الفطور لزوجها قبل أن يذهب لعمله.. أبت أن تشاركه ...


-بــس بقـى. إبعد عنـي يا حيوااان إنت هـو بدل ما أعملكوا مشكلة !!!


هكذا طفح كيلها فجأة، و خاصةً عندما باتت قريبة من المنزل.. خشت لو تصل بهم الوقاحة للصعود ورائها


و هنا يتدخل صاحب متجر اللحوم و الجزارة المقابل لها ...


-إيه ده في إيه ؟ نوش على الصبح كده و عيني عينك يا نطع منك له ! .. قالها المعلم "خميس" صائحًا بفجاجة و هو يمضي نحو التجمهر بعباءته الملطخة بالدماء


أبدى الشباب رهبةً و إحترامًا له و قال أحدهم بمزاح :


-معلم خميس.. يا صباح القشطة. مافيش نوش و لا حاجة يا كبير ده إحنا بس شمينا حاجة جرجرتنا كلنا قدام دكانك


خميس بإستهجان : شميتوا إيه يا حيلتها ؟!!


رد الأخير رامقًا "هالة" بنظرة منحطة :


-اللحمـة.. اللحمة شكلها نزلت يا سيد المعلمين !


خميس بغضب و قد بدأ يشمر عن ساعديه :


-لا وحياة أمك منك له و أنا مايخلصنيش ترجعوا منغير ما تاكلوا لحمة.. وديني لأكلكوا. خووووود يالاااا !


لاذوا بالفرار من فورهم عندما سمعوا و رآوا تهديد "خميس" بأم العين... تنفست "هالة" الصعداء و إلتفتت تشكر الرجل الشهم :


-ميرسي أوي لحضرتك. مش عارفة الكائنات دي معمولة من إيه بجد !


خميس بتهذيب : العفو يا أبلة. أنا ماعملتش حاجة إنتي بقيتي واحدة من الحتة و رقبتي ليكي أول واحد.. بس نصيحة ماعدتيش تنزلي من بيتك بالهدمة القصيرة دي. في هنا عيال ولاد حرام


عبست "هالة" و لم يعجبها كلامه، لكنه شكرته مرة أخيرة و إستدارت متجهة نحو المنزل ...


........................


عندما صعدت إلى الشقة أسرعت إلى المطبخ فورًا لتضغ الأغراض بالبراد.. و لعلها لم تلاحظ وجود زوجها في البادئ


إلا حين فاجأها و هي تخرج إلى الصالة، تسمرت مكانها عندما رأته يقف عند مدخل الشقة، إلتفت نحوها بعد أن أغلق الباب ...


-كنتي فين ؟ .. كان هذا السؤال المقتضب أول ما خرج من فمه


و إذا لم تكن مخطئة فإن الكثير من الدماء سبغت بشرة وجهه البرونزية في تلك اللحظات و هو يطالعها بنظراته، و خاصة ما ترتديه من ملابس مؤلفة من تنورة جلدية قصيرة سوداء اللون، و كنزة بيضاء تعلوها سترة زرقاء من القماش الناعم، و شعرها كان متهدلًا حول وجهها بإغواء ...


-كنت بشتري حاجات من الـMarket ! .. تمتمت "هالة" بهدوء ردًا على سؤاله


فادي بإستنكار : قولتي كنتي فين ؟!!


كررت "هالة" رافعة حاجبها بغرابة :


-كنت في الـMarket ده إللي ورا البيت. في خضار ناقص و كنت محتاجة أجيبه ضروري !


عقد "فادي" حاجبيه و إلتهب محياه المخيف أكثر و هو يهدر بشراسة أرعبتها :


-نزلـتي السـوق باللبس ده ؟؟؟ نــهاااارك إسـوووود !!!


و أقبل عليها كالعاصفة.. لتقفز "هالة" للوراء فورًا دون تفكير، هربت إلى غرفة النوم و أغلقت الباب خلفها بوجهه ظنًا منها أنه لن يلج


لكنه أخبرها منذ أول يوم.. ما من أقفال هنا تحميها منه ...


دفع "فادي" الباب بقدمه و دخل إليها و الشر يتطاير من عينيه، بينما تتراجع "هالة" للخلف شاخصة العينين و هي تقول بصوت مرتجف متأثرًا بنبضات قلبها المرتفعة :


-إنت إيه إللي بتعمله ده ؟ و مالك زعلان أوي كده ؟ ماله لبسي.. أنا متعودة عليه و مش أول مرة ألبسه إنت بنفسك شوفتني بحاجة زي كده من فترة. إيه الجديد ؟؟!!


فادي و هو لا يزال يقترب منها على مهل كالنمر :


-الجديد إنك بقيتي مراتي. فاهمة الكلمة دي و مستوعباها ؟ إنتي كلك على بعضك ملكي دلوقتي. يعني مش من حقك تعري نفسك و تخرجي تعرضي جسمك للي يسوا و إللي مايسواش. مش أنا إللي أقبل بالمسخرة دي. أنا مش زي الهفأ إللي كنتي متجوزاه هاسرحك على حل شعرك


-إخــرس ! .. هتفت "هالة" بغضب مفاجئ


-إوعى تتكلم عليه نص كلمة كمان.. ده كان أحسن منك. و أنا. أنا إللي غلطانة إني سيبته عشان في الأخر أتجوز واحد زيك أقل مني في كل حاجة. سامع ؟ في كــل حــااااجة !!!


و صرخت برعب حين دفعها بقوة لتسقط فوق الفراش.. إتسعت عيناها بفزع و هي تراه يفك طوق خصره بسده السليمة، بينما يقول بصوت هادئ لا ينذر بالخير :


-إنتي فعلًا غلطانة. و حالًا هاتكتشفي حجم غلطك لما وافقتي تتجوزيني ! .. و فرد الطوق الجلدي لأعلى


-هاتعمل إيــ .. آااااااااااااااااااه !


لم تكمل جملتها إلا و هي يعطيها الرد على شكل لسعات محرقة، ضربات مبرحة نزلت على جسمها منتزعة منها صرخات رجت أركان المنزل الأربعة !!!!!!!!!!!!!! .......................... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...

( 18 )


_ هباء عاطفة ! _


كان صدره يعلو و يهبط بسرعة رهيبة، جراء المجهود المضنِ الذي بذله في تأديبها، جسمه الساخن يتصبب عرقًا غزيرًا و لهاثه المضطرب لم يستطع سماعه بسبب عويلها المتألم الذي غطى عليه تمامًا ...


الآن يخلّفها ورائه و يخرج من الغرفة بخطى متثاقلة، رمى طوق خصره من يده بغير إكتراث و هو في طريقه إلى غرفة المعيشة


ألقى بنفسه فوق الآريكة الصغيرة هناك و أسند رأسه للخلف مغمضًا عينيه بشدة.. كان صوت بكائها لا يزال يصل إلى مسامعه بوضوح، في العادة عندما يفرغ غضبه و يتصرف بهذا العنف يشعر بالراحة، و كان يجب أن يحدث هذا معه الآن.. لكنه ليس مرتاحًا، على الإطلاق


بل أنه في الحقيقة نادمًا !


أجل.. أدرك بأنه قد تسرع و لكن بعد فوات الآوان، ما كان مضطرًا للجوء لتلك الطريقة الشنعاء، كان أمامه مئة حلًا أخر ليقوّم إعوجاج زوجته المدللة المتمردة


صحيح أنها سليطة اللسان و أهانته كثيرًا، و اليوم طعنت رجولته عندما مدحت زوجها السابق أمامه و قارنته به و بنفسها ماديًا و معنويًا بمنتهى الصفاقة و قلة الإحترام... لكنه رغم ذلك كان قادرًا على كظم غيظه


لعلها تراكمات، فهي لم تكف عن إظهار تكبرها عليه و إحتقاره منذ أول وهلة.. تعمدت كثيرًا أن تفعل ذلك، بل و تمادت متخيلة بأنه قليل الحيلة أمامها و أمام أسرتها ذات السطوة و النفوذ.. لعله أراد أن يثبت لها بأنها مخطئة بظنها، لأنه في الحقيقة لا يهاب أيّ شيء تتصور بأنه يشكل تهديدًا بالنسبة إليه، لا هي و لا أسرتها ...


يزفر "فادي" بقوة مادًا جسده للأمام، أخذ يفرك عينيه بأنامله المتشنجة و هو يحاول إستعادة شيئًا من صفاء الذهن.. لكنه هذا بدا مستحيلًا، عقله مشوش للغاية، تارة يؤنبه بالبراهين المنطقية، و تارة يخبره بأنه لم يرتكب جرمًا فظيعًا إلى هذا الحد، و أنه في كل الأحوال له كل الحق نظرًا لما رآه من جانب تلك العائلة و ما حدث لشقيقته بسبب صهره الثري المتغطرس، هذا أقل ما يمكن أن يفعله، هذا أقل إنتقام لشرفه و سمعته التي تشوهت على أيدي هؤلاء !!!


رفع "فادي" رأسه فجأة، عندما لاحظ إنقطاع بكاء زوجته.. ساوره القلق أكثر مع الهدوء الذي رافق ذلك مباشرةً، ليقوم من مكانه متجهًا إلى غرفة النوم على الفور ...


أطل برأسه عبر فتحة الباب الموارب.. كانت لا تزال كما تركها، متكورة بمنتصف السرير و شعرها منتثرًا حولها و فوق وجهها، لكنها كانت هادئة بشكل مريب


إزدرد ريقه بتوتر و لم يجد بدًا من مقاومة مشاعره أكثر من ذلك، أقبل عليها مسرعًا و توقف فوق رأسها تمامًا.. مال صوبها و بدون تردد مد يده و هزها بكتفها عدة مرات، لكن بلا نتيجة.. ليزيح تاليًا الشعر عن عينيها المنتفختان من كثرة البكاء، جسَ جبهتها و خدها براحة يده، كانت حرارتها جيدة، و راقب معدل تنفسها.. كل شيء على ما يرام


يبدو فقط أنها أنهكت و خارت قواها ففقدت الوعي رغمًا عنها، إستغرقت بالنوم قبل أن تعي.. لا حرج عليها، المسكينة تعرضت لوضعٍ صعب للغاية ...


أطلق "فادي" نهدة عميقة و هو يمعن النظر في وجهها الملائكي، لا يزال يحتضن خدها المبلل بالدموع بكفه الكبير، بقى ساكنًا للحظات بينما تتحرك شفاهه مصدرة همسًا لا يمكن أن تسمعه تلك المغشية :


-أنا آسف !


ثم قام و توجه نحو الخارج من جديد دون أن يلقي نظرة أخرى خلفه ...


__________________


تأنقت كثيرًا الليلة.. أناقة تليق بالثوب القرمزي الرائع الذي تمنت للحظة أن تقتنيه فحقق لها أمنيتها


كان مناسب لوضعها كإمرأة محجبة بالطبع، و زينة وجههة كانت بسيطة جدًا إتباعًا لآوامره.. و أخيرًا قارورة العطر "Amber Romance" من فيكتوريا سيكريت، سكبت نصفها تقريبًا فوق الثوب و وشاح الرأس فاقع الحمرة.. و ها هي صارت جاهزة


تأبطت ذراع زوجها الذي إختال بحلة سوداء فاخرة مزدانة سترتها من جهة اليسار بمنديل أحمر ظهر طرفه فوق الصدر ليحاكي لون ثوبها


نزلا معًا إلى باحة الفندق المطلي كله باللونين الأزرق و الأبيض، و قد كانت "سمر" تسير إلى جانب "عثمان" أمام الناس مرفوعة الرأس و الشعور الفخر و الإعتداد يملأها، لأن هذا الرجل بكل هيمنته و جبروته ملكها، ملكها بقلبه و جسده و هو يرحب بذلك ...


كانت سيارة فخمة من فئة "الليموزين" الأبيض تنتظرهما أمام الفندق، إستقلا بالخلف و أصدر "عثمان" أمره للسائق بالإنطلاق، بينما تتأمل "سمر" مساحة السيارة الفسيحة من الداخل و الخدمات الحديثة و المبهرة التي زُوِدت بها


لطالما رأت أشياءًا كهذه بالتلفاز فقط، و لا مرة تخيلت حتى بأنها سوف تجربها ...


كانت الإبتسامة ملء وجهها، إلى أن شعرت بوخرة خفية بقلبها.. نظرت نحو زوجها و بقيت صامتة


لاحظ نظراتها و قد كان لا يزال يقبض على كفها الصغير و أصابعهما متشابكة.. أحس بإرتعاشتها الخفيفة فإلتفت إليها ...


-مالك يا حبيبتي ؟ إنتي كويسة ؟ .. قالها "عثمان" بصوته العميق ذي النبرة المتوجسة


إبتسمت "سمر" له و قالت بهدوء :


-أنا كويسة يا حبيبي.. كويسة أوي. بس خايفة يا عثمان !


عبس "عثمان" و هو يقول مشدوهًا :


-خايفة ؟ من إيه يا سمر ؟!!


هزت كتفيها قائلة :


-مش عارفة.. بس كل حاجة حلوة. كل حاجة ماشية تمام أوي و مافيش أي حاجة غلط حصلت لحد دلوقتي


رفع "عثمان" حاجبيه و قال بعدم إستيعاب :


-مش فاهم قصدك.. إنتي عايزة تقولي إنك مضايقة إننا بقالنا كام يوم عايشين مبسوطين و كويسين مع بعض ؟؟!!


نفت "سمر" على الفور :


-لأ طبعًا.. مش ده قصدي. أنا بس زي ما قولتلك خايفة.. مش ممكن تكون حياتنا إستقرت فجأة كده و كمان مبسوطين أوي زي ما إنت قلت


ساد الصمت لبرهة.. ثم قال "عثمان" بفم ملتوي :


-سمر.. إنتي فعلًا نكدية. بقى ده كلام تقوليه ؟ إنتي مضايقة إننا بقينا مرتاحين من كل الظروف المهببة و الضغوطات إللي عيشناها من يوم ما عرفنا بعض ؟ إيه ده بجد !!!


بررت "سمر" بأقصى ما تستطيع من لطف :


-لأ يا حبيبي. مش كده.. إفهمني. أنا بقولك خايفة. مش مضايقة. لو عليا نفسي نفضل طول عمرنا كده ..


-و هانفضل يا سمر ! .. قاطعها بصرامة


-طالما حلينا مشاكلنا الأساسية أي حاجة تانية أمرها سهل. خوفك مالوش أي لازمة. ماينفعش أصلًا تخافي طول ما أنا معاكي.. أنا إتحطيت في طريقك عشان تنسي الخوف ده. عشان تطمني و بس. قولتلك قبل كده و بكرر تاني جربي تسيبي كل حاجة عليا. شيلي كل حاجة ممكن تضايقك من دماغك و سبيني أنا أتعامل.. معقول ده صعب عليكي أوي كده ؟ مش عايزة ترتاحي ؟؟


تنهدت "سمر" بثقل شديد.. لكنها فجأة قررت أن تأخذ بنصيحته و تلقي كل الأثقال التي تحملتها طوال عمرها دفعةً واحدة


إلى هنا و كفى، عليها أن تصغِ له لمرة، فهو محق مئة بالمئة.. لا يمكن أن تنكر ذلك، دائمًا كان محق ...


-إنت صح ! .. تمتمت "سمر" مبتسمة بإذعان محبب


-أنا فعلًا أفورت شويتين.. و على رأيك بقيت نكدية


و ضحكا معًا... ثم قال "عثمان" بلطف و هو يرفع كفها ليقبله :


-كل إللي يجي منك بحبه يا بيبي. معلش.. سبيلي نفسك بس و أنا هانسيكي إسمك


سمر بخضوع تام :


-أنا ليك و ملكك أصلًا !


إبتسم "عثمان" و هو يرمقها بإستحسان، لقد أعجبه تصريحها الأخير.. فمد يده ليداعب ذقنها قائلًا :


-كده يعجبني كلامك.. مش عايزك تنسي إللي قولتيه بقى من هنا و رايح. إتفقنا ؟


أومأت له موافقة و لم تغادر البسمة ثغرها ...


وصلا بعد دقائق قليلة إلى الوجهة التي أعدها "عثمان" ليفاجئها... ما إن وطأت الأرض القرميدية من جديد، حتى أكتشفت بأن المكان هو المفاجأة في الأصل !!!


فغرت "سمر" فاها حين شاهدت على بعد مترين منها، و فوق الكثبان الرميلة البيضاء طاولة عشاء مخصصة لفردين، تحدها شموع على شكل قلب، و حولها بلونات الهيليوم العائمة بالهواء حمراء و سوداء، و الورود تفترش الطريق تحت قدميها حتى هناك ...


نظرت "سمر" إلى زوجها و لم تستطع التحدث من فرط السعادة و الحماسة، بينما كان يراقبها من من طرف عينه مبتسمًا.. أطلق ضحكة قصيرة عندما رآى ردة فعلها و أمسك بيدها فورًا و سار بها مسرعًا فوق الدرب المفروش بالوريقات القانية الشذية


كانت المائدة مُحضرةً بأفضل طريقةً، و مزودة بالأواني البلورية الشفافة، مع إضافة مزهرية أنيقة بها باقة زهور بيضاء، و طبق فاكهة كلها من اللون الأحمر... سحب "عثمان" لها مقعدها و أجلسها أولًا، ثم إلتفت إلى فرقة العزف بالجهة المقابلة لهما و أشار لهم بالبدء


جلس بينما تصدح أنغام آلة البيانو الرقيقة مع الكمان و التشللو بأعذب الألحان للغنوة الغربية الشهيرة " love me like you do" ..


أخذ "عثمان" يكشف عن الأطباق الواحد تلو الآخر تحت أنظار "سمر" المشدوهة، كان العشاء كله مؤلفًا من الدجاج بالكريمة و الفطر، و ستيك بالخردل و إكليل الجبل، و حتى طريقة تقديمه كانت غاية في الذوق الرفيع و تحاكي الأجواء الرومانسية المحيطة بهما، فبعض قطع الخضار في السلطة على شكل الورود، و قد سكب الأرز في الأطباق على شكل قلب، و المشروب كان صودا مضافًا إليها عصير التوت الخام و قطعتين كرز تطفوان على سطح كلا الكأسين ...


-كأني في حلم جميل و مش عايزة أصحى منه ! .. قالتها "سمر" مغالبة تلك الدموع التي تحارب للقفز من عينيها


رفع "عثمان" كأسه و دعاها لرفع خاصتها، طرق الإثنين معًا و هو يقول بنعومةٍ :


-كل ده حقيقي حواليكي يا حبيبتي. أنا مش هاخدك من هنا إلا و إنتي راضية و أعصابك مرتاحة على الأخر


إرتشفت "سمر" من العصير، ثم وضعته فوق الطاولة ثانيةً و قالت :


-لا يا قلبي إحنا أصلًا طولنا أوي هنا. أظن لازم نرجع بقى في أقرب وقت


عثمان بتكشيرة : عشان ماتزعليش لما أقول عليكي نكدية.. إنتي إتعلمتي من أخوكي !


سمر و هي تضحك برقة :


-مش كده و الله ماتفهمنيش غلط.. أنا قلبي و عقلي معاك و مش عايزة أبعد عنك لحظة. بس جزء مني هناك لسا عند يحيى و ملك. وحشوني أوي يا عثمان و غصب عني بالي مشغول بيهم. و إنت سحبت مني الموبايل و مانعني أتكلم مع أي حد أطمن عليهم


أطلق "عثمان" زفيرًا عبر فتحتي أنفه، ثم قال بصوت هادئ :


-أوك.. إللي إنتي عايزاه يا سمر. بكرة هانرجع. أي آوامر تانية ؟


إتسعت إبتسامتها و مدت يدها فوق الطاولة لتقبض على يده، إستندت بذقنها إلى مرفقها و هي تقول بلهجة عاشقة :


-بحبك !


رد لها الإبتسامة عندما دغدغت تلك الكلمة حواسه، لم تقولها مرة إلا و رفرف قلبه كأنه يسمعها منها حديثًا.. لقد نجح في أن يجعلها تحبه، بل و تعشقه كما يفعل هو و أكثر ...


_________________


صباح يوم جديد... في قصر آل"بحيري"


تتناول العائلة الفطور اليوم على الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية.. كانت "فريال" تهتم بالطفلين "ملك" و "يحيى".. لاسيما "ملك" لم تسمح لها بالركض و اللعب مع إبن أختها إلا بعد أن أطعمتها وجبتها كاملةً و سقتها بيدها كأس الحليب


صبت القهوة بفنجانين لها و لـ"رفعت" و هي تراقب المرح الطفولي هناك بإبتسامة كبيرة، ثم إلتفتت لتعطي الفنجان لشقيق زوجها قائلة :


-إتفضل يا رفعت !


رفعت بإمتنان : شكرًا.. تسلم إيدك يا فريال


تناولت فنجانها هي الأخرى و هي تقول :


-العفو ألف هنا.. مش ناوي تاخدنا نزور هالة في بيتها بقى يا رفعت ؟ أظن عيب لحد دلوقتي محدش مننا راح يباركلها. جوزها يقول علينا إيه دلوقتي !


رفعت بجدية : مش وقته يا فريال. لسا شوية.. أكيد هانروح إن شاء الله بس يكونوا أخدوا على بعض و كمان يعيشوا كام يوم على راحتهم. ماتنسيش جوزها ماسبقش و إتجوز زيها


فكرت "فريال" بكلامه للحظات، ثم قالت مبتسمة :


-أوكي.. عندك حق. إللي إنت شايفه يا رفعت


و في هذه اللحظة يأتي "صالح".. مصطحبًا زوجته الحبلى في شهرها الأخير، كان يسير بها على مهل، ما إن رآى والده و زوجة عمه يجلسان لتناول الفطور حتى صاح باسمًا :


-صباح الخير !


إلتفتا كلًا من "رفعت" و "فريال" نحوهما و قالا في صوتٍ واحد :


-صباح النور ! .. ثم قالت "فريال" و هي ترمق إبنتها بنظرات عطوفة :


-إيه يا صافي يا حبيبتي. عاملة إيه إنهاردة طمنيني عليكي !


توقفت "صفية" عن السير أمام أمها، بقيت مستندة إلى زوجها بكل ثقلها تقريبًا و هي ترد بلهجة تعبة :


-الحمدلله يا مامي. الدوخة خفت شوية بس رجلي إللي بقت شبه رجل الفيل دي مش قادرة أمشي عليها خالص


فريال بلطف : معلش حبيبتي هي لازم تبقى كده. و بعدين الشهر التاسع ده كله لازم تقضيه مشي على أد ما تقدري.. مش صالح واخدك عشان تتمشي ؟


-لأ يا طنط أنا مشيتها الصبح بدري هنا حوالين القصر ! .. قالها "صالح" و هو يمسح على رأس زوجته بحنان


-إحنا دلوقتي رايحين للدكتور. المفروض إنهاردة هايحدد ممكن صافي تولد إمتى و إزاي. يعني ممكن تستنى شوية و لا لأ هو هايقرر


رفعت بلهجة متضامنة :


-إن شاء الله على خير و هاتقوملنا بالسلامة قريب. عيلة البحيري هاتزيد واحد


صفية بإبتسامة منهكة :


-واحدة يا أنكل


رفعت متصنع العبوس :


-خلاص يا ستي لازم تأكديلي كل شوية. مش كفاية خسرت الرهان قدامك و طلعتي فعلًا حامل في بنت


تضحك "فريال" قائلة :


-مش إنت إللي كنت عمال تتفاخر أوي و تقول إبني هايطلع لأبوه و لعمه و رجالة العيلة. إفتتحوا نسلهم بالرجالة الأول و كنت واثق أوي !


و إستغرقت بالضحك أكثر... ليقول "رفعت" مغتاظًا :


-أيوة إضحكي ياستي ليكي حق. بس على فكرة الكلام ده بجد هو إللي حصل ده بس غلط من ناحية إبني الخايب


صالح مقطبًا حاجبيه بشدة :


-إيه يا بابا إللي بتقوله ده ؟ دي حاجة بتاعة ربنا. هو كتالوج !!


تعالى الضحك من حوله أكثر، بينما يقول "رفعت" بتصميم :


-بس يا خايب إنت ماتتكلمش


و شعر بإهتزاز هاتفه بجيب سترته في هذه اللحظة تمامًا، أخرجه ملقيًا نظرة على هوية المتصل، ثم هتف بإبتسامة مشرقة :


-دي هالة !


أشار للجميع بالصمت لهنيهة، ثم رد فورًا :


-آلو.. صباح الفل يا لولو. وحشتيني أوي يا حبيبتي عاملة إيه طمنيني عليكي !


ثوانٍ.. و بدأت إبتسامته الكبيرة تتلاشى أمام أعين العائلة المترقبة، بدأ القلق يساور الجميع و هو لا يزال صامتًا بشكلٍ مريب ...


برز صوت "صالح" فجأة :


-إيه يا بابا في حاجة و لا إيه ؟!


تطلع "رفعت" إليه و ظل كما هو، لكنه قام فجأة من مكانه و أبعد الهاتف قليلًا عن أذنه قائلًا بإقتضاب :


-مافيش حاجة. إنت يلا خد مراتك و شوفوا رايحين فين! .. ثم نظر إلى "فريال" مستطردًا :


-أنا داخل أكلم هالة جوا يا فريال


أومأت له "فريال" و نظرتها لا تخلو من التوجس، لكنها لا تستطيع أن تسأله الآن.. على الأقل يفهم هو أولًا ليطمئنها تاليًا ...


ولج "رفعت" إلى قاعة الصالون و هو يتحدث ثانيةً إلى إبنته :


-إيه يا هالة.. قولي أنا سامعك !


آتى صوت "هالة" متنشجًا و متقطعًا من شدة البكاء :


-بقولك الحيوان ده.. ضربني.. ضربني يا بابي و أنا مش عارفة أخرج من الأوضة من إمبارح


إحمّر وجه "رفعت" و هو يسألها كاظمًا غضبه بجهد :


-هو حابسك يعني ؟؟؟


هالة بصوت كالأنين :


-لأ.. أنا. أنا خايفة أخرج ألاقيه في وشي.. أنا مش عايزة أشوفه. مش عايزة أسمع صوته حتى لأخر يوم في عمري.. بليز يا بابي تعالى خدني من هنا بسرعة


رفعت بإنفعال : أجي أخدك إيه إنتي إتجننتي ؟ إنتي ماكملتيش إسبوع متجوزة الناس تقول علينا إيه ؟؟؟!!


هالة ببكاء شديد :


-بقولك مد إيده عليا يا بابي. ضربني جامد أوي.. أنا جسمي كله بيوجعني


رفعت مغمغمًا بقساوة :


-تلاقيكي إنتي نرفزتيه. خرجتيه عن شعوره.. هو أنا مش عارفك ؟ بتعملي معاه زي ما عملتي مع مراد لحد ما خلتيه يطلق بالتلاتة. بس أنا مش هاسمحلك تكرري التهريج ده تاني. أقتلك يا هالة و أخلص من بلاويكي. سامعة ؟ أقتلك !


جاء ردها مصدومًا :


-بابي ..


-بلا بابي بلا زفت ! .. قاطعها بعصبية شديدة، ثم قال بصرامة :


-إسمعي يا بت.. إنتي هاتترزعي في بيتك و هاتسمعي كلام جوزك و هاتعملي كل إللي هو عاوزه من سكات. فاهماني ؟ هاتبقي ست محترمة و تحترمي أهلك و تحافظي على بيتك و مش هاتخربيه زي ما عملتي أول مرة. عشان لو حصل تاني قسمًا بالله ما هرحمك يا هالة !


و أغلق الخط دون سابق إنذار ...


رمى هاتفه فوق الطاولة و هو يزفر بعنف،و ظل يلف و يدور بالمكان و هو يفتح زر قميصه العلوي عندما شعر بإختناق، و أخذ يتمتم لنفسه :


-ليه كده يا هالة ؟ ليه ؟ لـــيه !!!!


___________________


كان يبيت منذ الليلة الماضية بغرفة شقيقته، لكنه على كل حال لم يستطع النوم بعمق.. بل لم ينام تقريبًا


قضي الليل كله مسهدًا، يتقلب فوق السرير و كأنه جمرًا.. ضميره يعذبه بشدة كلما يستحضر عقله المشهد العنيف الذي قام به إزائها


لم يكن يطيق نفسه و ما وصل إليه.. لديه قناعة تامة بأن كل ما حدث له من سوء بسبب صهره البغيض... إنه يمقته، لم يكره بشرًا في حياته بذلك القدر، كم يتمنى لو يختفي من حياته و حياة أخته، هو من زعزع رتابة حياتهم، لقد آتى و جلب معه البلاء و سواد العيش


لم يرى يومًا جيدًا بعد مجيئه أبدًا ...


يقوم "فادي" من السرير متآففًا، لم يكن يود أن يتواجه مع زوجته الآن أو في أيّ وقت قريب.. لكن يبدو أنه لا مفر


وجد الشقة هادئة و السكون يسود الأجواء، فمشى ناحية المطبخ ليشعل القدر لصنع الشاي.. لكن يستوقفه صوتها فجأة من خلف باب الغرفة


إلتقطت أذنه بعض العبارات و خمن بأنها ربما تتحدث مع أبيها بالهاتف لأنه سمعها تنطق إسمه، قرب أذنه من الباب قليلًا و أرهف السمع.. لكنه لم يسمع سوى نشيجها المكتوم و نهنهاتها المتقطعة ...


تنهد "فادي" بضيق شديد، ثم إستدار عائدًا إلى الغرفة... مستحيل أن يبقى و يواجهها، هو ليس مستعد و يبدو أنها كذلك أيضًا


تلك المخلوقة الرقيقة، إنها لا تملك سوى سلاطة اللسان كسلاحًا، و هو لا يزال لا يعرف كيف طاوعته نفسه على إلحاق الآذى بها بهذا الشكل.. كان يجب أن يعلم بأنها لن تتحمل، فهي لم تخلق لتعامل هكذا، و لا ريب أنها لم تألف تلك التصرفات منذ ولدت، عاشتها لأول مرة على يديه ...


إرتدى ملابسه، و بدون تردد إتجه إلى الخارج، و تعمد إغلاق باب الشقة بقوة ورائه حتى تسمع و تنال حرية التصرف أثناء غيابه لبعض الوقت ...


.......................


كانت "هالة" تجلس متكومة فوق الفراش، دموعها الساخنة تسيل فوق خديها و هي تنظر إلى ملابسها الممزقة أمام السرير.. ملابسها السافرة التي إنهال عليها زوجها تمزيقًا بيده و بطوق خصره أثناء ضربه إياها بمنتهى العنف و الوحشية !


كانت تتآوه من حينًا لآخر منذ إستيقظت و شعرت بتشنجات أسفل معدتها، و الآن إزدادت بؤسًا عندما رأت بقع الدماء تلطخ الشراشف و الدثائر أسفلها ...


غمغمت بآسى شديد و هي تمسك ببطنها :


-مش وقتك خــااااالص !!!


و إنتفضت مكانها فجأة حين سمعت صوت إغلاق باب الشقة ...


تحاملت على نفسها و قامت بسرعة لترى ما إذا كان هناك أحدًا قد جاء، أم هو الذي غادر.. فتحت باب الغرفة و واربته قليلًا، مدت رأسها للخارج، فوجدت كل شيء هادئ، و غرفة "سمر" مفتوحة أمامها و السرير قد برز نصفه، لتراه مبعثرًا.. فتأكدت بأنه قد بقى هناك منذ الأمس، و يبدو أنه بالفعل غادر الآن


فلتصحبه اللعنة أينما ذهب ..


تنفست الصعداء و تركت باب غرفتها مفتوحًا، إتجهت نحو الخزانة و أخرجت حقيبة مربعة متوسطة الحجم.. ركعت على ركبيتها فوق الأرض و فتحت الحقيبة و أخذت تنقب بين أغراضها الشخصية عن علبة الفوط النسائية خاصتها


بصراحة لم تتذكر إن كانت قد أمنت بعضها قبل أن تنتقل إلي هنا.. لكنها أيقنت أنها لم تفعل عندما بحثت و لم تجد أيّ شيء


أطلقت صرخة يائسة و قامت و هي تركل الحقيبة بقوة، فإنتثر كل شيء بداخلها هنا و هناك ...


أخرجت ملابس غامقة اللون و إرتدتها على عجالة، ثم توجهت خارج الغرفة.. كانت تتأكد بأنها تحمل المال في جزدانها و هي في طريقها إلى باب الشقة


مدت يدها للمقبض و حاولت أن تفتحه


مرة.. إثنان.. ثلاث


لقد حبسها !!!


خرج و أغلق عليها بالمفتاح.. الحقير ...


داهمتها نوبة بكاء جديدة أشد بكثير مما مضى، عادت أدراجها إلى غرفة النوم.. ألقت بنفسها فوق السرير و طفقت تبكي و تئن بشكلٍ مزري !!!!!!!!!!! .............................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...

( 19 )


_ خطر ! _


إنقضى أغلب اليوم.. و لا يزال "رفعت" كما هو، يجلس وحيدًا أسفل ضوء البهو الخافت، حيث بدت عليه إمارات الضيق و الكرب الشديد


و كأنه لن يتحرك أبدًا من مكانه، لكن مع أول ظهور لإبنه إعتدل في جلسته و هو يصيح مناديًا إياه :


-صــالح !


إقتطع "صالح" سيره المهرول و إستدار نحو صوت والده على الفور، كان وجهه شاحبًا بعض الشيء و لهجته غير واثقة و هو يرد عليه :


-أيوة يا بابا.. في حاجة و لا إيه ؟ مالك قاعد لوحدك هنا ليه ؟!!


-تعالى يا صالح ! .. قالها "رفعت" عاقدًا حاجبيه بشدة


يزم "صالح" شفتيه و هو يرمق الدرج، ثم ينظر إلى أبيه.. حسم موقفه و إتجه نحو "رفعت" و هو يقول :


-خير يا بابا في إيه ؟ أنا مستعجل معلش !


رفعت بإستغراب : إيه يابني مالك ؟ عايزك في كلمتين الدنيا هاطير يعني ؟!


صالح بتململ : مش كده يا بابا بس لازم أرجع المستشفى بسرعة. هي طنط فريال ماقلتلكش إن صافي بتولد ؟


-قالتلي قبل ما تمشي. ربنا معاها و يقومها بالسلامة هي و إللي بطنها


-أنا كنت فاكر إنك هاتيجي معاها لما كلمتها و قولتلها الدكتور هايولدها إنهاردة !


-البيت في طفلين يابني و صحيح معاهم مربية و خدم بس ماينفعش يتسابوا منغير حد فينا ! .. ثم قال بما يشبه الإنفعال :


-ما تقعد يا صالح شوية قلت عايزك في كلمتين. هابوس إيدك و لا إيه !!


يتآفف "صالح" و هو يجلس على مضض قائلًا :


-العفو يا بابا بس لسا قايلك لازم أرجع المستشفى بسرعة. أنا جيت عشان أخد شنطة البيبي و كام غيار لصفية. موضوع إنها تولد إنهاردة مفاجأة مكناش عاملين حسابها.. و مع ذلك تمام. معاك أهو. خير بقى !


أخذ "رفعت" يهدئ من أعصابه المتوترة و هو يفكر، كيف يبدأ معه الحديث في تلك المسألة، ثم إستجمع نفسه مرةً أخرى و قال بلطف :


-كنت عايز أسألك عن جوز أختك


صالح عابسًا بإهتمام :


-فادي ! ماله ؟؟


تردد "رفعت" قليلًا، فحاول أن يمّوه طريقته للوصول إلى مبتغاه :


-مش عثمان عيّنه في الشركة قبل ما يسافر ؟ عايز أعرف حطه فين و شغله ماشي إزاي !


-حطه في الحسابات يا بابا. هايحطه فين يعني و هو مايعرفش حاجة عن شغلنا 


-و عامل إيه هناك ؟؟


تنهد "صالح" و قال بحيادية :


-هو كويس بصراحة. ده إللي سمعته من المسؤول عن القسم.. يعني مش بطال و منتظم جدًا


-و أخلاقه مع الموظفين.. محدش إشتكى منه ؟!


رفع "صالح" حاجبه و قال :


-شكوى ! لأ محدش إشتكى يا بابا. ليه سألت السؤال ده ؟!!


تهرب "رفعت" من سؤال ولده المباشر و قال بلهجة طبيعية :


-أبدًا يابني.. مش عشان حاجة. بطمن بس على أحواله ما هو بقى واحد مننا خلاص !


أومأ "صالح" و قد إنطلت عليه.. ثم قال و هو يستعد للقيام :


-أوك. عمومًا أنا لازم أتحرك بسرعة.. آسف بقى يا بابا ممكن نكمل كلام بعدين


رفعت برحابة : إتكل على الله يابني. معلش عطلتك. إبقى طمني بس !


صالح بإبتسامة : و لا يهمك.. حاضر هانبقى على إتصال إن شاء الله. يلا سلام !


و إستدار "صالح" موليًّا تجاه الدرج، بينما يعاود "رفعت" الإستغراق بالتفكير من جديد.. بعد أن أخبره إبنه عن أحوال الصهر الشاب بالعمل و أكد له أنه يبلي حسنًا حتى الآن، لا يرى أن هناك ما يدفعه للضغط على إبنته و نكايتها و تعنيفها بهذا الشكل الذي أطلعته عليه ظهرًا ..


لم ينفك يمعن النظر و يضع إحتمالات للأمر، أراد لو يلتمس له أيّ عذر يبرر به تصرفاته الهمجية.. لكن مع الأسف هو يعلم بأنه على خطأ، و أن إبنته لا يجوز أن تُهان كرامتها و تُجرح هكذا، فهو لم يتنازل و زوجها منه لكي يصب عليها جام غضبه و يفرغ فيها عقد نقصه و قلة ثقته بنفسه كرجل


لن يقبل "رفعت" بذلك أبدًا، في البادئ وقف ضد إبنته، لكنه الآن ينوي التصدي لزوجها.. غدًا سيذهب في زيارة لبيتهما و سينظر بما حدث بنفسه، و سواء كانت "هالة" مخطئة أم لا.، لا بد أن يُلقن ذاك ال"فادي" درسًا لن ينساه


أجل.. هكذا سيفعل !


_________________


لم يعد إلى المنزل إلا بعد حلول المساء ...


حيث قضى ساعات النهار كلها جالسًا بالمقهى المقام بالشارع الرئيسي، يشاهد حلقات من مبارايات كرة القدم العالمية بما أنه يوم عطلته، و أيضًا فضل هذا حتى يمنح لزوجته آريحية التصرف و الحركة داخل البيت قبيل مجيئه


فهو يعلم بأنها لا تود رؤيته أبدًا، و أن نفورها منه قد زاد بعد الذي فعله بها.. لكن مع الأسف هذا كل ما يمكنه أن يفعل لأجل التعويض عليها، أن يترك لها مساحة شخصية من حينٍ لآخر حتى لا تصل بسببه إلى مرحلة ميؤوسة فتقترف الشنائع بنفسها، أو بكلاهما !


لتظل الأوضاع بينهما هكذا، هو يدري جيدًا كيف يتعامل معها ...


يلج "فادي" إلى الشقة مع دقات الثامنة مساءًا، يعيد المفتاح إلى جيبه ثانيةً و هو يغلق الباب خلفه ثم يرفع رأسه ممرًا أنظاره عبر المكان كله


لا شيء يدل على أنها بالقرب.. الأجواء هادئة للغاية... كما لو أن لا أحد هنا !


لكنه عقد حاجبيه فجأة، حين شاهد باب غرفة النوم التي يتشاطارها مفتوحًا عن آخره، و إستطاع أن يرى من مكانه بعض الألبسة و الأغراض مبعثرة هناك فوق الأرض.. و أيضًا وصل إلى مسامعه صوت أنين متألم، أشبه بالنزاع !!!


بدون تردد جذ الخطى في هذه اللحظة متوجهًا نحو الغرفة.. أصابه الذهول عندما دخل و رآى كل هذه الفوضى، تلقائيًا ذهب بصره إلى جهة الشمال، حيث السرير المبثت فوقه ذلك المصباح الأصفر الخافت الذي أنار الغرفة كلها


جمد "فادي" بصدمة عندما وقعت عيناه على زوجته المستلقية فوق الفراش هامدة تمامًا، فقط رأسها تتحرك للجانبين و العرق بتصبب منها غزيرًا، و الشراشف أسفلها كانت عبارة عن بركة من الدماء !!!!!


-هـــالة !!!


صاح "فادي" ملتاعًا و قد جحظت عينيه بشدة، و بلحظة كان يقف عند رأسها، أمسك بكتفها و أخذ يهزها هاتفًا بذعر :


-هالة.. هالة ردي عليا.. مالك فيكي إيه ؟ عملتي إيه في نفسك ردددددي !


تصاعدت آهاتها مع قوة هزه بها، كانت نصف غائبة عن الوعي، لكنها سمعته جيدًا، فردت و قد إختنقت كلماتها و مشاعرها بدموعها الكسيرة :


-آاااااه. آااه.. حرام عليك. سيبني في حالي بقى. إنت عايز مني إيه تاني أنا تعبت. تـــعبت !


لم يقل هلعه مع ذلك و قال بتصميم :


-قوليلي عملتي إيه في نفسك ؟ إيه الدم ده ؟ جه منين الدم ده ؟؟؟!!!


و لم يضيع لحظة أخرى و بدأ يرفع كم كنزتها ليرى معصميها، لربما قطعت شرايينها، لكنه لم يجد شيء.. فمد يده تاليًا ليكشف عن بطنها


لا شيء أيضًا !!!


سمع صوتها قبل أن ينبثق من فمه الكلام و التساؤلات مجددًا ...


-أنا ماعملتش حاجة ! .. قالتها "هالة" بآنة حارقة


-سيبني بليز. إبعد عني الليلة دي كمان و أنا الصبح هابقى كويسة


فادي بإنفعال : أبعد عنك يعني إيه ؟ إنتي مجنونة ؟ إنتي مش حاسة بنفسك ؟؟!!!


-ده معاد الـPMS ( متلازمة سابقة للحيض ) بتاعتي ! .. صرخت "هالة" به بنفاذ صبر


عبس "فادي" ببلاهة، بينما جاهدت للقبض على مزيدًا من الوعي لتحاول إخباره مرةً أخرى ...


-ده نزيف بيحصل كل شهر للبنات و الستات ! .. غمغمت "هالة" بتعب شديد و قد بدأت تفقد قواها شيئًا فشيء


بالجهة الأخرى يرتد "فادي" للخلف قليلًا عندما أصاب جوابها إدراكه أخيرًا.. لبرهة عجز عن الرد و التفكير أيضًا


لكنه ما لبث أن أفاق من تأثير المفاجأة و نظر إليها مجفلًا و هو يقول بلطف لا يخلو من التوتر :


-طيب.. إنتي سايبة نفسك كده ليه ؟ لو ماكنتيش قادرة تتحركي ماكلمتنيش ليه ؟ كنت ممكن أعملك أي حاجة.. هالة. هالة !


كانت قد فقدت وعيها تمامًا الآن و لم تعد تستجيب لنداءاته ..


بدأ القلق يجيش بصدر "فادي" و هو يمد يده متلمسًا وجهها ليقيس درجة حرارتها، لكنها لم تكن حارة أبدًا.. بل باردة كالثلج !!!


-لأ ! .. تمتم "فادي" لنفسه مقتضبًا


-كده الوضع مش طبيعي !


أشاح بوجهه عنها باحثًا بعينيه عن شيء يعالج به هذا الرشح الدامي مؤقتًا، وقعت عيناه على رف المناشف بالخزانة المفتوحة، فتوجه نحوها و إلتقط إثنتين، عاد إلى "هالة" من جديد و بخفة يد تمكن من إفتراش المنشفتين أسفلها


ألقى عليها نظرة قلق أخيرة، ثم إستدار تجاه الخارج ليرى ماذا يتحتم عليه أن يفعل بالضبط ...


______________________


كان القمر بدرًا الليلة... و هنا على متن اليخت التابع لـ"عثمان البحيري" و الذي بدل إسمه المطبوع على مؤخرته بإسم زوجته حديثًا، ستقلع رحلة العودة بعد قليل


على الطرف الآخر.. فوق السطيحة المستطيلة، شرعت "سمر" بتحضير مائدة العشاء وسط الهواء الطلق ذي النسمات الخريفية المنعشة.. أنهت كل شيء، ثم جلست بإنتظار زوجها


فقد ذهب ليجري مكالمة قصيرة مع أمه، لم يخبرها إذا كان سيقول لها بأنهما في طريق العودة إلى الديار أم لا، لكن الأرجح أنه لن يفعل.. إذ بناءًا على معرفتها به خلال العشرة القصيرة بينهما، هو يعشق المفاجآت، يفضل أن يفعلها بنفسه، لكن لا تفعل له !


كانت تحكم غطاء قدر المعكرونة بالصوص الأبيض لئلا ينال منه الهواء فيفقد سخونته، بينما يقبل "عثمان" عليها من الخلف هاتفًا بصوتٍ خلعها من مكانها :


-ســـمــر.. صــافي ولدت يا سمر صافي ولدت !!!


زفرت "سمر" مهدئة من روعها و إلتفتت نحوه صائحة بعتاب :


-حرام عليك يا عثمان. بتزعق كده ليه مرة واحدة فزعتني !


ضحك "عثمان" بمرح و هو يشد مقعده ليجلس قبالتها و هو يقول :


-Sorry يابيبي حقك عليا

بس مقدرتش أسيطر على فرحتي. أنا بقيت أنكل يا سمر


إبتسمت "سمر" له و قالت :


-يعني لما بقيت بابا ماكنش عاجبك بقى ! .. ثم ضحكت مستطردة :


-عمومًا ألف مبروك عليكوا يا حبيبي. و صفية أخبارها إيه ؟!


-كويسة الحمدلله. أنا لسا قافل مع ماما.. طلعت من العمليات بقالها نص ساعة و البيبي زي الفل بردو


-ربنا يقومها بللسلامة و يفرح قلبها يارب.. صحيح هي جابت بنوتة مش كده ؟


عثمان مبتسمًا : أيوة.. ديالا. فريال هانم إختارتلها إسمها


سمر بإهتمام : يعني إيه الإسم ده يا عثمان ؟!


-فريال هانم بتقول إن معناه عند العرب الوردة الجميلة. و عند الغرب الأرض الخضرا العالية


سمر بإبتسامة : الله. حلو أوي.. تتربى في عزكوا الآنسة ديالا الجميلة


تنهد "عثمان" قائلًا بحماسة كبيرة :


-يااااه هاتجنن و أشوفها. عايز أعرف طلعت شبه مين.. مصيبة لو طلعت شبه أبوها مش هاستحمل يبقى عندنا نسختين صالح في العيلة


و إنطلق ضاحكًا بقوة ...


ضحكت "سمر" على دعابته و قالت :


-طيب إنت ماقلتش لمامتك إننا راجعين بكرة ؟ و صحيح يحيى و ملك فين ؟!!


-أنا طبعًا ماقلتش إننا راجعين عشان تبقى مفاجأة. أول ما نحط رجلنا على رصيف إسكندرية هانطلع على المستشفى علطول. و ماتقلقيش على يحيى و ملك. ماما سايبة معاهم Baby sitter في البيت و عمي كمان هناك. ماتخافيش عليهم


-تمام ! .. قالتها "سمر" و هي تومئ له مبتسمة، ثم أضافت و هي تكشف عن الطعام :


-يلا بقى مش هتاكل !

بقالك كتير ماكلتش من إيدي و لو الأكل برد و إتريقت عليا هازعل


عثمان مداعبًا : يا حبيبتي الأكل لو متلج طالما من إيدك هاكله بردو. إنتي بتتكلمي في إيه يا بيبي.. و ريني كده صوابعك إللي بتنقط عسل دي !


و إلتقط يدها و رفعها إلى فمه ليقبل أصابعها، بينما تعلو قهقهاتها و يرتفع معها معدل السعادة المفرطة بداخلها.. سعادة لم و لن تجدها إلا معه ...


____________________


بعد أن أنهى الطبيب الذي جلبه "فادي" فحصه على "هالة".. أمر مساعدته الشابة بوضع الكانولا الموصولة بالمحلول المعلق فوق رأس "هالة" إلى يدها


ثم بدأ يجمع أدواته و هو يملي مزيدًا من التعليمات على الفتاة المتآهبة :


-خلصي شغلك هنا و ساعدي المدام. أنا مستتيكي برا مع الأستاذ ! .. و أشار إلى "فادي" الشاحب كليًا من شدة القلق


خرج الطبيب أولًا، لتستوقف الفتاة "فادي" قائلة :


-من فضلك.. عاوزة شوية غيارات للمريضة و مفرش نضيف للسرير !


أجفل "فادي" و هو يرمق وجه "هالة" النائم بتعاطف، أومأ للفتاة موافقًا، و إتجه على الفةر نحو الخزانة، أحضر لها ما طلبته و سلمها يدًا بيد، ثم خرج لاحقًا بالطبيب ...


-هي دلوقتي بقت كويسة يا دكتور صح ؟! .. تساءل "فادي" ما أن أغلق باب الغرفة و صار أمام الطبيب الأربعيني المخضرم


أجابه الطبيب بلغة مبسطة :


-شوف يا أستاذ.. مرات حضرتك هاتكون بخير إن شاء الله. بس كنت محتاجك تعرف إن أعراض العادة الشهرية للستات مابتجيش بالحدة دي. إللي حصل لمراتك في الطب إسمه (Menorrhagia) غزارة الطمث. بيبقى له عدة أسباب. الأسوأ فيهم أورام ليفية في الرحم لا قدر الله. أو إلتهاب بطانة الرحم. المدام للأسف مش فايقة عشان تقولنا حصل معاها الوضع ده قبل كده و لا لأ. بس ضروري لما تفوق تسألها و لو ردها بيأكد الإحتمال ده لازم حضرتك تاخدها على أقرب مركز تحاليل عشان تطمنوا. الحاجات دي لو ماتعلجتش في أولها بتسبب أمراض خطيرة و خساير كبيرة جدًا ليكوا كزوجين


كان "فادي" يستمع إلى كلماته كمن يتلقى أخبار صادمة، بل هس صادمة بالفعل... وجد لسانه ينطق من تلقاء حاله :


-طيب أنا أعمل إيه دلوقتي يا دكتور ؟ هي هاتفضل تنزف بالشكل ده ؟؟!!


الطبيب بجديته المعهودة :


-أكيد. ده كده كده أول يوم بالنسبة لها و طبيعي يحصل غزارة بس مش بالشكل ده. حضرتك لازم تتابعها أو تطلب حد من أهلها يجي ياخد باله منها لو مش هتقدر أو مابتحبش تتعامل مع الحالات دي


نفى "فادي" من فوره :


-لأ يا دكتور أنا معاها.. هاخد بالي منها طبعًا


-تمام. عامةً المحلول إللي في إيدها بتاخده عشان يعوضها الدم إللي فقدته من جسمها و مايحصلهاش هبوط أو فقدان وعي. تقدر تشيله لما يخلص. ما عدا كده هاتكون محتاجة إهتمام و متابعة طول فترة نومها و تغذية كويسة ! .. ثم أضاف مبتسمًا لأول مرة :


-و إن شاء الله تطمن عليها و تكون بخير !


و هنا خرجت مساعدته، فأخرج "فادي" من جيبه المبلغ الذي حضره و حاسب الطبيب، ثم رافقه حتى الشارع


ذهبا بمفترق طرق، ليتوجه "فادي" نحو أقرب صيدلية، حيث إشترى عبوة فوط نسائية كتلك التي كان يشتريها لأخته دائمًا بظروف مشابهة


و الغريب أنه عكس أغلب الرجال، بل إن لم يكونوا جميعهم.. لم يخجل من الطلب في هذا الأمر، و الآن أيضًا لم يفعل.. إنما إشترى بالإضافة لذلك قِربة جلدية ليباشر وضع الكمادات الدافئة لها ...


صعد "فادي" إلى المنزل مهرولًا، و في الحال ذهب إليها.. وجدها كما هي، تغط بالنوم و علامات التغب و الإرهاق الشديد بادية عليها


لاحظ أيضًا أن تلك الفتاة إهتمت بها بالفعل و بدلت لها ملابسها كلها، و مفرش السرير قد وضبته بطريقة جيدة للغاية و تركت كل شيء نظيف ...


ألقى "فادي" نظرة على المحلول.. لا زال كما هو تقريبًا، يبدو أنه لن ينتهي حتى الصباح... أكلق نهدة عميقة و أستل القِربة من الكيس الذي يحمله


توجه للخارج قاصدًا طريق المطبخ، أشعل البراد الكهربائي و قام بتسخين بعض المياه، ثم صبها داخل القِربة و أغلقها ثانيةً


عاد إلى غرفة النوم و شد كرسي ليجلس محاذيًا للسرير تمامًا، وضع القِربة من يده فوق الطاولة التي تحمل المصباح الصغير و إبريق المياه، أزال الأغطية عن زوجته، ثم رفع ردائها كاشفًا عن منطقة البطن كلها


و في هذه اللحظة حانت منه نظرة إلى وجهها، كانت ملامحها متقلصة دلالة على الشعور بالألم، و لا زال العرق ينضح على جبينها... لم ينتظر أكثر و مد يده ملتقطًا القِربة من جديد


وضعها فوق موضع الآلام كلها، عند جهازها التناسلي المتشنج و الذي يسبب لها كل تلك المعاناة.. لم تمر دقيقة، إلا و إسترخت قسماتها الجميلة


تنفس "فادي" الصعداء و ترك الكمادات كما هي، ليرفع كفه و يمرره على رأسها بحنان متمتمًا :


-سلامتك.. ألف سلامة عليكي يا هالة ! ............................ !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...

( 20 )


_ شوق جديد ! _


أخيرًا بعد رحلة شهر عسل قصيرة.. تعود "سمر" إلى الوطن من جديد... لا تنكر أن "سانتوريني" كانت ساحرة.. لكن تبقى الأسكندرية العروس.. عروس البحر الأبيض المتوسط بمدائنها و شوارعها و حوانيتها و بحرها الرمادي شتاءًا و الفيروزي صيفًا.. لا يوجد أجمل منها أبدًا


داعبت نسمات هواء تشرين الثاني الصباحية بشرتها و هي تهبط على الدرج الخشبي الموصل بين يخت زوجها الأضخم هنا، و بين رصيف المرسى العالٍ


ابتسمت و هي تُلقي بنفسها بين ذراعي زوجها الذي قفز أولًا ليساعدها على الوصول إلى البر بأمان.. كان يرمقها بنظرة مراقبة و لم يتركها فورًا، لأنها تمسكت به بشدة بدورها و أبقت رأسها منحنية للأسفل ...


-إيه يا بيبي ! دوار البحر مش كده ؟! .. قالها "عثمان" بنعومةٍ لا تخلو من التفكه


أومأت "سمر" له دون أن ترفع رأسها، ثم قالت مقلصة أصابعها أكثر حول ساعديه القويتين :


-فوق ماكنتش حاسة. لكن أول ما رجلي لمست الأرض الدوخة مسكتني و حاسة أن الرصيف بيرقص. متهيألي لو سبتني هاقع !


ضحك "عثمان" بانطلاق و قال :


-عارف الشعور ده. بس إتعودت و كنت فكرك إنتي كمان إتعودتي


سمر و هي تهز رأسها سلبًا :


-لا لا. قضينا فترة كبيرة في البحر.. إنت متعود زي ما قلت لكن أنا لأ !


ربت "عثمان" على كتفها قائلًا بلطف :


-طيب معلش. شوية و الدوخة هاتروح خالص.. تحبي أشيلك لحد العربية ؟


صاحت معترضة و هي تنظر إليه أخيرًا :


-لا لا لا مش للدرجة دي. هي فعلًا دوخة شوية و هاتروح. أنا هابقى كويسة.. بس خليني ماسكة فيك كده


و اقتربت منه قابضة على ذراعه بكلتا يديها ...


ابتسم لها و مد أنامله ليدخل خصلة تهدلت خارج وشاح رأسها و يعيدها إلى مكانها، ثم قال مداعبًا :


-أمسكي فيا براحتك يا قلبي. يسلام دي أسعد لحظات حياتي و ربنا !


ضحكت "سمر" بخجل و مشت معه تجاه الجراج المكشوف بالجهة المقابلة للمرسى، كانت سيارته الـ( Porsche ) البيضاء لامعة بالوسط و كأنها جديدة مِمّ أدهش "سمر"..حتى نظرت إليه مطولًا.. ليلاحظها و ينظر إليها أيضًا


فطن إلى نظراتها المستوضحة، فأجاب على سؤالها الذي لم يسمعه :


-امبارح اتصلت بالسايس اللي شغال هنا و وصيته ينضف العربية كويس من التراب. اتسابت هنا كام يوم أكيد مش هامشي بيها مش نضيفة يعني


أومأت "سمر" بتفهم، بينما يفتح لها باب السيارة الأمامي.. يدخلها، ثم يذهب مهرولًا بخفة ليحضر الحقائب من فوق الرصيف، وضعهم بصندوق السيارة الخلفي، ثم أستقلّ إلى جوارها خلف المقود ...


-هانروح البيت علطول ؟ .. تساءلت "سمر" و هي تربط حزام الأمان


أجابها "عثمان" و هو يقوم باعداد آليات السيارة الحديثة و المريحة :


-لأ هانطلع الأول على المستشفى نشوف صافي و ديالا حبيبة خالو. و ممكن نرجع معاهم ماما قالتلي مش مطولة


سمر بابتسامة : تمام اللي تشوفه !


حانت منه نظرة عاشقة نحوها، ثم مد سبابته و ضغط على مشغل الموسيقى باللوحة التي تعمل باللمس أسفل عجلة القيادة.. لتهدر خلال ثوانٍ غنوة "حسين الجسمي" بالخلفية.. "بحبك وحشتيني".. ما إن ملأت جوانب السيارة الأربعة بصخب حتى أمسك "عثمان" بيد زوجته و رفعها لفمه حتى يقبلها، ثم يقول بحب :


-الأغنية ليكي و لأسكندرية بهواها و بحرها.. بحبك يا سمر !


توّردت من جديد و هي ترنو إليه بمشاعر مماثلة و أكثر، لكنها لم تستطع المواصلة لشدة خجلها، فما لبثت أن أطرقت رأسها.. ليطبع "عثمان" قبلة أخرى في باطن كفها هذه المرة، ثم تركها تسترخي و تستمع بسماع بالغنوة، بينما ينطلق هو متجهًا صوب مشفى المدينة الخصوصية ...


_____________________


بعد ليلة طويلة قضاها متلقبًا بسريره قلقًا على إبنته التي لم تجيب على اتصالاته أبدًا، لم ينال سوى قدرًا قليلًا من النوم المتقطع... ليكون أول شيء يقوم به صباحًا هو النهوض و التوجه إليها مباشرةً


و كذلك غادر الفراش باكرًا و قام و جهز نفسه، ثم خرج للإلتحاق بسيارته التي تنتظر بسائقه وسط الباحة العارية ...


لم يكد يفتح بابها حتى، ليستوقفه صوت إبنه :


-بابا !


استدار "رفعت" إلى حيث يصدر صوت "صالح".. رمقه بغرابة قائلًا :


-صالح ! إنت بتعمل إيه هنا يابني ؟ مش كنت لسا ماشي بالليل ؟!


تقدم "صالح" نحوه و هو يرد بهدوء :


-أنا جيت أخد هدوم لصفية عشان هدومها مابقتش تنفع لازمها غسيل. كلها بينج و حاجات ممكن تلوث الجرح


رفعت متعجبًا : يابني هدوم إيه هي هاتعزل ؟ مش قولتوا ليلة بس و هاترجعوا تاني يوم ؟ و بعدين ليه الهدوم دي كلها أنت واخد امبارح بردو !!


صالح بابتسامة : 


-لأ أنا إمبارح إتلبخت و أخدت شنطة البيبي بس. نسيت شنطة صافي. فرجعت أخدها دلوقتي. إحنا كمان ساعة و هانكون هنا كلنا ماتقلقش.. و مافيش داعي تاخد عربيتك تعالى معايا يدوب عربيتي هاتكفينا. يلا !


إستوقفه "رفعت" قائلًا :


-يلا إيه يابني أنا مش رايح المستشفى


عاود "صالح" النظر إليه، شمله بنظرة فاحصة و قال بتساؤل :


-أومال حضرتك رايح فين كده ؟!


-رايح لأختك.. وحشتني أوي و عايز أشوفها


-أختي ! مش حضرتك قلت محدش هايروحلها في الأول كده عشان جوزها لسا عريس و الكلام ده !!


رفعت بضيق : يابني أنا مش مطول عندها. بقولك وحشتني.. هاروح أبص عليها و أجي. يلا إنت كمان روح لبنتك و مراتك. وسّع !


و أزاحه بيده من طريقه ليفتح باب السيارة الخلفي، أستقر "رفعت" بمكانه و أمر السائق بالانطلاق.. ليصيح "صالح" فجأة :


-إستنى يا بابا. كده مافيش حد قاعد بملك و يحيى.. هانسيبهم إزاي في البيت لوحدهم ؟؟


رفعت باستهجان : يابني حد قالك إني دادا ؟ و بعدين ما في دادا فعلًا جبتها مرات عمك مخصوص عشان تقعد بيهم. و لا كنت فاكرني أنا إللي قاعد آكل و أنيّم و أغير هدوم و بابمبرز طول الليل ؟!!


ثم إلتفت إلى السائق آمرًا :


-إطلع يا عطية على بيت هالة هانم !


و بالفعل.. وقف "صالح" يراقب رحيل أبيه و هو يحدق مدهوشًا في إثر الغبار الذي خلفته السيارة... أحقًا والده من قال هذا الكلام منذ لحظات ؟ هل يذهب و يترك الطفلين وحدهما مع المربية حقًا ؟ .. كيف قال أمس إذن بأن يتعيّن بقاء فرد منهم على الأقل بالمنزل حتى لو كانا الطفلين في عهدة المربية ؟ ... ما هذا التناقض الفجائي بحق الله !!!


_______________


في مشفى المدينة الخصوصي... يصل كلا من "عثمان" و "سمر" إلى جناح "صفية" المزوّد بكافة سُبل الراحة


يشكر "عثمان" الممرضة التي رافقتهما حتى هنا، بينما تلج "سمر" و هي تهدل برقةٍ و على وجهها ابتسامة كبيرة :


-صباح الفل عليكوا يا حبايبي.. وحشتوووني أوووي. وحشتيني أوي يا طنط فريال !


و أقبلت على السيدة النبيلة الجميلة بتلهفٍ.. بينما قامت "فريال" من مكانها، إذ كانت تجلس في مقعد محاذي للسرير الذي ترقد فوقه إبنتها


استقبلت "سمر" بين أحضانها و ضمتها بقوة متمتمة بصوتها الحلو :


-حبيبتي حبيبتي. إنتي وحشاني أكتر.. ياااه ده إنتي طلعتي غالية عليا أوي يا سمر. حمدلله على السلامة


يغلق "عثمان" الباب ورائه في هذه اللحظة، تترك "سمر" أمه و تتجه نحو "صفية" لتبارك لها و ترى المولودة التي تحملها فوق صدرها.. فيمضي هو إلى "فريال" و يأخذها في عناق طويل هكذا دون مقدمات


تضحك "فريال" بلطافة و هي تلف ذراعيها حول إبنها قائلة :


-يا حبيبي.. واحشني أوووي. ألف حمدلله على السلامة !


و أغمضت عينيها ممتنة لحنانه و عطفه عليها، و لآلاف المرات تشكر الله على أنه منحها زوجًا محبًا تتذكره و تفتقده حتى الآن، لكنه لم يرحل إلا و هو تاركًا لها إبنًا يرث منه أنبل صفاته، أبرزها حنانٍ منقطع النظير.. لا يمكن أن يوجد شخص يملك قلبًا مثل قلب إبنها الجميل، لا يمكن...


إستغرق عناقهما بضعة لحظات أخرى، ثم ابتعد "عثمان" قليلًا ليقبّلها على خديها، ثم يقبّل يدها و يقول بابتسامته الساحرة :


-الله يسلمك يا فريال هانم.. إنتي إللي وحشتيني. وحشتيني بجد يا ماما 


-تعالى يا عثمان شوف ! .. صرخت "سمر" بحماسةٍ كبيرة و هي تتناول الرضيعة من أمها


مد "عثمان" رأسه مُلقيًا نظرة عليها، ثم نظر إلى أخته التي بدت رغم مساحيق الزينة الخفيفة مرهقة و تعبة.. مشى ناحيتها أولًا و هو يقول بنعومةٍ :


-أنا شايف واحدة والدة هنا زي القمر.. إيه يابنتي ده ؟ مش بشر زينا و لا إيه حكايتك بالظبط ؟!!


ضحكت "صفية" بجهد و هي تقول مؤنبة :


-أخس عليك ماضحكنيش.. مش قادرة أضحك !


إنحنى "عثمان" ليحتضنها برفق، ثم طبع قبلة على وجنتها و قال :


-حمدلله على سلامتك يا حبيبتي


صفية بابتسامة : الله يسلمك يا عثمان.. مش هاتسلم على الصغننة بقى و لا إيه ؟


-دي الصغننة دي إللي جابتني من أتينا مخصوص. هي فين حبيبة خالها ؟ .. و إستدار نحو "سمر"


أعطته إياها مبتسمة بأعين ملتمعة و هي تقول :


-خد با حبيبي. سمي عليها بس !


أخذها "عثمان" بين ذراعيه و هو يُلقّنها البسملة، و قد كانت لا تزن مثقال ريشة أصلًا.. لكنه نظر في وجهها الأبيض الصغير و ملامحها المطموسة قليلًا كحال جميع الأطفال حديثي الولادة


ابتسم و هو ينظر إلى أمه قائلًا :


-الحمدلله يا فريال هانم.. ماطعلتش شبه صالح. كلها صافي و وارثة لون شعرك الفاتح. كانت هاتبقى مشكلة بجد لو طلعت شبه صالح !


ضحك الجميع ما عدا "صفية" التي قالت مدافعة عن زوجها :


-و ماله صالح يا عثمان هو صالح وحش ؟ على فكرة صالح جميل و أحلى مني بكتير !


أخذ "عثمان" يقهقه أكثر، نظر إلى أخته و قال بلطفٍ :


-يا حبيبتي أنا ماقولتش وحش. بس كل الحكاية إني مقتنع بOne Piece من صالح. ده أنا كده بعتبره Special لعلمك. و بعدين أنا مختلف معاكي في حتة انه أحلى منك دي. إنتي الأحلى طبعًا بدون نقاش ! .. و أضاف متسائلًا :


-هو فين صالح صحيح ؟!


أجابت "فريال" من خلفه :


-راح يجيب حاجات من البيت يا حبيبي و راجع.. زمانه جاي هو نزل من شوية


أومأ "عثمان" برأسه و هو يتقدم نحو "صفية" ليعيد إليها الرضيعة.. مسح على رأسها الضئيلة بحرص و هو يقول :


-خلي بالك الصغننة دي بقت مكتوبة على إسم يحيى إبني. أول ما تكبر و تبقى آنسة جميلة زي ما مامتها هايتخطبوا


-إيه يا عثمان الجو القديم ده !! .. قالتها "سمر" ضاحكة


-يعني إيه تخطب طفلين لسا مايعرفوش يقولوا أساميهم حتى ؟ طيب أفرض يا سيدي البنت حبت شاب تاني غير إبنك هاتجوزه لها غصب عنها ؟!!


عثمان بغرور أكثر منه ثقة :


-أنا إبني مافيش بنت هاتشوفه و مش هاتقع في غرامه من أول نظرة.. هايطلع لأبوه. و لا إنتي إيه رأيك ؟!


و نظر لها مترقبًا ..


سمر مبتسمة بتوتر :


-إيه رأيي في إيه ؟ قصدك إيه يعني ؟!!


عثمان بغمزة : بذمتك ماوقعتيش في غرامي من أول نظرة يا بيبي ؟ هه !


سمر و هي تتظاهر بالإنزعاج :


-بطل بقى يا عثمان ده وقت هزارك !


عثمان بجدية : أنا مش بهزر يا حبيبتي أنا بتكلم جد.. قولي قولي مافيش حد غريب


رمقته "سمر" بنظرة زاجرة و قد إلتهب وجهها حياءًا، فضحك قائلًا و هو يحاوط كتفيها بذراعه :


-خلاص خلاص. نأجل الإجابة على السؤال إللي مضايقك ده مش عارف ليه.. بس ممكن أنا أجاوب عادي.. أنا وقعت في غرامك من أول نظرة يا بيبي !


أجفلت "سمر" مرتبكة من الصمت المطبق الذي أعقب كلامه، فردت بارتباك واضح :


-شكرًا ربنا يخليك !


لينفجر الجميع بالضحك بعد سماع هذا منها ...


________________


أستيقظ "فادي" من نومه العميق إثر سماع جرس الباب الذي راح يدق بإلحاح شديد.. أصدر آنة متألمة و يعتدل و قد أكتشف بأنه غفى طيلة الليل هنا، فوق الأرض بجوار السرير، بجوارها هي تحديدًا !


يا للمسكينة.. بالطبع لا تزال نائمة رغم تلك الجلبة المزعجة، كيف طاوعه قلبه على كيل كل هذا الضرب المبرح لها ؟ كيف أستطاع أن يؤذيها بهذا القدر ؟ و ذلك الخطب النسائي هل كان ينقصها ؟ ... لا ريب أنها ضعفت و تحتاج إلى تغذية جيدة بعد الدماء التي نزفتها البارحة و سوء اهتمامها بنفسها سلفًا


أطلق "فادي" سبة غاضبة و هو يثب قائمًا لفتح ذلك الباب، كان يسب الزائر في طريقه أيضًا و قد توعد له ..


مد يده و اجتذب المقبض بعنف متآهبًا لتوبيخ الواقف بالجهة الأخرى أيًّا من كان.. لكنه جمد فجأة، عندما تفاجأ بوالد زوجته ...


-رفعت بيه ! .. هتف "فادي" بتوتر ضمني


رفعت بابتسامة ودية :


-صباح الخير يا فادي.. أنا أسف لو كنت جيت منغير معاد. بس هالة وحشتني أوي و قلت أجي أشوفها و أمشي علطول


أجفل "فادي" و هو يقول مفسحًا له طريقًا للدخول :


-العفو حضرتك تنور و تشرفنا في أي وقت.. اتفضل لو سمحت !


-متشكر ! .. تمتم "رفعت" بكياسته المعهودة و هو يلج إلى الداخل


أغلق "فادي" الباب من بعده، ثم أخذه إلى الصالون بالوسط.. أجلسه أولًا، ثم جلس مقابله لا يدري ماذا يفعل !!!


-هي هالة لسا نايمة و لا إيه ؟ .. تساءل "رفعت" بلطفٍ


فادي بثبات مفتعل :


-آه.. لسا نايمة. في الحقيقة أنا كمان كنت نايم و غالبًا متعود أصحى 6 أو 7 الصبح بالكتير. لكن انهاردة شكلي طولت و ماعرفش الساعة بقت كام لأني مش بظبط الTimer في أيام أجازتي !


رفعت بتضامن واضح :


-ربنا يعينك و يقويك يابني. إنت راجل ذكي و مجتهد و تستاهل كل خير ! .. ثم قال بمرح :


-بس معلش بقى ربنا رزقك بهالة بنت كسولة شوية و تموت في اللكاعة.. معلش هاتتعبك حبتين لكن أنا واثق إنك هاتصبر عليها


فادي بابتسامة : مافيش تعب أبدًا يا رفعت بيه.. هالة بنت رقيقة و لطيفة و لطافتها بالذات تشفعلها. هي تعمل كل إللي هي عايزاه


ثم قام من مكانه قائلًا :


-حضرتك تشرب إيه بقى ؟


-و لا أي حاجة ماتتعبش نفسك.. قولتلك أنا جاي أشوف هالة عشان وحشتني و هامشي علطول. أستأذنك بس تصحيهالي. قولها بابا جه و عايز يشوفك !


تراقصت ابتسامة غير واثقة على وجه "فادي".. كان مضطربًا أشد الاضطراب و لا يعلم كيف يتصرف ؟ إنه لمن المستحيل أن تغادر الفراش و هي في تلك الحالة، بالإضافة إلى الكدمات الزرقاء التي تغطي جسمها.. ماذا ستكون ردة فعل أبيها لو رآها هكذا ؟؟؟؟


و فجأة ابتلع أنفاسه.. حين سمع باب الغرفة ينفتح من خلفه و صوتها ينبعث كأرق ما يكون :


-و هالة صحيت أول ما سمعت صوتك.. أهلًا يا بابي !! ..................... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


يتبع ...


#البارت التالي بكرة إن شاء الله 🌹

تعليقات

CLOSE ADS
CLOSE ADS
close