القائمة الرئيسية

الصفحات

 

الخدامه



الخدامة نامت من شدة التعب على سرير شيخ خليجي ملياردير، ولما رجع القصر الساعة 3 الفجر وشافها نايمة في سريره عمل معاها حاجة محدش في البيت كله كان يتخيلها! 

الشيخ راشد كان راجل غني بشكل مش طبيعي، وعنده قصور وبيوت كتير لدرجة إن أقرب الناس ليه مكانوش دايمًا يعرفوا هو هيقضي ليلته فين!

قصر قريب من وسط المدينة، وقصر تاني جنب مكتبه، وبيت فخم على البحر لكن كان فيه قصر واحد بالذات، بعيد عن دوشة المدينة، وهادي بشكل غريب.

القصر ده كان أقل مكان بيزوره الشيخ راشد، وممكن يعدّي أسابيع طويلة من غير ما يروح هناك.

لكن رغم غيابه، كان عنده أوامر صارمة للخدم مفيش أي حد فيهم من حقه يتهاون في شغله، ولازم كل حاجة تكون جاهزة لاستقباله في أي لحظة، حتى لو ظهر فجأة في نص الليل!

أوضة نومه بالذات كان ليها اهتمام خاص

الفوط تتغير كل يوم، والتراب يتمسح من كل ركن، والمياه تتراجع، والأوضة تتهوّى كويس، والسرير لازم يكون متجهز بملايات جديدة ونضيفة، وكأن صاحب القصر هيوصل بعد دقائق!

وفي اليوم ده، كانت فيه خدامة شابة بدأت يومها وهي أصلًا منهكة من التعب.

الليلة اللي قبلها ماعرفتش تنام غير شوية بسيطين، ومن أول الصبح وهي بتجري بين المطبخ وتجهيز الأكل، وبعدها قضت ساعات طويلة في تنظيف الدور الأرضي، لحد ما جه المساء، وفجأة اتطلب منها تجهز أوضة نوم الشيخ بنفسها.

فضلت تنظف وترتب وتغيّر الملايات، لحد ما خلصت أخيرًا لكن الوقت كان اتأخر جدًا، وجسمها بقى مش قادر يشيلها من التعب.

بصّت على السرير الضخم اللي قدامها، وبعدين قعدت على طرفه وهي بتاخد نفسها بصعوبة.

قالت لنفسها إنها هتريح دقيقة واحدة بس.

الأوضة كانت هادية تمامًا، وصوت التكييف خفيف، والمخدات شكلها مريح بطريقة تخلي أي حد يتمنى يرمي نفسه عليها وينام.

وفكرت وهي بتبص حواليها

هو الشيخ راشد هييجي هنا النهارده إزاي؟ ده بقاله أسابيع ماجاش القصر! هريح خمس دقايق بس، وبعدها أقوم وأمشي.

مدّت جسمها على السرير، وحطت راسها على المخدة الناعمة، وهي متأكدة إنها هتقوم بعد شوية صغيرة

لكن اللي حصل إنها غفلت في لحظة، ونامت نوم عميق من شدة الإرهاق، من غير ما تحس بنفسها أصلًا!

وهي نايمة في أمان، حصلت المفاجأة اللي قلبت القصر كله رأسًا على عقب!

الساعة كانت حوالي تلاتة الفجر، وفجأة عربية فخمة وقفت قدام بوابة القصر.

كان الشيخ راشد راجع من اجتماع شغل طويل ومرهق، ومابقاش عنده استعداد يسوق لحد بيته التاني في الناحية البعيدة من المدينة، فقرر يقضي الليلة في القصر الهادي ده.

الحراس فتحوا البوابة بسرعة، وأول ما عرف الخدم إن صاحب القصر وصل، اتقلب المكان كله لحالة من الارتباك!

محدش كان متوقع وصوله، وكل واحد بقى بيجري عشان يتأكد إن كل حاجة جاهزة.

أما الشيخ راشد، فما ضيّعش وقت في الكلام، وطلع على طول للدور التاني، متجه ناحية أوضة نومه.

فتح الباب بهدوء

لكن أول ما عينه وقعت على السرير، وقف مكانه فجأة!

فيه واحدة نايمة في سريره!

فضل واقف لثواني، مش مصدق المنظر اللي قدامه. قرب خطوة، وبعدها خطوة تانية، وهو بيبص للفتاة الشابة اللي نايمة بعمق، وكأنها في أوضتها هي، مش في أوضة أخطر وأغنى رجل في المكان!

وبعدين قال بصوت واطي، فيه نبرة استغراب واضحة

إيه المفاجأة دي؟

الخدامة ما اتحركتش حتى، ولا حست إنه واقف جنبها.

ملامح الشيخ اتغيرت، وعقد حواجبه وهو بيحاول يستوعب إزاي واحدة من الخدم تجرؤ تنام على سريره!

قرب أكتر من السرير، وانحنى ناحية الفتاة، وبص لوشها وهي غارقة في النوم، من غير ما يكون عندها أي فكرة عن المصيبة اللي ممكن تحصل لها لما تصحى.

لكن بدل ما ينادي الحراس أو يطردها في اللحظة دي

الشيخ راشد عمل حاجة غير متوقعة تمامًا، حاجة خلت كل اللي في القصر يتصدموا لما عرفوا اللي حصل في الليلة دي! 

يا ترى عمل إيه لما لقاها نايمة في سريره؟ وليه تصرفه الغريب ده خلّى أهل القصر كلهم في حالة ذهول تاني يوم الصبح؟ 

الجزء التاني تصرّف الشيخ راشد اللي حيّر القصر كله! 

الشيخ راشد فضل واقف جنب السرير، عينيه بتتنقل بين وش الخدامة الهادي وبين إيديها اللي كانت متشبثة بطرف البطانية من شدة البرد.

كان متعود إن كل اللي حواليه يخافوا من مجرد نظرة منه، وإن أي غلطة في القصر يكون ليها حساب عسير، لكن البنت دي كانت نايمة من غير ما تعرف حتى إنه رجع!

مد إيده ناحية الكومودينو، وضغط على زر الجرس اللي بيستدعي كبير الخدم.

بعد أقل من دقيقة، ظهر عم جابر، كبير الخدم، عند الباب. دخل بخطوات سريعة، وأول ما شاف الخدامة نايمة على سرير الشيخ، وشه اتخطف لونه!

همس بارتباك يا ساتر يا رب! دي مصيبة! يا شيخ راشد، أنا هتصرف حالًا!

لكن الشيخ رفع إيده يمنعه من الاقتراب، وقال بصوت هادي لكنه حاسم استنى مكانك يا جابر.

عم جابر وقف مكانه، مش فاهم إيه اللي بيحصل.

الشيخ بص للبنت تاني، وبعدها سأله اسمها إيه؟

اسمها مريم يا فندم. لسه جديدة نسبيًا في القصر، بقالها حوالي ست شهور.

وإزاي وصلت لسريري؟

عم جابر بلع ريقه وقال بسرعة أكيد استهتار يا فندم! وأنا هحاسبها بنفسي، ومش هتتكرر تاني!

لكن الشيخ راشد ما ردش عليه فورًا.

لاحظ إن مريم كانت لابسة هدوم الشغل، وإن إيديها فيها آثار احمرار من المنظفات، وحتى صوابعها كانت متشققة من كتر الغسيل والتنظيف.

بص حواليه، فلقى سلة صغيرة فيها فوط نظيفة، وعلبة أدوات تنظيف لسه مفتوحة جنب الباب.

ساعتها سأل سؤال غريب هي اللي نظفت الأوضة دي كلها؟

عم جابر اتردد قبل ما يجاوب أيوه يا فندم، هي اللي اتكلفت بيها الليلة دي.

ولحد الساعة كام كانت شغالة؟

معرفش بالضبط، يا فندم.

الشيخ عقد حواجبه وقال بلهجة أشد إنت كبير الخدم ومش عارف الناس اللي شغالة عندك بتخلص إمتى؟

عم جابر حس إن الأرض بتتسحب من تحته، وبدأ يبرر أصل الشغل كتير يا فندم، وهي ما اشتكتش قبل كده.

رد الشيخ بحدة يعني عشان ما اشتكتش، يبقى من حقكم تحمّلوها فوق طاقتها؟

عم جابر سكت تمامًا.

وفجأة، مريم اتحركت وهي نايمة، وفتحت عينيها بصعوبة. أول حاجة شافتها كانت سقف الأوضة الغريب، وبعدها لمحت راجل واقف قدامها بملامح صارمة.

اعتدلت في جلستها بسرعة، ولما استوعبت إنها على سرير الشيخ راشد، وشها بقى أبيض زي الورق!

نزلت من السرير على طول، ووقفت وهي بتترعش.

يا فندم! والله العظيم ما كان قصدي! أنا كنت بغيّر الملايات ونضفت الأوضة، وقلت أريح دقيقة بس، ومش عارفة إزاي نمت!

كانت بتتكلم بسرعة، وصوتها بيتهز من الخوف.

أرجوك يا فندم، أنا محتاجة الشغل ده. عندي أمي تعبانة، ومش هقدر أخسر شغلي. والله ما عملت كده باستهتار!

الشيخ راشد فضل ساكت، وده خوّفها أكتر من لو كان زعق فيها.

وبعدين قال بصّيلي يا مريم.

رفعت عينيها بالعافية.

إنتِ عارفة إن ده سريري الخاص؟

هزت راسها بسرعة أيوه يا فندم، وعارفة إني غلطت.

سألها طيب، ليه ما روحتيش ترتاحي في أوضتك؟

مريم نزلت عينيها للأرض، وسكتت لحظات، كأنها بتحاول تقرر إذا كانت تقدر تقول الحقيقة ولا لأ.

وبعدين همست عشان لو سيبت الشغل قبل ما أخلص، كانوا هيخصموا مني يومية كاملة.

الشيخ بص لعم جابر فجأة.

مين قالها كده؟

عم جابر اتلخبط دي تعليمات تنظيم الشغل يا فندم، عشان كل حاجة تخلص في معادها.

مريم رفعت عينيها بخوف، وقالت مش بس كده يا فندم...

عم جابر بص لها بنظرة تحذير خلتها تسكت في الحال.

لكن الشيخ راشد لاحظ النظرة دي.

قال بصرامة كمّلي كلامك يا مريم. محدش هيمنعك تقولي الحقيقة.

مريم أخدت نفس طويل، وبعدها قالت أنا مش الوحيدة اللي بتشتغل لحد ما تقع من التعب. فيه ناس هنا بتخاف تتكلم، عشان اللي بيشتكي بيتخصم منه، واللي يعترض ممكن يمشي من القصر من غير مستحقاته.

عم جابر صرخ فيها إنتِ اتجننتي؟! هتتهمي الناس ظلم قدام الشيخ؟!

لكن راشد رفع صوته لأول مرة إنت اللي تسكت دلوقتي يا جابر!

الصمت نزل على الأوضة، حتى مريم نفسها اتخضت من نبرة صوته.

الشيخ خلع الجاكيت بتاعه، وحطه على ظهر الكرسي، وبعدها قال لها إنتِ مش هتتطردي الليلة دي.

مريم رفعت وشها بصدمة، مش مصدقة اللي سمعته.

لكنه كمل وبكرة الصبح، هتكوني موجودة في المكتب الساعة تسعة. وإنت يا جابر، هتكون موجود معايا.

عم جابر حس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خدامة نامت على سرير صاحب القصر.

وقبل ما يخرج، الشيخ قال له وحاجة أخيرة... محدش يلمس مرتب البنت، ومحدش يضغط عليها عشان تغيّر كلامها.

خرج عم جابر من الأوضة وملامحه متغيرة تمامًا.

أما مريم، فكانت لسه واقفة مكانها، مش عارفة تشكر الشيخ ولا تخاف من اللي مستنيها الصبح.

وقبل ما تمشي، سمعت صوته بيقول

يا مريم، إنتِ قلتي إن أمك تعبانة... هي محتاجة علاج؟

دموعها لمعت في عينيها.

أيوه يا فندم، بس أنا مش بطلب مساعدة من حد. أنا بس نفسي أشتغل بالحلال وأعرف أجيب لها دواها.

الشيخ راشد بص لها طويلًا، وبعدها قال جملة واحدة خلتها تخرج من الأوضة وهي مش قادرة تستوعب اللي حصل

بكرة هنعرف إذا كان اللي بيحصل في القصر ده مجرد إهمال... ولا فيه حد متعمد يخلّي الناس تخاف وتفضل ساكتة.

لكن اللي ما كانش يعرفه الشيخ راشد، إن عم جابر أول ما نزل للدور الأرضي، دخل أوضة صغيرة جنب المطبخ، وقفل الباب بالمفتاح، وطلع موبايله واتصل برقم محفوظ عنده باسم المدير.

أول ما الطرف التاني رد، قال بصوت مخنوق

إحنا في مشكلة كبيرة... الشيخ رجع بنفسه، والبنت مريم قالت له كلام كتير!

جاله صوت من الناحية التانية ببرود

قالت له إيه بالضبط؟

عم جابر رد مش عارف إذا كانت تعرف كل حاجة ولا لأ، بس واضح إنها بدأت تشك.

سكت الصوت لحظات، وبعدين قال

يبقى لازم نعرف هي شافت إيه، وسمعت إيه، قبل اجتماع بكرة.

عم جابر قفل المكالمة، لكنه ماخدش باله إن فيه حد كان واقف ورا الباب، وسمع آخر جملة قالها!

والصدمة إن الشخص ده ما كانش واحد من الخدم.

..

ده كان واحد من أقرب الناس للشيخ راشد نفسه! 

يتبع...

الجزء التالت السر اللي مستخبي جوه القصر! 

الشخص اللي كان واقف ورا الباب رجع خطوتين لورا بهدوء، وحاول يسيطر على أنفاسه.

كان اسمه فهد، ابن أخو الشيخ راشد، والراجل اللي الشيخ كان بيعتبره دراعه اليمين، وبيثق فيه لدرجة إنه سايبه يتابع جزء كبير من شغله واستثماراته.

فهد كان جاي القصر في وقت متأخر عشان ياخد ملف من المكتب، لكنه سمع مكالمة عم جابر بالصدفة.

ولما سمع اسم مريم، وقف مكانه.

إيه علاقة خدامة بسيطة بسر كبير بالشكل ده؟ وليه عم جابر خايف إنها تتكلم؟

استنى لحد ما عم جابر خرج من الأوضة، وبعدها دخل المكتب الصغير، وفتح درج كان عارف إن عم جابر بيحط فيه أوراق الشغل اليومية.

قلّب في الورق بسرعة، لحد ما لقى كشف المرتبات.

في البداية، كل حاجة كانت طبيعية، لكن لما ركّز في الأرقام، اكتشف حاجة غريبة.

فيه مبالغ بتتخصم من مرتبات بعض الخدم كل شهر، تحت بند اسمه مخالفات إدارية.

المشكلة إن الخصومات دي كانت بتتكرر حتى مع موظفين ماعليهمش أي شكاوى أو إنذارات!

فهد صوّر الكشف بموبايله، ورجّعه مكانه بالضبط، وبعدها خرج من غير ما حد يحس بيه.

لكنه ماكانش يعرف إن عم جابر كان واقف في آخر الطرقة، بيراقبه من بعيد!

في الناحية التانية من القصر، كانت مريم قاعدة على طرف سريرها الصغير في أوضة الخدم، ودموعها بتنزل في صمت.

مش مصدقة إنها عدّت الليلة من غير ما تخسر شغلها.

لكنها كانت مرعوبة من اجتماع الصبح.

هي عارفة إن فيه حاجات غلط بتحصل، لكنها ماكانتش تتخيل إن الشيخ راشد بنفسه هيسأل عنها.

وفجأة، الباب خبط خبطتين خفيفتين.

مريم مسحت دموعها بسرعة وفتحت.

كانت واقفة قدامها ست كبيرة اسمها أمينة، مسؤولة عن تجهيز أكل العاملين، والست الوحيدة تقريبًا اللي كانت بتعامل مريم بحنية من أول يوم ليها في القصر.

أمينة دخلت وقفلت الباب، وبعدها قالت بصوت واطي

إنتِ قلتي للشيخ كل اللي حصل؟

مريم هزت راسها.

ماقدرتش أخبي أكتر من كده يا خالتي. أنا تعبت، وكل يوم بنسكت عشان خايفين على أكل عيشنا.

أمينة بصّت ناحية الباب، واتأكدت إنه مقفول كويس، وبعدها قربت منها.

طيب اسمعيني كويس... بكرة لو الشيخ سألك عن أي حاجة، احكي اللي حصل معاكي إنتِ بس. ماتدخليش في موضوع مش متأكدة منه.

مريم استغربت كلامها.

ليه؟ إنتِ تعرفي حاجة أنا ماعرفهاش؟

أمينة اترددت، وبعدها قالت

من شهرين، كان فيه محاسب شغال هنا. راجل محترم، وعمره ما اتكلم على حد. فجأة اتقال إنه سرق أوراق من القصر، واتطرد من غير ما حد يسمع دفاعه.

مريم فتحت عينيها بدهشة.

طب والشيخ راشد كان عارف؟

دي المشكلة يا بنتي... محدش عارف الشيخ وصله إيه من الحقيقة، ومين اللي وصّله الكلام.

أمينة سكتت لحظة، وبعدها كملت

لكن المحاسب قبل ما يمشي، قال لي جملة عمري ما نسيتها لو حصل لي حاجة، دوروا على الدفتر الأزرق.

مريم قامت من مكانها.

دفتر أزرق؟ دفتر إيه ده؟

أمينة هزت راسها.

ماعرفش. بس من يومها، وأنا حاسة إن فيه حد في القصر بيخبي حاجة كبيرة.

وقبل ما مريم تسأل سؤال تاني، سمعوا صوت خطوات بتقرب من الباب.

أمينة وشها اتغير، وهمست

أوعي تقولي لحد إني حكيتلك الكلام ده!

وبسرعة خرجت من باب جانبي صغير بيوصل للممر الخلفي.


مريم رجعت سريرها، لكن النوم طار من عينيها تمامًا.

دلوقتي بقى عندها سؤال أكبر

 



من موضوع نومها على سرير الشيخ

إيه حكاية الدفتر الأزرق، وإيه اللي حصل للمحاسب اللي اتطرد من القصر؟

الساعة تسعة الصبح بالضبط، كان الشيخ راشد قاعد في مكتبه، وقدامه عم جابر ومريم.

وبعد دقايق، دخل فهد وهو شايل ملف أسود.

سلّم على عمه، وقعد في هدوء.

الشيخ راشد بص للجميع وقال

أنا طلبت الاجتماع ده عشان أعرف حقيقة اللي بيحصل في القصر. ومش هقبل إن أي حد يكدب عليّا، مهما كان منصبه أو قربه مني.

وبعدين وجّه كلامه لعم جابر

عايز كشف المرتبات والخصومات لآخر ست شهور.

عم جابر اتجمد مكانه للحظة، لكنه حاول يخفي ارتباكه.

حاضر يا فندم، هجيبه لحضرتك فورًا.

فهد اتدخل بهدوء

مش محتاج يا عمي. أنا جبت نسخة من الكشف الموجود في الإدارة.

فتح الملف، وحط الأوراق قدام الشيخ.

راشد بدأ يراجع الأرقام، وكل ما يقلب صفحة، ملامحه كانت بتتغير أكتر.

لحد ما وصل لصفحة معينة، وقف عندها وسأل

مين المسؤول عن اعتماد الخصومات دي؟

عم جابر رد بسرعة

الإدارة يا فندم، حسب التقارير اللي بتوصلني.

فهد بص له وقال

غريبة! لأن فيه خصومات اتعملت على موظفين ماكانوش موجودين في القصر أصلًا وقت المخالفات المسجلة عليهم.

عم جابر اتلخبط.

يمكن حصل خطأ في التسجيل!

الشيخ راشد قفل الملف بقوة وقال

ست شهور أخطاء؟ وكل الأخطاء دي في حسابات العاملين الضعاف بس؟

محدش رد.

وفجأة، مريم رفعت إيدها بتردد.

يا فندم، ممكن أقول حاجة؟

الشيخ أشار لها إنها تتكلم.

قالت بصوت هادي

أنا مش فاهمة في الحسابات، بس فيه حاجة شوفتها من يومين. لقيت عم جابر خارج من المخزن القديم ومعاه مفتاح صغير، ولما شافني، قالي إن المكان ده ممنوع حد يقرب منه.

عم جابر انتفض من كرسيه.

إنتِ بتقولي إيه؟! ده مخزن فيه حاجات قديمة ومش من اختصاصك!

الشيخ راشد وقف، وبص له مباشرة.

تمام يا جابر. يبقى مفيش مشكلة إننا نفتحه دلوقتي.

ولأول مرة، عم جابر ماعرفش يرد.

فهد قام من مكانه وقال

المفتاح معايا يا عمي.

طلع مفتاح صغير من جيبه، وحطه على المكتب.

الشيخ راشد أخده، وبعدها خرج الجميع من المكتب واتجهوا ناحية المخزن القديم الموجود في آخر الجناح الشرقي.

كان المكان مقفول من سنين، والتراب مالي الباب، لكن لما فتحوه، ظهرت رفوف مليانة ملفات وصناديق قديمة.

راشد طلب من الجميع يفضلوا بره، ودخل بنفسه مع فهد.

فضلوا يدوروا حوالي عشر دقايق، لحد ما فهد لاحظ صندوق خشب صغير مستخبي ورا خزانة حديد.

فتحه، ولقى جواه أوراق قديمة وصورة جماعية لموظفين القصر.

لكن تحت الأوراق، كان فيه شيء خلّى فهد يبص لعمه بصدمة.

دفتر أزرق صغير، مكتوب على غلافه بخط واضح حسابات القصر سري.

الشيخ راشد مد إيده وفتحه.

أول صفحة كانت فيها أسماء، وتواريخ، ومبالغ مالية، وتوقيعات.

لكن في آخر الصفحة، ظهرت ملاحظة مكتوبة بخط مختلف

الدفعة الأخيرة تم تحويلها بمعرفة الشخص المسؤول عن الإدارة، وبموافقة أحد أفراد العائلة.

راشد قلب الصفحة بسرعة، ولما شاف الاسم المكتوب تحت الملاحظة، اتسعت عينيه.

فهد سأله بقلق

خير يا عمي؟ تعرف الاسم ده؟

الشيخ ما ردش.

فضل باصص للاسم كأنه مش قادر يصدق اللي قدامه.

وبعدين رفع عينيه ببطء ناحية باب المخزن، حيث كان عم جابر واقف مستنيهم.

وقال بصوت هادي بشكل مخيف

اقفلوا باب القصر كله... محدش يخرج قبل ما أعرف مين اللي عمل كده.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستخبية في آخر الدفتر، في صفحة مكتوب فوقها تاريخ قديم واسم شخص كان الشيخ راشد فاكر إنه مات من سنين!

 

يتبع...

الجزء الرابع الاسم اللي رجّع الماضي من القبر! 

الشيخ راشد كان واقف في نص المخزن، ماسك الدفتر الأزرق بإيد بتترعش رغم محاولته يخفي صدمته.

فهد قرب منه وسأله عمي، إيه اللي مكتوب؟ مين الاسم اللي شفته؟

راشد ما ردش، وقلب للصفحة الأخيرة اللي عليها علامة ورق قديمة.

كان مكتوب فيها

ملف المرحوم سالم الكتبي الأموال المفقودة قبل وفاته بثلاثة أيام.

أول ما قرأ الاسم، الشيخ رجع خطوة لورا، وكأن حد ضربه على صدره.

سالم الكتبي ماكانش مجرد موظف قديم في القصر، ده كان المحاسب اللي أسس معاه أول شركة في حياته، والراجل اللي وقف جنبه لما كان لسه بيبدأ طريقه في التجارة.

قبل خمسة عشر سنة، سالم اتوفى في حادث عربية، وبعد وفاته بفترة قصيرة، اختفت مستندات مهمة من الشركة، واتقال إن فيه عجز مالي كبير حصل بسبب أخطاء في حساباته.

الشيخ راشد وقتها صدّق التقارير اللي وصلته، لكنه عمره ما ارتاح للقصة دي.

والأغرب إن بنت سالم اختفت من حياته تمامًا بعد وفاة أبوها، ومحدش عرف وصلها لفين.

راشد بص لفهد وقال أنا عايز أعرف الدفتر ده وصل هنا إزاي، ومين اللي كان بيحتفظ بيه كل السنين دي.

فهد رد لازم نراجع التواريخ والتوقيعات الأول يا عمي. ممكن تكون أوراق قديمة اتخزنت بالغلط.

لكن الشيخ هز راسه.

لا. الورق ده متخبي جوه صندوق مقفول في مخزن ممنوع حد يدخله. ده مش غلط، يا فهد.

وفجأة، سمعوا صوت عم جابر من بره يا شيخ راشد، فيه حاجة لازم أقولها لحضرتك قبل ما تكملوا!

خرج الشيخ من المخزن، ولقى عم جابر واقف ووشه شاحب.

اتكلم.

عم جابر بص لفهد، وبعدها رجع بعينيه للشيخ.

الراجل اللي حضرتك بتدور على اسمه... أنا شفته من حوالي شهرين.

الصمت سيطر على المكان.

الشيخ راشد قرب منه خطوة.

شفت مين؟

بنت سالم الكتبي يا فندم.

راشد حس إن قلبه وقف لحظة.

إنت متأكد من كلامك؟

أيوه يا فندم. جت القصر وسألت عن حضرتك، لكن حضرتك كنت مسافر. وأنا قلت لها إن مفيش حد يقدر يقابلها من غير ميعاد، وبعدها مشيت.

الشيخ سأله بغضب وليه ما قلتليش؟

عم جابر نزل عينيه.

لأنها قالت إنها مش جاية تطلب فلوس، وإنها هترجع لما يبقى معاها دليل على كلامها.

راشد شد على الدفتر في إيده.

وقالت اسمها إيه؟

عم جابر تردد، وبعدها رد قالت إن اسمها نورة سالم الكتبي.

في أوضة الخدم...

كانت مريم بتحاول تكمل شغلها، لكن تفكيرها كله كان في اللي حصل الصبح.

وفجأة، أمينة دخلت عليها وهي شايلة صينية فاضية.

قالت بصوت واطي مريم، لازم أحكيلك حاجة، بس أوعي تقاطعي كلامي.

مريم بصتلها بقلق.

خير يا خالتي؟

أمينة قعدت جنبها، وطلعت من جيبها صورة قديمة مطوية بعناية.

فاكرة المحاسب اللي قلتلك عليه امبارح؟

مريم هزت راسها.

أمينة فتحت الصورة، وورّتهالها.

كانت صورة لرجل في الخمسينات، واقف جنب الشيخ راشد الشاب، وخلفهم مجموعة من الموظفين.

لكن مريم ما ركزتش في الراجل.

عينيها اتعلقت بالبنت الصغيرة اللي واقفة في الصف الأمامي، ماسكة إيد أبوها.

وشها اتغير فجأة.

يا خالتي... أنا شفت البنت دي قبل كده!

أمينة اتصدمت.

شوفتيها فين؟

مريم أخدت الصورة بإيدها، وقربتها من عينيها.

الصورة دي شبه صورة قديمة عند أمي. أمي عندها صورة لست كبيرة كانت بتساعدنا زمان، وكانت دايمًا تقول إن الست دي أنقذتنا في وقت صعب، وإنها مدينة ليها بحياتها.

أمينة سألتها وإيه علاقة ده بالبنت اللي في الصورة؟

مريم بصتلها بارتباك.

مش عارفة... بس أمي قالت لي إن الست دي كان عندها بنت اختفت وهي صغيرة، وإنها فضلت تدور عليها سنين طويلة.

أمينة سكتت، وبعدها قالت يا مريم، إنتِ لازم تسألي أمك عن الصورة دي.

مريم كانت هترد، لكن صوت جرس الاستدعاء قطع كلامهم.

كان جرس مكتب الشيخ راشد.

وبعد ثواني، دخلت واحدة من العاملات وهي بتقول الشيخ طالب مريم فورًا، وعايز أمينة معاها!

المواجهة اللي محدش كان مستعد لها!

لما مريم وأمينة دخلوا المكتب، لقوا الشيخ راشد قاعد و قدامه الدفتر الأزرق والصورة القديمة.

فهد كان واقف جنب الشباك، وعم جابر قاعد على كرسي بعيد، ساكت تمامًا.

الشيخ رفع الصورة وسأل أمينة الصورة دي تخصك؟

أمينة بصت لها، ووشها اتغير.

أيوه يا فندم. دي صورة قديمة من أيام ما كنت بشتغل في البيت الأول للشيخ.

راشد سألها تعرفي البنت اللي واقفة جنب سالم الكتبي؟


أمينة هزت راسها.

دي نورة، بنته. كانت بنت طيبة، وأبوها كان بيحبها جدًا.

وبعدين بصت لمريم وسألتها إنتِ عرفتي الصورة دي منين؟

مريم حكت لهم عن الصورة اللي عند أمها، وعن الست اللي ساعدت عيلتها زمان.

الشيخ راشد فضل يسمع من غير ما يقاطعها، وبعد ما خلصت كلامها، فتح الدفتر الأزرق على الصفحة الأخيرة.

مريم، أنا مش هتهم حد من غير دليل، لكن فيه احتمال إن الخيط اللي بندور عليه مرتبط بعيلتك.

مريم اتوترت.

بعيلتي أنا يا فندم؟ إزاي؟

راشد رد عشان أمينة قالت إن الست اللي ساعدتكم كانت تعرف سالم الكتبي، وإن بنت سالم اختفت من سنين. وأنا محتاج أفهم العلاقة بين كل الحكايات دي.

مريم هزت راسها بسرعة.

أنا معرفش أي حاجة عن الحسابات دي، يا فندم. كل اللي أعرفه إن أمي عمرها ما حبت تتكلم عن الماضي.

الشيخ راشد سكت لحظة، وبعدها قال يبقى لازم نسمع منها.

مريم طلبت إذن إنها تتصل بأمها، وراشد وافق.

طلعت موبايلها، واتصلت بيها.

أول ما أمها ردت، قالت مريم ماما، محتاجة أسألك عن صورة قديمة عندك، فيها ست وبنت صغيرة...

لكنها ما كملتش جملتها.

لأن صوت أمها اتغير فجأة، وقالت بلهفة إنتِ جبتي سيرة الصورة دي لمين؟!

مريم اتصدمت.

ماما، إنتِ تعرفي البنت اللي فيها؟

أمها فضلت ساكتة ثواني طويلة، وبعدها قالت بصوت مرتعش

اسمعيني كويس يا مريم... لو إنتِ في القصر دلوقتي، ابعدي عن المخزن القديم، وماتخليش حد يعرف إن الصورة دي لسه موجودة!

الشيخ راشد كان سامع الكلام من مكانه، فقام بسرعة وأشار لمريم تحط المكالمة على مكبر الصوت.

لكن قبل ما تلحق تعمل كده، أمها قالت جملة واحدة خلت كل الموجودين يتجمدوا

لأن البنت اللي في الصورة مش نورة سالم الكتبي... دي أختها، اللي كل الناس افتكرت إنها ماتت مع أبوها!

وفجأة، الخط اتقطع.

مريم فضلت باصة للموبايل بذهول، والشيخ راشد وقف مكانه كأنه مش قادر يستوعب اللي سمعه.

أما فهد، فبص للدفتر الأزرق، وبدأ يقلب صفحاته بسرعة، لحد ما لقى اسم تاني مكتوب بخط صغير في الهامش.

اسم بنت...

وتحته جملة قصيرة

تم نقلها إلى مكان آمن بأمر من الشخص الذي لا يجب أن يعرف أحد هويته.


رفع فهد عينيه ناحية عمه، وقال بصوت خافت

عمي... إحنا مش بندور على بنت اختفت من سنين وبس. إحنا بندور على شخص حد من العيلة حاول يخفي وجوده تمامًا!

وفي اللحظة دي، سمعوا صوت خبطة قوية على باب المكتب.

دخل أحد الحراس مسرعًا، وقال

يا شيخ راشد، فيه ست بره مصممة تقابل حضرتك، وبتقول إن معاها الدليل اللي هيثبت مين سرق أموال سالم الكتبي!

الشيخ راشد وقف فورًا.

اسمها إيه؟

الحارس رد

نورة سالم الكتبي، يا فندم.

لكن قبل ما الشيخ يسمح بدخولها، أضاف الحارس جملة أخيرة

وفيه حاجة غريبة... الست بتقول إنها مش جاية عشان الفلوس. هي جاية عشان تحذر حضرتك من شخص موجود جوه القصر دلوقتي!

راشد بص لفهد، وفهد بص لعم جابر... لكن مريم لاحظت حاجة محدش غيرها خد باله منها أول ما الحارس قال إن نورة جاية تحذر الشيخ، واحد من الموجودين مد إيده بسرعة وخبّى ورقة تحت الملف الأسود! 

يتبع...

الجزء الخامس الورقة اللي فضحت أقرب الناس للشيخ! 

مريم فضلت باصة للملف الأسود، وعقلها بيحاول يستوعب اللي شافته.

مين اللي خبّى الورقة؟ وليه اتوتر بالشكل ده أول ما عرف إن نورة وصلت القصر؟

ماقدرتش تتكلم فورًا، خصوصًا إن الشيخ راشد كان بيوجه كلامه للحارس.

دخّل الست دي، وخلي الحراسة على باب المكتب. ومحدش يدخل أو يخرج من غير إذني.

الحارس نفّذ الأمر، وبعد أقل من دقيقة، دخلت ست في أواخر التلاتينات، لابسة عباءة سادة، وشايلة شنطة جلد قديمة.

كانت ملامحها هادية، لكن عينيها كان فيهم حزن سنين طويلة.

أول ما شافت الشيخ راشد، قالت

السلام عليكم يا شيخ راشد.

رد عليها وهو واقف

وعليكم السلام. إنتِ نورة بنت سالم؟

هزت راسها.

أيوه. وأنا عارفة إن حضرتك عندك أسئلة كتير، بس قبل أي حاجة، لازم تعرف إن أبويا ما سرقش فلوس الشركة، وإن التهمة اللي اتقالت عليه كانت ملفقة.

راشد أشار لها تقعد.

عندك دليل؟

نورة فتحت شنطتها، وطلعت ظرف بني قديم، حطته قدامه.

دي صور من مستندات أصلية أبويا احتفظ بيها قبل وفاته. فيها تحويلات مالية اتعملت من حسابات الشركة لحسابات تانية، من غير علمه. وفيه كمان خطابات بتثبت إنه اعترض على التحويلات دي قبل الحادث اللي مات فيه.

الشيخ فتح الظرف، وبدأ يقلب الأوراق واحدة واحدة.

كل ما يقرأ صفحة، ملامحه كانت بتزداد جدية.

فهد قرب عشان يشوف المستندات، لكن نورة سحبت ورقة من تحت إيده وقالت

معلش، الورقة دي بالذات لازم الشيخ يشوفها الأول.

فهد رجع مكانه، وحاول يخفي انزعاجه.

الشيخ راشد قرأ الورقة، وبعدها رفع عينيه لنورة.

إنتِ بتقولي إن الشخص اللي كان مسؤول عن التحويلات دي لسه موجود؟

نورة ردت من غير تردد

أيوه يا فندم. وأنا مش جاية أتهم حد بالظن. أنا جاية أطلب إن حضرتك تراجع سجلات الشركة بنفسك، لأن فيه مستندات اتغيرت بعد وفاة أبويا، وفيه توقيعات مش بتاعته.

راشد قفل الظرف وقال

ليه استنيتي كل السنين دي؟

نورة بصت للأرض لحظة، وبعدها ردت

لأني كنت صغيرة لما أبويا مات، وماكانش معايا فلوس ولا نفوذ. وكل ما أحاول أوصل لحقيقة اللي حصل، ألاقي حد بيقفل الباب في وشي. ولما عرفت إن بعض الأوراق لسه موجودة في القصر، رجعت أدور عليها.

وبعدين بصت ناحية عم جابر.

وللأسف، أول مرة جيت هنا، الشخص اللي منعني من مقابلة الشيخ كان هو نفسه اللي كان مسؤول عن حفظ الملفات.


عم جابر اتحرك في كرسيه بتوتر.

أنا كنت بنفذ التعليمات يا فندم!

راشد رد بحدة

محدش اتهمك لسه يا جابر. لكن من

 



اللحظة دي، كل حاجة هتتراجع.

مريم تكتشف إن الحكاية أكبر من مجرد دفتر!

وسط الكلام، مريم كانت بتبص لنورة، وحاسة إن فيه حاجة مألوفة في ملامحها.

وبعدين افتكرت كلام أمها عن الصورة القديمة.

رفعت إيدها بتردد وقالت

بعد إذن حضرتك يا شيخ راشد... ممكن أسأل مدام نورة سؤال؟

الشيخ أشار لها تتكلم.

مريم بصت لنورة وسألتها

كان عندك أخت صغيرة؟

نورة اتجمدت.

الظرف اللي في إيدها وقع على المكتب، وبصت لمريم بصدمة.

إنتِ عرفتي منين؟

مريم حكت لها عن المكالمة مع أمها، وعن الصورة القديمة، وعن التحذير اللي سمعته.

نورة قامت من مكانها بسرعة.

اسم والدتك إيه؟

مريم قالت اسم أمها.

نورة حطت إيدها على بقها، وعينيها اتمَلوا بالدموع.

مستحيل... دي نفس الست اللي كانت بتساعدنا زمان!

الشيخ راشد بص لها باستغراب.

وضّحي كلامك يا نورة.

نورة أخدت نفس طويل، وبعدها قالت

بعد وفاة أبويا، حصلت مشاكل كبيرة في العيلة. أمي كانت تعبانة، وأنا كنت لسه صغيرة. كان عندي أخت أصغر مني، اسمها ليلى. في الفترة دي، اختفت أختي من البيت، واتقال لي إنها ماتت، لكن محدش ورّاني شهادة وفاة ولا عرفني حصل إيه بالضبط.

سكتت لحظة، وبعدين كملت

الست اللي كانت بتساعدنا وقتها أخدتني عندها كام يوم، وبعدها سافرت معايا بعيد عن المكان كله. فضلت سنين أحاول أعرف مصير أختي، لكن كل الأبواب كانت مقفولة.

مريم حسّت بدقات قلبها بتزيد.

وماما كانت تعرف أختك؟

نورة هزت راسها.

أيوه. كانت قريبة من أمي، وكانت آخر واحدة شافتها قبل ما تختفي.

مريم حطت إيدها على صدرها، وقالت بصوت ضعيف

يعني ممكن أمي تعرف ليلى راحت فين؟

نورة ردت

مش ممكن وبس... أنا متأكدة إنها تعرف جزء من الحقيقة على الأقل.

المفاجأة اللي قلبت الاجتماع!

الشيخ راشد طلب من الحارس يتصل بأم مريم ويطلب منها تيجي القصر، لكن مريم اعترضت بخوف

يا فندم، أمي كبيرة في السن، وعندها تعب، ومش هتقدر تيجي بسرعة.

راشد رد بهدوء

خلاص، إحنا مش هنضغط عليها. خليها ترتاح، ونتكلم معاها بالطريقة اللي تناسبها.

وبعدين التفت لفهد.

عايزك تراجع المستندات دي مع محاسب مستقل ومحامي، من غير ما حد يغيّر أي ورقة أو يتخلص من أي ملف.

فهد هز راسه.

حاضر يا عمي.

لكن مريم لاحظت إنه ماكانش بيبص للشيخ، وإن إيده بتتحرك ناحية الملف الأسود اللي كان قدامه.

افتكرت الورقة اللي خبّاها من شوية.

فبصت له مباشرة وقالت

بعد إذنك يا أستاذ فهد... ممكن أعرف إنت حطيت إيه تحت الملف؟

المكتب كله سكت.

فهد رفع عينيه لها ببطء.

إنتِ بتتكلمي عن إيه؟

مريم ردت بثبات رغم خوفها

شوفتك وإنت بتخبّي ورقة أول ما الحارس قال إن مدام نورة جاية.

الشيخ راشد بص لابن أخوه.

فهد، ارفع الملف.

فهد فضل ساكت ثواني، وبعدها رفعه.

كانت فيه ورقة مطوية.

راشد مد إيده وأخدها، وفتحها قدام الجميع.

كانت عبارة عن صورة من مستند قديم، وفي أسفلها توقيع واضح، وبجواره تاريخ يرجع لخمستاشر سنة.

نورة قربت من المكتب، وأول ما شافت التوقيع، وشها اتغير.

ده توقيع الشخص اللي كان مسؤول عن التحويلات!

راشد بص للاسم المكتوب تحت التوقيع.

وبعدين رفع عينيه لفهد وسأله

الورقة دي وصلت لك إزاي؟

فهد رد بسرعة

لقيتها وسط أوراق قديمة في الشركة، وكنت ناوي أوريهالك يا عمي.

الشيخ سأله

طيب، ليه خبّيتها أول ما نورة دخلت؟

فهد فتح بقه عشان يرد، لكنه سكت لما نورة

قالت

لأن الورقة دي مش مجرد مستند مالي... دي جزء من ملف اختفاء أختي!

راشد رجع بص للورقة.

في أسفلها كان فيه سطر صغير مكتوب بخط اليد

يُمنع تسليم الطفلة ليلى لأي شخص، إلا بعد التأكد من هوية المستلم وموافقة صاحب الأمر.

وتحت السطر، كان فيه توقيع مختلف تمامًا عن التوقيع الموجود فوق.

توقيع شخص من داخل القصر.

الشيخ راشد قرب الورقة من عينيه، وبعد لحظات طويلة قال بصوت منخفض

أنا أعرف التوقيع ده...

نورة سألته بلهفة

توقيع مين يا شيخ راشد؟

لكنه ما ردش.

كان باصص للاسم، وملامحه بتقول إنه اكتشف حاجة ماكانش يتخيلها أبدًا.

وفجأة، عم جابر قام من كرسيه وقال

يا فندم، أنا لازم أعترف بحاجة قبل ما الموضوع يكبر أكتر!

كل العيون اتجهت ناحيته.

راشد قال بصرامة

اتكلم.

عم جابر بلع ريقه، وبعدها قال

أنا ماخبيتش الدفتر الأزرق عشان الفلوس... أنا كنت بحافظ عليه بأمر من شخص كان بيهددني لو الورق ده ظهر!

نورة صرخت

مين الشخص ده؟!

عم جابر بص ناحية باب المكتب، وبعدها رجع بعينيه للشيخ راشد.

الشخص ده مش غريب عن حضرتك يا فندم... ده شخص حضرتك ائتمنته على القصر كله من سنين طويلة.

وفي اللحظة دي، رن تليفون الشيخ راشد.

بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، وشه اتغير تمامًا.

لأن المتصل كان نفس الشخص اللي عم جابر قال إنه بيخاف منه...

والأغرب إن المكالمة جت في اللحظة اللي بدأ فيها السر ينكشف!

راشد رد، وحط التليفون على مكبر الصوت.

جاله صوت هادي من الناحية التانية

راشد، سمعت إنك فتحت المخزن القديم... أتمنى تكون ما صدقتش كل اللي اتقال لك، لأن فيه حاجات لو عرفتها، هتندم إنك فتحت الباب ده من الأساس!

راشد شد على التليفون وقال

أنا عايز أشوفك حالًا.

الصوت رد

أنا بالفعل في الطريق للقصر.

وبعدها قفل المكالمة.

فهد بص لعمه بقلق، ونورة ضمت أوراق أبوها لصدرها، أما مريم فكانت حاسة إن الحقيقة قربت تظهر أخيرًا.

لكن قبل ما أي حد يتحرك، الشيخ راشد قال جملة خلت الكل يسكت

لما الشخص ده يوصل، محدش هيتكلم غير لما أشوف بعيني مين اللي كان بيكدب عليّا طول السنين دي!

وبعد عشر دقايق بالضبط، توقفت عربية سوداء قدام القصر...

ونزل منها رجل كبير في السن، كان الشيخ راشد فاكره مات من أكتر من عشر سنين! 

يتبع...

الجزء السادس الراجل اللي رجع من الموت! 

باب القصر اتفتح، ودخل الراجل بخطوات بطيئة، مستند على عصاية خشب غالية، وورا منه حارس شايل شنطة جلد سودا.

كان لابس بدلة رمادي، وشعره أبيض بالكامل تقريبًا، لكن ملامحه كانت واضحة مهما غيّر الزمن فيها.

أول ما الشيخ راشد شافه، قام من مكانه فجأة، لدرجة إن الكرسي اتحرك لورا بصوت عالي.

عم منصور؟!

الراجل ابتسم ابتسامة صغيرة وقال لسه فاكرني يا راشد؟

منصور كان المستشار المالي القديم للعيلة، والراجل اللي علّمه إزاي يدير أول مشروعاته. من أكتر من عشر سنين، انتشرت أخبار إنه مات بره البلد، والشيخ راشد نفسه حضر عزاء اتعمل باسمه.

راشد قرب منه، لكن ما مدش إيده يصافحه.

إنت مش المفروض تكون ميت؟

منصور قعد على الكرسي المقابل، وحط عصايته جنبه، وقال بهدوء أحيانًا يا راشد، الإنسان بيضطر يختفي عشان يفضل عايش.

نورة قامت من مكانها، ورفعت صورة أبوها قدامه.

وإحنا كمان هنضطر نختفي عشان ناس زيك تفضل عايشة؟

منصور بص للصورة، وملامحه اتغيرت للحظة، لكنه استعاد هدوءه بسرعة.

إنتِ بنت سالم؟

أيوه. وأنا مش همشي من هنا غير لما أعرف مين لفّق التهمة لأبويا، ومين أخفى أختي!

منصور بص للشيخ راشد وقال شايف يا راشد؟ أنا قلتلك إن فتح الملفات القديمة هيرجع المشاكل تاني.

راشد رد بغضب المشاكل ما رجعتش يا منصور. هي عمرها ما اختفت أصلًا! إنت عارف إن فيه فلوس اتسرقت من الشركة، وإن فيه طفلة اختفت، وإن حد كان بيخبي مستندات جوه قصري؟

منصور تنهد وقال إنت بتسأل أسئلة كتير، لكن قبل ما أجاوبك، لازم تسمع الحقيقة كاملة.

الشيخ أشار له يتكلم.

منصور فتح شنطته، وطلع منها ملف كبير، وحطه على المكتب.

من خمستاشر سنة، سالم الكتبي اكتشف إن فيه تحويلات مالية بتتم من غير موافقتك. بدأ يجمع الأدلة، وكان ناوي يواجه الشخص المسؤول قدامك.

نورة قالت بسرعة وبدل ما تساعدوه، اتهمتوه بالسرقة!

منصور هز راسه.

أنا ما اتهمتوش. أنا كنت بعيد عن الشركة وقتها، ولما رجعت، كان سالم مات، والمستندات الأساسية اختفت.

راشد سأله إنت كنت فين بالضبط؟


منصور رفع عينيه وقال في المكان اللي اتقال فيه إني مت.

ساد الصمت.

فهد قرب من المكتب وقال يعني خبر وفاتك كان كدب؟

منصور رد أيوه. لكن مش هقدر أشرح كل حاجة قبل ما أعرف إذا كان الدفتر الأزرق لسه موجود.

راشد ضرب بإيده على المكتب.

الدفتر قدامي أهو! وإنت هتجاوب على كل سؤال هسأله، سواء عجبك أو لأ.

منصور بص للدفتر، ولأول مرة ظهر الخوف الحقيقي على وشه.

وبعدين قال جملة قلبت كل الحسابات

لو الدفتر ده كامل، يبقى الشخص اللي تسبب في خراب عيلة سالم مش هو اللي إنت فاكره يا راشد.

السر اللي خبّته أم مريم سنين طويلة

في نفس الوقت، مريم كانت واقفة جنب نورة، بتحاول تفهم إيه علاقة أمها بكل اللي بيحصل.

فجأة، موبايلها رن.

كانت أمها.

ردت بسرعة أيوه يا ماما، إنتِ كويسة؟

جالها صوت أمها مرهق أنا كويسة يا بنتي، بس لازم أقولك حاجة قبل ما تسمعيها من حد تاني.

مريم قلبها اتقبض.

خير يا ماما؟

أمها سكتت لحظات، وبعدها قالت فاكرة الست اللي كنت بحكيلك عنها، اللي ساعدتنا زمان؟

أيوه.

الست دي ما كانتش مجرد واحدة طيبة ساعدتنا. دي كانت والدة نورة وليلى.

مريم شهقت، وبصت لنورة اللي كانت واقفة جنبها.

أمها كملت بعد وفاة سالم، حصلت مشاكل كبيرة، والناس بدأت تتهمه بالسرقة. وفي وسط الفوضى دي، اختفت ليلى. أمها كانت بتدور عليها في كل مكان، وأنا ساعدتها على قد ما قدرت.

مريم سألتها بلهفة طب ليلى راحت فين يا ماما؟

أمها ردت أنا ماعرفش مكانها دلوقتي، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها... قبل ما أختفي عن القصر زمان، أم ليلى ادتني ورقة صغيرة وقالتلي ما أفتحهاش إلا لو حد رجع يسأل عن بنتها.

مريم حست إن نفسها اتقطع.

والورقة دي فين؟

في صندوق خشب قديم عندك في البيت، تحت هدوم أبوكي الله يرحمه.

مريم اتصدمت.

أبوها كان متوفي من سنين، والصندوق ده عمرها ما فتحته، لأن أمها كانت دايمًا بتقول إن فيه حاجات شخصية تخصه.

أمها قالت ارجعي البيت، وهاتي الصندوق. لكن أوعي تفتحيه لوحدك، واستني لحد ما أكون معاكي.

مريم بصت للشيخ راشد، اللي كان بيتابع المكالمة من بعيد.

أول ما قفلت، حكت له اللي سمعته.

راشد فكر لحظات، وبعدها قال محدش هيروح لوحده. فهد، جهّز عربية، وإنت يا جابر هتفضل هنا لحد ما نراجع كل الملفات.


عم جابر هز راسه بصمت.

لكن منصور اتدخل فجأة أنا أنصحك ما تروحش البيت ده يا راشد.

الشيخ بص له بحدة.

وليه؟

منصور رد لأن لو الورقة اللي بتتكلموا عنها هي نفس الورقة اللي أنا بدور عليها من سنين، فوجودها ممكن يغيّر كل حاجة.

نورة قربت منه.

إنت عارف الورقة دي؟

منصور ما ردش، لكنه بص لفهد نظرة سريعة، وبعدها قال

خلّينا نروح كلنا. ساعتها هتفهموا ليه أنا اختفيت كل السنين دي.

الصندوق اللي محدش فتحه من خمستاشر سنة

بعد أقل من ساعة، وصلت العربيات لبيت مريم المتواضع.

كان الشيخ راشد مصر يروح بنفسه، ومعاه فهد ونورة ومنصور، بينما فضّل عم جابر في القصر تحت مراقبة الحراس.

استقبلتهم أم مريم عند الباب، وكانت باين عليها علامات القلق.

لما شافت نورة، دموعها نزلت فورًا.

نورة قربت منها وقالت إنتِ كنتِ تعرفي أمي؟

أم مريم هزت راسها.

كنت بحبها زي أختي، يا بنتي. وعمري ما نسيت الأيام اللي قضيناها سوا.

وبعدين دخلتهم غرفة صغيرة في آخر البيت، وطلعت صندوق خشب قديم من تحت السرير.

حطته على الترابيزة، وفتحت القفل بمفتاح كانت محتفظة بيه.

جواه كان فيه شوية خطابات، وصورة قديمة، وظرف أبيض مختوم بالشمع.

مريم مدت إيدها ناحية الظرف، لكن أمها منعتها برفق.

استني يا بنتي.

بصت للشيخ راشد وقالت أنا مش هفتح الظرف غير لما الكل يعرف إن اللي جواه ممكن يظلم ناس لو اتفهم غلط.

راشد رد محدش هيتظلم. إحنا هنا عشان نعرف الحقيقة، مش عشان نتهم حد من غير دليل.

أم مريم فتحت الظرف بحذر، وطلعت منه ورقة مكتوبة بخط امرأة.

نورة أول ما شافت الخط، شهقت.

ده خط أمي!

بدأت تقرأ بصوت مرتعش

إلى من يجد هذه الرسالة...

لو وصلت الورقة دي لنورة، يبقى أنا فشلت إني أوصل لها الحقيقة بنفسي.

ليلى ما ماتتش، زي ما قالوا لها.

أنا وافقت أبعّدها عن البيت فترة قصيرة، خوفًا عليها من اللي كان بيحصل حوالينا. لكن الشخص اللي وعدني إنه هيحافظ عليها، خدها لمكان تاني، وبعدها انقطعت أخباره.

أنا ماعرفش إذا كانت ليلى عايشة في أمان، ولا إذا كانت عارفة اسمها الحقيقي.

لكن فيه شخص واحد يقدر يثبت إيه اللي حصل لها، لأنه هو اللي وقّع على أوراق نقلها...

نورة توقفت عن القراءة، وعينيها مليانة دموع.

راشد قال كمّلي يا نورة.

نورة بصت لآخر سطر.

كان مكتوب فيه اسم واضح.

اسم خلّى منصور يقوم من مكانه، وخلّى فهد يرجع لورا خطوة، بينما أم مريم غطت وشها بإيديها.

الاسم كان راشد بن خالد.

الشيخ راشد نفسه!

مريم بصت له بصدمة.

يا فندم... حضرتك كنت تعرف ليلى؟

راشد فضل واقف مكانه، مش قادر ينطق.

وبعد لحظات طويلة، قال بصوت مبحوح

أنا عمري ما شفت الورقة دي قبل النهارده... لكن الاسم المكتوب مش اسمي أنا.

نورة رفعت رأسها ببطء.

إزاي؟

راشد بص لمنصور، اللي كان واقف عند الباب، وقال

الاسم ده اسم أبويا.

وقبل ما أي حد يستوعب كلامه، منصور قال

يبقى أخيرًا جه الوقت اللي لازم أحكي فيه الحقيقة اللي وعدت أبوك إني ما أقولهاش غير لما يظهر الدليل.

وبعدين فتح شنطته، وطلع صورة تانية، أقدم من كل الصور اللي شافوها.

كانت صورة لطفلة صغيرة واقفة قدام بوابة مدرسة، وماسكة في إيد راجل كبير.

وعلى ظهر الصورة، كانت فيه جملة مكتوبة

ليلى راشد الكتبي.

.. الاسم الجديد للطفلة من يوم وصولها للمكان الآمن.

نورة قربت من الصورة، ودموعها نزلت بغزارة.

يعني أختي كانت عايشة باسم تاني




كل السنين دي؟

منصور هز راسه ببطء.

أيوه. لكن المشكلة مش في الاسم الجديد... المشكلة إن المكان اللي اتنقلت ليه الطفلة، اختفى من السجلات الرسمية بعد فترة قصيرة.

الشيخ راشد سأله وإنت عرفت الكلام ده منين؟

منصور رد لأن الشخص اللي استلم الطفلة، سلّمني أنا نسخة من الأوراق قبل ما يختفي.

وبعدين بص لمريم، وقال جملة خلتها تحس إن حياتها كلها على وشك تتغير

وأنا لما شوفتك أول مرة في القصر يا مريم، افتكرت إن ملامحك مألوفة... لكن ماكنتش أتخيل إنك ممكن تكوني المفتاح اللي هيوصلنا لليلى.

مريم رجعت خطوة لورا.

أنا؟! إزاي؟

منصور مد إيده ناحية الصورة، وأشار لطفلة صغيرة كانت واقفة جنب ليلى في صورة تانية جوه الظرف.

الطفلة دي كانت لابسة سلسلة فضة صغيرة، فيها تعليقة على شكل نجمة.

مريم شهقت، وحطت إيدها على رقبتها.

لأنها كانت لابسة نفس السلسلة من يوم ما أمها ادتهالها وهي صغيرة.

أمها أول ما شافت السلسلة، قعدت على الكرسي وهي بتعيط.

يا رب استر... أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.

لكن قبل ما تشرح أي حاجة، منصور بص للشيخ راشد وقال

يا راشد، لازم تعرف إن الطفلة اللي أبوك حاول يحميها ما كانتش ليلى وحدها... كان فيه طفلة تانية معاها، والاتنين اتفصلوا عن بعض في نفس الليلة.

والأخطر من كده، إن الورقة اللي في إيد نورة ما بتقولش مين أخد الطفلة التانية...

لكن بتقول إن الشخص ده كان واحد من أفراد عيلة الكتبي نفسها! 

يتبع...

الجزء السابع مريم مش مجرد خدامة في القصر! 

الأوضة كلها غرقت في صمت تقيل.

الشيخ راشد كان واقف قدام منصور، وعينيه معلقة بالصورة اللي في إيده، بينما مريم حطت إيدها على السلسلة اللي في رقبتها، وكأنها خايفة حد يمد إيده وياخدها منها.

نورة قربت من مريم، وبصت للتعليقة الفضية.

ممكن أشوف السلسلة دي؟

مريم اترددت، وبعدين فكّتها من رقبتها وادتهالها.

نورة قلبتها بين صوابعها، ولما شافت العلامة الصغيرة المحفورة على ظهر النجمة، شهقت.

يا نهار أبيض! العلامة دي كانت موجودة على سلسلة أختي ليلى!

مريم هزت راسها وهي مش قادرة تستوعب.

أمي قالتلي إن السلسلة دي كانت بتاعة واحدة ساعدتنا زمان، وإنها احتفظت بيها لحد ما كبرت وادتهالي. أنا عمري ما عرفت إنها مرتبطة بعيلة الكتبي!

أم مريم بدأت تعيط، والشيخ راشد قرب منها وقال

يا أم مريم، أنا مش هضغط عليكي، لكن لازم نفهم. إنتِ تعرفي إيه عن الطفلتين دول؟

الست مسحت دموعها، وقعدت وهي بتاخد نفسها بصعوبة.

من خمستاشر سنة، كنت بشتغل في بيت قديم تابع للعيلة. في الفترة دي، حصلت مشاكل كبيرة بعد وفاة سالم الكتبي، ووالدة نورة كانت خايفة على بنتيها من إنهم يتاخدوا منها.

نورة قاطعتها بلهفة

أمي كانت عايزة تحمي ليلى؟!

أيوه يا بنتي. لكنها ما كانتش واثقة في كل اللي حواليها. كان فيه شخص بيقول إنه بيساعدها، وفي نفس الوقت كان بيطلب منها توقّع أوراق من غير ما تقراها.

الشيخ راشد عقد حواجبه.

مين الشخص ده؟

أم مريم بصت لمنصور، وبعدها قالت

أنا ما شفتش وشه بوضوح في الليلة دي. لكني سمعت اسم خالد أكتر من مرة.

راشد اتجمد.

خالد كان اسم والده، اللي توفى من سنين طويلة.

لكن منصور رفع إيده وقال

استنى يا راشد. اسم خالد كان اسم شخص تاني كمان في الشركة، ومش كل ورقة عليها الاسم ده معناها إن والدك هو اللي وقّعها.

راشد أخد نفس طويل.

عندك حق. مش هتهم أبويا ولا أي حد قبل ما نتأكد.

وبعدين التفت لمريم.

السلسلة دي، هل عندك أي حاجة تانية ورثتيها من والدك أو والدتك ومش عارفة أصلها؟

مريم فكرت شوية، وبعدها قالت

فيه علبة صغيرة عند أمي، فيها صورة قديمة ومفتاح نحاس. أمي عمرها ما سمحتلي أفتحها، وكانت بتقول إن الوقت المناسب لسه ما جاش.

منصور رفع رأسه بسرعة.

مفتاح نحاس؟ شكله إيه؟

مريم وصفته، ووش منصور اتغير.

لازم نشوف المفتاح ده.

المفتاح اللي فتح باب الحقيقة

أم مريم قامت ودخلت أوضتها، ورجعت بعد دقايق وهي شايلة علبة خشب صغيرة.

فتحتها وطلعت مفتاح نحاس قديم، مربوط بخيط أحمر باهت.

منصور أول ما شافه، قعد على الكرسي ببطء.

ده مفتاح خزنة الأرشيف القديمة.

الشيخ راشد سأله

أنهي أرشيف؟

أرشيف الشركة الأول، قبل ما تنقلوا المكاتب للمبنى الجديد. كان فيه خزنة صغيرة في غرفة السجلات، محدش كان بيفتحها غير والدك والمحاسب سالم.

نورة قربت من المفتاح.


يعني ممكن يكون جواه دليل يثبت براءة أبويا؟

منصور رد بحذر

ممكن. لكن لازم نروح نشوف إذا كانت الخزنة لسه موجودة، وإذا كان محتواها اتغير.

الشيخ راشد وقف فورًا.

هنروح دلوقتي.

فهد، اللي كان ساكت طول الوقت، اتكلم لأول مرة

عمي، أنا شايف إننا نبلغ المحامي الأول، ونخلي أي فتح للخزنة بحضور شهود.

راشد بص له بإعجاب بسيط.

كلامك صح. مش هنكرر أخطاء الماضي، ومش هنعتمد على كلام أي حد من غير دليل.

وبالفعل، اتصل بمحاميه وطلب منه يجهز الإجراءات اللازمة لمراجعة الأرشيف وحفظ أي مستندات قديمة.

لكن قبل ما يخرجوا من البيت، موبايل نورة رن.

كانت مكالمة من رقم مجهول.

ردت بحذر

ألو؟

جالها صوت رجل بيقول بسرعة

لو إنتِ لسه في بيت مريم، ماتروحيش الأرشيف القديم. فيه حد سبقكم للمكان، وبيحاول يوصل للملفات قبل ما توصلوا!

نورة قامت من مكانها.

مين معايا؟ وإنت عرفت منين إننا رايحين هناك؟

لكن الخط اتقفل.

راشد طلب من فهد يتصل بالحراسة، ويطلب منهم يتأكدوا إن المبنى مؤمّن قبل ما يتحركوا.

وبعد حوالي عشر دقايق، وصلهم رد الحارس

يا فندم، فيه عربية واقفة قدام المبنى من بدري، وجواها شخص رافض ينزل أو يعرّف نفسه.

الشيخ راشد بص لمنصور.

منصور قال بجدية

يبقى لازم نعرف مين سبقنا.

المفاجأة داخل الأرشيف

وصلوا للمبنى القديم، وكان المحامي في انتظارهم مع مسؤول الأمن.

الباب الخارجي كان مقفول، لكن مفيش أي آثار اقتحام واضحة.

مسؤول الأمن فتح لهم، ودخلوا غرفة السجلات.

الرفوف كانت مليانة ملفات قديمة، والأرض عليها طبقة خفيفة من التراب.

منصور مشي لحد آخر الغرفة، ووقف قدام خزانة حديد كبيرة.

الخزنة كانت ورا الخزانة دي.

بمساعدة الحارس، حرّكوا الخزانة، وظهرت خزنة صغيرة مثبتة في الحائط.

راشد أخد المفتاح من مريم، ووقف لحظة قبل ما يحطه في القفل.

لو لقينا أوراق تثبت إن حد من العيلة ظلم سالم، هنتعامل مع الحقيقة زي ما هي، مهما كانت صعبة.

وبعدين فتح الخزنة.

جواها كان فيه ثلاثة ملفات، وصندوق معدني صغير، ومظروف عليه اسم سالم الكتبي.

نورة مدت إيدها ناحية المظروف، لكن المحامي طلب منها تستنى لحد ما يصوروا كل حاجة ويسجلوا الموجودات.

وافقوا، وبدأوا يفحصوا الملفات واحدة واحدة.

الملف الأول كان فيه حسابات قديمة.

والتاني كان فيه خطابات متبادلة بين سالم ومنصور.

أما الملف التالت، فكان عنوانه

حماية القاصرين سري للغاية.

راشد فتحه، ولقى أوراق تخص نقل طفلتين من مكان لمكان، لكن صفحات مهمة كانت ناقصة.

فهد قال

واضح إن حد شال أجزاء من الملف عمدًا.

المحامي أشار لورقة موجودة في آخر الملف.

لكن الصفحة دي ممكن تكون مهمة. فيها رقم تسجيل قديم وعنوان مؤسسة كانت مسؤولة عن رعاية الأطفال وقتها.

منصور قرب، وقرأ العنوان.

وفجأة، حط إيده على جبينه.

أنا أعرف المكان ده... دي كانت دار رعاية في مدينة تانية، واتقفلت من سنين.

نورة سألته

يعني ممكن نعرف ليلى راحت فين؟

منصور رد

لو سجلات الدار لسه موجودة، ممكن نعرف مين استلم الطفلة، أو على الأقل نعرف اسم العيلة اللي أخدتها.

راشد قفل الملف بعناية.

يبقى ده أول طريق حقيقي للحقيقة.

لكن في اللحظة دي، فهد لاحظ إن الصندوق المعدني الصغير كان مفتوحًا، رغم إن القفل بتاعه سليم.

قرب منه، ولقى جواه صورة واحدة، متنية من النص.

فتحها ببطء.

كانت صورة لرجل شاب واقف جنب طفلة صغيرة، وعلى ظهر الصورة مكتوب

تم التسليم بناءً على طلب ابن أخي.

فهد قرأ العبارة بصوت مسموع.

الشيخ راشد بص للصورة، وبعدها مد إيده وأخدها.

الرجل اللي في الصورة كان والده.

أما الطفلة، فكان على معصمها سوار فضي عليه نفس العلامة الموجودة في سلسلة مريم.

راشد رفع عينيه ناحية مريم، وقال بصوت مبحوح

أنا بدأت أفهم ليه أبويا كان محتفظ بكل الأوراق دي... لكنه ما سابش أي تفسير.

مريم سألته

يعني أنا ممكن أكون من عيلة الكتبي؟

الشيخ ما استعجلش في الرد.

ممكن يكون فيه رابط بين عيلتك والطفلتين، لكن السلسلة والصورة وحدهم مش كفاية. لازم نعرف الحقيقة من السجلات والشهود.

وفجأة، المحامي لاحظ ورقة صغيرة ملزوقة تحت غطاء الصندوق المعدني.

فكّها بحذر، وقرأ المكتوب فيها

إذا وصلتم إلى هنا، فابحثوا عن السجل الأصلي في دار الرعاية. اسم الطفلة الثانية لم يُسجّل باسمها الحقيقي، لكن الشخص الذي استلمها وقّع باسمه كاملًا.

وفي أسفل الورقة، كان فيه اسم واضح.

فهد راشد الكتبي.

المكتب كله سكت.

فهد نفسه رجع لورا خطوة، وبص للصورة كأنه بيشوفها لأول مرة.

ده مش توقيعي... أنا أصلًا ماكنتش اتولدت وقتها!

الشيخ راشد بص له بصدمة، وبعدها قال

الاسم ده مش اسمك الكامل يا فهد. ده اسم أبوك، راشد فهد الكتبي... أخويا الكبير.

نورة حطت إيدها على بقها.

منصور غمّض عينيه، وكأنه كان خايف من اللحظة دي من سنين.

أما مريم، فبصت للسلسلة اللي في إيدها، وبدأت تفهم إن القصة مش مجرد طفلتين اختفوا من زمان.

لكن قبل ما الشيخ راشد يسأل منصور عن أخوه، وصل إشعار على موبايل فهد من رقم مجهول، فيه صورة حديثة لست واقفة قدام بوابة دار الرعاية القديمة، وتحت الصورة جملة واحدة

لو عايزين تعرفوا ليلى فين، اسألوا الست دي... لأنها عارفة مين هي مريم الحقيقية.

فهد رفع عينيه ببطء ناحية مريم.

وفي نفس اللحظة، رن تليفونها.

كانت أمها بتتصل، وصوتها في الرسالة الصوتية اللي سابتها كان مرتعش

يا مريم، مهما حصل، أوعي تصدقي أي حد يقولك إن أبوكي مات من غير ما تعرفي الحقيقة كاملة... لأن فيه سر عن وفاته أنا مخبياه عنك من يوم ما كنتِ طفلة.

ولأول مرة، مريم حسّت إن كل اللي عرفته عن حياتها ممكن يكون مجرد نص الحكاية! 

يتبع...

النهاية الحقيقة اللي رجّعت كل حق لأصحابه!

 

مريم فضلت واقفة في مكانها، ماسكة الموبايل، ومش قادرة تستوعب رسالة أمها.

أبوها اللي عاشت سنين فاكرة إنه مات من غير ما يسيب وراه غير الذكريات، كان فيه سر متعلق بوفاته محدش قالها عليه!

الشيخ راشد لاحظ ارتباكها، فقال بهدوء

يا مريم، مهما كانت الحقيقة، مش هتواجهيها لوحدك. إحنا وصلنا لحد هنا، ولازم نكمل للآخر.

مريم بصت له وقالت

أنا مش عايزة فلوس ولا قصر يا فندم. أنا عايزة أعرف أنا مين، وليه كل الأسرار دي مستخبية عني!

رد راشد بحزم

وده حقك.

السر الأخير في دار الرعاية

بعد يومين من التحقيقات ومراجعة المستندات، سافر الشيخ راشد ونورة ومريم وفهد، ومعاهم المحامي، لدار الرعاية القديمة.

المكان كان اتحوّل لمبنى إداري، لكن الأرشيف الأصلي لسه محفوظ في مخزن تابع للمؤسسة.

بعد مراجعة سجلات قديمة، وصلوا لملف باسم طفلة اتسجلت بهوية مؤقتة، وكان معاها تقرير بيقول إنها اتنقلت للمؤسسة بعد خلافات عائلية خطيرة.

والأهم، إن الملف كان فيه صورة للسيدة اللي ظهرت في رسالة فهد.

كانت اسمها سعاد، ممرضة متقاعدة اشتغلت في الدار سنين طويلة.

لما قابلُوها، فضلت باصة لمريم وقت طويل، وبعدها دموعها نزلت.

كنت عارفة إن اليوم ده هييجي... إنتِ كبرتي يا بنتي.

مريم قربت منها بلهفة.

حضرتك تعرفيني؟

سعاد هزت راسها.

أيوه. أنا اللي استقبلتك وإنتِ طفلة صغيرة، وجابك راجل قال إنه قريبك، وإنه عايز يحميكي لحد ما المشاكل تهدى.

الشيخ راشد سألها

مين الراجل ده؟

سعاد طلعت صورة قديمة من ملفها، وقدمتها له.

كان الرجل هو راشد فهد الكتبي، أخو الشيخ راشد الأكبر.

لكن المفاجأة إن مريم ما كانتش بنت نورة أو أخت ليلى.

كانت بنت سالم الكتبي من زوجته الأولى، اللي توفت بعد ولادتها بوقت قصير، واتربت بعيد عن باقي العيلة بعد خلافات كبيرة على الميراث.

أما ليلى، فكانت بنت سالم من زوجته التانية، وبالتالي أخت مريم من الأب.

نورة بصت لمريم واحتضنتها وهي بتعيط.

يعني طول السنين دي كنت بدور على أختي، وهي كانت قدامي من غير ما أعرف!

مريم حضنتها بقوة.

وأنا طول عمري كنت فاكرة إني لوحدي!

لكن لسه كان فيه سؤال مهم ليه مريم اتنقلت لدار الرعاية؟

سعاد وضحت إن عمها، راشد فهد، كان خايف إن النزاع على الميراث يعرّض الطفلة للخطر. فرتّب انتقالها لمكان آمن، وبعدها طلب من أم مريم تتولى رعايتها لما الظروف تسمح.

لكن للأسف، مات عمها قبل ما يقدر يكشف الحقيقة كاملة، وضاعت المستندات وسط النزاعات العائلية.

أما أبو مريم، فكان رجلًا بسيطًا اتجوز أمها بعد سنوات، وربّاها بحب كأنها بنته، من غير ما يستغل أصلها أو حقها في الميراث.

ولما توفى، احتفظت أمها بالأوراق لأنها كانت خايفة إن كشف الحقيقة يعرّض بنتها للأذى.

مين سرق أموال سالم الكتبي؟


رجعوا القصر، ومعاهم نسخ موثقة من السجلات.

المحامي كان راجع الحسابات القديمة، واكتشف إن فيه تحويلات مالية غير قانونية تمت عن طريق شركة وسيطة كان مسؤول عنها مدير مالي سابق، بالتعاون مع شخص من الإدارة.

والدفتر الأزرق كان بيوثق جزءًا من التحويلات، لكن مش كل التفاصيل.

بعد مراجعة التوقيعات والمستندات، اتضح إن عم جابر كان بيخفي الملفات خوفًا من خسارة شغله، وإنه نفّذ تعليمات المدير المالي السابق من غير ما يعرف حجم التلاعب بالكامل.

أما منصور، فاعترف إنه اختفى بعد ما اكتشف مخالفات مالية، خوفًا من تهديدات وصلته، لكنه أخطأ لما سكت كل السنين دي وما رجعش يواجه الحقيقة.

الشيخ راشد ما اكتفاش باعترافاتهم، وسلّم المستندات للجهات المختصة، وبدأت مراجعة قانونية مستقلة لكل الحسابات.

وبعد شهور من التحقيق، ثبتت

براءة سالم الكتبي من تهمة السرقة، واتكشف جزء كبير من الأموال اللي اتسحبت من الشركة بطرق غير قانونية.

عم جابر خسر منصبه بعد ثبوت مخالفاته الإدارية، لكنه ما اتعاقبش لمجرد كلام الناس؛ كل إجراء اتاخد ضده كان بناءً على الأدلة.

والشيخ راشد أعلن قدام أفراد العيلة كلها

من النهارده، محدش هيتظلم عشان ضعيف أو فقير، ومحدش هيخسر حقه عشان شخص عنده نفوذ.

مريم ترجع للقصر... لكن المرة دي بشكل مختلف

بعد ما ظهرت الحقيقة، الشيخ راشد طلب من مريم تقابله في مكتبه.

قال لها

إنتِ ليكي حقوق قانونية في تركة والدك، وهنخلي محامي مستقل يشرح لك كل حاجة، من غير ما تضطري تعتمدي على كلامي أو كلام أي فرد من العيلة.

مريم بصت له وقالت

شكرًا يا فندم، لكن أنا عايزة أكمل تعليمي وأشتغل. مش عايزة حياتي كلها تتحدد بالفلوس.

ابتسم راشد لأول مرة من قلبه.

وده قرارك، وأنا هحترمه.

مريم ما رجعتش تشتغل خدامة في القصر.

الشيخ عرض عليها وظيفة إدارية تناسب مؤهلاتها بعد ما تكمل تدريبها، لكنها أصرت الأول إنها تتعلم المحاسبة وتفهم حقوقها كويس.

وبمساعدة نورة، بدأت تدرس وتتعلم، وبعد فترة بقت بتشتغل في مؤسسة خيرية مستقلة بتساعد أبناء العاملين البسطاء في التعليم والتدريب المهني.

أما نورة، فاستعادت اسم أبوها وسمعته، وقررت تخصص جزءًا من نصيبها القانوني لإنشاء منحة تعليمية باسمه.

والشيخ راشد غيّر نظام العمل في كل قصوره، ووضع قواعد واضحة لساعات العمل والراحة والأجور، وفتح باب الشكاوى أمام العاملين من غير ما يضطروا يخافوا من الانتقام.

بعد سنة كاملة...

في ذكرى وفاة سالم الكتبي، اتجمعوا كلهم في الحديقة الكبيرة قدام القصر.

نورة كانت واقفة جنب مريم، والاتنين حاطين ورد أبيض قدام صورة أبوهم.

الشيخ راشد قرب منهم وقال

أبوكم كان يستحق إن الحقيقة تظهر من زمان.

مريم ردت

الحقيقة اتأخرت، لكن المهم إنها ظهرت.

وبعدين بصت للسرير اللي بدأت عنده الحكاية كلها، وافتكرت الليلة اللي نامت فيها من شدة التعب، وهي مرعوبة من إنها تخسر شغلها.

ابتسمت وقالت للشيخ

فاكر أول ليلة قابلتني فيها؟

ضحك راشد وقال

أفتكرها إزاي؟ لقيتك نايمة على سريري، وبدل ما ألاقي مشكلة بسيطة، اكتشفت إن القصر كله محتاج يتصلح!

ضحكوا كلهم.

لكن مريم قالت بجدية

أنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لي هي إني أخسر شغلي. ماكنتش أعرف إن الليلة دي هتخليني أعرف عيلتي، وأرجع حق أبويا، وأبدأ حياة جديدة.

راشد رد

ساعات موقف صغير بيكشف حاجات كبيرة، بس المهم إننا نعرف نتصرف صح لما الحقيقة تظهر.

وفي اللحظة دي، دخلت أم مريم الحديقة، واتجهت لبنتها واحتضنتها طويلًا.

مريم همست لها

أنا مسامحاكي يا ماما. عارفة إنك كنتِ خايفة عليّا.

أمها بكت وقالت

كنت نفسي أحميكي من كل حاجة، بس ماكنتش أعرف إن السكوت هيوجعك بالشكل ده.

مريم مسحت دموعها وقالت

خلاص يا ماما... إحنا هنبدأ من جديد.

وبين ضحكاتهم ودموعهم، كانت مريم أخيرًا حاسة إنها مش مجرد بنت بتجري طول اليوم عشان تحافظ على أكل عيشها.

بقت إنسانة عرفت أصلها، واستعادت حقها، واختارت بنفسها الطريق اللي عايزة تكمل فيه حياتها.

أما الشيخ راشد، ففضل طول عمره فاكر الليلة اللي رجع فيها القصر الساعة تلاتة الفجر، ولقى خدامة نايمة على سريره... لأنها كانت الليلة اللي اكتشف فيها إن أغلى حاجة ممكن يخسرها الإنسان مش فلوسه ولا قصوره، لكن عدله وثقته في الناس.


وتمت الحكاية.


 


 

 


 

  

أنت الان في اول موضوع

تعليقات