رواية قلوب تائهه الفـــصــــل الأول بقلم سهام صادق حصريه وجديده
رواية قلوب تائهه الفـــصــــل الأول بقلم سهام صادق حصريه وجديده
في منزل يبدو عليه البساطة الشديدة، عندما تدخله ترى مدى بساطة أهله وطيبتهم، ولكن تجد الحزن يخيم على أرجائه؛ فقد فقدوا من كان مصدر أمانهم وحمايتهم.
كانت تجلس سيدة في الخمسين من عمرها، ما زالت ملامح جمال الصبا ظاهرة على وجهها بالرغم من ظهور التجاعيد البسيطة، والحزن الشديد الذي يملأ قلبها قبل وجهها على زوجها الغالي الذي تركها وحيدة في تلك الحياة هي وابنتها.
تنظر مريم بحزن وإشفاق على حال والدتها، وبرغم من حزنها الشديد والفراق الذي لم تتقبله، ولكنها تجاهد أن تبقى قوية من أجل والدتها المريضة.
جلست بجانب والدتها وأمسكت إحدى يديها ثم قبلتها بحب.
مريم : اخدتي علاجك يا ماما؟
الأم بنبرة واهنة: اخدته.. مع إن مبقتش فارقة كتير يا بنتي، اللي كان مخليني أحب الحياة راح خلاص.
ثم بدأت دموعها تتدفق من مقلتيها.
أشاحت مريم بوجهها عن والدتها حتى تسيطر على دموعها:
ـ ليه كده يا ماما؟ بعد الشر عليكي، أنا ليا مين غيرك يا ست الكل؟
سعاد (والدتها) بإشفاق وهي تحتضن ابنتها لتهون عليها، أو بالأصح تستمد منها قوتها:
ـ مش مصدقة يا مريم إنه سابنا خلاص، خلاص مش هيبقى موجود وسطنا!
ثم تذكرت إحدى مداعباته لها:
ولا.. هيقولي حكاية قفص المانجة الي كان شبكتي، ونفضل نضحك ونفتكر أيام زمان، يااااه!
مريم بتنهيدة تحمل مرارة غصتها:
ـ وانا كمان وحشني أوووي يا ماما.
ثم اترمت في حضن والدتها ثانية، وظلوا يبكون سوياً على حياتهم الجديدة التي تنتظرهم بدونه.
...
أصوات الموسيقى تعلوا، والرقص والضحك وشرب الخمر، والصحافة تملأ المكان، وصفقات بين رجال أعمال تتم وصداقة تبدأ من أجل المال والصفقات؛ عالم تعتبر المادة هي أول أساسياته وأهم أولوياته.
دخل بسيارته الفارهة الحديثة، ونزل منها بغرور؛ وكيف لا يكون بهذا الغرور وهو حفيد وابن واخ لأكبر وأهم عائلة ثرية؟
التفت ورائه فوجد سيارة أخيه الأكبر تدخل، وينزل السائق سريعاً ليفتح له باب السيارة.
يتميز أدهم بملامح رجولية كاملة تدل على شخصيته القوية وصرامته ويطلقون عليه أنه الرجل الذي يحطم قلوب النساء ، وما من أحدهن إلا ترغب بأن تكون زوجته، بالتأكيد من أجل شهرته وماله وأيضاً وسامته.
قال أياد بترحيب وهو يقترب من شقيقه:
ـ أهلاً بالبوس، منور الحفلة، بس إيه اللي غير رأيك وخلاك تيجي؟
أدهم بهدوء: إيه يا أياد؟ مش عايزني أجي عشان مشوفش فضايحك وأتفاجئ بيها بكره في المجلات، صح؟
أياد بضحكة جميلة قد زادت من وسامته: ما أنت عارف، الصحافة ما بتصدق أي حاجة؛ يعني المرة اللي فاتت طلعتلي قصة حب بس عشان طولت شوية في الراقصة مع واحدة، أومال لو بوستها كانوا قالوا إيه؟ هتجوزها!
رمقه أدهم بطرف عينه ساخراً: حاسب شوية على تصرفاتك، أنا مش عارف هتكبر إمتى؟ 26 سنة ولسا طايش!
أياد بقهقهة عالية: أنا لو مكانك أتَبَرى من العيلة دي، أخ طايش وأب كل يوم بيغير عروسة ولا كأنه بيغير جزمة!
وكاد أدهم أن يتحدث ولكن صمت عندما رأى والده الرجل الذي يبلغ من العمر 60 عاماً يتراقص في حضن فتاة يبدو أنها في عمر شقيقه.
أياد بضحكة ساخرة وهو يشاهد أيضاً المنظر: مش بقولك أنت لازم تتبرى من العيلة دي؟ عيش أنت بقى وسيبني أعيش!
ذهب أياد وكان أدهم نظراته ما زالت على والده، ثم التفت جهة شقيقه ، فوجده يقف مع إحدى الفتيات التي تعانقه بغنج فاضح.
نظر عليهم نظرة طويلة، ثم التفت ليأخذ أحد المشروبات ليهدئ من أعصابه حتى لو قليلًا.
كانت واقفة تنظر إليه وتتبع حركته وقد خطفها هدوءه ووقاره الذي أعجبها منذ أن رأته في المرة الأولى في إحدى الحفلات، وهو يبتسم ابتسامة جذابة تجعل قلب أي امرأة يذوب معها، قررت اليوم وبكل جرأة أن تقترب منه قبل أن يظهر أحد وينشغل معه بالحديث، فهذه هي فرصتها.
استدار أدهم بجسده ودون أن ينتبه اصطدم بها، وانسكب المشروب الذي كان بيدها على فستانها.
أدهم بأعتذار: آسف بجد، مأخدتش بالي، إنتي كويسة؟
صافي بابتسامة واسعة: ولا يهمك، أنا الي كنت غلطانـة.
ثم بدأت بالتحدث معه، وقالت له بجرأة:
طالما أنت شخص لطيف أهوه زي بقية الرجالة، أومال ليه دايماً معروف بالصرامة والانضباط؟
وكادت أن تقول كلمتها الأخيرة ولكن...
أدهم : ومعقد ومغرور، صح؟
صافي: مش قصدي صدقني، بس ده اللي دايماً باسمعه عنك من ساعة لما رجعت من لندن..
أدهم: لاء عادي.. عن إذنك.
ثم ابتعد عنها وتركها تشعر بالحيرة منه، ظلت تتابع حركاته وانشغاله مع بعض أصدقائه من رجال الأعمال، كانت كل نظراتها عليه إلى أن...
ـ مش هيبصلك ومش هتفرقي معاه، كان غيرك أشطر! ما فيش ست لحد دلوقتي قدرت بس أنها حتى تقضي ليلة معاه، ده أدهم شوكت!
نظرت لها صافي بصمت ولم تتحدث.
....
ـ على فكرة وحشتيني أوووي!
بوسي بدلال وهي تنظر إلى أياد: كداب.
أياد: أخص عليكي، أنا كداب برضه؟
بوسي: أومال مبتردش ليه على تليفوناتي؟
أياد: مشغول يا حبيبتي.
بوسي وهي تقترب منه أكثر وتقبله على أحد خديه: مشغول على بوسي حبيبتك برضه؟
أياد بلطف ومجاملة مصطنعة ومزيفة: غصب عني ما إنتي عارفة، وكمان ولا تزعلي ياستي هنقضي السهرة النهارده مع بعض.
بوسي بمياعة وهي تحتضنه: بموووت فيك يا دودي يا حبيبي أنت!
وكادت أن تكمل مياعتها، ولكن قطع حديثهم قدوم أحمد صديقهم...
أحمد: أيوه يا عم، ما فيش طبعا غير سي أياد!
بوسي ببرود: يا سم!
ثم تركتهم وقبل أن تنصرف قالت:
ـ مستنياك يا حبيبي.
نظر لها أياد بخبث وبابتسامة، ثم التفت إلى صديقه:
أحمد: إمتى هتعقل بقى؟
أياد بضحك: وأعقل ليه؟ هو أنا الي برمي نفسي عليهم؟ آه، خلينا نستمتع بحياتنا!
احمد: وهي دي تعتبر حياة يا سي أياد؟
أياد وهو ينظر لأحدى الفتيات التي لفتت انتباهه وعيناه تتفحصها: بتقول إيه يا أحمد؟
ثم تركه وابتعد.
أحمد: ربنا يهديك يا بن خالي وتعقل.
...
ـ تقبل الله يا ماما.
سعاد: منا ومنكم إن شاء الله.
مريم: يلا عشان نتعشا وتخدي دواكِ.
الأم بحزن ولكي لا تزيد الحزن علي ابنتها: يلا يا حبيبتي، بسم الله.
بدأوا في تناول طعامهم ولكن قطع جلستهم رنين هاتف منزلهم، نهضت مريم لكي ترد على المتصل.
مريم: السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام، ازيك يا مريم يا بنتي؟
مريم: الحمد لله يا عم حسين، ازي حضرتك؟
حسين بخجل: أنا الحمد لله يا بنتي بخير، معليش اتصلت بيكم في الوقت ده.
مريم: لا أبداً، ولا يهمك.
حسين بخجل، وبدأ يقص عليها ما اتصل لأجله...
...
ـ كفاية بقي يا ريري، إنتي شكلك شقية أووي وهتتعبيني.
ريري: عشان خاطري خلينا نرقص، ولا عايز ولادك يقولوا عليك عجزت؟
عزت بغرور: أنا عجزت؟! فشر!
أدهم : شايف يا أحمد خالك؟ مش عارف إمتى بس هيحس بعمره ومكانته الأجتماعية، ده فاكر نفسه لسا مراهق! أنا مش عارف هلاقيها منه ولا من أياد؟ طب أياد لسا شاب وطايش، أما هو دي خامس جوازة ليه في سنة واحدة!
أحمد بأسف: أنت هتعمل إيه ولا إيه يا أدهم؟ ربنا يهديهم.
أدهم بجمود: أنا ماشي، عشان لو فضلت أكتر من كده مش عارف هعمل إيه!
ثم نظر على والده وألقى عليه نظرة ساخطة ورحل.
....
كانت أعين صافي ما زالت تتابعه، وعندما رأته يغادر الحفل استأذنت وغادرت.
صعد سيارته وهو يشعر بالاختناق بسبب رؤيته لوالده ، سحب نفساً عميقاً لينعم ببعض الهواء ؛ فأنتبه على وقوفها وإنتظارها لإحدى سيارات الأجرة.
أدهم: أقف يا صالح.
خرج من سيارته بهدوء، ثم عرض عليها أن يوصلها كي لا تبقى بمفردها في مثل هذا الوقت، وأيضاً ليعتذّر لها ثانيةً عما فعله بها عندما أسكب عليها العصير.
وافقت على دعوته لها وهي تشعر بسعادة بالغة فقد تحقق ما تمنت. أوصلها إلى البناية التي تقطن بها في إحدى المناطق الراقية، وبعد إلحاح شديد كي يشرب معها فنجان قهوة حتى يهدأ الصداع، وافق على عرضها وترجل معها السيارة ليذهب إلى شقتها التي تعيش فيها بمفردها.
....
سعاد : طب هنعمل إيه دلوقت؟ معاش أبوكِ لسا الحكومة مش هتصرفوه لينا دلوقت، والله أعلم لو أخدناه.. والتاكسي، أه عم حسين طالب مفاتيحه، اللي أصلاً كنا هنبعتهاله من غير كلام، بس الواحد اتلها! أنا هراجع أخيط تاني يا مريم، وهطلع مكنة الخياطة.
مريم: لاء طبعاً يا ماما، طول ما أنا عايشة مش هتعبك أبداً، أنا هنزل من بكره إن شاء الله أدور على شغل.
سعاد بحزن وتذكرها لزوجها: يااااه يا عبد الله، عمرك ما خلتنا محتاجين حاجة، كنت بتحرم نفسك وتشتغل على التاكسي بالليل عشان متخليناش نُحتاج لحد!
مريم بحزن يعتصر قلبها: ربنا كريم يا ماما، وإن شاء الله مش هنحتاج لحد، قولي يارب.. مش إنتي دايماً بتقوليلي: ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وكفى بالله وكيلاً؟
سعاد: ونعم بالله، ياااا رب..
مريم: يلا ننام بقي يا ست الكل، عشان نصحي نصلي الفجر.
الأم بحب وهي تربت على كتف ابنتها: ربنا يباركلي فيكي يا حبيبتي ويحفظك.
....
نظر أدهم جانبه فوجدها نائمة لا يسترها شىء مثله، وأخذ يتذكر ما حدث بينهم، ثم نهض بهدوء من جانبها وارتدى ملابسه، وقبل أن يغادر نهضت قائلة بعد أن غطت جسدها.
صافي: صباح الخير.
أدهم: صباح النور..
صافي: يااااه، ده أكتر يوم أنام فيه وأحس بالراحة من غير أحلام مزعجه!
نظر إليها أدهم ثم همّ بالرحيل ولكن استوقفه صوتها :
هشوفك تاني؟
أدهم ودون أن يلتفت إليها، غادر الشقة.
ظلت واقفة لثوان معدودة وهي تتذكر ليلة أمس التي قضتها بين أحضانه، ثم ابتسمت وذهبت إلى غرفتها لتكمل نومها وتنعم برائحته التي ما زالت على فراشها.
....
ظلت مريم تبحث طوال اليوم عن عمل ولكن بدون جدوى؛ فكل أصحاب العمل يرغبون بمن لديه خبرة، أو بالأصح واسطه لكي ينعم بأبسط حقوقه وهي وظيفة لكي يعيش بها.
نظرت إلى أوراق تخرجها والدورات التدريبية التي حصلت عليها، ثم وضعتهم في حقيبتها وقررت الرجوع إلى منزلها.
سعاد بحب: عملتي إيه يا مريم؟
مريم بأسى تحاول أن تخفيه: لقيت الحمد لله شغل، متقلقيش يا ست الكل.
سعاد بشك: شغل إيه وفي شركة إيه؟
مريم بابتسامة لتداري كذبها: إيه يا سوسو، هفضلي تسأليني كتير كده؟ ده أنا حتى جعانة وميتة من الجوع، آكل بس وأحكيلك على كل حاجة.
سعاد بحزن على ابنتها التي يبدو عليها التعب: يا خبر يا حبيبتي، ثواني أحضر الأكل وناكل.
نظرت مريم على والدتها ، ثم فتحت حقيبتها لترى المال الذي بحوزتها فكان لا يتعدى خمسمائة جنيه.
مريم بدعاء: يا رب.. متحوجناش لحد يا رب.
ثم ذهبت لغرفتها لتبدل ملابسها وتؤدي صلاتها.
...
كان أدهم يتحدث بصرامة شديدة:
الصفقة دي مهمة جداً بالنسبة لمجموعتنا، مش عايز أي تقصير، مفهوم؟
نظروا إلى بعضهم وبصوت مضطرب:
مفهوم يا فندم، أي أوامر تانية؟
أدهم: لاء.. اتفضلوا.
وأحمد وهو يهم بالخروج من غرفة الاجتماعات مثلهم:
أدهم: ثواني يا أحمد، عايزك.
ثم ألقى إحدى المجلات أمامه.
أحمد بضيق: طب هو فين دلوقت؟
أدهم بنرفزه: الأستاذ قافل تليفونه! مش كفاية عليا فضايح أبوه، كمان فضايحه هو الي مبتخلصش!
أحمد بهدوء: طب أهدي بس أنت يا أدهم، وأنا هشوف الموضوع وأحله.
أدهم بضيق وهو يسند يديه على طاولة المكتب:
ـ ماشي يا أحمد، وياريت أول لما يوصل يجيلي مكتبي على طول.
نظر له أحمد بإشفاق وغادر.
أدهم: هنا لو سمحتي، هاتيلي قهوة..
ثم أرجع رأسه للوراء وبدأ يسترخي قليلاً لعله ينعم ببعض الهدوء...
...
ـ:اشتغل جرسونة؟!
قالتها مريم بصدمة , نظر لها المدير باستهجان:
ـ أومال عايزة تشتغلي إيه؟ أحمدي ربنا إنك لقيتي شغل أصلاً! لولا إن البنت اللي كانت بتشتغل هنا اتجوزت.. مكنتيش هتلاقي يا حلوة! هااا.. موافقة تمضي العقد سنة ولا..؟
يتبع بإذن الله غداً بفصل جديد❤️

تعليقات
إرسال تعليق