سأكتب_اسمكِ_على_الرمال الحلقه الثالثة بقلم الكاتبه سعاد محمد سلامه حصريه وجديده
على الشاطئ القريب.
كانت ميراج تسير بخطواتٍ رتيبة، تتطاير خصلات شعرها مع نسمات الخريف القادمة من البحر... توقفت عند إحدى الصخور القريبة من الشاطئ، وأغمضت عينيها، تسحب نفسًا عميقًا محملًا برائحة اليود والملح، ثم أطلقته ببطء... وكأن ذلك الزفير ينتزع من صدرها أثقالًا لم تستطع الكلمات وصفها...
شعرت أن كل شهيق يُعيد إليها جزءًا صغيرًا من روحها التي أنهكتها السنوات الخمس الماضية...
كأن لبحر الإسكندرية سحرًا لا يشبه أي بحر آخر؛ سحر لا يُرى بالعين، بل يُحس بالقلب.. مهما أثقلت الحياة روحها ، ومهما ازدحمت ذاكرتها بالخذلان، يكفي أن تقف أمام أمواجه حتى تشعر أنه يحتضن وجعها بصمت، ويهمس لها بأن كل العواصف، مهما طالت، لا بد أن يعقبها هدوء....روحها سكنت لحظات، ثم رفعت رأسها تنظر إلى الأفق البعيد الممتد بلا نهاية... كانت الأمواج تتصارع بعنف، ترتطم ببعضها ثم تندفع نحو الشاطئ في ثورة هادرة، تغمِر الرمال... قبل أن تتراجع منكسرة لتعود من جديد أكثر قوة...
راقبتها طويلًا، وابتسامة شاحبة ارتسمت على شفتيها...
كم يشبه البحر حياة البشر... معارك لا تنتهي، وانكسارات لا يراها أحد، ثم نهوض جديد وكأن شيئًا لم يكن...
همست لنفسها بصوت خافت، كأنها تخاطب البحر وحده:
حتى أنت... مش بتعرف الهدوء.
هبّت نسمة باردة، فاحتضنت ذراعيها، بينما بقيت عيناها معلقتين بالأفق، تنتظر شيئًا لا تعرف اسمه... أو ربما شخصًا لم تتوقف يومًا عن انتظاره...
واصلت سيرها بمحاذاة الشاطئ بخطوات هادئة، حتى توقفت دون أن تشعر... ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها وهي ترى طفلين يجلسان فوق الرمال، ينحنيان بحماس لكتابة كلمات ورسومات صغيرة بأصابعهما، ثم يبتعدان قليلًا وينتظران الموج القادم...
ما إن وصلت المياه حتى ابتلعت الكلمات ومحَتها تمامًا، فانفجرا ضاحكين، وسرعان ما عادا يكتبان غيرها، وكأن اختفاءها جزء من اللعبة...
راقبتهما بصمت، واتسعت ابتسامتها...
يا لبراءة الطفولة... يكتبون وهم يعلمون أن الموج سيمحو كل شيء، ثم يعاودون الكتابة دون خوف أو ندم...
أما نحن... فنقضي أعمارنا نحاول حماية كلمات كان ينبغي أن نتركها للبحر منذ زمن...
قبل أن تبتعد، تجمدت خطواتها، وخفتت ابتسامتها شيئًا فشيئًا...
اتسعت عيناها وهي تستعيد ذكرى بعيدة... ذكرى ظنت أن الزمن ابتلعها...
كانت يومًا ما في مثل هذا المكان، نفس بالبراءة ذاتها، تركض فوق الرمال وتكتب اسمً بخط كبير، ثم تنتظر... وحين تمتد الموجة وتمحو ما كتبته، كانت تعقد حاجبيها في ضيق، وتضرب الماء بقدميها الصغيرة وهي تتمتم بغضب:
ليه كل مرة تمسح الاسم اللى بكتبه.
فتضحك والدتها، وتربت على رأسها قائلة:
البحر مش بيمحي يا ميراج... البحر بيعلمنا إن في حاجات لازم نسيبها تروح.
وقتها لم تفهم معنى الكلمات، وكانت تعود لتكتب الاسم من جديد، متحدية الأمواج في كل مرة.
أما الآن...
فأدركت أن البحر كان ينتصر دائمًا، وأن بعض الأشياء، مهما تمسكنا بها، لا تبقى مكتوبة على رمال الحياة إلى الأبد.
قطع شرودها رنين هاتفها...
انتفضت على أثره، وأخرجت الهاتف من حقيبتها، ثم أجابت بعدما ظهر اسم المحامي على الشاشة.
أهلًا أستاذ...بعتذر عن ميعاد مقابلتنا النهاردة حصل...
جاءها صوته هادئًا يحمل نبرة عملية متفهمً: مساء الخير يا آنسة ميراج.. مش مشكلة أمر حضورك... أنا اتصلت عشان أبلغك أن البشمهندس أديم وافق على تنفيذ الوصية.
اتسعت عيناها، وشعرت بأن نبضات قلبها تعالت فجأة... بذهول سألت:
وافق.
أجابها بتأكيد:
أيوه بلغني بموافقته يا دوب قافل معايا المكالمة دلوقتي، وطلب البدء في الإجراءات القانونية فورًا... وإننا ننحدد ميعاد خلال الأيام الجاية.
أغمضت عينيها لثواني، وزفرت أنفاسًا طويلة، بينما انعكست على وجهها مشاعر متضاربة؛
تهمس لنفسها:
يعني كلامه معايا فى الأسانسير مكنش مجرد كلام عابر إنه إضايق لما شافني زي عادته. .. بس رغم كده أنا مستحيل أوافق على تنفيذ الوصية بتاع جدو نبيل.
أنهت المكالمة ببطء، وأبقت الهاتف بين يديها للحظات،تنفست بقوة ، ثم رفعت بصرها نحو البحر من جديد...
شعرت بغصة فى قلبها وهي تتذكر آخر حديث لها مع نبيل قبل يومين فقط من وفاته كأنها كانت وصية الوداع منه..
بالعودة لذلك اليوم
دلفت الى غرفة نبيل، ربما كان يظهر علي ملامحه سكرات الموت... كان على غير العادة يبدوا لا يتألم من المرض، وجهه مُضئ، تبسم حين دخلت عليه الغرفة تتفوه بدلال وعشم:
قالولى جدو نبيل النهاردة صحته كويسة وبيفكر يعزمني على أيس كريم عالبحر زي زمان.
ضحك بمودة لدرجة أنه سُعل، إقتربت منه سريعًا أعطته قناع الأوكسجين.. أخذه من يدها وضعه على أنفه لحظات حتي عاد يتنفس وهدأ السُعال... نظرت له بقلق قائلة:
أتصل على طنط درية تطلب الدكتور.
هز رأسه بنفي وأزاح عن وجهه القناع، تبسم وهو يرفع يده يُربت على يدها بوهن قائلًا:
مش بس بتشبيهها فى الملامح كمان فى القلب الخفيف.
نظرت له بإستفهام فأجابها:
"سراب" أختي كانت زيك كده قلبها عكوف، بس للآسف وقعت فى راجل كان زي الزمن مالوش أمان، ورث نفس الطباع لـ سليم إبنه.
غص قلب ميراچ قائلة:
ليه بتقول على بابا كده... بابا...
قاطعها نبيل:
بحمد ربنا إن ربنا مد فى عمري عشان أتمتع بلهفتك وقلقك عليا، كُنتِ وحشاني أوي، مكنش لازم أسكت وأسيبك تسافري وتبعدي بعيد عني، هتصدقيني لو قولت لك إنتِ عندي أغلى من أحفادي الإتنين.. "ريان، وأديم".
إنحنت على يده تُقبلها بقبول ومودة قائلة:
مكنش ينفع تكلمني وتقولى تعالى ومجيش يا جدو.
نظر لها وهو يرفع خصله من شعرها إنسدلت على وجهها قائلًا بعتاب وعشم:
كلمتك قبل كده، ومجتيش.
تلاقت عيناهم، عيناه هزمها قسوة المرض، عينها كانت دامعة بغصة، حقًا حدثها كثيرًا قبل ذلك كانت تتحجج بازدحام العمل، لكن هذه المرة صوته الذي ظهر به الوهن، كذالك حديث والدتها أنها علمت صدفة أن حالته الصحية متدهورة، خافت أن يرحل دون أن تودعه.. عادت فقط لأيام تراه وتعود تبتعد، تنزوي مع غُربتها..
صمت قطعه نبيل حين جذبها بوهن إقتربت برأسها من وجهها، شعرت بأنفاسه البطيئة وهو يضع قُبلة حنونة على جبينها، رفعت رأسها وتبسمت له، كانت جملة واحدة خرجت منه:
أوعديني يا ميراچ تنفذي وصيتي.
ضيقت عينيها بإستفهام وسألته:
وصية إيه يا جدو.
أجابها:
وصيتي الأخيرة هتعرفيها قريب هكون أنا رحلت و...
قاطعته وتدمعت عينيها وضعت يدها على فمه قائلة بأمنية يصعُب تحقيقها فلقد أهلكه المرض، لكن الأماني لا تعترف سوا بالنوايا...
إن شاء الله ربنا هيشفيك وتخف وتقوم تُقعد فى الجنينة بتاع الفيلا زي زمان وترفع عكازك وتقولى إنتِ مش هتدخلى جوه، وأنا أعاندك وأقولك هدخل يا راجل با عجوز وأعضك من إيدك زي زمان.
بقلب حنون تبسم لها، يشعر برقتها مازالت توجد بمكان خفي... هز رأسه فلقد زالت الأمنيات، وإنتهي وقتها، بقيت الوصايا ربما تُكفر من ذنوب الماضي...
عاود ضم رأسها لصدره وتقبيل جبهتها، بنفس الوقت إنفتح باب الغرفة، رفعت رأسها عنه نظرت نحو الباب سُرعان ما إختفت بسمتها وإنسئمت ملامحها، حين تفوه نبيل:
أهلًا يا أديم تعالي.
نظر أديم نحو ميراچ التى كانت جالسة على طرف الفراش شعر بغضب من ذلك، ربما ليس فقط الغضب بل المقت والإحتقار من ذلك، على يقين أنها منافقة وآفاقة، وهنالك سر لعودتها بهذا الوقت تحديدًا، بالتأكيد والدها ذلك المُتسلق أخبرها بتدهور صحة خاله، وهي خير من يستعطف قلب جده، طمعًا، لكن واهمة..
لو كانت النظرات تتحدث لتشاجر الإثنين الآن أمام نبيل، لكن رسمت بسمة ماقتة، كذالك هو قائلًا:
كنت جاي أطمن عليك.
إبتسم نبيل قائلًا:
أنا بخير من وقت ما شوفت ميراچ هنا تاني قلبي إرتاح.
رسم اديم إبتسامة صفراء صامتً، بينما ميراج تبسمت له بمودة وبتلقائية منها إقتربت من وجه نبيل وضعت قُبلة على وجنته وأتبعتها بدلال عفوي:
أنا كمان بحبك يا جدو، يلا كفاية بقي وأهزم المرض عشان نخرج سوا ونتمشي عالشط ونغني
"شط إسكندرية يا شط الهوى
رُحنا اسكندرية رمانا الهوى
يا دنيا هنية وليالي رضيّة
أحملها بعينيّ شط اسكندرية
شط اسكندرية يا شط الهوى
رُحنا اسكندرية رمانا الهوى
يا دنيا هنيّة وليالي رضيّة
أحملها بعينيّ شط اسكندرية
البحر ورياحه والفُلك الغريب
يحملها جراحه ويرحل في المغيب
البحر ورياحه والفُلك الغريب
يحملها جراحه ويرحل في المغيب
يتمهّل شوية ويتودّع شوية
وتعانق الميّة شط اسكندرية
شط اسكندرية يا شط الهوى
رُحنا اسكندرية رمانا الهوى
يا دنيا هنيّة وليالي رضية
أحملها بعينيا شط اسكندرية"
توقفت عن غناء الأغنية حين سعُل نبيل وتلفت عليه، ليس هي وحدها بل أديم أيضًا الذي إقترب منه رفع قناع الأوكسجين بنفس الوقت التي فعلت ميراچ ذلك، شعرت بيد أديم فوق يدها واليدان فوق القناع، ونظرة عيني نبيل تتبدل بينهما وهما ينظران لبعضهما، نظرة عيناه كانت كما إعتادت منه قاسية مثل وهج شمس حارق، هي كانت عينيها سوداء كـ ليل حالك...
سحبت يدها سريعًا.. نظرت لـ نبيل الذي مازال يسعُل... رغم مساعدة أديم وهو يُثبت القناع، حتي هدأ السُعال نظر لها... كأنها نظرة إتهام، تنحنحت قائلة:
لازم أمشي..
هسيبك ترتاح يا جدو وبكره هرجع تاني.
مسك نبيل يدها بوهن قائلًا بتقطع:
هستناكِ.
عادت بقبول وتلقائية تنحني على يده تقبلها وتحدثت بوعد:
من بدري هجيلك.
تبسم وهو يقول:
كان نفسي تفضلي هنا فى الڤيلا إنتِ حفيدتي..بس أنا عارف إن ريان هيسخف عليكِ ومش هتتحملي وتتخانقي معاه.
لمعت عينيها ببسمة ممزوجة بدموع...ليس ريان السبب أكيد،السبب قريب هو ذلك العصبي الذي لو ظلت أكثر قد يصفعها ويقول لها
كفى رياء ودلال باهت وإستعطاف لنيل نفحات من جده.
غادرت،بينما ظل أديم للحظات ينظر نحوها،نهض من جوار جده قائلًا:
نسيت حاجة،خمس دقايق وراجعلك يا جدي.
رغم مرض نبيل لكن على يقين أنه ذهب خلف ميراچ... وأمنية أخيرة يتمناها تكفيرًا عن حق الماضي.
بينما قبل أن تخرج ميراچ من الڤيلا توقفت حين سمعت صوت من خلفها...
_ميراچ هتمشي من غير ما تسلمي عليا.
إستدارت تبتسم ثم عادت خطوات وقفت تبتسم بتبرير قائلة
: طنط درية.. فكرتك مش هنا.
نظرت لها درية بعتاب قائلة:
هروح فين من وقت مرض عمي نبيل مش بخرج من البيت...كده كنت هتمشي، وأنا اللى كنت مستنية تجي تقعدي معايا شوية.
تبسمت ميراچ وكادت تستسلم وتجلس معها لكن رأت أديم ينزل على درج السلم،فتحججت:
وقت تاني يا طنط إنتِ عارفة ماما هي كمان تقولى إنتِ جاية تقضيها هنا وهنا وأنا مش مامتك ومن حقي تقعدي معايا، إنتِ عارفة إن أجازتي محدودة، أوعدك بكره هاجي بدري ونقعد وقت أطول مع بعض.
استسلمت درية قائلة:
تمام عشان خاطر لميس سلم لى عليها.
أومأت برأسها قائلة:
يوصل.
غادرت بينما أديم شعر بإرتياح من خروجها من المنزل يشعر بغضب من مودة من بالمنزل مع تلك المنافقة إبنة المُتسلق الطامع.
على صوت تنبيه هاتفها عادت من ذلك، تنهدت تنفض عن رأسها، داخلها قرار مازالت تصر عليه
"رفض تنفيذ الوصية"
لأول مرة تخلف قرار لـ نبيل لكن لو وافقت تكون كمن ألقي بنفسي وسط دوامة ساحقة.
❈-❈-❈
أيام مرت كان أديم على يقين أن ميراچ ستقبل بالوصية، نزعة الطمع بالتأكيد ستفوز، صمتها رغم معرفتها بموافقته على تنفيذ الوصية، لقائهم الأخير بالمصعد حديثه معها، ربما تنتظر الوقت الأخير فى المهله وتعطي قرار الموافقة
بينما هي على العكس كان قرارها محسوم بالرفض وها هي تُجهز نفسها للسفر مرة أخرى والابتعاد عن هنا، بقي قرار واحد أن تُخبر المحامي رفضها ويذهب نصيبها الى أديم، كما فى نص الوصية...
لكن
أثناء جلوسها مع لميس يتحدثان حول قرارها بالسفر ورفض الوصية ودعم لميس لها تفاجئن بـ سليم دخل عليهن، تعصبت لميس بغضب قائلة:
خير إيه جابك يا سليم.
رمقها سليم بنظرة طويلة قبل أن يقول بهدوءٍ يخفي توتره:
متبقيش بنتِ... وتهربي كل مرة أول ما الحياة تضغط عليكِ.
انعقد حاجبا ميراچ، بينما هبت لميس واقفة أمامها كأنها تحجبه عنها.
وأنا قلتلك قبل كده، ملكش دعوة بيها. اطلع بره.
لم يلتفت إليها، وظلت عيناه معلقتين بميراچ.
هتمشي... من غير ما تقولي للمحامي.. من غير حتى ما تواجهي نفسك.
أجابته ميراچ ببرود:
ده قرار يخصني.
تفوه سليم:
يخصك... بس نتيجته هتفضل معاكِ العمر كله.
ضحكت بسخرية قصيرة قائلة:
أيوه، وأنا متقبلة النتيجة.
اقترب خطوة، ثم قال بنبرة أكثر جدية عن قصد:
ولا متقبلة إنك تسيبي كل حاجة عشان تهربي من جبروت أديم.
اشتعلت عيناها غضبًا.
أنا مش بهرب من حد.. ولا بخاف من أديم أو غيره.
تدخلت لميس بانفعال تعلم أن لـ سليم غرض بالضغط على ميراج كي توافق على تنفيد الوصية قالت :
سليم... آخر مرة هقولها، اطلع بره.
رفع كفه إليها في هدوء.. طالبً:
دقيقة واحدة بس.
ثم عاد ينظر إلى ميراچ.
أنا جيت لأن المحامي كلمني. المهلة هتنتهي بعد أسبوع ولازم ياخد ردك النهائي.
تنهدت ميراچ وقالت بلا تردد:
يبقى بلغه إني رافضة.
ساد الصمت لثواني
حتى سليم بدا وكأنه لم يتوقع أن يسمعها بهذه السرعة...
عقد ذراعيه أمام صدره، ثم قال متفحصًا ملامحها:
فكرتِ كويس.
ردت بتأكيد:
أيوه فكرت، وخدت القرار.
سألها سليم:
عارفة إن بمجرد ما ترفضي... كل حاجة هتروح لأديم.
أومأت برأسها..
عارفة.
اعترض بسؤال:
ومش فارق معاكِ.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
عمري ما كان فارق معايا الفلوس.
نظر إليها طويلًا، كأنه يبحث عن أثر تردد فلم يجد.
في تلك اللحظة، همست لميس بفخر:
أهو... ده القرار اللي يريحها.
لكن سليم لم يشاركها الاطمئنان.
أخرج هاتفه من جيبه، ثم قال:
خلاص... هبلغ المحامي إنك هتحضري بنفسك توقعي على رفض تنفيذ الوصية.
أجابت بثبات:
هكون عنده بكرة الصبح.
أعاد الهاتف إلى جيبه، واتجه نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يخرج، واستدار إليها مرة أخيرة.
في حاجة واحدة بس... لازم تعرفيها.
رفعت ميراچ عينيها إليه باستغراب.
قال ببطء:
أديم.....
اتسعت عيناها للحظة، بينما تبادلت هي ولميس نظرة صامتة... في دهشة لم تستطعن إخفاءها.
❈-❈-❈
بعد أيام
بمكتب المحامي
نظر أديم الى ساعته، شعر بضجر من الانتظار، لكن داخله رغم غضبه من إخبار المحامي له بالأمس عن قبول ميراچ لتنفيذ بند الوصية،أي أنها لن تتنازل عن قيمة تلك الأسهم الذي خصها بها جده...
لكن داخله شعور آخر كان يرفض الاعتراف به.
شعور خفي بالغيظ منها..
على الأقل... لن ترحل...
مهما كان دافعها، طمعًا كما أقنع نفسه، أو رغبة في الاحتفاظ بالأسهم، فالنتيجة واحدة... ستبقى، وستُنفذ الوصية...
ابتسم بسخرية وهو يهز رأسه.. قائلًا:
في الآخر الفلوس بتكسب.
قطع أفكاره صوت المحامي وهو يغلق أحد الملفات.
أديم، ميراچ أكدت حضورها، أكيد مش هتتأخر.
رد بفتور:
أنا مستني.
لكن أصابعه التي كانت تنقر فوق ذراع المقعد كشفت ضيقه، وعيناه لم تتوقفا عن النظر نحو باب المكتب كل بضع ثواني
مرت دقائق أخرى...
وصلت ميراچ قبل لحظات..
أخبرها السكرتير أن أديم سبقها بدقائق، وينتظر بالداخل...
توقفت يدها فوق مقبض الباب للحظة.
لم تكن تخشاه... لكنها كانت تخشى المواجهة. فمنذ لقائهما باامصهد، لم يجمعهما مكان واحد، وكل ما بينهما لم يتجاوز كلماتٍ مقتضبة عبر المحامي...
دفعت الباب أخيرًا...
ثم انفتح الباب....
رفع أديم رأسه بسرعة، واتجهت عيناه نحو الداخل...
دخلت بخطوات هادئة،
تلاقت عيناهما..
لم تبتسم...
ولم يفعل هو...
ساد صمت ثقيل، قطعه المحامي وهو يقف يرحب بها:
مرحبًا أستاذة ميراچ.
أومأت برأسها ثم
أغلقت باب مكتب المحامي خلفها، وأطلقت زفرةً طويلة حاولت بها تهدئة اضطرابها...
بينما أديم
كان يقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، يعقد إحدى يديه خلف ظهره، بينما تستقر الأخرى داخل جيب سرواله... التفت على صوت الباب، فاستقرت عيناه عليها في هدوءٍ بارد.
لم ينطق أيً منهما...
ثوانٍ مرت ثقيلة، حتى قطع المحامي الصمت وهو ينهض من مقعده.
قائلًا:
وصل لى موافقتكم إنتم الاتنين على تنفيذ وصية الحاج نبيل.
أومأ أديم برأسه دون أن يحيد ببصره عنها، بينما جلست ميراج في المقعد المقابل، تحاول تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي انتابها تحت نظراته الثابتة.
فتح المحامي الملف الموضوع أمامه، ثم قال بنبرة رسمية:
بعد موافقتكم ، أصبح تنفيذ الوصية ممكن لكن فى بند أخير اشترط المرحوم إنكم تعرفوه قبل التوقيع على أي مستند.
انعقد حاجبا أديم... سائلًا:
بند آخر.
أجابه المحامي:
أيوه، هو مش بند، هو رساله خاصة.
أخرج المحامي ظرفًا بنيًا سميكًا، ما زال مختومًا بالشمع الأحمر... قائلًا:
المرحوم وصاني صراحة أن الظرف ده ميتفتحش غير بعد موافقتكم أديم، ويكوت في حضوركم مع بعض.
انتقلت نظرات ميراج إلى الظرف، ثم إلى أديم.
أما هو، فظل يحدق في الظرف للحظات، قبل أن يقول ببرود:
تمام افتحه.
هز المحامي رأسه، وأزال الختم بحذر، ثم أخرج ورقة مطوية بخط اليد.
ساد الصمت في الغرفة.
بدأ يقرأ:
"إذا وصلتما إلى هذه اللحظة، فهذا يعني أن أول اختبار قد نجح... لأن موافقة أحدكما لم تكن تكفي، بل كنت أريد أن أعرف إن كان كل منكما سيحترم كلمتي، حتى وهو لا يعلم ما ينتظره بعدها."
ارتفعت أنظار ميراج نحو أديم في الوقت نفسه الذي التقت فيه عيناه بعينيها.
وأكمل المحامي القراءة:
"أما الاختبار الحقيقي... فيبدأ الآن."
ساد صمتٌ ثقيل داخل المكتب...
حتى صوت عقارب الساعة بدا أوضح من المعتاد...
تنحنح المحامي وأكمل قراءة الرسالة:
"أعرف أن كلاً منكما يحمل في قلبه ما يكفي من الأسباب ليرفض الآخر... وربما ما يكفي من الغضب أيضًا.. لكنني لم أكتب وصيتي لأجمع بين شخصين، بل لأُنقذ إرثًا بنيته طوال عمري."
تبادل أديم وميراج نظرة خاطفة، سرعان ما قطعاها.
واصل المحامي:
"منذ هذه اللحظة، تصبح ميراج شريكًا رسميًا في تنفيذ الوصية، ويصبح أديم المسؤول الأول عن إدارة المجموعة.. ولا يملك أيً منكما حق الانفراد بأي قرار يخص ممتلكاتي أو شركاتي خلال مدة تنفيذ الوصية."
تصلبت ملامح أديم..سائلًا:.
يعني إيه؟.
رفع المحامي الورقة قليلًا وأجاب:
هكمل بقية الرسالة...
"مدة تنفيذ الوصية اثتناشر شهر كاملة. وخلال هذه المدة، تُتخذ جميع القرارات الجوهرية بتوقيعكم الثلاثة معًا... وإذا امتنع أحدكما عن التعاون، تُجمد إجراءات نقل الملكية، ويذهب نسبة الطرف المخطئ للآخر.
ضرب أديم المكتب بطرف أصابعه في ضيق.
يعني إيه... مقدرش أخد أي قرار دون موافقتها.
أغلق المحامي الرسالة ووضعها أمامه.
ده اللى نصت عليه الوصية بالحرف.
التفت أديم إلى ميراج، وقال بنبرة لم تخلُ من الحدة:
واضح أن جدي كان بيحب تعقيد الأمور.
رفعت ميراج رأسها بثبات... قائلة:
أو يمكن كان على يقين أننا لو سابنا لاختياراتنا، مكناش قعدنا فى أوضة واحدة زي دلوقتي.
لم يرد.
كانت محقة... وهذا ما زاده ضيقًا...
فتح المحامي ملفًا آخر، وأخرج مستندًا جديدًا... قائلًا:
فى أمر أخير.
نظر إليه الاثنان في وقت واحد.
قال بهدوء:
اعتبارًا من وقت تنفيذ الوصية الآنسة ميراج هتجي تشتغل هنا فى المقر الرئيسي لمجموعة وهيكون لها صلاحية الاطلاع على جميع الملفات المتعلقة بالوصية، وسيكون مكتبها... بجوار مكتب المهندس أديم مباشرة.
ساد صمتٌ ثقيل.
رمشت ميراج ببطء، وكأنها لم تستوعب ما سمعته...
أما أديم، فأطلق ضحكة قصيرة ساخرة، ثم مرر يده على ذقنه وقال:
واضح أن جدي مسابش وسيلة إلا وأجبرنا بها على تحمل وجود بعضنا.
أغلق المحامي الملف، ثم قال بحزم:
دي وصية واجبة التنفيذ.
دفع أديم مقعده إلى الخلف، ونهض واقفًا...
التقط سترته دون أن ينظر إلى أحد، ثم قال وهو يتجه نحو الباب:
وأنا هلتزم بالوصية.
بقيت ميراج جالسة تنظر إلى المحامي الذي ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
أظن أن الأشهر الجايه مش، هتكون سهلة عليكم... مضطر أسيبكم مع بعض دقايق.
ابتلعت ريقها وهي تشعر بتوتر من وجودهما معًا وحدهما لكن أظهرت الثبات..كذالك لديها شعور داخلى بأن الحياة الهادئة التي عرفتها انتهت بالفعل... وأن الغد سيكون بداية فصل جديد، لا تعرف إن كان سيحمل لها النجاة... أم معركة أخرى.
بينما لم يتحمل أديم بقاىهما معًا وكاد يخرج لكن ما إن مسك بمقبض الباب توقفت يده..ثم...
استدار ببطء، واستقرت عيناه على ميراج...
كانت نظرة طويلة... باردة... لكنها تحمل وعيدًا صامتًا، كأنها تخبرها أن ما حدث اليوم لن يمر دون حساب...
اقترب منها بخطوات ثابتة، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافة قصيرة.
قال بصوت منخفض، لكنه حاد:
لو فاكرة إن الوصية دي هتفرض وجودك في حياتي... تبقي غلطانة.
رفعت ميراج عينيها إليه في هدوء، وكأن كلماته لم تهز فيها شيئًا...
لم تتراجع خطوة...
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت ببرود:
اطمن... آخر حاجة ممكن أتمناها إني أبقى جزء من حياتك.
ضاقت عيناه.. قائلًا:
يبقى خليكِ في حالك، ومتقفليش فى طريق.
ابتسمت بسخرية خفيفة قائلة:
الطريق مش ملكك يا أديم... ولو القدر حكم إننا نمشي فيه سوا، دي مشكلتك زي ما هي مشكلتي.
اشتد فكه، واقترب منها أكثر قائلًا:.
أنصحك متختبريش صبري.
رفعت حاجبها وقالت بثبات:
وأنا أنصحك متفكرش إن كل الناس بتخاف منك.
ساد الصمت للحظات..
ظل أديم يحدق فيها، ثم ابتسم ابتسامة باردة وقال:
هنشوف... مين فينا هيستحمل التاني أكتر.
أجابته دون أن ترمش:
أنا مش داخلة منافسة معاك... أنا جاية أنفذ وصية جدي وبس.
مال برأسه قليلًا وهو يرمقها بنظرة حادة.
متفرحيش أوي... وجودك في الشركة هيكون أصعب فترة في حياتك.
ابتسمت ابتسامة واثقة... قائلة:
يبقى حاول متتعبش نفسك... لأنك مش هتقدر تخليني أمشي.
اشتعلت عيناه بالغضب، لكنه اكتفى بأن قال:
الأيام بينا.
ردت بهدوء وهي تحمل حقيبتها:
فعلًا... الأيام بينا.
استدار بعنف، وفتح الباب بنفس الوقت عاد المحامي ينظر لهما، ثم قال وهو يزفر:
واضح إن تنفيذ الوصية مش هيكون سهل.
ابتسمت ميراج ابتسامة هادئة وقالت:
عمر الحاجة الصح ما كانت سهلة.
تنحنح المحامي وهو يغلق الملف أمامه، ثم نظر إلى أديم وميراج بالتبادل... قائلًا:
فيه نقطة أخيرة يا جماعة... بما إنكم وافقتوا على تنفيذ الوصية، يبقى لازم تتفقوا على معاد كتب الكتاب والزفاف، علشان نبدأ باقي الإجراءات القانونية.
ساد الصمت...
ثم خرجت من أديم ضحكة ساخرة قصيرة، هز بها رأسه وهو ينظر للمحامي وكأنه سمع نكتة.
زفاف؟!... إنت أكيد بتهزر.
اعتدل في وقفته، ثم أردف بتهكم واضح:
كفاية أوي كتب الكتاب... إنما فرح وزفة وكلام من ده لأ طبعًا.
التفت إلى ميراج بطرف عينه، ثم أكمل ببرود مستفز:
وعلى فكرة... ممكن نختصر الموضوع كله ونعمله في بيت المأذون. عشر دقايق ونخلص، بدل الشو الإعلامي اللي مالوش لازمة.
ظل وجه ميراج ساكنًا، وكأن كلماته لم تمسها، ثم قالت بهدوء:
وأنا أصلًا مش فارق معايا الفرح.
رفع حاجبه باستغراب.
فأكملت وهي تنظر إليه مباشرة:
لأن الجواز ده بالنسبة لي تنفيذ وصية... مش حلم عمر.
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه..قائلًا:.
أخيرًا اتفقنا على حاجة.
ردت دون أن تهتز:
بس فيه فرق بين إننا نختصر مراسم ملهاش لازمة... وبين إننا نقلل من احترام وصية جدي.
تدخل المحامي سريعًا قبل أن يتصاعد النقاش.
المرحوم موضح في الوصية إن عقد القران لازم يتم بصورة قانونية ومعلنة، أما حفل الزفاف فمتروك لاتفاقكما.
نظر إليه أديم وقال بلهجة حاسمة:
يبقى مفيش زفاف... كتب كتاب بحضور الشهود وخلاص.
التفت المحامي إلى ميراج قائلًا:
ورأيك يا آنسة ميراج؟.
أجابت بعد لحظة صمت:
معنديش اعتراض... لكن كتب الكتاب هيكون في بيت والدتي... مش في بيت المأذون زي ما الأستاذ أديم اتفضل وقال.
نظر إليها أديم باستهزاء.
هو إنتِ داخلة تتجوزي... ولا داخلة تعملي مؤتمر صحفي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بثقة:
لا ده ولا ده... بس واضح إنك مستعجل تخلص، وأنا مش بحب أخلص أي حاجة بدون ترتيب.
للمرة الأولى... لم يجد أديم ردًا سريعًا.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال من بين أسنانه:
أسبوع... وبعدها يتم كتب الكتاب.
أغلق المحامي الملف وهو يبتسم براحة.
ممتاز... يبقى أعتبر ده اتفاق مبدئي، وأنا هبدأ في الإجراءات.
وقف المحامي يجمع الأوراق بعناية، ثم قال وهو يضعها داخل الملف:
خلال هبدأ فى إجراءات تسليم الميراث... .
أومأ أديم دون اهتمام، قائلًا!
تمام... لو خلصنا... أنا ماشي.
اوقفه المحامي:
لو سمحت يا أديم.
التفت إليه بنفاد صبر.. قائلًا:
خير.
ناوله المحامي ظرفًا صغيرًا.
فى نص مهم فى الوصية بتنص إنكم تقيموا مع بعض فى مكان واحد فيها طول مدة تنفيذ الوصية.
نظر أديم له ثم أطلق ضحكة ساخرة... قائلًا باستهزاء:
لأ... كده كتير.
رفع عينيه إلى المحامي وقال بحدة:
يعني هتجوزها غصب عني... وأعيش معاها كمان.
أجابه المحامي بهدوء:
دي رغبة المرحوم.
اشتعلت عيناه.
أشار بإصبعه نحوها. قائلًا:
اسمعيني كويس... أنا موافق على الوصية عشان خاطر جدي وبس، إنما متفكريش لحظة إن وجودك هيفرض عليا أي علاقة بينا.
أجابته دون أن يتغير صوتها:
متقلقش... لو في حد نفسه العلاقة دي تفضل في حدود الورق، فهو أنا.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم ابتسم ابتسامة باردة.
كويس... يبقى اتفقنا...
مرحب بيكِ في..... "جحيم الوصية"
«يتبع»
للحكاية بقية


تعليقات
إرسال تعليق